اثر المرض فى المسؤلية الجنائية


 اثر المرض فى المسؤلية الجنائية

 

شكلت السلامة العقلية والقدرة على التمييز مناط المسؤولية الجنائية في مختلف التشريعات المقارنة، ولم يحد المشرع المغربي عن هذه القاعدة حيث نص في المادة 132 من مدونة القانون الجنائي على ” أن كل شخص سليم العقل، قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها “.

      والمقصود بسلامة العقل هو خلوه من أي مرض عقلي أو خلل نفسي من شأنه التأثير على عنصر الإدراك والارادة1 بالتشويش عليهما عبر إضعافهما وإنقاصهما تارة، أو بإلغائهما كليا تارة أخرى، وتعد سلامة العقل مرادفا مقبولا لما يعرف في كتب علم النفس بالصحة النفسية، والتي تم تعريفها من زاوية الطب النفسي بأنها البرء من أعراض المرض العقلي أو النفسي وخلو الذات الإنسانية منهما2  ومن القواعد العامة في هذا المجال أن كل إنسان هو عاقل، ويتوفر على قدر كاف من التعقل ليكون مسؤولا عن جرائمه التي يرتكبها إلى أن يثبت العكس3 بأن يقول ذوو الاختصاص بإصابته بأحد الأمراض العقلية أو النفسية التي قد تكون أثرت على إدراكه وإرادته أثناء اقترافه لنشاطه الإجرامي.

        والأمراض العقلية والنفسية هي عديدة ومتشعبة بتشعب مذاهب علم النفس المختلفة وعلوم الطب النفسي، خلافا لما عليه الحال في أغلب مراجع الفقه الجنائي التي تحصر كل اضطراب يصيب العقل في مصطلح الجنون الذي يعد أقدم مانع للمسؤولية عرفته التشريعات الجنائية، غير أنها أنكرته عصورا إلى أن جاءت الشريعة الإسلامية التي كان لها قصب السبق كأول نظام قانوني نص على الجنون كمانع أساسي تمتنع به المسؤولية الجنائية4 ، في حين لم تعرفه فرنسا – كأول من قال بهذا المبدأ في التشريعات الجنائية الحديثة سوى في سنة 1810، وكان المجنون قبل ذلك يعاقب بأشد العقوبات للاعتقاد في أنه يعد مسا من عمل الشيطان5 . فما هي هذه الأمراض العقلية والنفسية التي قد تصيب الشخص فتحدث لديه اضطرابا عقليا ؟ ( المبحث الأول ) ، وما هي الشروط الواجب توفرها للقول بامتناع المسؤولية الجنائية نتيجة الإصابة بالمرض؟ ( المبحث الثاني )، وما هي الآثار المترتبة عن ثبوت الإصابة بالمرض؟ ( المبحث الثالث ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1    الإدراك والإرادة  هي مسميات تأتي بلفظ الشعور والاختيار في بعض التشريعات العربية كمصر والاردن مثلا، وقد نجد لها مفاهيم أخرى في كتب علم الاجرام كالوعي والتمييز، أو التمييز والاختيار – أنظر محمد الأزهر – مبادئ في علم الاجرام الطبعة السابعة 2005، مطبعة دار النشر المغربية، عين السبع الدار البيضاء ص 28.

2   جنان سعيد الرحو، أساسيات في علم النفس، منشورات الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى 2005 بيروت لبان، ص 346.

3   خالد محمد شعبان : مسؤولية الطب الشرعي، دراسة مقارنة بين الفقه الاسلامي والقانون الوضعي، دار الفكر الجامعي،  2008 الاسكندرية ص 340 .

4   محمد كمال الدين إمام، المسؤولية الجنائية أساسها وتطورها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة ، ص 217. وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : ” رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق “، أنظر سند هذا الحديث مرفوعا عن رواته في كتاب سنن الدارمي لمؤلفه محمد بن عبد الله بن بهرام الدارمي، المجلد الثاني، دار الفكر بيروت، ص 171.

5   محمد كمال الدين إمام : المرجع السابق، ص 218.

المبحث الأول : الأمراض العقلية والنفسية

      لقد شاع لدى عامة الناس أن كلمة الجنون تصلح مصطلحا للتعبير عن الأمراض العقلية والنفسية مجتمعة، فكل  خلل يصيب العقل ويؤثر على ملكاته هو جنون، غير أن هذا الفهم لا يجد له سندا في علم الطب النفسي، فلكل منهما أسبابه وأعراضه، ومن خلال هذه الأسباب والأعراض يشتد أو يضعف مدى التأثير على عنصري الإدراك والإرادة لدى المريض، وهو خلط لم تسلم منه الكثير من كتب القانون التي خاضت في هذا الموضوع، خاصة لدى فقهاء القانون الجنائي، مما انعكس كذلك على العديد من التشريعات التي جعلت من الجنون مرادفا للمرض العقلي و النفسي الذي ترتفع به المسؤولية الجنائية كالقانونين السوري واللبناني1 ، غير أن الجنون ليس إلا مظهرا من مظاهر الاختلالات العقلية الكثيرة التي قد تصيب عقل الإنسان فتفقده الإدراك والإرادة، إذ أن هناك العديد من الأمراض العقلية الأخرى التي يكون لها نفس التأثير على هذين العنصرين أو قد يكون لها وقع أقل، والتي يمكن أن نقسمها إلى قسمين: أمراض عقلية وأخرى نفسية.

المطلب الأول : الأمراض العقلية

      وهي الأمراض التي قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة في الشخصية، واختلال شديد في الملكات العقلية2  مما قد ينجم عنه فقدان الإدراك وتلف في الإرادة، وقد تم تعريفها بأنها خلل شامل في الشخصية يعوق الفرد ذاتيا واجتماعيا ويشكل ارتباكا في سلوكه3،  ويعد العالم كرايبلين kraeplin أشهر من صنف هذه الأمراض على أساس سببي بين أمراض عقلية عضوية ناتجة عن خلل في المخ أو في خارجه مع التأثير فيه، (الفقرة الأولى)وبين أمراض عقلية وظيفية لا تتصل بأي عامل عضوي4(الفقرة الثانية)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1    حيث نص قانون العقوبات السوري في المادة 230  على أنه ” يعفى من العقاب من كان في حالة جنون ” وجاء في المادة 23 من قانون العقوبات اللبناني أنه ” يعفى من العقاب من كان في حالة جنون أفقدته الوعي”. راجع عبد السلام التونجي، موانع المسؤولية الجنائية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، 1979 ص 111.

2   حسين علي الغول، علم النفس الجنائي، الاطار والمنهجية، الطبعة الاولى 2003 دار الفكر العربي، القاهرة ص 221.

3  خالد سليمان، السؤولية الجزائية للمجرم المضطرب نفسيا – دراسة مقارنة – دار زينون الحقوقي، ص 69. وقد أورد الأستاذ كذلك في مؤلفه تعريفا للمرض العقلي نسبه للدكتور لطفي الشربيني جاء فيه بأنه ” حالة اضطرابات في الوظائف العقلية تؤثر في التفكير والسلوك والوجدان “.

4   أكرم نشأت، علم النفس الجنائي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2005 ص 111.

 

الفقرة الأولى: الأمراض العقلية العضوية

      وتنشأ عن علة عضوية تصيب أحد أجزاء الجهاز العصبي كالمخ، مما يؤدي إلى اختلال في وظائفه1 ، ومن أشهرها الذهان، وهو ما يطابق المعنى القانوني والاجتماعي لكلمة جنون2، ويسمى أيضا بالذهان العضوي psychose organique وهو مرض عقلي ذو منشأ عضوي عصبي أو فيزيولوجي يرتبط بتلف جزئي أو كلي في الجهاز العصبي 3، فينطوي على اضطراب عقلي خطير واختلال عميق في الشخصية، يجعل السلوك العام للمريض مضطربا ويعوق نشاطه الاجتماعي، ومن أهم مظاهره الجنون والصرع .

البند الأول : الجنون

      هو اضطراب شديد في الشخصية يحول بين الفرد والتوافق الاجتماعي، فيكاد يكون منقطع الصلة بين ما يجري حوله في البيئة والمجتمع4، وهو عند فقهاء القانون تلك الظاهرة من ظواهر الاعتلال العقلي الذي يعتري عقل الإنسان فيفقده الوعي والادراك5 ، وينقسم عندهم إلى جنون مطبق : يصاحب الإنسان منذ ولادته، أو قد يكون طارئا عليه ويستمر معه بحيث يزيل العقل والتمييز، ويلغي الإدراك والإرادة، وإلى جنون متقطع وهو مشابه للجنون المطبق من حيث الآثار، غير أنه يعتري الشخص في فترات متقطعة يعود إليه عقله في غيرها من الأوقات، فتنعدم مسؤوليته الجنائية في فترة الجنون، وتعود إليه في فترة الإفاقة 6، ومن الوجهة الطب – نفسية يمكن التمييز بين عدة أنواع من الجنون7.

أولا : الشلل الجنوني العام : وينشا عن طريق الإصابة بعدوى الزهري لمدة طويلة، فينتج عنه ضعف في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1  وهو التعريف الذي اعتمده المشرع الفرنسي في المادة 121 – 1 من مجموعته الجنائية القديمة للقول بانعدام المسؤولية الجنائية لدى هذا النوع من المرضى حيث جاء فيها ” ليس مسؤولا جنائيا الشخص الذي كان في وقت ارتكابه للجريمة في حالة خلل نفسي أو  عصبي نفسي أفقده التمييز والسيطرة على أفعاله “، أنظر مؤلف الأستاذ أحمد الحمداوي باللغة الفرنسية :

El hamdaoui A – la responsabilité du meurtrier normal et pathologique – mémoire de D.E.S.S de psychologie clinique pathologique – université paris – nord –anné universitaire 1995- 1996 P 45.

2   حسين علي الغول، المرجع السابق، ص 221.

3  خالد سليمان، المرجع السابق، ص 71. وقد ميزه عن الذهان الوظيفي psychose fonctionnelle  الذي هو مرض عقلي ذو مصدر نفساني غير عضوي.

4  محمد علي السكيكر، العلوم المؤثرة في الجريمة والمجرم، دار الفكر الجامعي، ط 2008،ص 111.

5 عبد السلام التونجي، موانع المسؤولية الجنائية، منشورات معهد البحوث والدراسات العربية 1971، ص 108.

6  أحمد فتحي بهنسي، المسؤولية الجنائية في الفقه الإسلامي، دار الشروق، الطبعة الرابعة 1988، ص 215.

7  أنظر بتفصيل في هذا الشأن – أكرم نشأت – المرجع السابق، ص 112.

ذاكرة المريض ووقوعه في تقلبات مزاجية بين التفاؤل والتشاؤم والإكتئاب، وهو ما يدخله في مرحلة الإضمحلال العقلي، ويسمى أيضا بالذهان الناتج عن عدوى1.

