إشكالية تأسيس المحاكم المتخصصة و المصنفة


إشكالية تأسيس المحاكم المتخصصة و المصنفة

إذا كانت المحاكم العادية هي المحاكم الابتدائية فان المقصود بالمحاكم المتخصصة هي المحاكم الإدارية ثم المحاكم التجارية ، أما المحاكم المصنفة فيقصد المحاكم المدنية و الاجتماعية والزجرية التي أنشئت حديثا بالدار البيضاء في سنة 2011، ويعد تأسيس المحاكم أو المؤسسات القضائية بصفة عامة وبلا منازع دعامة أساسية في سبيل ترسيخ دولة الحق والقانون ، إلا أن هذا التأسيس قد يفرز إشكاليات سواء من الناحية القانونية أو العملية ، سوف نتطرق إلى بعضها في هذه الدراسة

1 – المحاكم المتخصصة والمخاض المستمر :

لاعتبارات سياسية داخلية ومن اجل النهوض بوضعية حقوق الإنسان في جانبها القضائي و لاسيما في الجانب المرتبط بالقضاء الإداري ، تم تأسيس المحاكم الإدارية سنة 1993، وبعدها في سنة 1997 تم تأسيس المحاكم التجارية إستجابة لطلب الأبناك والمقاولات وبعض المكاتب الاستشارية بغية تحسين مناخ الأعمال ببلدنا في سنة 1996 التي شهدت تحسين الترسانة القانونية لعالم المقاولات وقانون الأعمال ، وبعدها تم تأسيس أقسام قضاء الأسرة بالمحاكم الابتدائية سنة 2004 في خطوة جريئة من وزارة العدل لمواكبة الورش الكبير لتطبيق مدونة الأسرة الصادرة سنة 2003، وتعد هذه الأقسام – وهي مؤسسة قضائية نوعية – أقل من محكمة و أكبر من غرفة بالمحكمة الابتدائية

وبعد أن عمرت المحاكم التجارية لمدة تناهز 15 سنة – وهي مدة ليست بالقصيرة – انتهى إلى مسامعنا حديث عبر بعض الصحف الوطنية أو من خلال كواليس هيئة الحوار الوطني لصلاح منظومة العادلة أن المحاكم التجارية ستحذف من الخريطة القضائية ماعدا محكمة الدار البيضاء التجارية التي ستحافظ على وضعها الخاص كمحكمة متخصصة ، أما باقي المحاكم التجارية فستعوض بإحداث غرف تجارية خاصة داخل كل محكمة ابتدائية ، ولعل المعيار البارز الذي سيؤخذ بعين الاعتبار في حذف هذه المحكمة أو تلك ، أو من اجل الإبقاء على هذه المحكمة أو الأخرى سيكون بلا شك هو عدد الملفات المسجلة والرائجة كل سنة ، وتقول بعض التقديرات أن حوالي 60 بالمائة من ملفات القضاء التجاري تروج بالمحكمة التجارية بالدار البيضاء أما 40 بالمائة فتتوزعها باقي المحاكم التجارية بالمملكة فلماذا الإبقاء عليها ؟ حسب هذا المنطق الذي يأخذ بعين الاعتبار على ما يظهر المعيار الكمي أو العددي لا معيار الكيف أو الجودة في إنتاج قضاء جيد وناجع وسريع

