إدارة تضارب الـمـصـالـح في التشريع الوطني بين المقاربة الوقائية والزجرية.


إدارة تضارب الـمـصـالـح في التشريع الوطني

بين المقاربة الوقائية والزجرية

 

 

بدر اسريفي

دكتور في العلوم القانونية

أستاذ زائر بكلية الحقوق اكدال، جامعة محمد الخامس/ الرباط.

مقدمة:

إن بنية المجتمعات البشرية عموما تقوم على أساس تبادل المصالح، لكن هذا التبادل لا يكتسي دائما طابع الشرعية، بل قد يكون متأثرا بعوامل تحقيق المصلحة الشخصية الناتجة عن المحاباة والمحسوبية، أو العلاقات العائلية، أو السياسية، أو الاقتصادية…، هذا ما قد ينطبق على الموظف العمومي أو من في حكمه، أو كل من يشتغل غي القطاع الخاص، والذي قد تتضارب مصالحه الشخصية مع ما يفرضه عليه واجبه الوظيفي، فتتأثر قراراته وفقا لهذا التضارب. أضحى اليوم موضوع معالجة تنازع المصالح يستأثر باهتمام مختلف المتدخلين، الفاعلين والمهتمين بقضايا مكافحة الفساد، الذي يبقى تحديا حقيقيا يعيق تقدم الدول قاطبة، وخاصة الدول النامية. والفساد بكونه إساءة لاستعمال السلطة من أجل تحقيق فائدة شخصية، ويتخذ عدة أشكال وتمظهرات، تنطلق من تضارب أو تنازع المصالح ليترتب مرورا بالرشوة أو استغلال النفوذ أو العذر، غسل الأموال… وصولا لتحقق الإثراء غير المشروع. من هنا تبرز أهمية مكافحة – تضارب المصالح- كنقطة انطلاق في مكافحة الفساد بشكل عام. وفيما بتعلق بمفهوم تضارب المصالح يمكن القول أنه لا يوجد تعريف موحد ومتفق، وبالتالي يختلف هذا التعريف حسب خصوصيات النظام القانوني لكل دولة، وذلك راجع بالأساس لصعوبة تحديد حالاته بدقة، ويعتبر تعريف الذي اعتمدته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الأكثر شمولا واتساعا لتضارب المصالح، إذ يشمل هذا التعريف الحالات التي يكون فيها تعارض المصالح فعليا، وكذلك حالات تعارض المصالح الظاهري أو الاحتمالي().

وبالرجوع إلى الترسانة التشريعية الوطنية نجدها قد عملت في مجموعة من نصوصها على منع ومكافحة بعض مظاهر تنازع المصالح الذي يتمظهر في عدة وضعيات، سواء في القطاعين العام أو الخاص. وقد نص دستور 2011م بشكل صريح على مكافحة هذا الشكل من أشكال الفساد الإداري، وان كانت الصيغة التي جاء بها حسب الفصل 36 تثير جملة من الإشكالات المرتبطة بمكافحة تنازع المصالح، فهل استعمال المشرع الدستوري لكلمة المخالفات يقصد من خلالها ضرورة تجريم تنازع المصالح؟ وإن كان الجواب بالإيجاب، ألا يمكن اعتبار أن خطورة هذا الفعل تستلزم اعتباره أكثر من مخالفة بمنطق القانون الجنائي وبالتالي ضرورة اعتباره جنحة أو جناية؟ ألا يتعارض تجريم تنازع المصالح مع مبدأ الشرعية الجنائية لصعوبة التحديد الدقيق لمختلف لحالاته ووضعياته؟

ثم أي المقاربات أنجع لتحجيم مظاهر تضارب المصالح، هل المقاربة الوقائية أم الزجرية؟ أم هما معا؟

للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، وانطلاقا من كون أن الوقاية اسبق من الزجر، سأعتمد التقسيم التالي:  

المبحث الأول: المقاربة الوقائية لمكافحة تضارب المصالح.

      المبحث الثاني: المقاربة الزجرية لمكافحة تضارب المصالح.

المبحث الأول: المقاربة الوقائية لمكافحة تضارب المصالح.

في إطار هذا المبحث سيتم تناول المقاربة الوقائية التي اعتمدها المشرع المغربي لمكافحة تضارب المصالح، سواء في القطاع العام (المطلب الأول)، أو في القطاع الخاص (المطلب الثاني).