ثانيا : جنون الكحول : وهو مرض عقلي وعضوي تسممي، ينشأ عن تسمم أنسجة المخ بالمواد الداخلة في تركيب المسكرات والمخدرات، ومن أعراضها الاضطراب في الذاكرة والتدهور التدريجي في الإدراك2.

ثالثا : جنون الشيخوخة : وهو يصيب الأشخاص الذين بلغوا سنا متقدما، وينشأ عن تحلل تدريجي في خلايا القشرة المخية، ويكون من أعراضه ضعف الذاكرة وفقدان الترابط في التفكير والكلام3.

رابعا : جنون البلاكرا  Pellagra : وهو مرض عقلي ينشأ عن سوء التغذية وتبدأ أعراضه في صورة طفح أحمر جلدي ثم حالات من الإمساك والإسهال، وسبعة في المائة فقط من المصابين بهذا المرض هم الذين يتحول عندهم إلى اضطراب عقلي بعد أن تزول أعراضه العضوية، ويعد الذهول والاكتئاب أهم أعراضه4 .

      والعبرة في المرض العقلي المانع للمسؤولية، هي إفقاده للإدراك أوالإرادة، أو إنقاصه منهما حسب الأحوال، حتى لو لم يتمظهر في شكل جنون فعلي، وفي هذا يقول بلولير ” إن هناك من مرضى النفوس من ليسوا بمجانين ولكن تنتابهم حالات نفسية حادة يفقدون معها القدرة على ضبط النفس والتفكير والتأمل، فأمثال هؤلاء لا يسألون عما يقولون أو يفعلون “5. فمن منا لم يستشعر يوما تغييرا في نفسه وشخصه، بتغير الزمان والمكان والوقائع والظروف.

البند الثاني : الصرع

      وهو اضطراب مزمن يصيب الوظائف الدماغية، ويتمظهر في شكل نوبات حادة ومتكررة وفجائية، ويكون من خصائصه إتيان المريض لسلوكات تشنجية أو اهتزازية6، وقد تم تعريفه أيضا بأنه ” اضطراب وقتي في وظائف المخ يميل إلى التكرار بشكل نوبات آنية ومحددة ومصحوبة بفقدان الوعي أحيانا “7، وهو ينشأ أساسا كنتيجة لتغيرات فيزيوكيميائية في خلايا المخ مما ينتج عنه التأثير في مظاهر سلوك المريض8، قد يتطور إلى فقدان للوعي أو الذاكرة فلا يستطيع السيطرة على جوارحه ويكون معرضا لنوبات ودوافع لا قبل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1          حسين علي الغول، المرجع السابق، ص 221.

2          أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 113.

3          أكرم نشأت، المرجع السابق ، ص 114.

4          أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 115.

5          محمد فتحي، علم النفس الجنائي، الجزء الثاني مكتبة النهضة المصرية، ص 103.

6          عماري سناء، التصورات العامة وأثرها على شخصية المصروع، بحث جامعي، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، شعبة علم النفس، 2006، ص 53.

7          خالد سليمان، المرجع السابق، ص 72.

8          أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون العقوبات- القسم العام – النظرية العامة للجريمة والعقوبة، دار النهضة العربية الطبعة الأولى 2008، ص 331.

له باحتمال مقاومتها1. ويميز علم الطب النفسي في نوبات الصرع بين النوبة الكبرى والنوبة الصغرى، ففي الأولى قد يسقط المريض على الأرض فاقدا للوعي نتيجة ازدياد حدة الإختلاجات والتشنجات في الأطراف والجسم وتعابير الوجه، وهي نوبة تسبقها عادة علامات منذرة بساعات أو أيام تعلن عن قرب حدوثها، ومن هذه العلامات القلق والصداع والإكتئاب والتوتر، أو بعض إضطرابات الإدراك الحسي كالهلوسة مثلا2، وفي الثانية تخف حدة هذه التشنجات ويحتفظ المريض فيها بوعيه، غير أن أعراض الصرع عموما تظهر في الحالتين معا والمتمثلة في حالة التوتر وسرعة التهيج والغضب أو الصداع والكئابة3.

     وقد افترض العالم لمبروزو وجود علاقة بين الجريمة ومرض الصرع، قائلا أن هناك منطقة مشتركة بين الإجرام والصرع الذي اعتبره سببا هاما من أسباب الجريمة4، وغالبا ما يرتكب المريض بالصرع جرائمه بعد نوبة صرعية أو قبل حدوثها مباشرة، ويرتكب جرائم قتل أو اغتصاب غريبة غير مفهومة، وقد يقدم البعض على الإنتحار5، نتيجة اشتداد آثار الاضطراب العقلي وهو ما سمي أيضا بجنون الصرع6.

الفقرة الثانية : الأمراض العقلية الوظيفية

      وهي نوع من الأمراض العقلية التي لا يكون منشأها سببا عضويا7 وإنما ترجع إلى بعض الإضطرابات في الوظائف العقلية لدى المريض.

البند الأول : الفصام أو الشيزوفرينيا Schézophrénie

      وهو الأوسع انتشارا في الأمراض العقلية ويعني انقسام الشخصية، وعدم انتظامها8، وقد تم تعريفه أيضا بأنه اضطراب عقلي أو ذهان عقلي ينتمي إلى فصيلة الأمراض الوظيفية التي لا ترجع إلى أسباب عضوية في جسم الإنسان أو في مخه ولكنها اضطرابات تطرأ على الوظائف العقلية9؛ ومن أعراضه الإنسحاب من الحياة الاجتماعية، وعدم التفاعل معها وتفضيل الإنطوائية والعزلة وحياة التشرد10؛ ويضاف إلى هذه الأعراض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1          عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص 113.

2          أشرف توفيق شمس الدين، المرجع السابق، ص 331.

3          خالد سليمان، المرجع السابق، ص 73.

4          عبد الرحمان العيسوي، إتجاهات جديدة في علم النفس القضائي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004، ص 246. وقد استخلص لمبروزو فرضيته هذه من دراسته حالة الجندي الإيطالي ميسدا Misda الذي انتابته فجأة حالة غريبة وشرع في مطاردة بعض زملائه في الجيش حيث قتل ثمانية منهم وسقط مغشيا عليه وعند استيقاظه لم يتذكر شيئا عن الجريمة، وبعد الفحص تبين انه مصاب بالصرع.

5          خالد سليمان، المرجع السابق، ص74.

6          أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 117.

7          حسين علي الغول، المرجع السابق، ص222.

8          حسين علي الغول، نفس المرجع، ص 229.

9          خالد سليمان، المرجع السابق، ص 76.

10       أنظر في هذا الصدد خالد سليمان، المرجع السابق، ص 77. و كذلك حسين علي الغول، المرجع السابق، ص 229.

  الهلاوس  سواء السمعية أو البصرية مع هذيان، فقد يحدث أن ينظر المريض إلى المرآة فيعتقد أن وجهه بدأ يتغير1.

       ويعد الفصام من أخطر الأمراض العقلية وأكثرها صلة بالجريمة، حيث يندفع المريض إليها بإيعاز من هلاوسه وهذاءاته فيتكون لديه اعتقاد خاطئ يدفعه إلى ارتكابها، وتشكل جرائم الإيذاء أكثر الجرائم شيوعا بين مرضى الفصام العقلي2.

البند الثاني : ذهان الهذاء أو البارانويا Paranoia

       وقد تم تعريف البارانويا بأنها ” حالة مرضية ذهانية واضطراب وظائفي، وتتصف بالأوهام، والهذيان والمعتقدات الخاطئة عن الاضطهاد، أو الشعور بالعظمة، أو هذاء الجنس، أو هذاء الغيرة والمشاكسة ” 3. وغالبا ما يعيش المصاب بمرض ذهان الهذاء حياة مستقرة نوعا ما إلى جانب عائلته غير أنه يتمسك بوجود معتقد وهمي عندما يتعلق الأمر بموضوع معين له علاقة بأعراض المرض لديه؛ فمن كان مصابا بهذاء العظمة يعتقد في كونه شخصا عظيما في ميدان معين من ميادين الحياة الاجتماعية، ومن كان مصابا بهذاء الاعتلال يعتقد في إصابته بمرض خطير في جسمه، والمصاب بهذاء الاضطهاد يعتقد في كونه مضطهدا من الجميع، ومن كان مصابا بهذاء العشق يعتقد انه معشوق النساء وقاهر قلوب العذارى، والمصاب بهذاء الغيرة يعتقد في خيانة من يحبها خطيبة كانت أو زوجة أو عشيقة4. ومن خلال ما تقدم، يتبين بأن أعراض البارانويا قد تأتي في شكل شعور بالاضطهاد أو العظمة أو الغيرة، الأمر الذي قد تفرز معه بدورها هلاوس سمعية وحسية وهذيانات مختلفة قد تخلق لديه انعدام الترابط الذهني والتوافق الإجتماعي5.

       وتعتبر البارانويا من بين الأمراض العقلية الخطيرة التي تستمد خطورتها من مختلف الجرائم التي يرتكبها المريض بدافع من الهذيان الذي قد يسيطر على تفكيره، دون أن يكون له سند في الواقع الفعلي6، ويتشكل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. عكاشة بن المصطفى : دروس في مادة علم النفس الجنائي، محاضرات ألقيت على طلبة الإجازة المتخصصة في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – بجامعة محمد الأول بوجدة، الموسم الجامعي 2010/2011، ص 12.
  2. حسين علي الغول، المرجع السابق، ص 229.
  3. خالد سليمان، المرجع السابق، ص 80.
  4. اكرم نشأت، المرجع السابق، ص 129، وقد أورد الأستاذ عكاشة بن المصطفى، بأن هتلر كان مريضا بجنون العظمة La mygalonanie ، فكان يشك في مل من حوله، ويفتخر بنفسه وإنجازاته، مما يدل على أن جنون العظمة هو تعويض عن النقص الذي يستشعره المرضى به في أحد جوانب حياتهم، فيعوضونه ببعض الإنجازات والهذاءات بأنهم متفوقين، المرجع السابق، ص 13.
  5. خالد سليمان، المرجع السابق، ص 81.
  6. خالد سليمان، نفس المرجع، ص 81.

.

الفعل الإجرامي الذي قد يرتكبه مريض البارانويا على حسب الأعراض المرضية المسجلة لديه1. فالشخص الذي يتوهم أن فتاة تحبه قد يقدم على اغتصابها، ومن يتوهم بأنه مصلح ديني قد يقوم بالقضاء على أشخاص معينين ضنا منه أنه يطهر البلاد والعباد من المفسدين، ومن كان مصابا ببارانويا الغيرة قد يصل حد قتل زوجه أو خطيبه أو عشيقه2.