والمفروض أن تكون لدى وزارة العدل دراسة علمية جادة حول أسباب نجاح أو إخفاق المحاكم التجارية التي نشأت بسعي من رجال الأعمال ومستشاريهم و كذالك بخلفية سياسية لا تقل عن خلفية إنشاء المحاكم الإدارية من حيث الباعث السياسي، إذ قيل عنها في عهد المغفور له الحسن الثاني وبمناسبة انطلاقة المحاكم التجارية بان قضاة هذه المحاكم أهم و أحسن بكثير من وزراء المالية لأنهم هم الضمانة السياسية لجلب الاستثمارات الأجنبية ولتشجيع المستثمرين الوطنيين على فتح خزائنهم وأرصدتهم لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني ولخلق فرص الشغل وتحسين مناخ الأعمال بصفة عامة ، ومع ذالك نسمع الآن على لسان هذا الأستاذ الجامعي أو ذاك السياسي بأنه آن الأوان لكي تتوقف تجربة المحاكم التجارية وان تطلق عليها رصاصة الرحمة ونعود الى التجربة السابقة التي نص عليها ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالإصلاح القضائي أي أن المحكمة التجارية المتواجدة الآن ستصبح مجرد غرفة كباقي الغرف داخل المحكمة الابتدائية باستثناء المحكمة التجارية بالدارالبيضاء التي ستحافظ على وضعها الخاص ، لكن هل رؤساء المقاولات والتجار والقضاة والموظفون ومساعدو القضاء من محامين وخبراء موافقون على هذا الاقتراح أو المشروع ؟ ثم ألا يدرك البعض بأنه إذا تم الشروع في تنفيذ هذا المخطط فان القضاء التجاري سيسير بسرعتين: قضاء تجاري متخصص ومتطور وكفء وسريع في منطقة الدار البيضاء الكبرى والنافعة تجاريا واقتصاديا ، ثم قضاء تجاري ” عادي ” ، ربما أقل جودة ، والأكيد انه سيكون بطيئا بباقي مناطق المملكة غير النافعة تجاريا واقتصاديا ؟مع أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وأمام مرافق الدولة بما فيها مرفق القضاء ، ثم لو كان مقياس المردودية أو الكم وحده يؤخذ بعين الاعتبار في تأسيس محكمة معينة لكان الأمر سهلا ولكن هناك أيضا متطلبات جودة القضاء و جودة الأحكام وإصدارها في آجال معقولة ، هذه الأحكام التي لن تفرزها إلا صنعة أو صناعة قضائية متخصصة ، إذ لا يعقل في القرن 21 أن نفس القاضي يمكنه أن يبت في القضايا المدنية والعقارية والأحوال الشخصية والاجتماعية والجنائية إلى جانب القضايا التجارية في نفس الأسبوع أو نفس الشهر حتى ولو كان له عقل ((كوكل أو غوغل)) ؟ولهذا لم يفت البعض أن يلاحظ المستوى العادي أو المتواضع لقضاة بعض المحاكم العادية بالمقارنة مع المستوى العالي أو الجيد على العموم لقضاة المحاكم المتخصصة في السنوات الأخيرة من محاكم إدارية وتجارية ، مع وجود بعض الاستثناءات في هاته المحكمة أو تلك ، وهذه أول إشكالية نرصدها في أفق التغييرات والتعديلات المزمع إدخالها على قانون التنظيم القضائي، والتي ستحافظ و لا شك لمدينة الدار البيضاء على قضائها التجاري المتميز والمتخصص وبالتالي ستكون محظوظة ، علما بان الدار البيضاء كانت منذ سنوات حقلا للتجارب القضائية في مجال التنظيم القضائي

2 – الدار البيضاء حقل مستمر للتجارب القضائية :

