أثر الحكم الجنائي على الدعوى المدنية


                  أثر الحكم الجنائي على الدعوى المدنية

 

تستمد قيمة الحكم القضائي الذي يعتبر خلاصة عمل وجهد القاضي في استصدار حكمه على الواقعة المعروضة عليه، إذ من خلال بحثه للوقائع وتكييفها، تم تحديد النصوص القانونية الواجبة التطبيق على الشخص، حيث تستمد من مدى التسليم الواجب له، والاحترام اللازم، وهو قدر مشترك يجب أداءه من القضاء والخصوم على السواء بترك تجديد البحث فيما قضى به، وترك المنازعة.
فالحكم القضائي: يقصد به القرار الصادر من محكمة مشكلة تشكيلاً صحيحاً، ومختصة في خصومة رفعت إليها؛ وفقا للقواعد الإجرائية سواء كان صادراً في
موضوع الخصومة، أم في شق منها، أم في مسألة متفرعة عنها كالقرار الذي يفصل في منازعة معينة أثناء سير الخصومة، أو ينهي هذه الخصومة، أو يفصل في المسائل الإجرائية أو الموضوعية قبل إنهاء الخصومة؛ فيعد حكماً قضائياً، كما أن الحكم ينشأ بمجرد النطق به وأمّا تحريره وتوقيعه فهو مجرد دليل إثبات على صدور الحكم بمضمون معين.
من خلال استقرائنا للمادة 417 من الإجراءات الجنائية التي تنص علي ( يكون الحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو الإدانة قوة الشي المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعاوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة، وبوصفها القانوني ونسبتها إلى الفاعل، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة إذا بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنيا على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون”.) ، فإن الحكم الجنائي له سيادة على الدعوى المدنية، فأي حكم جنائي صادر من محكمة جنائية يعلو على غيره من الأحكام الأخرى؛ نظرًا لمكانة الحكم الجنائي، وارتباطه بالحقوق والحريات الفردية، وتعلقه بالأرواح، مما استلزم نظاماً عاماً يصون الأحكام الجنائية من أي عبث أو مخالفة.
وفق المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية ، إن للأحكام الجنائية الصادرة بالبراءة حجية تقيد المحكمة المدنية؛ متي كان هذا الحكم مبنياً على عدم كفاية الأدلة، أو كان الفعل المرتكب غير معاقب عليه، أو وجدت عوامل الإباحة في الفعل المرتكب، أو انقضت الدعوى الجنائية.
تطبيقاً لذلك قضت المحكمة العليا في الحكم الجنائي بالبراءة على أساس انتفاء التهمة، أو عدم كفاية الدليل القضاء بالتعويض من المحكمة المدنية استناداً إلى ثبوت الخطأ دون البحث في أساس حكم البراءة، جاء في المادة 394 من القانون المدني التي تنص على أنه ” لا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجنائي إلا في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم وكان فصله فيها ضرورياً “وإن المادة 417 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن ” يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية في الدعوى التي لم يكن قد فصل فيها نهائياً، فيما يتعلق بوقوع الجريمة، ووصفها القانوني، ونسبتها إلى فاعلها، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة إذا كان مبيناً على انتقاء التهمة، أو عدم كفاية الأدلة”.
المحكمة العليا الليبية، طعن جنائي رقم 35 / 10 / ،تاريخ الطعن 15 / 1 /1990م، ص 91.
ولا يكون له هذه القوة إذا كان مبيناً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون “فإن مؤدى هذين النصين أنه: إذا صدر حكم جنائي بالبراءة على أساس انتفاء التهمة، أو عدم كفاية الأدلة، فإن هذا الحكم يكون له قوة الشيء المحكوم به أمام المحاكم المدنية، ويلتزم القاضي المدني به في الوقائع التي فصل فيها هذا الحكم إذا كان فصله فيها ضرورياً، مما يقضي من المحكمة المدنية أن تتحقق مما إذا كان حكم البراءة مؤسساً على انتفاء التهمة، أو عدم كفاية الدليل فتلزم به، أو على غير ذلك من الأسباب التي لا تحول دون البحث في قيام الخطأ المدني، أو انتفائه وكان قد تبين من مدونات الحكم المطعون فيه: أنه قضى للمطعون ضدهم بالتعويض؛ استناداً على ثبوت الخطأ في حق المؤمن له، دون البحث في أساس حكم البراءة على التفصيل السابق، فإنه يكون مشوباً بالقصور في التسبيب بما يتعين معه نقضه دون حاجة إلى مناقشة باقي أسباب الطعن”.