البند الثالث : ذهان الهوس والإكتئاب

       تختلف نوبات الهوس عن نوبات الاكتئاب، في أن منشأ الأولى يكون حالة من النشوة والغبطة تغمر المصاب وتتطور في مرحلة ثانية إلى حركية زائدة تصاحبها ثرثرة قد تقلب حالة الانتشاء إلى غضب وهياج قد  يؤدي به إلى ارتكاب الجريمة، وتنشأ الثانية (الإكتئاب) من إغراق النفس في الهموم والأحزان والخواطر المظلمة3 وبالتالي اختيار العزلة والانطواء، وقد ينتقل المريض من هوس وهياج إلى هبوط واكتئاب، وقد يقدم على تصرفات عنيفة كإيذاء الغير وتحطيم الأشياء، ثم يعود للضحك بصوت عال، وبعدها يدخل في مرحلة هدوء واكتئاب4. وخلال النوبات الحادة لهذاء الهوس والاكتئاب قد يرتكب المريض تجاوزات جنائية خطيرة، قد تصل إلى حد القتل والانتحار كحالة الأم التي قامت بقتل أطفالها الثلاثة مخافة المجاعة بزعمها، ثم حاولت الانتحار غير أنه وقع إسعافها لتدلي بهذه الرواية 5 .

       وخلاصة الكلام في هذا المقام، أن معنى الفصام والذهان كأمراض عقلية  غالبا ما تختلط بمصطلح الجنون الشائع في الفقه الجنائي كمعيار لتحديد المسؤولية الجنائية، وهو مفهوم لا يتفق مع تصورات علماء النفس وأطباء الصحة العقلية، لما ينطوي عليه من مفهوم قانوني ضيق لهذه الأمراض العقلية.

المطلب الثاني : الأمراض النفسية

      وتسمى أيضا بالأمراض العصابية6 وهي تلك التي يلاحظ فيها اختلال جزئي في الشخصية نتيجة الإصابة باضطراب نفسي دون أن ينجم عن ذلك انفصال المريض عن محيطه الاجتماعي7، وقد عرفتها جمعية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. أنظر ببعض من التفصيل أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 129. ومن أشهر الأمثلة التاريخية على إحدى صور البارانويا الناتجة عن هذاء الإضطهاد نجد الجريمة التي اقترفها دانييل ماكناتن Mc Naghten  الإنجيزي سنة 1843 الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء البريطاني روبرت بيل بإطلاق الرصاص عليه معتقدا  أنه كان يريد قتله.
  2. عكاشة بن المصطفى، المرجع السابق، ص 13.
  3. أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 128
  4. خالد سليمان، المرجع السابق، ص 108.
  5. أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 126.
  6. محمد فتحي، المرجع السابق الجزء الأول، ص 140.
  7. أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 92.

الطب النفسي الأمريكي في تقريرها السنوي لعام 1952 بأنها ” مجموعة الانحرافات التي لا تنجم عن علة عضوية أو تلف في تركيب المخ، بل هي اضطرابات وظيفية، مزاجية في الشخصية، وترجع إلى الخبرات أو الصدمات الانفعالية، أو الاضطرابات في علاقات الفرد مع الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه ويتفاعل معه، وترتبط بماضي الفرد وخاصة في طفولته المبكرة “1. وهي ما قد يؤدي في الغالب من الأحيان إلى الإنقاص من ملكتي الإدراك والإرادة دون أن يصل حد إفقادهما كليا2.     

                           الفقرة الأولى: الهستيريا Hysterie

      وقد تم تعريفها بأنها ” عصاب تحولي أي مرض نفسي يتميز بتحول الصراع النفسي إلى صورة اضطراب بدني أو عقلي، دون أن تكون هناك علل عضوية يمكن أن تسبب هذه الاضطرابات التي هي في الواقع بمثابة محاولات للهروب من الصراع النفسي، وللتخلص من القلق الذي تنشأ عنه، فالمريض الهستيري إنما هو شخص يهرب من القلق، بالإلتجاء إلى الإضطرابات البدنية والعقلية التي تكون مفيدة نوعا ما في وقايته وحمايته”3.

       وهي تنتج حسب العالم فرويد عن كبت مرضي لمؤثرات جنسية، حيث دلت أساليب التحليل النفسي، على أن عامل الكبت يقوم بدور خطير في حياتنا العقلية، وله انعكاس مباشر على الخاصيات التي تكتسبها شخصيتنا4 ، ولقد ميز علماء النفس في الهستيريا بين أربعة أنواع : فهناك الهستيريا التحويلية، والتي تنتج عن رغبات جنسية مكبوتة، ثم تتحول إلى أعراض بدنية وعضوية تتمثل في ظهور تشنجات وتقلصات عضلية، مصحوبة بهذيان لفظي، ولا يكون فيها المصاب فاقدا للوعي تماما وإنما مفتقدا لجزء منه فقط5، وهناك الهستيريا القلقية التي هي عبارة عن تخيلات فكرية قاتمة، وأحلام يقظة مزعجة، تساور المصاب بالمرض6، ثم هستيريا المعتقدات الوهمية، وهي ثلة من الأوهام التي تسيطر على المصاب فتفسد سلامة تقديره، بحيث تظهر له كحقائق واقعية7. وأخيرا المخاوف الهستيرية التي هي عبارة عن مخاوف وانفعالات يستشعرها المصاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. خالد سليمان، المرجع السابق، ص 54.
  2. وفي التفريق بين الأمراض العقلية والنفسية يقول الأستاذ عكاشة بن المصطفى ” إن الفرق بين الأمراض العقلية والنفسية يكمن أولا في الدرجة، وثانيا في الوعي بالمرض، فإن كانت حدة المرض أخف فهو يصنف ضمن العصابيين، وإذا كانت أخطر فهو ضمن المرضى العقليين، ثانيا إذا كان المريض يعي مرضه فهو عصابي وإذا اعتقد في صدق أوهامه وهذيانه وهلاوسه يصبح مريضا عقليا، كما أن الأمراض العقلية عالبا ما يكون سببها عضوي في حين أن الأمراض النفسية يكون سببها نفسي “، المرجع السابق، ص 14.
  3. محمد عثمان نجاتي : علم النفس في حياتنا اليومية، دار العلم الكويت، 1977، ص 463.
  4. محمد فتحي: المرجع السابق، الجزء الأول، ص 149.
  5. اكرم نشأت : المرجع السابق، ص 94، علما بأن الأستاذ في الصفحتين 96 و 97 من نفس مؤلفه عدد مجموعة من أنواع الهستيريا (كالتشنجية أو التسلطية) ضمن الحالات التي ترفع المسؤولية الجنائية تماما ولا تقتصر على إنقاصها.
  6. محمد فتحي : المرجع السابق، الجزء الأول، ص 159.
  7. أكرم نشأت : المرجع السابق، ص 97.

من مواقف وأشياء معينة لا تستدعي الخوف عادة، كالخوف من بعض الحيوانات أو من المرور أو الوقوف في أماكن معينة كالمضايق والمرتفعات1. وقد يقدم المريض الهستيري على ارتكاب جرائم متفاوتة الخطورة ذات صلة بحالته المرضية التي قد تتطور إلى هذيان مصحوب باختلاط وهلاوس سمعية وبصرية ، كتوجيه تهمة خطيرة للنفس أو الغير أو الشروع في الانتحار2.

الفقرة الثانية : القلق النفسي

      هو مرض نفسي مرجعه وجدانات القلب المترتبة عن عدم إشباع الغرائز الجنسية3 لعدم تيسر الوسيلة المشروعة لذلك، أو توفرها بشكل غير متكافئ وفي ظروف غير ملائمة لا تروي الظمأ الجنسي، مما ينعكس على شؤون الحياة الأخرى، يستشعر فيها المريض القلق وعدم الإرتياح، وهو ما قد يدفعه في مرحلة متقدمة إلى إدمان المخدرات والمسكرات4.

الفقرة الثالثة : الإعياء النفسي

      ويسمى أيضا بالضعف العصبي أو النورستنيا Neurasthenia ، ويتمظهر في شكل ضعف في القوى المعنوية وإحساس بالإعياء والتعب عند القيام بأقل مجهود ذهني أو عضوي5، وعلى خلاف القلق النفسي يرجع علماء النفس أسباب الإعياء إلى الإفراط في العملية الجنسية، ويرى آخرون أن منشأ المرض هو التسمم الذاتي الناشئ عن فساد في الجهاز الهضمي6، وغالبا ما يكون المصابون بهذا المرض من الفاشلين في الحياة العملية، فيقدمون على اختيار الإنزواء والإنطواء والإستغراق في التفكير في مشاكلهم، مما يؤدي إلى إشتداد الإعياء لديهم، وقد يتورطون في ارتكاب أنشطة إجرامية لا تحتاج إلى نشاط بارز7 .

      وخلاصة القول فإن الأمراض النفسية بشكل عام لا تؤدي عادة إلا إلى الإنقاص من ملكتي الإدراك والإرادة لدى الجانحين، الأمر الذي لا ترتفع معه المسؤولية الجنائية عندهم، بالرغم مما قد يشكل ذلك من مدخل لإنقاصها حسب درجة ما اعترى ملكاته العقلية من ضعف أو إختلال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. محمد فتحي :  المرجع السابق، الجزء الأول، ص 163.
  2. خالد سليان : المرجع السابق، ص 61. وقد أورد الأستاذ مثالا على قيام المريض الهستيري بتوجيه تهمة خطيرة إلى الغير حالة الضابط الفرنسي نوري –Nourry la Roncière   الذي حكم عليه سنة 1835 بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات بعدما ا تهمته ابنة قائد المعسكر بأنه أرسل لها رسائل فاحشة، وحاول أن يقتحم عليها غرفتها من أجل اغتصابها، وتبين فيما بعد أن الإبنة تعاني من الهستيريا وكانت إدعاءاتها كاذبة
  3. محمد فتحي : المرجع السابق، الجزء الأول، ص 190
  4. أكرم نشأت : المرجع السابق، ص 104
  5. محمد فتحي، المرجع السابق، ج 1 ، ص 199
  6. أكرم نشات ، المرجع السابق، ص 105.
  7. محمد فتحي، المرجع السابق، ج1، ص 199.

المبحث الثاني : شروط إمتناع المسؤولية الجنائية نتيجة الإصابة بالمرض

      الأصل في الإنسان سلامة العقل والقدرة على التمييز وكليهما يشكل مناط المسؤولية الجنائية،  وهو ما ذهب إليه المشرع المغربي في الفصل 132 من القانون الجنائي- كما سلف الذكر عندما قرر بأن ”  كل شخص سليم العقل قادر على التمييز يكون مسؤولا شخصيا عن الجرائم التي يرتكبها “؛ غير أن سلامة العقل تكون على المحك عندما يثور ما يفيد بأن مرتكب الفعل الجرمي مصاب بمرض عقلي، أو اختلال نفسي أفقد لديه ملكتي الإدراك والإرادة (المطلب الأول)، وأن ذلك تزامن مع اقترافه لهذا الفعل (المطلب الثاني)، لتكتمل بذلك شروط امتناع المسؤولية الجنائية.

  المطلب الأول : فقدان الإدراك والإرادة نتيجة الإصابة بخلل عقلي

      إن الخوض في هذا الموضوع يستدعي توضيح ماهية كل من عنصري الإدراك والإرادة (الفقرة الأولى)، والحديث عن مدى تأثرهما كليا أو جزئيا نتيجة الإصابة بخلل في القوى العقلية ( الفقرة الثانية).