في منتصف التسعينيات من القرن الماضي قال احد المستشارين للسيد وزير العدل آنذاك ، عن الدار البيضاء بأنها هي “التيرموميتر” أو المقياس الذي يمكن أن نقيس به حرارة الجسم القضائي ببلادنا ومن تم صحته أو اعتلاله ، وقد يكون هذا القول صحيحا نسبيا لأن الدار البيضاء ليست هي كل المغرب وبالتالي لا ندري لماذا يربط مصيرها بمصير باقي المناطق من المملكة من الناحية التنظيمية و القضائية ؟ والواقع انه لكل منطقة من مناطق المملكة لها خصوصيتها القضائية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ولا يمكن اختزال كل هذه الخصوصيات في مدينة واحدة كالدار البيضاء نظرا لكبر حجمها فقط أو نظرا للتعداد الكبير لسكانها، ومع ذالك ظلت الدار البيضاء حتى عهد قريب حقلا مستمرا للتجارب القضائية ، وتظهر هذه الحقيقة ساطعة من خلال استعراض التطورات التالية في المشهدين القضائيين الوطني والبيضاوي :
في سنة 1972 تم تأسيس المحكمة الاجتماعية بالدار البيضاء ، تم حذفها وعوضها القسم الاجتماعي بالمحكمة الابتدائية – والقسم يسمى اليوم غرفة اجتماعية – وجاء هذا التغيير في سياق الإصلاح القضائي الكبير الذي عرفه المغرب بموجب ظهير 15 يوليوز 1974 ، بعد مرور 7 سنوات على هذا الإصلاح وعلى اثر انتفاضة الخبز التي عرفتها الدار البيضاء في 20 يونيو 1981كنتيجة حتمية لمشاكل اقتصادية (الجفاف)واجتماعية وسياسية وحزبية عرفها المغرب في ذالك الوقت ، تم تقسيم الدار البيضاء ولاعتبارات أمنية إلى 5 عمالات على رأسها ولاية ، وبدأ التفكير في تقسيم المحكمة الابتدائية الكبرى إلى 5 محاكم ابتدائية صغرى على أساس أن تكون لكل عمالة محكمتها الخاصة بها وتحقق هذا التقسيم عمليا في ابريل 1989رغم أن الدار البيضاء لم تكن مؤهلة و لا على أتم الاستعداد من الناحية اللوجستية لاحتضان هذا التقسيم حتى أن مقر بعض المحاكم – والمفروض أنها قصور للعدالة – كان عبارة عن عمارات سكنية أو دور معد للسكنى وكانت تعقد جلساتها في دكاكين مفتوحة على الشارع العام مباشرة ، فكان الارتجال هو سيد الموقف ،وبالرغم من ذالك يمكن القول بان هذه التجربة – أي التقسيم إلى 5 محاكم – كانت تجربة ناجحة على العموم ولاسيما فيما يتعلق بالقضايا الجنحية التلبسية وضبط المعتقلين ومراعاة تخصص كل عمالة في نوع معين من القضايا التي تروج فيها ،والمهم من كل هذا كله هوان هذه المحاكم الخمس حققت أهم شيء بالنسبة للمواطن والمتقاضي ألا وهو اقتصاد الوقت و قرب المحكمة من مقر السكنى أو مقر العمل في مدينة عملاقة كالدار البيضاء تحتاج فيها إلى عدة ساعات إن أردت أن تتجول أو تتنقل من غربها إلى شرقها أو من جنوبها إلى شمالها وذالك لصعوبة المواصلات فيها ، وبما أنها كانت تجربة ناجحة تم الإجهاز عليها سنة 2004 رغم احتجاجات بعض الموظفين والقضاة ومساعدي القضاء ، وتقرر في عهد الوزير المرحوم بوزبع إعادة توحيد كل محاكم الدار البيضاء في محكمة واحدة حتى ولو كان توحيدا لفظيا وشكليا فقط لأنه في الواقع ظلت الدار البيضاء مقسمة إلى 3 محاكم وهي :القضاء المدني والعقاري والاجتماعي بمحكمة آنفا وسط المدينة ، والقضاء الجنحي بمحكمة عين السبع الحي المحمدي، وقضاء الأسرة بمحكمة الفداء درب السلطان …فعن أي توحيد يتحدثون ؟ وكان على الموظفين و المتقاضين ومحاميهم ولا سيما المكاتب الصغرى والمتوسطة أن تؤدي ضريبة هذا التغيير والتوحيد اللفظي و الشكلي بضياع الكثير من مصالحم وملفاتهم ووقتهم الذي لا يعوض .