المطلب الأول: نظام المنع والتنافي في القطاع العام:

يشكل نظام المنع والتنافي آلية أساسية للوقاية ومحاولة تحجيم تنازع المصالح، وفي هذا الإطار سنحاول جرد بعض النصوص القانونية التي تؤطر هذه الآليات سواء في بالنسبة للموظف العمومي أو من في حكمه (الفقرة الأولى)، أو بالنسبة للمشتغلين بالقطاع الخاص (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى:  حالات التنافي الخاصة بالموظف العمومي أو من في حكمه.

بالرجوع للترسانة التشريعية الوطنية نجدها قد وضعت جملة الضوابط القانونية للحد من تنازع المصالح. فعلى مستوى النظام الأساسي للوظيفة العمومية يحضر على الموظف العمومي ممارسة أي نشاط حر أو في إطار القطاع الخاص، أو ممارسة المهن الحرة. كما يحضر عليه مزاولة الأنشطة (بشكل مباشر أو غير مباشر) في أية مقاولة خاضعة لمراقبة الإدارة التي ينتمي إليها. كما يبقى الموظف ملزم بالتصريح بالمهنة الحرة أو النشاط الاعتيادي الذي يزاوله زوج الموظف لإدارته. كما أنه بالرجوع للأنظمة الأساسية لبعض الفئات من الموظفين نجدها تحدد عددا من النصوص التشريعية التي تتغيى حصر وضعيات تضارب المصالح.

الفقرة الثانية: حالات التنافي الخاصة بمن يأخذ حكم الموظف العمومي.

على مستوى المجال السياسي نجد عددا من النصوص تعالج حالات تضارب المصالح. فالنسبة لأعضاء الحكومة وأعضاء دواوينهم، نجد أن المهام الحكومية تتنافى مع العضوية في مجلسي البرلمان، المسؤولية في المؤسسات العمومية والمقاولات العمومية، رئاسة مجلس الجهة….. أما بالنسبة لأعضاء مجلسي النواب والمستشرين فيقوم التنافي بين مهامهم النيابية وبين مزاولة أية وظيفة عمومية غير انتخابية في المرافق العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية….. أما بالنسبة لمنتخبي الجماعات الترابية فالمواد من 79 إلى 83 تحدد التنافي في انتداب عضو مجلس الجهة مع مهام صاحب امتياز في مرافق عمومية جهوية أو مدير لها أو مقاول فيها، كما قد يعزل أي مستشار جماعي حسب المادة 65 ” إذا أقام مصالح خاصة مع الجماعة التي يكون عضوا بها أو أبرم معها تصرفات أو عقودا للكراء أو التملك أو المعاوضة وكل معاملة تهم الجماعة أو يعقد معها صفقات للأشغال أو التوريد أو الخدمات أو يبرم معها عقود امتياز أو تسيير أو كل شكل من أشكال تدبير المرافق العمومية الجماعية، أو أن يمارس بصفة عامة كل نشاط يؤدي إلى تضارب المصالح سواء بصفة شخصية أو بصفته مساهما أو وكيلا من غيره أو لفائدة أصوله أو فروعه”.  كما حدد المشرع حالات تنازع المصالح بالنسبة لأعضاء المحكمة الدستورية.  

المطلب الثاني: أنظمة المنع والتنافي في القطاع الخاص:

أوجد المشرع عدة نصوص تتغيى مكافحة تضارب المصالح في القطاع الخاص، خاصة على مستوى على مستوى المعاملات التجارية و المؤسسات المالية والمصرفية (الفقرة الأولى)، أو على مستوى المهن الحرة ومؤسسات الحكامة الجيدة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: على مستوى المعاملات التجارية و المؤسسات المالية والمصرفية.

تحضر مجموعة من النصوص القانونية المتعلقة بالشركات التجارية حالات تنازع المصالح، وذلك عبر تحديد حالات التنافي الخاصة بمسيري الشركات والاتفاقيات المنظمة، فعلى مستوى قانون شركة المساهمة نجد عدة مقتضيات خاصة بالمنع والتنافي. كما نجد عدة نصوص  تحد من حالات تنازع المصالح بمدونة التجارة، قانون حماية المستهلك، قانون البورصة، مجلس القيم المنقولة، بنك المغرب

الفقرة الثانية: على مستوى المهن الحرة ومؤسسات الحكامة الجيدة.