    الفقرة الأولى : ماهية الإدراك والإرادة

      لقد أجمع أغلب الفقه على أن مقياس المسؤولية الجنائية يتحدد بمدى توفر عنصري الإدراك والإرادة لدى الجاني أو فقدانهما؛ وقد عرف الإدراك بأنه ” قدرة الإنسان على فهم ماهية وطبيعة أفعاله، وتقدير نتائجها من حيث الواقع دون القانون “[1] . بمعنى اكتسابه القدرة على تقدير نتائج أفعاله من حيث اعتبارها صوابا أو خطأ، قد ينتج عنها في هذه الحالة الأخيرة الإضرار بالحقوق الإجتماعية، التي وفر لها المجتمع حماية جزائية دون أن يشمل ذلك إلماما بمقتضيات القوانين الزجرية المنصوص عليها، على اعتبار أن ذلك يكون مفترضا، إذ لا يعذر أحد بجهله للقانون؛ وعملية الإدراك ليست حسية مما يجعلها غير قابلة للملاحظة المباشرة، وإنما يستدل عليها بالاستجابات الصادرة عن الفرد[2]، دون أفعاله المختلفة؛ وفي بعض التشريعات العربية كمصر والأردن يأتي الإدراك بمسميات مختلفة كالوعي والشعور، وقد يأتي بمعنى التمييز[3] ، أي المقدرة على فهم ماهية الفعل المرتكب وطبيعته والآثار المترتبة عليه من زاوية ماديات الفعل دون تكييفها القانوني[4]؛ فالإدراك إذن هو العلم بالصفة غير المشروعة للفعل من حيث آثاره وأضراره ومخاطره التي تلحق بالحقوق، والمصالح الجديرة بالحماية الجزائية، وليس العلم بتكييفه القانوني؛ ولقد أضافت قواعد “ماكناتن” Mc Naughten rules ، مسألة الخطأ والصواب في عنصر الإدراك فاعتبرت أنه معرفة الإنسان لطبيعة وصفة فعله وتمييزه في ما إذا كان خطا أو صوابا1 حيث تنتفي المسؤولية بعدم علم الجاني بطبيعة فعله أو أثره (صفته) أو أنه خطأ بمقياس الشخص العاقل.

      أما الإرادة فقد عرفت بأنها نشاط نفسي يتجلى في قدرة الإنسان على توجيه نفسه لارتكاب فعل معين أو للامتناع عنه2وقد عرفت أيضا بأنها  ” قدرة الشخص على توجيه سلوكه على نحو معين بحرية واختيار “3، فهي حالة نفسية داخلية تتحكم في اختيارات الشخص بإتيان الفعل أو الكف عنه، وقد تأتي بلفظ حرية الاختيار التي هي مقدرة الجاني على تحديد الوجهة التي تتخذها إرادته؛ فلا يكفي أن يكون قادرا على أن يعلم بالتوجهات المختلفة التي يمكن أن تتخذها، بل يجب أن يكون قادرا على اختيار توجه منها وتوجيه إرادته إليها،4 ، سواء بالإتيان أو الترك، فحيث تتكون الجريمة بالامتناع يجب الإقدام على الفعل، وحيث تتكون بالإتيان على الفعل يجب الامتناع عنه5 ، غير أن ذلك مشروط بتوفر قدر من حرية الاختيار لدى الجاني لإمكانية مساءلته، فإذا أحاطت به ظروف  انتفت معها هذه الحرية، أو تقلصت بشكل معين فلم تترك له سبيلا آخر إلا إتيان الفعل، ارتفعت مسؤوليته أو تخففت حسب الأحوال6، وهو مذهب نادت به المدرسة التقليدية وتأثرت به العديد من التشريعات الحديثة واعتمدته في قوانينها7، مستبعدة نظرية مذهب الجبرية –  المدرسة الموضوعية – والتي ينكرأنصارها وجود الإرادة وحرية الاختيار، نظرا لخضوع الإنسان في جميع أفعاله وتصرفاته لمؤثرات تتعلق بذاته ومحيطه الاجتماعيين، وهي التي تدفعه نحو الوجهة التي تريدها؛ والمسؤولية لدى أنصار هذا المذهب هي مسؤولية اجتماعية فيسأل الجاني عن جريمته على أساس اجتماعي، إذ أن الجريمة مقدرة عليه، وللمجتمع الاحتراز منه وإيقاع التدبير عليه1، وهو توجه لم يجد له صدى في أغلب القوانين والتشريعات المعاصرة.

      هذا وإن القول برفع المسؤولية الجنائية يتحقق بمجرد فقدان أحد هذين العنصرين : الإدراك أو الإرادة ولو دون الآخر، وفي ذلك يقول الأستاذ أشرف توفيق شمس الدين أنه ” ليس بشرط أن يفقد الجاني الشعور والاختيار معا بل يكفي أحدهما “2، فقد يفقد الجاني الإدراك بخلل عقلي رغم توجيهه إرادته لارتكاب الفعل الجرمي، كما أنه قد تنعدم الإرادة لديه لوقوع إجبار أو إيحاء يسلبها نتيجة استغلال اضطرابات نفسية رغم إدراكه النسبي للمضار التي قد ينطوي عليها فعله، وعلى هذا الأساس سار المشرع المغربي الذي نص على انعدام المسؤولية الجنائية للجاني بمجرد انتفاء أحد العنصرين  دون أن يشترط اجتماعهما معا، وهو ما قد يفهم من استعمال المشرع لحرف العطف أو3 ” يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة ” (الفصل 134 من القانون الجنائي)، بمعنى أن المسؤولية الجنائية ترتفع بمجرد انتفاء أحدهما ولو بمعزل عن الآخر.

    الفقرة الثانية : تأثير الخلل العقلي على عنصري الإدراك والإرادة

      لقد سبق القول بأن تحقق المسؤولية الجنائية عن الفعل الضار لا تتم إلا في ظل سلامة العقل والقدرة على التمييز، غير أن الإصابة بأحد الأمراض العقلية أو النفسية قد يؤدي حتما إلى التأثير على سلامة العقل، ويضع المسؤولية الجنائية في الميزان في ظل اختلال ملكتي الإدراك والإرادة بتزامن مع ارتكاب الفعل الجنائي، وحسنا فعل المشرع المغربي عندما اختار استعمال عبارة ” خلل في قواه العقلية ” للتنصيص على الإصابة بمرض من الأمراض العقلية أو النفسية، وهي عبارة واسعة تشمل جميع ما يصيب العقل من اختلال وعاهات قد تفقده الإدراك والإرادة، ولم يقم بربط ذلك بوجود مرض عقلي أو نفسي معين، كما هو الشأن بمرض الجنون مثلا، على غرار ما فعلته بعض التشريعات الأخرى4 فكان بذلك متميزا عنها، وموفقا إلى حد كبير في الأخذ بنظريات علم النفس والطب النفسي، بشأن تصنيفات الأمراض العقلية والنفسية التي هي كثيرة ومتعددة – كما رأينا – ودون أن يحصرها في مسمى الجنون، باعتباره الاختلال العقلي الشائع في كتب الفقه الجنائي، تاركا هذه المسألة لذوي الاختصاص  يحددونها تبعا لما هو متعارف عليه في علم النفس كاختلالات عقلية أو نفسية، ولا يخلو الأمر في هذه الحالة من فرضيتين : تؤدي الأولى إلى القول بانعدام المسؤولية الجنائية لدى الجاني إذا ما ثبتت إصابته بأحد الأمراض العقلية أو النفسية أفقدته الإدراك والإرادة بتزامن مع اقترافه الفعل الجنائي، وتؤدي الثانية إلى إنقاص مسؤوليته الجنائية إذا تسبب المرض العقلي في التشويش على هاتين الملكتين وإضعافهما دون بلوغ حد إفقادهما، وهو ما تبناه المشرع المغربي حيث عكست المادة 134 من مدونة القانون الجنائي فرضية المسؤولية المنعدمة وقد جاء فيها ” لا يكون مسؤولا ويجب الحكم بإعفائه من كان وقت ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه في حالة يستحيل عليه معها الإدراك والإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية “.

 ويعد الهوس الاكتئابي المزمن، والصرع المصحوب باضطراب الشخصية، والفصام المرفوق بالهذيان من أهم الامراض العقلية التي غالبا ما تؤدي إلى رفع المسؤولية الجنائية1، كما أورد الأستاذ أكرم نشأت إبراهيم في مؤلفه علم النفس الجنائي مجموعة من الاضطرابات النفسية التي تعدم المسؤولية الجنائية عند الجانح، ومن ذلك إصابته بنوبات الهستيريا التشنجية، أو الهستيريا التسلطية ونوبات ازدواجية الشخصية، وهي كلها حالات مرضية يختل فيها إدراك المصاب بها وإرادته إلى حد فقدانهما مما يستتبع القول بانعدام مسؤوليته الجنائية2.

      أما فرضية المسؤولية الناقصة فقد نص عليها المشرع المغربي في المادة 135 من مدونة القانون الجنائي بقوله”تكون مسؤولية الشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي إلى تنقيص مسؤوليته جزئيا “؛ وتبعا لذلك تكون أهم خاصيات الأمراض العقلية النفسية التي تنقص المسؤولية هي عدم إلغاء الإدراك والإرادة لدى المصابين بها كليا، وإنما إضعافهما والتشويش عليهما بشكل قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى اختراق ستار الجريمة، وارتكاب أفعال انحرافية، ومن هذه الأمراض نجد حالة الهستيريا القلقية وهستيريا المعتقدات الوهمية والمخاوف الهستيرية، وكذا القلق النفسي والإعياء النفسي3، وجميعها عبارة عن عوارض نفسية لا تعدم المسؤولية وإنما تنقصها وتخفف منها، فكثيرا ما يظهر المصاب بها بمظهر الشخص العادي الذي يتجاوب بشكل طبيعي مع محيطه الخارجي، فالعصابي يعيش حياة طبيعية ويندمج مع الناس بالرغم من أعراضه المرضية4، ولا يستطيع غير خبير تقدير إصابته بهذه الاختلالات النفسية.