هذا التقسيم الواقعي الثلاثي لمحكمة الدار البيضاء الابتدائية الموزعة ما بين 3 أقطاب سيكون وراء إنشاء أو تأسيس ما سمي بالمحاكم المصنفة المحدثة بموجب ظهير17 غشت 2011 الذي غير ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي ، هذا في وقت كان فيه من الصعب أن تلتقط الدار البيضاء أنفاسها ما بين تقسيم (1989)ثم تجميع محاكمها (2004)ثم إعادة تقسيمها في شكل محاكم مصنفة (2011)ولعل التغييرات المضطردة التي عرفتها محاكم الدارالبيضاء وما صاحبها من إكراهات ستظل في مقدمة الإشكاليات الناتجة عن هذا المسلسل من التجارب القضائية ، ونسبة النجاح والفشل فيها تبقى متأرجحة بشهادة المعنيين بالأمر من ممارسين ومتقاضين وباحثين في غياب دراسة ميدانية حول الجدوى من هذه التغييرات طيلة 30 سنة الأخيرة ، حتى انه من كثرة التغييرات يقع إهمال في بعض الأحيان إتمام الصياغة القانونية الدقيقة لبعض نصوص التنظيم القضائي كما هو الشأن بالنسبة للنص المنظم للمحاكم المصنفة بالدار البيضاء ،أي ظهير 17 غشت 2011، فهل إحداثها تم بناء على أساس قانوني سليم أم لا ؟ وما هي النتائج المترتبة عن ذالك ؟

3 – تأسيس المحاكم المصنفة بالدار البيضاء : بداية جدل ؟

تتنازع تأسيس المحاكم المصنفة بالدار البيضاء أطروحتان :الأولى تقول بصحة تأسيسها ، والثانية تقول بخلاف ذالك ، فما هي الحجج القانونية التي ترتكز عليها هذه الأطروحة أو تلك ؟

الأطروحة الأولى : القائلة بصحة التأسيس
تستند هذه الأطروحة على الفصل 71 من دستور المملكة المستفتى بشأنه بتاريخ 1 يوليوز 2011 والذي ينص على انه : (( يختص القانون … بالتشريع في الميادين التالية : … التنظيم القضائي و إحداث أصناف جديدة من المحاكم … )) ، و بموجب ظهير 17 غشت2011تم تعديل الفصل 2 من ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي فأصبح ينص على انه يمكن تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها إلى محاكم ابتدائية مدنية ، ومحاكم ابتدائية اجتماعية ، ومحاكم ابتدائية زجرية، ثم صدر مرسوم تطبيقي لهذا التعديل الطارئ على قانون التنظيم القضائي بموجب مرسوم 3 اكتوبر 2011 تأسست بمقتضاه 3 محاكم إبتدائية : مدنية و اجتماعية و زجرية بالدارالبيضاء شرعت في العمل مع نهاية سنة 2011، وعلى هذا الأساس فان نشأتها صحيحة وأحكامها صحيحة ويمكن تعميم التجربة على مدن كبرى ، لاسيما بالنسبة لقضاء الأسرة ، إذن أين هو المشكل ؟