“المحكمة العليا الليبية، طعن جنائي، رقم الطعن ق 44 / 62، تاريخ الطعن 2 / 11 / 2002م”.
وفي هذا الصدد قضت المحكمة العليا الليبية في حكم لها بأن: “في انتفاء المسؤولية عن الزوج الذي يضرب زوجته في الحدود المعقولة تأديباً لها لا يرجع إلى انتفاء القصد الجنائي عنده لسلامة نيته بل يرجع إلى الإباحة القانونية المنصوص عليها في المادة 14 من قانون العقوبات الليبي التي تقضي بأنه ” لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة، فإذا تجاوز الزوج حدود التأديب المباح عليه العقاب المقرر للجريمة الضرب أو الإيذاء”.
المحكمة العليا الليبية، طعن جنائي، رقم 24 / 300، تاريخ الطعن 29 / 11 / 1977، ص 243.
وهذا مما سبق يتضح عند تناولنا لموضوع حجية الحكم الجنائي، فإن القاضي المدني ليس ملزماً بكل ما جاء به الحكم الجنائي، وإنما يكون مقيداً فقط فيما يتعلق بالجزئيات التي اكتسبت قوة الشي المحكوم به، أمّا ما يتعدى ذلك من أجزاء الحكم الجنائي التي لم تكتسب الحجية فيكون للقاضي المدني أن يخرج عن أسباب الحكم الجنائي، ووقائعه غير الضرورية، وبالتالي فإن أي حكم جنائي يصدر بالإدانة من محكمة الموضوع يكون ملزماً للقاضي المدني وخاصة فيما ما أورده قانون الإجراءات الجنائية في المادة 417 ، فيما يتعلق بوقوع الجريمة، وبوصفها القانوني، ونسبتها إلى الفاعل.
ولكن ثمة تساؤل يثور في ذهننا هل القرارات، أو التصرفات الصادرة من النيابة العامة أو قاضي التحقيق سواء بالإحالة للمحكمة المختصة، أو بالأمر بالا وجه لإقامة الدعوى لها أثر أو حجية أمام القضاء المدني
الأصل أن حجية الأمر المقضي لا ترد إلا على منطوق الحكم، وعلى ما يكون من الأسباب مرتبطاً بالمنطوق ارتباطاً وثيقاً، دون الأسباب التي تكون المحكمة قد عرضت فيها إلى مسألة لم تكن بحاجة إليها للفصل في الدعاوى، أمّا أسباب الحكم: وهي الأسانيد التي يقوم عليها المنطوق من ناحيته القانونية والموضوعية، وهي التي أوجب القانون صراحة أن يشتمل الحكم عليها ، فلا تكون لها في الأصل حجية الأمر المقضي، غير أن هناك من الأسباب ما تكون له الحجية، وهي الأسباب التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنطوق الحكم، تحدد معناه أو تكمله بحيث لا يقوم المنطوق بدون هذه الأسباب، بحيث إذا عزل عنها صار مبهماً أو ناقصاً، أمّا إذا كانت المحكمة قد عرضت تَزَيٌداً في بعض أسباب الحكم إلى مسألة خارجة عن حدود النزاع المطروح عليها، أو لم تكن بحاجة إليها للفصل في الدعوى؛ فإن ما عرضت له من ذلك في أسباب حكمها لا تكون له حجية الأمر المقضي، أمّا وقائع الدعوى فهي في الأصل لا حجية لها في دعوى أخرى، وإنما هي حجة بما جاء في الدعوى نفسها.
فمن خلال ذلك فإن الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة تكون ملزمة للقاضي المدني فيما يتعلق بوقوع الجريمة، وبوصفها القانوني، ونسبتها للمتهم 417 ، فإذا قضت المحكمة الجنائية بإدانة المتهم عن التهمة المسندة إليه، وأن الفعل يكون جريمة للمتهم، فلا يجوز للقاضي المدني في هذه الحالة أن يعيد المحاكمة للبحث في شيء من ذلك، وذلك لأن الحكم الجنائي يسري على المدني، فيما يتعلق بوقوع الجريمة، التي يكون الأساس المشترك لدعوى الحق العام والخاص، وإذا ما رفع المدعي دعواه المدنية إلى القاضي المدني الذي له سلطة الحكم بالتعويض، فإنه يعفى من اثبات هذين الأمرين، وكل ما يجب على القاضي أن يثبت بأن التعويض الذي يطلبه المدعي يتناسب مع الضرر الذي لحق به من جراء هذه الجريمة.
وعلى ذلك فإن الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة، والتي لها قوة الشي المحكوم به أمام القضاء المدني يجب أن يكون لها أساسها ذات الفعل موضوع الدعوى، وذلك من أجل منع التناقض بين الحكمين ( الجنائي – المدني ).

                                                                                                                                             septimius.ly


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...