  المطلب الثاني : معاصرة الخلل العقلي لزمن ارتكاب الجريمة

      العبرة في الاختلال العقلي المانع للمسؤولية أن يكون قائما وقت ارتكاب الجريمة حتى ينتج أثره5؛ فلا تأثير للخلل العقلي على المسؤولية إذا كان سابقا عن ارتكاب الفعل أو لاحقا عنه، وفي ذلك يقول الأستاذان أحمد جلال و شريف الطباخ ” ويجب أن يكون الجنون أو العاهة العقلية قد أحدث أثره في الإدراك أو الاختيار وقت ارتكاب الجريمة، ولذلك فإن المرض العقلي المتقطع لا ينفي المسؤولية، إذا كانت الجريمة قد ارتكبت في فترة الإفاقة، إذ تعني الإفاقة احتفاظ المتهم بشعوره واختياره “1. ومرد اعتبار المرض العقلي مانعا للمسؤولية عن الجريمة المقترفة في زمن وقوع الاختلال، هو انعدام الإدراك والإرادة أو نقصانهما، ذلك أن شرط وحدة الزمن بين الجريمة في ركنها المادي، ولحوق الخلل العقلي بمرتكبها هو المعول عليه في منع المسؤولية الجنائية لديه2، وهو التوجه الذي تبناه المشرع المغربي حيث نص في الفصل 134 من القانون الجنائي بشأن المسؤولية المنعدمة على أنه ” لا يكون مسؤولا ويجب الحكم بإعفائه، من كان وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليه في حالة يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية “، وبخصوص المسؤولية الناقصة فقد نص الفصل 135 من القانون الجنائي على أنه ” تكون مسؤولية الشخص ناقصة إذا كان وقت ارتكابه الجريمة مصابا بضعف في قواه العقلية من شأنه أن ينقص إدراكه أو إرادته ويؤدي إلى تنقيص مسؤوليته جزئيا ” فيكون إذن – حسب القانون المغربي – مناط رفع المسؤولية كليا أو جزئيا مشروط بمعاصرة الخلل العقلي لارتكاب الفعل المادي للجريمة، وهو ما زكاه القضاء المغربي ورسخه في العديد من قراراته نذكر منها القرار رقم 22475 الصادر بتاريخ 25 أبريل 1983 في الملف الجنائي رقم 88081 والذي جاء فيه ” القاصر عديم التمييز ويلحق به فاقد العقل بالنسبة للأفعال الحاصلة منه في حالة جنونه، لا يسأل عن الضرر الذي تسبب فيه”3.

      ويفهم مما سلف أن الإصابة بالخلل العقلي الذي تكون سابقة عن اقتراف الفعل المادي للجريمة أو لاحقة عنه، ليس لها أي تأثير على المسؤولية الجنائية، وفي هذه الحالة الأخيرة يقول الأستاذان أحمد جلال و شريف الطباخ ” إن الجنون الطارئ على الجاني بعد ارتكابه الجريمة لا يؤثر بالطبع على مسؤوليته الجنائية ولكن يقتصر أثره على إجراءات الدعوى إذا طرأ أثناءها، أو يؤثر على وقف تنفيذ العقوبة إذا طرأ بعد صدور الحكم عليه4، فالتأثير في هذه الحالة – أي الخلل العقلي اللاحق بعد ارتكاب الفعل الجنائي – يكون على إجراءات الدعوى5. وقد أورد المشرع المغربي هذه الفرضية في الفصل 79 من القانون الجنائي والذي جاء فيه أنه ” إذا قررت محكمة الموضوع، بعد الخبرة الطبية، أن الشخص المتابع لديها بجناية أو جنحة كامل المسؤولية أو ناقص المسؤولية بالنسبة للوقائع المنسوبة إليه، ولكن بسبب خلل في قواه العقلية طرأ عليه أو اشتد أثره بعد ارتكاب الفعل، أصبح غير قادر على الدفاع عن نفسه في الدعوى، فإنه يجب عليها :

       1 – أن تقرر أن المتهم عاجز عن إبداء دفاعه بسبب خلل في قواه العقلية.

       2  – أن تأمر بوقف النظر في الدعوى.

       3 –  أن تأمر بإدخاله في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية… “.

       ويستنج مما ذكر، أن أثر المرض العقلي الطارئ بعد ارتكاب الجريمة لا يمس المسؤولية الجنائية في شيء وإنما يقتصر على إجراءات الدعوى بوقفها من طرف المحكمة التي تنظر في القضية وإيداع الجاني في مؤسسة للعلاج.

        هذا وقد سكت المشرع المغربي عن الحالة التي يصاب فيها الجاني بخلل عقلي يفقده الإدراك والإرادة بعد محاكمته وصدور حكم نهائي بشأنها، خلاف بعض التشريعات الأخرى كالقانون المصري الذي ينص في المادة 487 من قانون الإجراءات الجنائية ” على وجوب إرجاء تنفيذ العقوبة حتى يبرأ المحكوم عليه مع إمكانية وضعه في أحد المحال المعدة للأمراض العقلية من طرف النيابة العامة، على أن تستنزل المدة التي يقضيها في هذا المحل من مدة العقوبة المحكوم بها1 .

     ولقد جرى العمل في بلادنا على بقاء المريض معتقلا، مع إمكانية عرضه على أطباء متخصصين في الطب النفسي (المادتين 123 و 130 من القانون رقم 98-23 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية)، وهذا التوجه يتعارض والأغراض الحقيقية للعقوبة المتمثلة في الردع وإعادة الإدماج، لأن ذلك يقتضي أن يكون المحكوم عليه مميزا كي يستطيع أن يدرك ما تنطوي عليه العقوبة من إيلام، ويستجيب لما تتضمنه من أساليب الإصلاح والتأهيل وإعادة الإدماج، ونحن نهيب بالمشرع المغربي أن يعمل على تدارك هذا الإغفال، بالنص على وقف العقوبة السالبة للحرية، وإيداع المرضى من السجناء في مصحات عقلية ونفسية متخصصة من أجل العلاج، ويمكن بعد ذلك استئناف العقوبة على أن تخصم مدة الإيداع الفعلي للعلاج من مدة العقوبة المحكوم بها.

 

 

 

 

 

المبحث الثالث : أثر ثبوت الإصابة بالمرض العقلي

      إن الإقرار بثبوت الإصابة بالمرض لدى مرتكب الفعل الجرمي، هي من المسائل الموضوعية التي يختص بالفصل فيها قاضي الموضوع، وهو إجراء يقوم به غالبا بعد الاستعانة بأهل الخبرة في ذلك (المطلب الأول)، وبعد التصريح بثبوت المرض، يبادر القاضي إلى تطبيق أثره على المسؤولية الجنائية (المطلب الثاني) .

  المطلب الأول : ثبوت الإصابة بالمرض

     لقد سبق القول أن إثبات المرض العقلي هو من اختصاص قاضي الموضوع، وللمحكمة أن تتحقق منه بنفسها إن آنست فيها القدرة على ذلك، فهي الخبير الأعلى في كل ما يستدعي خبرة فنية1، والأصل في الخبرة أنها جوازية ولا إلزامية فيها،باعتبارها إمكانية مخولة للقضاء له أن يأخذ بها أو يطرحها ولا شيء عليه في ذلك، وقد سبق للمجلس الأعلى أن أعلن موقفه منها في عدة قرارات، نذكر منها القرار رقم 4963 الصادر بتاريخ 29 ماي 1984 في الملف الجنائي عدد 9381/84 والذي جاء في إحدى حيثياته أن الخبرة هي “وسيلة إثبات تملك معها المحكمة سلطة تقديرية لا تخضع فيها لرقابة المجلس، وأن عدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة لا يؤثر في قرار المحكمة وأن السكوت عنه يعد جوابا ضمنيا برفضه “2، غير أن مسألة تقرير وجود العيب العقلي من عدمه وقت ارتكاب الجريمة، هي من المسائل الشائكة شديدة التعقيد، لما لها من ارتباط وثيق بمعارف علم النفس والطب النفسي، وهو تخصص ينآى بطبيعته عن مجال تخصص القاضي ولا يمكن أن يشق إليها طريقه بنفسه، خاصة وأن النتائج التي قد تترتب عن ثبوت الخلل العقلي من عدمه هي ذات أهمية كبيرة للفصل في الدعوى على النحو الذي يكون أقرب إلى العدالة3، فإما إقرار المسؤولية لدى المتهم، وبالتالي عقابه طبقا للقانون، وإما القول بانعدام مسؤوليته الجنائية أو نقصانها حسب الأحوال، وهو ما يستتبع إعفاءه من العقاب أو تخفيضه في حقه.

 وباستقراء أنواع الأمراض العقلية والنفسية، والإحاطة بأسبابها وأعراضها، يتضح أن أخطرها هي التي لا تظهر للعيان، بل تكون متوارية في نفوس أصحابها كامنة بين ثنايا الصدور، ولا يستطيع غير خبير إخراجها من هذه المكامن، وفي هذا تقول الأستاذة آمال عبد الرحيم عثمان في مؤلفها – الخبرة في المسائل الجنائية – ” إن أخطر صور الجنون هي ما خفي أمرها، بحيث يصعب على غير الخبير الفني اكتشاف أعراضه، فإنه يحسن أن تستعين المحكمة في الحالات التي تكون محل شك بالخبير “1.

     لذلك فإن التثبت من وجود الخلل العقلي لدى المتهم، هو بلا جدال مسألة تقنية لا يجدر بالقاضي الجنائي التصدي للجواب عنها بالإيجاب أو النفي بنفسه، وإنما يكون عليه الاستعانة بأهل الخبرة من الأطباء والأخصائيين النفسيين، لاستيضاح هذه المسألة وتسليط الضوء عليها، غير أن هذا الاتجاه لا يجد له صدى في القضاء المصري الذي يعتبر مسألة التثبت من الجنون أو عدمه هو مسألة موضوعية يستقل بها قاضي الموضوع ويكفيه في ذلك مجرد تسبيب سائغ لقضائه، ولا حرج على القاضي أن يكتفي بقناعته بوجود الجنون أو عدمه2، وقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض المصرية أن ” المحكمة غير ملزمة بندب خبير فني في الدعوى لتحديد مدى تأثير مرض الطاعن على مسؤوليته الجنائية، بعد أن وضحت لها الدعوى إذ أن الأصل أن تقدير حالة المتهم العقلية من الأمور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة (نقض 31/10/1970 طعن 766)3.

      أما القضاء السوري فقد اعتبر أن التثبت من الخلل العقلي هو من اختصاص ذوي الخبرة من الأطباء المختصين، حيث جاء في قرار لمحكمة النقص السورية ” أن الأمراض العقلية هي من الأمراض الخفية الدقيقة التي تحتاج إلى خبرة واسعة ودراية تامة، ولا يجوز للمحكمة أن تقدر من تلقاء نفسها عقلية الضنين، فلابد من الإعتماد على رأي الطبيب أو تركه إلى رأي أقوى منه علما “.

      وبالرجوع إلى القانون المغربي فإن المشرع اعتبر أن التأكد من الخلل العقلي الذي يرفع المسؤولية الجنائية أو يخفضها هو أمر موكول لمحكمة الموضوع تتولاه بعد الاستعانة برأي ذوي الخبرة، وهو ما يفهم من استقراء الفصل 76 من مجموعة القانون الجنائي والتي جاء فيه ” إذا تبين لمحكمة الموضوع وبعد إجراء خبرة طبية… “،  والفصلين 78 و 79 من نفس القانون اللذين ينصان على أنه ” إذا قررت محكمة الموضوع بعد الخبرة الطبية…”.