الأطروحة الثانية : القائلة بالرأي المخالف
تجادل هذه الأطروحة في تأسيس هذا المحاكم من الناحية القانونية و تتساءل عما إذا كانت نشأتها صحيحة اعتمادا على نفس المنطلقات والحجج القانونية التي اعتمدتها الأطروحة الأولى وهي الدستور وقانون التنظيم القضائي والمرسوم المطبق له ، لتخلص إلى النتائج التي توصلت إليها وهي بالطبع نتائج مغايرة لقناعة و نتائج الأطروحة الأولى ، واليكم تفاصيل الأطروحة الثانية :
أ – المحاكم المصنفة مغيبة من لائحة المحاكم بقانون التنظيم القضائي :
حدد ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي والمعدل بظهير 17 غشت 2011في فصله الأول على سبيل الحصر لائحة المحاكم بالمملكة وهي : المحاكم الابتدائية والمحاكم الإدارية والمحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف ومحاكم الاستئناف الإدارية ومحاكم الاستئناف التجارية والمجلس الأعلى الذي أضحى يسمى بمحكمة النقض، وعلى هذا الأساس لا وجود للمحاكم المصنفة المحدثة مؤخرا بمدينة الدار البيضاء ضمن قائمة محاكم المملكة ، بل إن الفصل الثاني من قانون التنظيم القضائي هو الذي نص أنه :((… يمكن تصنيف المحاكم الابتدائية حسب نوعية القضايا التي تختص بالنظر فيها إلى محاكم ابتدائية مدنية ومحاكم ابتدائية اجتماعية ومحاكم ابتدائية زجرية…)) ، وأول سؤال يتبادر إلى الذهن هو هل هذه المحاكم المصنفة ” مستقلة “بذاتها عن المحاكم الابتدائية وإذا كان الجواب بالإيجاب فلماذا لم تدرج بلائحة محاكم المملكة المنصوص عليها بالفصل الأول من قانون التنظيم القضائي ؟ أما إذا كانت المحاكم المصنفة بالدار البيضاء متفرعة عن المحكمة ” الأم ” أو” تابعة ” لها أي للمحكمة الابتدائية الكبرى بالدار البيضاء ، فأين هي هذه المحكمة الابتدائية الكبرى والتي لا وجود لها ضمن الخريطة القضائية للمملكة كما رسمها مرسوم 3 اكتوبر 2011المتعلق بتطبيق قانون التنظيم القضائي ؟ وهذه ليست الثغرة الوحيدة الملاحظة بخصوص تعديلات قانون التنظيم القضائي بشأن إحداث المحاكم المصنفة ، بل هناك ثغرة أخرى نناقشها في الفقرة الموالية
ب – إلغاء مبدأ الولاية العامة بإلغاء المحكمة الابتدائية بالدارالبيضاء
يراد بالولاية العامة أنه للمحكمة الابتدائية اليد الطولى أي الاختصاص النوعي للنظر والبت في جميع القضايا مع مراعاة الاختصاص النوعي الخاص بالمحاكم الإدارية والتجارية و أقسام قضاء القرب وهو ما نص عليه الفصل 5 من القانون المتعلق بالتنظيم القضائي بقوله : ((تختص المحكمة الابتدائية بما فيها المصنفة – عدا إذا نص قانون صراحة على إسناد الاختصاص إلى محكمة غيرها…)) وهو ما يفهم أيضا من نص الفصل 18 من قانون المسطرة المدنية ، وبعبارة أخرى كل القضايا التي لا تختص بها هذه المحاكم المتخصصة في القضاء الإداري والتجاري وقضاء القرب تكون من نصيب واختصاص المحكمة الابتدائية بحكم ما تتوفر عليه من ولاية عامة ، غير أنه بإلغاء المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء لم تعد موجودة إلا المحاكم المتخصصة او المحاكم المصنفة بهذه المدينة ولو افترضنا أن قضية معينة لا تختص بها أية محكمة من هذه المحاكم – ولنعط مثلا لذالك ، بسقوط جسم غريب من السماء والحق أضرارا بممتلكات أحد الأفراد وتبين انه من صنع دولة ما أجنبية – فأين هي المحكمة الابتدائية التي لها الولاية العامة التي ستبت في هذا النزاع لو أن جميع هذه المحاكم المتخصصة أو المصنفة صرحت عن حق بعدم اختصاصها بالبت في هذا النزاع؟ بل الأدهى من ذالك نجد أن الفصل 20 من قانون المسطرة المدنية ينص على أن المحاكم الابتدائية تختص بالنظر في القضايا الخاصة ب :((…النزاعات التي قد تترتب عن تطبيق المقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بــالضمان الاجتماعي))، غير أن الفصل 2 من قانون التنظيم القضائي المعدل بظهير 17غشت2011نص على أن المحكمة الابتدائية الاجتماعية تقسم إلى أقسام قضاء الأسرة وغرف حوادث الشغل والأمراض المهنية وغرف نزاعات الشغل، و أغفل الإشارة إلى قضايا منازعات الضمان الاجتماعي ، فمن هي الجهة التي ستتولى البت فيها ؟ ولو فرضنا جدلا أن أية محكمة من محاكم الدار البيضاء المتخصصة او المصنفة صرحت عن حق بعدم اختصاصها بالبت فيها فإن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء ” الكبرى” ستكون مضطرة إلى البت فيها بحكم ما لها من ولاية عامة ، لكن هذه المحكمة تم حذفها قانونا من الخريطة القضائية للمملكة من جهة ، ثم لا وجود مادي ملموس لهذه المحكمة ” الكبرى” والتي حلت محلها المحاكم الثلاث المصنفة والمشار إليها أعلاه، فما هي طبيعتها ؟
ج – طبيعة المحاكم المصنفة : هل هي محاكم عادية كباقي المحاكم الابتدائية ، أم أنها جيل جديد من المحاكم المتخصصة ؟
بالرجوع إلى الفصل 2 من قانون التنظيم القضائي كما وقع تعديله نجده ينص على انه يمكن تقسيم المحاكم الابتدائية إلى أقسام قضاء القرب وغرف مدنية وغرف تجارية وغرف عقارية ، وتقسم المحاكم الابتدائية الاجتماعية إلى أقسام قضاء الأسرة وغرف حواد ث الشغل والأمراض المهنية وغرف نزاعات الشغل ( ولاحظنا في الفقرة السابقة كيف أن المشرع سحب من هذه المحاكم البت في منازعات الضمان الاجتماعي دون أن يحدد الجهة القضائية التي ستتولاها ) وأخيرا تقسم المحاكم الابتدائية الزجرية إلى أقسام قضاء القرب وغرف جنحية وغرف حوادث السير وغرف قضاء الأحداث وكل محكمة تبت في حدود اختصاصها النوعي دون أن تتعداه إلى الاختصاص النوعي للمحكمة الأخرى ، و إذا اخطأ المتقاضي في رفع دعواه أمام جهة مختصة يكون مصير دعواه و التصريح بعدم الاختصاص حسب الاجتهاد الذي سارت عليه المحكمة الابتدائية الاجتماعية ، أو هو التصريح بعدم قبول الدعوى حسب ما سارت عليه المحكمة الابتدائية المدنية في اجتهادها (انظرعلى سبيل المثال حكمها الصادر في 10دجنبر2012عدد8579بالملف عدد 2089-2-12، غير منشور)، وبالتالي هناك خلاف بين المحكمتين في التعليل والمنطوق يتعين على محكمة الاستئناف أن تعمل على إزالته ، ولكن باختصار شديد إن ما نستنتجه من النصوص القانونية المشار إليها آنفا ومن التطبيقات القضائية الصادرة عن هذه المحاكم هو أننا الآن نعاين ميلاد جيل جديد من المحاكم المتخصصة على غرار المحاكم الإدارية والمحاكم التجارية ولكن بتسمية أخرى وبصيغة مغايرة ، فسميت بالمحاكم المصنفة إلا أن السند القانوني لإنشائها يطرح بعض التساؤلات نتطرق إليها في الفقرة الموالية
د – السند القانوني لإنشاء المحاكم المصنفة :
ينص الفصل71 من دستور 1يوليوز2011 على أنه :(( يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في الميادين التالية : … التنظيم القضائي وإحداث أصناف جديدة من المحاكم … )) وجوهر هذه القاعدة الدستورية كان موجودا حتى في الدساتير السابقة ، ولهذا لم يكن من المقبول إنشاء أو تأسيس المحاكم المتخصصة السابقة إلا بواسطة قانون خاص بها وليس بناء على تعديل بند صغير أو فقرة في قانون التنظيم القضائي كما فعل مشرع ظهير 17 غشت 2011 المشار إليه أعلاه ، وعلى هذا الأساس تم