وبالرجوع إلى الأنظمة الخاصة بجل المهن الحرة نجدها تنص على حالات للتنافي لغاية مكافحة تضارب المصالح. وفي هذا الإطار نستشهد كأمثلة بالنظام الخاص بمهنة المحاماة بحيث تتنافى ممارسة هذه المهنة مع كل ما من شأنه المساس باستقلالية المحامي، ومنع المحامين الشركاء في شركة مهنية للمحاماة من تمثيل أطراف لها مصالح متعارضة. كما تتعارض خطة العدالة مع ممارسة الوظيفة العمومية، وممارسة المهن الحرة الأخرى، وممارسة الأنشطة التجارية. وهو ما نجده على مستوى ممارسة المهن الطبية.

وبخصوص مؤسسات الحكامة الجيدة يلزم المشرع أعضاء مجلس المنافسة بالتصريح بالمصالح التي يتوفرون عليها وأنشطتهم الاقتصادية، وامتناعهم عن إعطاء أرائهم في القضايا التي تكون لهم فيها مصالح. كما يحضر أعضاء المجلس الوطني لحقوق الإنسان من اتخاذ أي موقف أو القيام بأي تصرف يمس باستقلاليتهم، وأيضا المسؤولين والعاملين بمؤسسة الوسيط.

المبحث الثاني: المقاربة الزجرية لمكافحة تضارب المصالح.

في اطار هذا البحث سنتناول بعض أشكال وحالات تضارب المصالح التي جرمها المشرع المغربي، وهي جريمة تحصيل المنافع غير القانونية التي يرتكبها الموظف العمومي أو من في حكمه (المطلب الأول)، وجرمتي استغلال أموال الشركة بسوء نية، واستغلال وتسريب المعلومات (المطلب الثاني).  

المطلب الأول: جريمة تضارب المصالح في القطاع العام.

في إطار هذا المطلب سنتناول مفهوم الجريمة في (الفقرة الأولى)، وفي (الفقرة الثانية) سنتحدث عن الجزاء الخاص بها.

الفقرة الأولى: جريمة تحصيل منافع غير قانونية

باستقرائنا للمادتين 245 و 246 من القانون الجنائي، نجد أن جريمة  تحصيل منافع غير قانونية تبقى المدخل الأساسي للمقاربة الزجرية التي اعتمدها المشرع المغربي لمكافحة تضارب المصالح على مستوى القطاع العام. فهذه الجريمة تقوم على تجريم حصول الموظف العمومي أو من في حكمه على منافع أو مصالح ترتبط بالأعمال التي كلف بإدارتها أو القيام بمراقبتها. وتتحقق الجريمة أيضا إما بشكل مباشر، أو عن طريق عمليات صورية أو بواسطة الغير، كما أن تغيير نوع مصدر (في إطار مقاولة تجارية، تصرف قانوني منعزل…) الذي يتحصل من خلاله الموظف على المنافع أو المصالح الشخصية تبقى معه الجريمة قائمة.  وتتحقق المصلحة حسب الفصل 245 بمجرد ارتكاب الفعل بغض النظر عن قيام العوائد والمنافع مادية أو غيرها، لاعتبار أن الغاية من هذا التجريم هو الطابع الوقائي.   

وحسب الفصل 246 تبقى هذه الجريمة قائمة خلال السنوات الخمس بعد انتهاء الموظف من ممارسة مهامه.

الفقرة الثانية: جزاء جريمة تحصيل منافع غير قانونية

عاقب الفصل 245 من القانون الجنائي على هذه الجريمة بالسجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات وبغرامة من خمسة آلاف إلى مائة ألف درهم.

أما إذا كانت قيمة الفائدة التي تم الحصول عليها الموظف العمومي أو من في حكمه تقل عن مائة ألف درهم، فإنه يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من ألفي درهم إلى خمسين ألف درهم.

وباستقرائنا للنظام الجزائي الخاص بهذه الجريمة نجد أن المشرع يجعل من تحصل العوائد المادية شرطا لقيام هذه الجريمة، بحيث تتغير بحسب القيمة المادية للعائد العقوبة، مع العلم أن هذا ليس شرط قيام هذه الجريمة، اعتبارا لكون أن الغاية من هذا التجريم هو الطابع الوقائي.

المطلب الثاني: جريمة تضارب المصالح في القطاع الخاص.

سنتناول في هذا المطلب جريمة استغلال أموال الشركة بسوء نية (الفقرة الأولى)، وجريمة استغلال وتسريب المعلومات في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: جريمة استغلال أموال الشركة بسوء نية.