      مما نستخلص معه أن المشرع المغربي جعل مسألة التحقق من وجود الخلل العقلي من اختصاص أهل الخبرة من الطب النفسي، وهو التوجه الذي تمت تزكيته قضائيا حيث  تواترت عن محكمة النقض المغربية العديد من القرارات التي تصب في هذا الإتجاه، ونسوق على سبيل المثال قرار المجلس الأعلى غير المنشور عدد 1130/9 المؤرخ في 15 نونبر 2005 الصادر في الملف الجنحي عدد 11783/2003 ، حيث ورد في الحيثية المعتمدة لنقض وابطال القرار المطعون فيه بالنقض ما يلي ” وحيث أن الأمر يتعلق بمسألة طبية دقيقة لا يكون فيها الجزم إلا لمن تتوفر فيه الخبرة في ذلك الميدان، وأن المحكمة عندما اعتبرت الطاعن متمتعا بكامل قواه العقلية وأعرضت عن استدعاء الطبيبين المطلوب الإستماع إليهما، وبرفضها اللجوء إلى خبرة لإستجلاء الحقيقة، واعتمادها فقط على كون أجوبة المتهم كانت واضحة ومفهومة ولا توحي بأي اضطراب، تكون قد أبدت رأيها في موضوع لا دراية لها به، ودون الإستعانة بذوي الإختصاص في هذا الميدان، علما أن المطلوب هو حالة المتهم وقت ارتكابه الفعل الجرمي، مما تكون معه قد عرضت قرارها للنقض والإبطال “.1

        ولتأكيد هذا التوجه حصلنا في نفس هذا الإطار على قرار حديث للمجلس الأعلى عدد 23 الصادر بتاريخ 14911/2010 والذي جاء في مفتاحه أنه ” تكون المحكمة قد جانبت الصواب لما ردت طلب إجراء خبرة طبية على متهم لعلة أنه كان في حالة صحة طبيعية أثناء المحاكمة ولم يظهر عليه أي عارض من عوارض المرض العقلي أو النفسي، وقضت بمسؤوليته الجنائية عن الفعل المرتكب، في حين أن التقرير في مدى السلامة العقلية أو النفسية للمتهم مسألة طبية يتولاها ذوو الاختصاص وتخرج عن ولاية المحكمة”2.

       هذا وقد أوكل المشرع المغربي أمر إجراء خبرات عقلية للمساعدة على تحديد درجة المسؤولية الجنائية عند الجناة إلى هيآت التحقيق والحكم، وذلك إما تلقائيا أو بطلب من النيابة العامة أو المتهم أو دفاعه3؛ وسواء أخذت المحكمة برأي الخبير أو أهملته تبعا لاقتناعها بثبوت الخلل العقلي من عدمه، فإن ذلك يوجب عليها تعليل وجه قضائها بالاعتماد على رأي فني آخر، فالشيء الفني لا يدحض إلا بشيء فني مثله4.

  المطلب الثاني : أثر ثبوت المرض في التطبيق القانوني والقضائي

      يترتب على وجود الخلل العقلي الكلي أو الجزئي المؤدي إلى فقدان ملكتي الإدراك والإرادة أو إضعافهما وقت ارتكاب الجريمة، امتناع المسؤولية الجنائية عنها (الفقرة الأولى)، أو إنقاصها حسب الأحوال (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : أثر الخلل العقلي المؤدي إلى امتناع المسؤولية الجنائية

      عندما يثبت لمحكمة الموضوع أن الجاني كان فاقدا للإدراك والإرادة أثناء ارتكابه للفعل الجرمي فيجب عليها أن تصرح بعدم مسؤوليته الجنائية، وأن تحكم بإعفائه، وفي حالة استمرار خلله العقلي أن تأمر بإيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية4، وهو ما نصت عليه بتفصيل المادة 134 من مجموعة القانون الجنائي المغربي التي أكدت أنه ” لا يكون مسؤولا، ويجب الحكم بإعفائه، من كان وقت ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه، في حالة يستحيل عليه معها الإدراك أو الإرادة نتيجة لخلل في قواه العقلية.

     وفي الجنايات والجنح، يحكم بالإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية وفق الشروط المقررة في الفصل 76.

     أما في مواد المخالفات – فإن الشخص الذي يحكم بإعفائه – إذا كان خطرا على النظام العام – يسلم إلى السلطة الإدارية “.

       فالمحكمة وعندما يثبت لديها أن الجاني وقت ارتكابه للجريمة المنسوبة إليه كان فاقدا لملكتي الإدراك أوالإرادة نتيجة ما لحق به من اختلال في قواه العقلية، تكون ملزمة بالتصريح بانعدام مسؤوليته، وتحكم بإعفائه من العقاب، ونتيجة لما قد تنطوي عليه حالته الصحية من خطورة محتملة على المجتمع، فإنها تقرر حجز الجاني في مؤسسة للعلاج كتدبير وقائي في مواجهة هذه الخطورة المفترضة، على اعتبار أن عدم توقيع العقاب على الجاني المريض نتيجة امتناع المسؤولية الجنائية لديه لا يحول دون إخضاعه للتدابير الوقائية1.

       ولقد عرف المشرع المغربي الإيداع القضائي داخل مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية بأنه وضع شخص في مؤسسة مختصة بمقتضى قرار من محكمة الموضوع إذا كان متهما بارتكاب جناية أو جنحة أو بالمساهمة أو المشاركة فيها، ولكنه كان وقت ارتكاب الفعل في حالة خلل عقلي ثبت بناء على خبرة طبية، واستوجب التصريح بانعدام مسؤوليته مطلقا وإعفائه من العقوبة التي قد يستحقها وفق القانون2، وهو إجراء احترازي وتدبير وقائي أوجبه المشرع، وجعل غايته حماية المجتمع من الخطورة المحتملة التي قد يمثلها مرتكب الجريمة الذي ثبتت عدم مسؤوليته الجنائية، ومخافة العودة إلى ارتكاب أفعال مماثلة، وهو التدبير الوحيد الذي تقرره المحكمة دون الحاجة إلى إصدار العقوبة3 باعتبار طبيعته الوقائية المحضة، ولما فيه من مصلحة لمرتكب الجريمة تتجلى في تلقيه العلاجات المناسبة التي قد تعيده شخصا سويا إلى المجتمع متى تم له الشفاء؛ وهذا التدبير – الإيداع القضائي – لا تقرره المحكمة إلا بمناسبة النظر في الجنايات أو الجنح، أما المخالفات فإنه يتعين تسليم المخالف إلى السلطة الإدارية إذا عد خطرا على النظام العام.

       وباستقراء مجموعة من القرارات الجنائية التي قضت بإعفاء الجناة وإيداعهم بمؤسسات العلاج نجد أن صيغة ذلك تتم على الشكل الآتي :  ” لهذه الأسباب :

     حكمت المحكمة علنيا (ابتدائيا أو نهائيا) وحضوريا بكون المتهم ” فلان الفلاني ”  كان وقت ارتكابه لأفعال موضوع المتابعة في حالة خلل عقلي يمنعه تماما من الإدراك والإرادة، وتصرح بانعدام مسؤوليته مطلقا وتحكم بإعفائه من العقاب مع إيداعه في مؤسسة للعلاج من الأمراض العقلية والنفسية ب …. وإبقاء الأمر باعتقاله ساري المفعول إلى حين إيداعه الفعلي بالمؤسسة المذكورة “.

      هذا وبعد إقرار الإيداع القضائي على النحو المذكور لا يمكن مطلقا متابعة المودع من أجل نفس هذه الأفعال بعد شفائه أو استئناف محاكمته من جديد.

الفقرة الثانية : أثر الخلل العقلي المؤدي إلى إنقاص المسؤولية

       لقد أحال الفصل 135 من القانون الجنائي في حالة ما إذا تعلق الأمر بجناية أو جنحة وثبت للمحكمة أن مرتكب الجريمة كان وقت ارتكابه لها ، يعاني من ضعف في قواه العقلية   انقص لديه الإدراك والإرادة، على تطبيق مقتضيات قانونية معينة نص عليها في الفصل 78 من نفس القانون والذي جاء فيه أنه  :

”  إذا قررت محكمة الموضوع بعد الخبرة الطبية ، أن مرتكب جناية أو جنحة ، رغم كونه قادرا على الدفاع عن نفسه في الدعوى إلا انه كان مصابا وقت الأفعال المنسوبة إليه بضعف في قواه العقلية ، يترتب عليه نقص في مسؤوليته ، فانه يجب عليها :

1-      أن تثبت أن الأفعال المتابع من أجلها المتهم منسوبة إليه .

2-      أن تصرح بأن مسؤوليته ناقصة بسبب ضعف في قواه العقلية وقت ارتكاب الفعل .

3-      أن تصدر الحكم بالعقوبة .

4-      أن تأمر إذا اقتضى الأمر ذلك بإدخال المحكوم عليه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية قبل تنفيذ العقوبة السالبة للحرية ، ومدة بقائه في هذه المؤسسة تخصم من مدة العقوبة وينتهي إيداعه في المؤسسة وفق الشروط المقررة في الفقرة الأخيرة من الفصل 77 ”   .

       لقد سبق القول أن جل الذين يعانون من اختلالات نفسية وعقلية من شأنها إضعاف مداركهم  وإراداتهم من غير إلغائها كليا ، قد يظهرون بمظهر الأسوياء الطبيعيين أثناء محاكمتهم ، من هنا كان التعبيرالذي استعمله المشرع في الفقرة الأولى من الفصل 78 ” رغم كونه قادرا على الدفاع عن نفسه ” ، فالجاني الذي أثبتت الخبرة الطبية التي أنجزت عليه أنه كان وقت ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه مصابابضعف في قواه العقلية تسببت في إنقاص مسؤوليته ، يتصرف بشكل طبيعي أثناء محاكمته ، وأظهر تجاوبا واضحا مع أسئلتها ومناقشاتها ، باسطا أقواله ، ومبديا ملاحظاته أمامها ، فهو قادر على إبداء أوجه دفاعه ، ورغم ذلك فالمحكمة ملزمة بمعاملته معاملة خاصة ، وتمتيعه  بما يستحقه من ظروف مخففة باعتباره كان ناقص المسؤولية ، وذلك بعد أن تتقيد في حكمها بالخطوات الآتية :

البند الأول : إثبات إرتكاب الجاني للأفعال المنسوبة إليه

       وهو الدور الطبيعي الذي يقوم به القضاء الجنائي عند محاكمته للمشتبه بارتكابهم للجنايات والجنح ، والقاسم المشترك بين كافة الأحكام الجنائية ، وذلك بالتحقق من صدق المتابعات المنسوبة للمتهمين بعد تقدير مدى وجاهة وسائل الإثبات التي قد يسوقها أطراف الدعوى كل حسب الجهة التي يمثلها ، وعليها تنبني قناعة القاضي الجنائي الذي يتولى إصدار حكمه بكل تجرد واقتناع ، جازما بصوابية منطوق حكمه لديه ، من غير ريبة أو تردد ، فالأحكام الجنائية القاضية بالإدانة  لا تبنى على الشك و إنما على اليقين .