إحداث المحاكم الإدارية بموجب ظهير 10 شتنبر 1993، والمحاكم التجارية بموجب ظهير 12 فبراير1997، بل حتى قسم قضاء القرب ( أي غرفة من حجم أكبر) التابع للمحكمة الابتدائية المدنية تم إحداثه وتنظيمه بواسطة قانون خاص وهو ظهير 17 غشت 2011،وبالتالي نجد أنفسنا أمام مفارقة غريبة وهي أن الأصل – أي المحكمة الابتدائية المدنية – أحدث بناء على تعديل في بند أو فقرة من قانون التنظيم القضائي ، ثم تحيين لائحة محاكم المملكة بمرسوم 3اكتوبر 2011، أما الفرع ، ونعني به قسم قضاء القرب ، فلقد أفرد له المشرع قانونا خاصا ونظاما قانونيا متكاملا ، فأيهما أولى و أهم هل الأصل أم الفرع ؟ قد يجادل البعض قائلا بان مشرع ظهير 17 غشت 2011قام بالمهمة وزيادة لما عدل الفصل 2 من قانون التنظيم القضائي (ظهير 15 يويليوز1974) بما يسمح بإنشاء محاكم ابتدائية مصنفة إلى مدنية واجتماعية وزجرية ولا ضير في ذالك ، لكن الفصل1 من قانون التنظيم القضائي تنكر لوجودها ولم يدرج المحاكم المصنفة ضمن محاكم المملكة من جهة أولى ، ثم إن هذه المحاكم المصنفة هي في الواقع محاكم متخصصة لا تنظر ولا تبت الا في نوع خاص من القضايا في حدود ما اسنده لها قانون التنظيم القضائي من اختصاصات كما سبق توضيح ذالك من جهة ثانية ، و أخيرا هناك مسائل تنظيمية ومسطرية و قضائية لها علاقة بالموارد البشرية العاملة بهذه المحاكم لابد لها من مقتضيات تشريعية خاصة تنظمها ولكنها غائبة الآن لدى هذه المحاكم المصنفة التي تسير حاليا من الناحية القانونية وفق ((نظام الغرف ))المكونة للمحكمة الابتدائية وليس وفق نظام محاكم مستقلة و متخصصة قائمة بذاتها.
ه – هل تأسيس المحاكم المصنفة كان صحيحا ؟
من الأكيد أن المحاكم المصنفة تفتقر إلى نص قانوني خاص بها طبقا للفصل 71 من الدستور المشار إليه آنفا ، لكن الأحكام الصادرة عنها بعد استنفاذ طرق الطعن بشأنها تصبح نهائية ، و حتى ولو دفع أحد المتقاضين بأن تشكيلة الحكم أو الهيئة القضائية في هذه المحكمة المصنفة أو تلك غير قانونية انطلاقا من المناقشة القانونية التي خضناها فيما سبق، فليس من المستبعد أن الاجتهاد القضائي سيحسم الموقف بإضفاء الشرعية على الوضعية القضائية القائمة حاليا بالمحاكم المصنفة ويقر بصحة نشأتها لعدة اعتبارات ، من أهمها عدم الرغبة في تحميل المتقاضي تبعات ما يعتري المنتوج التشريعي من عيوب أو غموض أو هفوات ، و لأن المظهر الخادع يحمي المخدوع ، حتى بالنسبة لمستعملي المرفق العمومي كمرفق القضاء ونعني بهم المتقاضين الذين لهم كامل الحق في الأمن القانوني و القضائي للمواطن وهو احد الانشغالات الكبرى لوزارة العدل وللاجتهاد القضائي الذي لم يتبلور بعد في هذا المجال ، هذا بالنسبة للاجتهاد القضائي الذي سوف يغلب في المعادلة جانب الإنصاف على حساب التطبيق السليم والدقيق للقانون ، ولكن ما يهمنا بالأساس هو معرفة رأي المحكمة الدستورية بخصوص ظهير 17 غشت 2011 المعدل لقانون التنظيم القضائي هل هم منسجم مع المقتضى الدستوري المنصوص عليه في الفصل 71 من دستور المملكة أم لا؟ وهل يغني ظهير 17 غشت 2011عن سن تشريع خاص بإحداث المحاكم المصنفة سواء بالدار البيضاء أو بغيرها من المدن إذ من النادر أن يتكفل قانون التنظيم القضائي بإحداث محاكم متخصصة او مصنفة؟ ومن جهة أخرى و بغية إزالة كل لبس نرى بأنه لامناص من مراجعة قانون التنظيم القضائي للحسم في طبيعة المحاكم المصنفة وإدراجها ضمن منظومة محاكم المملكة كما هو منصوص عليها في الفصل 1 من قانون التنظيم القضائي