بالرجوع إلى المادة 107 من القانون المتعلق بشركة التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة التوصية بالأسهم وشركة المسؤولية المحدودة وشركة المحاصة، نجدها قد جرمت استغلال أموال الشركة بسوء النية من طرف مسيري هذه الشركات. كما تم التنصيص على هذه الجريمة في المادة 348 من القانون المتعلق بشركات المساهمة.

ويعاقب على هذه الجريمة بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة.

الفقرة الثانية: جريمة استغلال وتسريب المعلومات.

تنص على هذه الجريمة المادة 42 من قانون 12.43 المتعلق بالهيأة المغربية لسوق الرساميل. والمعلومة بحسب هذا القانون هي كل معلومة مجهولة عند الجمهور وترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بواحد أو أكثر من المصدرين للأدوات المالية أو بواحد أو أكثر من الأدوات المالية، والتي من المحتمل أن علم الجمهور بها يمكن أن يكون له تأثير على سعر الأدوات المالية المعنية أو المتصلة بها.  وتطال هذه المعلومات أيضا تلك المتعلقة بالسير التقني أو التجاري أو المالي للشخص المصدر أو بآفاق تطور أداة مالية لا يعلمها الجمهور ويمكن أن تؤثر في قرار المستثمر.

ويعاقب على ارتكاب الفعلين 1 و2 المحددان في الهامش 36 أسفله بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنتين مع غرامة قد تصل الى ما يعادل خمس مرات مبلغ الربح المحتمل تحقيقه من وراء ارتكاب الجرم، دون أن تقل في جميع الحالات هذه الغرامة عن مائتي ألف درهم، أو الحكم بأحد هاتين العقوبتين فقط. أما الفعل الثالث المشار له في الهامش 36 أسفله، فيعاقب عليه بالحبس من ثلاثة أشهر الى سنة وغرامة تتراوح بين 20000 و 100000 درهم.   

خاتمة

خلاصة لما سلف تناوله على مستوى هذا المقال العلمي، يمكن القول أنه على المستوى الوطني وإن كانت هنا مجموعة من الآليات سواء الوقائية أو الزجرية على المستوى القطاعين العام والخاص، حيث لاحظنا الاعتماد على أنظمة المنع والتنافي مع التركيز على تجريم تحصيل الفوائد غير قانونية. إلا أن المغرب لازال في حاجة إلى بذل مجهودات كبيرة في مكافحة تنازع المصالح انطلاقا من التزاماته الدولية وعلى رأسها الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد لسنة 2003، ومن التنزيل السليم للدستور الأخير للمملكة خاصة الفصل 36، وعلى هذا المستوى يمكن إبداء بعض الاقتراحات لتحجيم ظاهرة تنازع المصالح وبالتالي تطويق الفساد بشكل عام:

  • ضرورة تبني سياسات عمومية شاملة تهدف الوقاية من تنازع المصالح وزجر بعض مظاهره.
  • سن قانون خاص بتنازع المصالح، يحدد بشكل دقيق مفهوم تنازع المصالح، ويجرم وضعيات تنازع المصالح الفعلي.
  • اعتماد وتعميم مدونات قواعد السلوك والأخلاقيات.

المراجع:

الكتب:

  • احمد محمود نهار أبو سويلم، مكافحة الفساد، دار الفكر ناشرون موزعون، الطبعة الأولى، سنة 2010م.
  • Merle – Vitu : Traité de droit criminel, vol 1, Paris Cujas.

التقارير والمقالات:

  • تقرير الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة، أرضية أولية لمعالجة تضارب المصالح، دجنبر 2012.
  • المجلس الأوروبي: مدونة سلوك الموظفين العموميين، بتاريخ 11 ماي 2000م.
  • تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الخطوط التوجيهية لتضارب المصالح، 2005م.
  • التقرير السنوي للمصلحة المركزية للوقاية من الرشوة، فرنسا 2004م.
  • مانويل فيلوريا – ميندياتا، سياسات وممارسات تتعلق بتعارض المصالح في تسع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي دراسة مقارنة، سيجما: ورقة بحث رقم 36/2006، ديسمبر 2005م.  
  • محمد الوكيلي- مشيل الزراري، تنازع المصالح، ترانسبرنسي المغرب.
  • بدر اسريفي، معالجة تنازع المصالح وإشكالية تنزيل الفصل 36 من الدستور الغربي. منشور بالمجلة الالكترونية على الموقع التالي: https://www.marocdroit.com

   

 

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وثائقي.. الفقيه السنهوري حارس القانون