البند الثاني : التصريح بنقصان مسؤولية الجاني

       تتولى المحكمة في حيثيات حكمها التنصيص على حالة نقصان المسؤولية ، بالإعتماد على ما ورد في تقرير الخبرة من خلاصات أظهرت معاناة الجاني من مرض نفسي أضعف لديه الإدراك والإرادة من غير أن يعدمهما بشكل يجعله قادرا على تحمل عقوبة حبسية مخففة ولتوضيح ذلك عمليا نسوق القرارغير المنشورالصادر عن غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بفاس عدد 441 الصادر بتـاريخ 27/06/2007 في الملف الجنائي عدد 67-2006 ، والذي جاء في إحدى حيثياته ” حيث ثبت من تقرير الخبرة الطب-نفسية الذي أنجزه الدكتور تيسير بنخضرا على المتهم د.ع أن مسؤولية المتهم  عن الأفعال المنسوبة إليه ناقصة ، ويبقى قادرا عن الدفاع عن نفسه بسبب تأثير ميله للتأويل المرضي ، مما جعل المحكمة تقتنع باعتباره ناقص المسؤولية وقت ارتكاب الفعل ” وهو ما أثبتته المحكمة بعد ذلك  في منطوق حكمها الصادر في نفس القضية حيث جاء على النحو الآتي :

” لهـــــذه الأسبــــاب

حكمت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف علنيا ابتدائيا و حضوريا بمؤاخذة المتهم د.ع من اجل جناية القتل العمد مع اعتباره ناقص المسؤولية وقت ارتكاب الفعل وتحكم عليه بعشر  (10) سنوات سجنا نافذا وبتحميله الصائر وبتحديد مدة الإكراه البدني في الأدنى وتأمر بإتلاف المحجوز  “

وبذلك تكون المحكمة قد التزمت و فعلت مقتضيات الفصل 78 من القانون الجنائي المتعلقة بالتصريح بمسؤولية المتهم الناقصة ، حسب ما يفرضه القانون وينسجم مع مقتضياته .

البند الثالث : إصدار الحكم بالعقوبة

       ففي حالة المسؤولية الناقصة التي يضعف فيها لدى الجاني الإدراك أو الإرادة  دون أن يصل حد انعدامهما، تتولى المحكمة إصدار العقوبة المناسبة في حق الجاني وهي العقوبة التي يتعين أن تكون مخففة بالنظر إلى الحالة التي كان عليها من ضعف الإدراك والإرادة أثناء ارتكابه للفعل الجرمي المنسوب إليه – كما ورد في منطوق القرار الصادر عن محكمة الجنايات بفاس المشار إليه أعلاه – ؛ وفي هذا تختلف عن المسؤولية المنعدمة التي لا يمكن للمحكمة إلا أن تصرح بإعفاء الجاني وتقرر إيداعه في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية إن لزم الأمر .

البند الرابع : الإيداع – إن اقتضى الأمر –في مؤسسة لعلاج  الأمراض العقلية

       وعلى خلاف الإيداع القضائي في مؤسسة لعلاج الأمراض العقلية المنصوص عليه في حالة انعدام المسؤولية فإنه لا يحكم به في حالة المسؤولية الناقصة إلا إذا لزم الأمر ، حيث استعمل المشرع مصطلح ” إن اقتضى الأمر ” وهو يعني حسب الأستاذ ادولف رييولط تلك الحالة التي تفيد فيها نتائج الخبرة الطبية أن مرتكب الجريمة كان وقت وقوع الحادث مصابا بنقص طارئ في قواه العقلية إلا أنه رجع فاستعاد بعد الحادثة قواه العقلية الطبيعية1، غير أنه إذا أثبتت الخبرة أن الجاني لا يزال يعاني من تبعات المرض النفسي الذي ألم به عند ارتكابه للفعل الجرمي الذي أضعف لديه ملكتي الإدراك أوالإرادة ، فإن المحكمة تقدر في هذه الحالة العقوبة الحبسية المناسبة ، وتأمر بالموازاة مع ذلك بإيداع الجاني بمؤسسة العلاج من الأمراض العقلية لأجل تلقي العلاجات المناسبة ، وينفذ هذا الإيداع قبل تنفيذ العقوبة الحبسية على أن تخصم منها المدة التي قضاها الجاني تحت الإيداع القضائي لتلقي العلاجات الضرورية  وتنتهي مدة الإيداع طبقا لما هو وارد في المادة  77 من القانون الجنائي

خاتمة

      وختاما فإن امتناع المسؤولية الجنائية الناتج عن الإصابة بالخلل العقلي أو النفسي المعاصر للفعل الجنائي، يعد من الأسباب الشخصية التي تتعلق بمرتكب الجريمة لعلاقتها الوطيدة بملكتي الإدراك والإرادة، ولا ترتفع بها الصفة الجرمية للفعل، حيث يسأل غيره من المساهمين و الشركاء ممن لم يتوفر عندهم هذا المانع، فضلا عن أن انتفاء المسؤولية الجنائية لدى الجاني لا يحول دون قيام مسؤوليته المدنية. والمشرع المغربي  وعلى غرار العديد من التشريعات الأخرى، اعتمد الاختلال العقلي كأحد موانع المسؤولية1 وكان موفقا إلى حد كبير لامتناعه من تحديد مفهوم ضيق لمسألة المرض، وآثر استعمال مصطلح فضفاض من قبيل ” الخلل ” للتعبير عن هذا المعطى، وحسنا فعل، فالاختلالات العقلية أو النفسية هي من التنوع بحيث يصعب أن توضع تحت حصر، والأصعب منها أن يدعي شخص مهما كان رجحان عقله، خلوه من أية شوائب أو اعتلالات نفسية مهما بلغت ضآلتها، وفي هذا نسوق مقولة شهيرة للعالم فرويد التي ضمنها في كتابه – العصاب الذهان الإنحراف – ” كل شخص هو عصابي بحسب طبيعته “.

          فهل يوجد من بيننا اليوم، من يستطيع أن يجزم أنه سليم العقل بشكل لا يخالطه فيه شك ؟.

                                                                                        والســــــــــــــــلام

 

v          الكتب باللغة العربية  :

–  أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي – القسم العام – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع 1985 ؛

  محمد عثمان نجاتي، علم النفس في حياتنا اليومية، دار العلم الكويت، 1977 ؛

–  الحسن البوعيسي، كرونولوجيا الإجتهاد القضائي في المادة الجنائية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء ؛

–  محمد سامي النبراوي، شرح الأحكام العامة لقانون العقوبات الليبي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي الطبعة الثانية، 1987 ؛

–  عبد الرحمان العيسوي، إتجاهات جديدة في علم النفس القضائي، منشورات الحلبي الحقوقية، 2004 ؛

–  أدولف رييولط ـ الطب الشرعي ـ ترجمة ادريس ملين ـالرباط ـمنشورات المعهد الوطني للدراسات القانونية ـمطبعة   الساحل ـ1981 ؛

–  محمد فتحي، علم النفس الجنائي، الجزء الثاني مكتبة النهضة المصرية ؛

–  أحمد جلال و شريف الطباخ ، موسوعة الفقه والفضاء في الطب الشرعي، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، 2005، المركز القومي للاصدارات القانون ؛

–  محمد علي السكيكر، العلوم المؤثرة الجريمة والمجرم، دار الفكر الجامعي، ط 2008 ؛

–  محمد الأزهر – مبادئ في علم الاجرام الطبعة السابعة 2005، مطبعة دار النشر المغربية، عين السبع الدار البيضاء؛

–  محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات الأردني، القسم العام، منشورات الجامعة الأردنية، الطبعة الأولى ، عمان 1988 ؛

–  جنان سعيد الرحو، أساسيات في علم النفس، منشورات الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى 2005 بيروت لبنان ؛

–  خالد محمد شعبان، مسؤولية الطب الشرعي، دراسة مقارنة بين الفقه الاسلامي والقانون الوضعي، دار الفكر الجامعي،  2008 الاسكندرية ؛

–  محمد كمال الدين إمام، المسؤولية الجنائية أساسها وتطورها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة ؛

–  عبد السلام التونجي، موانع المسؤولية الجنائية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، معهد البحوث والدراسات العربية، 1979 ؛

 – أحمد فتحي بهنسي، المسؤولية الجنائية في الفقه الإسلامي، دار الشروق، الطبعة الرابعة 1988 ؛

–  عبد السلام التونجي، موانع المسؤولية الجنائية، منشورات معهد البحوث والدراسات العربية 1971 ؛

– أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون العقوبات- القسم العام – النظرية العامة للجريمة والعقوبة، دار النهضة العربية الطبعة الأولى 2008 ؛

–  مغني اللبيب في كتب الأعاريب لابن هشام الأبصري، دار الفكر  بيروت، الطبعة الخامسة، 1979 ؛

–  علي الغول، علم النفس الجنائي، الاطار والمنهجية، الطبعة الاولى 2003 دار الفكر العربي، القاهرة ؛

–  شادية الشومي، في القانون الجنائي العام، الطبعة الثانية 2001 ؛

–  خالد سليمان، المسؤولية الجزائية للمجرم المضطرب نفسيا – دراسة مقارنة – دار زينون الحقوقي ؛

–  أكرم نشأت، علم النفس الجنائي، دار الثقافة للنشر والتوزيع ؛

–  أدولف رييولط ـ الطب الشرعي ـ ترجمة إدريس ملين ـالرباط ـمنشورات المعهد الوطني للدراسات القانونية ـمطبعة الساحل ـ1981 ؛

–  عكاشة بن المصطفى : دروس في مادة علم النفس الجنائي، محاضرات ألقيت على طلبة الإجازة المتخصصة في القانون الجنائي والعلوم الجنائية، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – بجامعة محمد الأول بوجدة، الموسم الجامعي 2010/2011 ؛

–  مجموعة قرارات المجلي الأعلى في المادة الجنائية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية،  1987 ؛

v          الأبحاث الجامعية  :

–  عماري سناء، التصورات العامة وأثرها على شخصية المصروع، بحث جامعي، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب، شعبة علم النفس، 2006.

