استقلال النيابة العامة و تخصصها في جرائم الفساد


    استقلال النيابة العامة و تخصصها في جرائم الفساد

و رغم الخلاف حول طبيعة الوظيفة القضائية وما إذا كانت وظيفة علاجية أم وظيفة وقائية أم الاثنين معا ، فإن الأكيد أن دور القضاء في مكافحة جرائم الفساد يبقى مهما ويتراوح بين الدور العلاجي المتمثل في الردع الخاص من خلال المحاسبة والعقاب واسترداد المال العام وبين الدور الوقائي المتمثل في الردع العام .

و في هذا السياق فإن نهوض قضاء النيابة العامة بتطبيق القانون بكل حياد وتجرد مع استقلاله عن السلطتين التشريعية والتنفيذية يجعله أكثر كفاءة و فعالية لكشف جرائم الفساد ومعاقبة مرتكبيها ، لذلك فإن دور النيابة العامة في محاربة الفساد و حماية المال العام يمر حتما عبر توفير عدالة جنائية فعالة تكفل مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال إقرار مجموعة  من المبادئ و الآليات القانونية لتفعيل العدالة الجنائية في مجال مكافحة جرائم الفساد ( أولا ) ، فضلا عن خلق مجموعة من الآليات المؤسساتية و الإجرائية المساعدة للنيابة العامة خاصة فيما يتعلق بالكشف عن الجريمة وتشجيع الإبلاغ عنها ( ثانيا ).

أولا : المبادئ الأساسية لدعم عمل النيابة العامة في مجال تخليق الحياة العامة و مكافحة الفساد.

يتطلب قيام النيابة العامة بدورها في مكافحة جرائم الفساد و إقرار سيادة القانون، صون مبدأ استقلال النيابة العامة و تخصصها ، فضلا عن توسيع دائرة التجريم وتشديد العقاب.

أ‌-       استقلال النيابة العامة و تخصصها في جرائم الفساد :

1-      استقلال النيابة العامة:

أكدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على أهمية استقلال القضاء و ما له من دور حاسم في مكافحة الفساد، و حثت الدول على اتخاذ تدابير لدعم النزاهة و محاربة الفساد بين أعضاء الجهاز القضائي، حيث نصت المادة 11 من الاتفاقية المذكورة على أنه”نظرا لأهمية استقلالية القضاء وما له من دور حاسم في مكافحة الفساد، تتخذ كل دولة طرف، وفقا للمبادئ الأساسية لنظامها القانوني ودون مساس باستقلالية القضاء، تدابير لتدعيم النـزاهة ودرء فرص الفساد بين أعضاء الجهاز القضائي. ويجوز أن تشمل تلك التدابير قواعد بشأن سلوك أعضاء الجهاز القضائي، كما يجوز استحداث وتطبيق تدابير ذات مفعول مماثل للتدابير المتخذة عملا بالفقرة 1 من هذه المادة داخل جهاز النيابة العامة في الدول الأطراف التي لا يشكل فيها ذلك الجهاز جزءا من الجهاز القضائي، ولكن يتمتع باستقلالية مماثلة لاستقلاليته”

وفي هذا الإطار فقد جعل المغرب استقلال القضاء مبدأ دستوريا ، فمنذ أول دستور للمملكة كان ولازال النظام الدستوري يقوم على الفصل بين السلط الثلاث للدولة، مع إقرار آليات للتعاون فيما  بينها ، ضمانا لفعاليتها وديناميتها.

كما أن دستور للمملكة لسنة 2011، نص في الفصل 107 على استقلال السلطة القضائية عن كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، و أن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية ، ولم يجعل الدستور الجديد استقلال القضاء حق للقاضي بل واجب عليه ، حيث نص الفصل 109 على إلزام القاضي بإحالة كل أمر يهدد استقلاله على المجلس الأعلى للسلطة القضائية ، ويعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما ، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة .

و إذا كان المشرع المغربي قد جرم  كل مساس بمبدأ الفصل بين السلط ، من خلال معاقبة كل مظاهر تدخل إحدى السلط في صلاحيات السلط الأخرى ،  ولاسيما ما يتعلق بالتدخل في أعمال السلطة القضائية صونا لاستقلال القضاء (الفصول 237 إلى 240 من القانون الجنائي )، فإن الدستور الجديد سما بمعاقبة كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة، سواء كان من سلط الدولة أو غيرها، إلى مستوى المبادئ الدستورية.

و إذا كان الباب السابع من الدستور المخصَّصُ للسلطة القضائية قد شمِل وضعية القضاة جميعاً سواء كانوا قضاةً للأحكام أو قضاة للنيابة العامة، فإنه قد نصّ في الفصلين 110 و116 على تبعية قضاة النيابة العامة لسلطة رئاسية تسلسلية، يراعى المجلس الأعلى للسلطة القضائية تقاريرَ التقييمِ التي تقدمها بشأنهم حين تدبير وضعيتهم المهنية.