4 – الأثر المتوقع لقانون المحاكم المصنفة بالدار البيضاء

نتساءل بداية عن القيمة المضافة التي يمكن تضفيها هكذا محاكم على المشهد القضائي المحلي بالدار البيضاء والوطني مقارنة مع إنشاء المحاكم المتخصصة في القضاءين الإداري والتجاري ، فهذه المحاكم بمجرد إنشائها أحدثت طفرة نوعية نحو الأفضل من حيث التطبيق السليم للقانون ، ونجيب على تساؤلنا بان القانون الجديد سوف لن يغير من واقع الأمر شيئا لأنه أضفى شرعية على التقسيم الذي كان موجودا سواء من الناحية الجغرافية لتوزيع المحاكم الثلاث بالمدينة أو من حيث تخصص كل محكمة في نوع من القضايا ، فمحكمة وسط المدينة كانت دائما تبت في القضايا المدنية بمفهومها العام ، ومحكمة عين السبع كانت دائما تبت دائما في القضايا الجنحية وليس الزجرية (وكان من الأولى تسمية محكمة عين السبع بالمحكمة الجنحية وفق ما نص عليه الفصل 2 من قانون التنظيم القضائي في صيغته الأصلية) ، ومحكمة قضاء الأسرة كانت مستقلة بذاتها ، وربما الجديد الوحيد في كل هذه الحركة القضائية هو تساكن قضايا الشغل مع قضايا الأسرة تحت سقف مؤسسة قضائية واحدة مع انه لا شيء يجمع بينهما من حيث جوهر القانون المطبق وكان من الأنسب إسناد الاختصاص بالبت في القضايا الاجتماعية العمالية إلى المحكمة المدنية أو لمحكمة شغل مستقلة و لماذا لا ؟لأن الدار البيضاء هي المدينة العمالية رقم 1 بالمغرب من جهة ، ولأنه حسب بعض المصادر سنة من جهة أخرى 2011كانت ملفات منازعات و حوادث الشغل أكثر عددا من ملفات قضاء الأسرة

وبعد مرور سنة على تطبيق قانون المحاكم المصنفة لا نتوفر على دراسة ولا على إحصائيات تعطي بعض المؤشرات على كيفية سير هذه المحاكم ومستوى إنتاج الأحكام فيه كما وكيفا وان كنا لا نتوقع مفاجآت كبرى في هذا الصدد ، وربما ما نتوقعه أساسا هو أنه ستضاف أعباء جديدة على محكمة الاستئناف بالدار البيضاء فيما يخص توحيد الاجتهاد القضائي بين المحاكم المصنفة ولا سيما في قانون المسطرة والإجراءات ، وفي حالة تعميم المحاكم المصنفة في بعض المدن الأخرى ستكون لها نكهة خاصة لما ستتقرر الاستعاضة عن المحكمة التجارية بغرفة القضاء التجاري التي ستستقر بالمحكمة المصنفة أي المحكمة الابتدائية المدنية في حالة ما إذا تقرر التراجع عن تجربة المحاكم التجارية ما عدا في الدار البيضاء، في حين انه في استطلاع للرأي نشرته إحدى الصحف الاقتصادية يوم 29مارس2013عبر رجال الأعمال عن رغبتهم في إصلاح القضاء وفي تخصص القضاة في المادة التجارية وهو سبق أن تطرقنا إليه في الجزء الأول من هذه الدراسة (الأخبار، بتاريخ29مارس 2013)

ونظرا لأهمية قانون التنظيم القضائي سيكون من المفيد والأنسب تغيير ظهير 15 يوليوز 1974بمدونة حقيقية للتنظيم القضائي كما فعل المشرع البلجيكي مع بداية سنوات الألفين والذي اخذ منه إعدادها وقتا طويلا ، إذن المطلوب مدونة للتنظيم القضائي تساير مستجدات الدستور الجديد في مجال القضاء وما ستسفر عنه الندوة الوطنية الكبرى لإصلاح القضاء من توصيات، أما ظهير 15 يوليوز 1974 الحالي فقد أدخلت عليه العشرات من التعديلات و أصبح متجاوزا بكثير سواء من حيث الشكل أو المضمون…والله الموفق.

إعداد:ذ/إدريــــس فجــر قـاض بمحكمة النقـض دكتور في الحقــوق

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...