 

v          وباللغة الفرنسية  :

ü   El hamdaoui A – la responsabilité du meurtrier normal et pathologique – mémoire de D.E.S.S de psychologie clinique pathologique – université paris – nord –anné universitaire 1995- 1996

الفهرس

مقدمة……………………………………………………………………………………………………………………….01

المبحث الأول : الأمراض العقلية والنفسية……………………………………………………….02

المطلب الأول : الأمراض العقلية…………………………………………………………………………………02

الفقرة الأولى: الأمراض العقلية العضوية…………………………………………………………………………………03

البند الأول : الجنون………………………………………………………………………………………………………….03

البند الثاني : الصرع…………………………………………………………………………………………………………..04

الفقرة الثانية : الأمراض العقلية الوظيفية………………………………………………………………………………..05

البند الأول : الفصام أو الشيزوفرينيا Schézophrénie………………………………………………………………….05

البند الثاني : ذهان الهذاء أو البارانويا Paranoia…………………………………………………………………………06

البند الثالث : ذهان الهوس والإكتئاب …………………………………………………………………………………….07

المطلب الثاني : الأمراض النفسية………………………………………………………………………………07

الفقرة الأولى: الهستيريا Hysterie…………………………………………………………………………………….08

الفقرة الثانية : القلق النفسي………………………………………………………………………………………………09

الفقرة الثالثة : الإعياء النفسي…………………………………………………………………………………………….09

المبحث الثاني : شروط إمتناع المسؤولية الجنائية نتيجة الإصابة بالمرض……..10

  المطلب الأول : فقدان الإدراك والإرادة نتيجة الإصابة بخلل عقلي……………………………..10

    الفقرة الأولى : ماهية الإدراك والإرادة………………………………………………………………………………10

    الفقرة الثانية : تأثير الخلل العقلي على عنصري الإدراك والإرادة……………………………………………….12

  المطلب الثاني : معاصرة الخلل العقلي لزمن ارتكاب الجريمة………………………………………..13

المبحث الثالث : أثر ثبوت الإصابة بالمرض العقلي…………………………………………..16

  المطلب الأول : ثبوت الإصابة بالمرض………………………………………………………………………16

  المطلب الثاني : أثر ثبوت المرض في التطبيق القانوني والقضائي…………………………………19

الفقرة الأولى : أثر الخلل العقلي المؤدي إلى امتناع المسؤولية الجنائية…………………………………………….19

الفقرة الثانية : أثر الخلل العقلي المؤدي إلى إنقاص المسؤولية……………………………………………………….20

البند الأول : إثبات إرتكاب الجاني للأفعال المنسوبة إليه…………………………………………………………………..21

البند الثاني : التصريح بنقصان مسؤولية الجاني……………………………………………………………………………..21

البند الثالث : إصدار الحكم بالعقوبة………………………………………………………………………………………….22

البند الرابع : الإيداع – إن اقتضى الأمر –في مؤسسة لعلاج  الأمراض العقلية…………………………………………22

خاتمة……………………………………………………………………………………………………………………..23

الفهرس………………………………………………………………………………………………………………………24

لائحة المراجع………………………………………………………………………………………………………………..26

  أكرم نشات ، المرجع السابق، ص 171[1]

  جنان سعيد الرحو، المرجع السابق، ص 120.[2]

  محمد الأزهر، المرجع السابق،  ص 28.[3]

  محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات الأردني، القسم العام، منشورات الجامعة الأردنية، الطبعة الأولى ، عمان 1988، ص 181.[4]

1– ظهرت قواعد ماكناتن في انجلترا عام 1843 بمناسبة قضية دانييل ماكناتن، أنظر أكرم نشأت، المرجع السابق ص 172، وكذا عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص 139. راجع كذلك هامش الصفة رقم 6 من هذا البحث.

2  أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 171

3 –  شادية الشومي، في القانون الجنائي العام، الطبعة الثانية 2001، ص 144.

4 –   محمد صبحي نجم، المرجع السابق، ص 182.

5 –  عبد السلام التونجي، المرجع الاسبق، ص 145.

6 –   محمد صبحي نجم، المرجع السابقن ص182.

7 –  كما فعل المشرع المغربي في الفصلين 134 و 135 من القانون الجنائي، عندما اشترط الفقدان الكلي أو الجزئي لملكتي الإدراك والإرادة لدى الجاني بسبب إصابته بخلل عقلي للقول بارتفاع مسؤوليته الجنائية كليا او جزئيا، وهو ما رسخه القضاء المغربي كذلك في عدة قرارات نذكر منها القرار غير المنشور عدد 2005/9 الصادر بتاريخ 22 دجنبر 2004 في الملف الجنحي رقم 2004/78 والذي جاء فيه ” أنه بالرجوع إلى القرار المطعون فيه يتبين أنه عندما قضى بانعدام مسؤولية المتهم (ح . م) جنائيا بخصوص جناية الضرب والجرح العمدي المؤديين إلى الموت دون نية إحداثه… لم يعلل ذلك تعليلا كافيا بإبراز كيف استنتجت المحكمة أن المتهم كان وقت ارتكابه الفعل الجرمي في حالة خلل عقلي يمنعه تماما عن الإدراك والإرادة، والحال ان تقرير الخبرة الطبية المحرر من طرف الطبيب السيد ش فضلا عن عدم إشارته إلى أن المتهم كان وقت ارتكاب الفعل الجرمي المنسوب إليه في حالة خلل عقلي يمنعه تماما من الإدراك والإرادة فإن الصفحة الثانية من التقرير المذكور المتضمنة لاستنتجات الطبيب الخبير غير موقعة من طرف هذا الأخير وبالتالي لا يمكن الأخذ بما جاء فيها مما يكون معه القرار المطعون فيه والحالة هذه مشوبا بنقصان التعليل الموازي لانعدامه، الأمر الذي يعرضه للنقض.

1 –  أكرم نشأت ، المرجع السابق، ص 174.أ

2 –  أشرف توفيق شمس الدين، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة الأولى دار النهضة العربية 2008، ص 332. راجع كذلك في نفس المعني، شادية الشومي، نفس المرجع، ص 144.

3-  ” أو” هو حرف عطف قد يأتي في صورة عدة معاني كالشك والإبهام والتقسيم والإباحة والتخيير… أنظر مغني اللبيب في كتب الأعاريب لابن هشام الأبنصاري، دار الفكر  بيروت، الطبعة الخامسة، 1979، ص 87.

4  كما هو الشأن بالنسبة للقانون المصري مثلا في المادة 62 من قانون العقوبات.

1 El hamdaoui A opcit. P 47

2  أكرم نشأت، المرجع السابق، ص 96 و 97.

3  أكرم نشات ، المرجع السابق، ص 178، 179، 180.

4  عكاشة بن المصطفى، المرجع السابق، ص 14.

5  عبد السلام التونجي، المرجع السابق ص 147.

1 – أحمد جلال و شريف الطباخ ، موسوعة الفقه والفضاء في الطب الشرعي، الجزء الثاني، الطبعة الثالثة، 2005، المركز القومي للاصدارات   القانون ص 42

2 – وفي هذا المعني يقول الأستاذ أشرف توفيق شمس الدين ” يجب ان يكون فقد الشعور أو الإختيار معاصرا لارتكاب الفعل المادي للجريمة، فان    كان في وقت سابق أو لاحق عليه فلا أثر له على امتناع المسؤولية “، المرجع السابق، ص 334.

3 – مجموعة قرارات المجلي الأعلى في المادة الجنائية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1987، ص 189.

4 – أحمد جلال وشريف الطباخ، المرجع السابق، ص 48.

5 – شادية الشومي، المرجع السابق، ص 144.

1 أحمد جلال و شريف الطباخ ، المرجع السابق، ص 50

1 – محمد سامي النبراوي، شرح الأحكام العامة لقانون العقوبات الليبي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي الطبعة الثانية، 1987، ص 247.

2 –  قرار أورده الحسن البوعيسي، كرونولوجيا الإجتهاد القضائي في المادة الجنائية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 30.

3  – ويقول ذ. محمد كمال الدين إمام في نفس هذا المعنى ” وعلى القاضي أن يستوثق من رأي العلم في الحالة المعروضة، ومدى توافر الجنون وأثره  من عدمه ” المرجع السابق، ص 219.

1 أورد هذا الرأي محمد سامي النبراوي، المرجع السابق، ص 248.

2 عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص 152.

3 أورد هذا القرار إيهاب عبد المطلب ، سمير صبحي، المرجع السابق، ص 573.

1 وفي نفس هذا الإتجاه يصب قرار المجلس الأعلى عدد 3241/3 المؤرخ في 8 نونبر 2006 الصادر في الملف الجنحي رقم 9010/6/3/06 والذي جاء في إحدى حيثياته : ” حيث إن الطاعن تقدم بواسطة دفاعه بملتمس يرمي إلى عرضه على خبرة لتحديد قدراته العقلية والنفسية  قبل وأثناء وبعد ارتكاب الفعل، وبالتالي تحديد مدى مسؤوليته الجنائية، وعزز ملتمسه بالحالة التي كان يوجد عليها المتهم قبل ارتكاب الفعل، وأدلى بشهادة طبية مؤكدا أنه كان يعالج بمستشفى الأمراض العقلية من مرض نفسي، وأن المحكمة ردت الملتمس معللة ذلك بما عاينته من حالة المتهم أثناء جلسة المناقشة ولم تعتبر ما قد تكون عليه حالته العقلية وقت ارتكاب الفعل، الأمر الذي جاء معه القرار المطعون فيه ناقص التعليل”.

2  قرار منشور في نشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة – الغرفة الجنائية – سلسلة 2، الجزء الثامن، مطبعة الأمنية الرباط 2011، ص 126.

3   ينص الفصل 194 من قانون المسطرة الجنائية في فقرته الأولى على أنه ” يمكن لكل هيئة من هيئات التحقيق أو الحكم كلما عرضت مسالة تقنية أن تأمر بإجراء خبرة إما تلقائيا وإما بطلب من النيابة العامة أو من الأطراف “.

4   عبد السلام التونجي، المرجع السابق، ص 153.

4  انظر الفصل 76 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

1   شادية الشومي، المرجع السابق، ص 144.

2  أنظر المادة 75 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.

3  أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي – القسم العام – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع 1985- ص 331.

1   أدولف رييولط ـ الطب الشرعي ـ ترجمة ادريس ملين ـالرباط ـمنشورات المعهد الوطني للدراسات القانونية ـمطبعة الساحل ـ1981 ـ ص: 95.

1  غير أن المشرع المغربي وهو بصدد تجريم جنحة خرق القوانين والأنظمة الجمركية المنصوص على إحدى تطبيقاتها في الفصل 228 من مدونة الجمارك الذي جاء فيه ” إن مرتكب فعل يشكل خرقا للقوانين والأنظمة الجمركية أو المتواطئ معه أو الشخص المنتفع به لا يعاقب إلا بالمصادرات والغرامات المنصوص عليها في هذه المدونة إذا كان وقت ارتكاب الأفعال –إما في حالة جنون- إما قاصر يقل سنه عن 18 سنة “

وهو ما يتضح معه بجلاء أن المشرع المغربي في هذا الفصل قد خرج عن القواعد العامة المقررة للمسؤولية الجنائية، ورد ذلك حسب بعض الدارسين إلى تحفيز الإستثمار والتكييف مع واقع المعاملات والتجارة الدولية (أنظر محمد الهيني، تعديلات مدونة الجمارك في ميزان حقوق الإنسان، مجلة ندوات محاكم فاس، العدد 3، يناير 2006 ص 84)، غير أننا ومهما كانت دوافع هذا التجريم أو تبريراته، نعتبر هذا الموقف من المشرع المغربي شاذا لا يستقيم والغاية من التجريم، ولا مع الدور الحقيقي الذي شرعت من أجله العقوبة.

                                                                                                                                    /rachelcenter.ps

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدفاع الشرعى ومفهومه فى القانون الدولى والشريعة الاسلامية

                 الدفاع الشرعى ومفهومه فى القانون الدولى والشريعة الاسلامية ...