و رغم أن الدستور الذي أحدث هذه السلطة لم يسميها صراحة، فإن القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية (رقم 100.13) قد نصَّ على تولي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض الاضطلاعَ بمهامها. حيث نصت الفقرة الأخيرة من المادة 66 من هذا القانون التنظيمي أنه : “… تطبيقاً لأحكام الفقرة الأخيرة من الفصل 116 من الدستور، يراعي المجلس (الأعلى للسلطة القضائية) بالنسبة لقضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة“. وأكدت المادة 110 من نفس القانون هذا الاختيار حين نصت على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يتلقى تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة حول تنفيذِ السياسة الجنائية وسيرِ النيابة العامة. بالإضافة إلى ما نصت عليه المادة 25 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة من وَضْعِ قضاة النيابة العامة تحت سلطةِ ومراقبةِ الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورؤسائهم التسلسليين.

و هو ما تحقق بصدور القانون رقم 17.33 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، و الذي بموجبه انفصلت النيابة العامة بشكل تام عن السلطة التنفيذية و أصبحت خاضعة لسلطة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، باعتباره رئيسا للنيابة العامة و مسؤولا عن تنفيذ السياسة الجنائية وفق ما أكده قرار المجلس الدستوري السابق رقم 991.16 (15 مارس 2016)، الذي جاء يفه  أنَّ “الوكيلَ العامَ للملك المعهودُ إليه بترؤس النيابة العامة، يظلُّ مسؤولاً عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أمام السلطة التي عينته المتمثلةِ في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية (جلالة الملك)، وكذا أمام هذا المجلس الذي يتعين عليه أن يقدم له تقارير دورية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة“.

و تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن السيد الوكيل العام للملك وجه أول منشور للنيابات العامة من أجل تحديد الخطوط العريضة لتنفيذ السياسة الجنائية، حث من خلاله على: إيلاء العناية الكافية لقضايا تخليق الحياة العامة و حماية المال العام، باعتبار ذلك من المحاور الأساسية للسياسة الجنائية للدولة، من خلال المعالجة الفورية لتقارير المحاكم المالية و المفتشيات و العناية بشكايات و بلاغات الأشخاص و المنظمات المختلفة، و تشجيع الإبلاغ عن جرائم الفساد بتفعيل الأحكام القانونية المتعلقة بحماية الشهود و المبلغين و الضحايا و الخبراء، و كل ذلك في احترام تام لمبدأ قرينة البراءة.

2-      تخصص النيابة العامة في جرائم الفساد :

تقضي القاعدة بأن تكون الأحكام الصادرة بالإدانة مبنية على اليقين ، غير أن صعوبة كشف و إثبات  جرائم الفساد بالنظر إلى كونها  من الجرائم المعقدة والمركبة، يفتح باب الشك حول ضلوع المتهم في الجرم ، و الشك يعني البراءة  والإفلات من العقاب، لذلك كان لابد من وجود قضاء متخصص في جرائم الفساد، خاصة على مستوى النيابة العامة التي تشرف على الأبحاث الجنائية، على نحو يسمح بفهم الأساليب المتطورة المستعملة في جرائم الأموال و القدرة على الوصول إلى الحقيقة وبناء أحكامه على اليقين.

تخصص النيابة العامة: من محكمة العدل الخاصة إلى أقسام الجرائم المالية.

بعدما كان المغرب يتوفر على محكمة ذات اختصاص وطني في جرائم الفساد، ممثلة في محكمة العدل الخاصة، سرعان ما تم التراجع عن هذا الخيار لمجموعة من الإعتبارات المتمثلة أساسا في غياب ضمانات المحاكمة العادلة كما هي متعارف عليها دوليا، بالنظر إلى أن وزير العدل هو الذي كان يختص بتحريك الدعوى العمومية بموجب أمر كتابي ( الفصل 8 من القانون المحدث للمحكمة)، و عدم قابلية قرارات قاضي التحقيق للطعن ( الفصل 13 )، و لكون حكم المحكمة لا يقبل إلا الطعن بالنقض، فضلا عن صعوبات التعاون الدولي بسبب ضعف ضمانات المحاكمة العادلة( مثال رفض اسبانيا تسليم رئيس جمعية المطاحن)؛

و بعد أن تم إلغاء محكمة العدل الخاصة و إسناد اختصاصها لسبع محاكم استئناف ، صدر القانون رقم 10.34   لتعديل المادة 6 من القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة،و إحداث قضاء متخصص في مكافحة جرائم الأموال   وذلك عن طريق إحداث أقسام للبت في جرائم الفساد على مستوى محاكم الاستئناف ، وتشتمل هذه الأقسام نيابة عامة و غرفة للجنايات الابتدائية وغرف للجنايات الاستئنافية و غرف للتحقيق وكتابة للضبط و كتابة للنيابة العامة.

  • المعيار الضابط للاختصاص النيابة العامة في أقسام الجرائم المالية.

ينص الفصل 1-260 من ق.م.ج على ما يلي: “استثناء من قواعد الاختصاص المنصوص عليها في هذا الفرع تختص أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف المحددة والمعينة دوائر نفوذها بمرسوم، بالنظر في الجنايات المنصوص عليها في الفصول 241 إلى 256 من القانون الجنائي وكذا الجرائم التي لا يمكن فصلها عنها أو المرتبطة بها.”

و بالرجوع للفصول 241 إلى 256 من القانون الجنائي و التي يحيل عليها الفصل260-1 المذكور، يمكن حصر شروط اختصاص النيابة العامة بأقسام الجرائم المالية فيما يلي:

      ارتكاب الفعل من قبل موظف عمومي؛

      تجاوز قيمة المال موضوع الجريمة ل 100.000 درهم؛

      المال العام و المال الخاص (ف 241 و 243 من ق.ج، المادة 41 من مدونة الحاكم المالية).

و إذا كان الفصل 224 من القانون الجنائي هو المرجع في تحديد مفهوم الموظف العمومي في المادة الجنائية، فإنه في قضايا الجرائم المالية، يصبح مفهوم الموظف العمومي أكثر اتساعا، بحيث أن بعض الفئات لا تدخل تحت مظلة الفصل 224 المذكور و مع ذلك يمكن متابعتها من أجل جرائم المال العام بدلا من جرائم السرقة أو خيانة الأمانة، فمن جهة سبق للقضاء أن اعتبر مستخدمي البنك الشعبي موظفين عموميين ، و من جهة أخرى اعتبر المشرع بعض فئات المسؤولين أو  المستخدمين الذين لا يمارسون أي وظيفة لفائدة الدولة أو إداراتها، مسؤولين كموظفين عموميين، بالنظر إلى وضع المال العام تحت أيديهم، و فق ما جاء في الفصل 47 من ظهير 22 أكتوبر 2011 المتعلق بالأحزاب السياسية، و الذي ينص على ما يلي: ” يعد كل استخدام كلي أو جزئي للتمويل العمومي الممنوح من طرف الدولة لأغراض غير تلك التي منح من أجلها اختلاسا للمال العام، يعاقب عليه بهذه الصفة“.

و من خلال ما سبق يمكن القول أن هناك علاقة جدلية بين المال و مفهوم الموظف العمومي، بحيث ينعقد اختصاص أقسام الجرائم المالية، متى ارتكبت الجريمة من قبل موظف عمومي بغض النظر عن طبيعة المال سواء كان مالا عاما أو خاصا، ما دام أن الحماية في هذه الحالة مقررة لمفهوم الثقة العامة، و ليست مقررة للمال العام، و بذلك يعتبر تصرف الموظف العمومي في مال خاص موضوع تحت يده بصفته تلك، إهدار للثقة العامة. شأنه شأن التصرف في المال العام.

و بالمقابل يعتبر كل شخص وضعت تحت يده أموال عامة في حكم الموظف العمومي، حتى و لو لم يكن كذلك وفق مفهوم الفصل 224 المذكور، لكونه أصبح ضمن دائرة الثقة العامة، و يتابع تبعا لذلك من أجل جرائم المال العام، بدلا من متابعته بجرائم السرقة و خيانة الأمانة. فقد يكون هذا الشخص مستخدما بالقطاع الخاص، و لكنه يعامل في هذه الحالة معاملة الموظف العمومي، لكونه مسؤول عن صرف المال العام، و هذا يدخله في باب تقديم خدمة ذات نفع عام وفق مفهوم الفصل 224 السالف الذكر.

و بناء على ما سبق يمكن القول أن هناك عدة معايير لتحديد مفهوم الموظف العمومي في الجرائم المالية، وفق ما يلي:

–        وجود مال عام تحت تصرف المتهم ( و هذا يشمل الجمعيات، الأحزاب، الشركات التي تدير مرفق عمومي)؛

–        تقديم المتهم خدماته لفائدة الدولة أو هيئة تراقبها الدولة أو تملك رأسمالها كليا أو جزئيا؛

–        وضع أدوات وصلاحيات تحت يد المتهم تستدعي ثقة الجمهور فيه)  الموظف الفعلي)؛

–        خضوع الهيأة أو المؤسسة التي يشتغل المتهم لديها  للمراقبة المالية للدولة .

ب – سلطة الملاءمة الممنوحة للنيابة العامة آلية لرسم الحدود الفاصلة بين سوء التدبير و جرائم المال العام.

يراقب قاضي المحاكم المالية الشكليات و يراقب أيضا مدى تحقيق الهدف من المشروع و الفعالية، بينما يراقب القاضي الجنائي، سواء قاضي الحكم أو قاضي النيابة العامة مدى الحفاظ على المال العام، و لذلك غالبا ما يرتبط مجال تدخل القاضي الجنائي بتوفر سوء النية، و إن كان يعتد في بعض الأحيان بالأفعال الناجمة عن الإهمال الخطير المنصوص عليه في الفصل 242 مكرر من القانون الجنائي.

و هذا المنحى هو الذي نلمسه في قرار المجلس الأعلى سابقا المؤرخ 08 مارس 2006 و الذي جاء فيه ”وحيث يتجلى من هذا التعليل (تعليل الحكم) أن المحكمة لم تبرز في حكمها الركن المعنوي لجناية تبديد أموال عامة المدان بها العارض، بما في ذاك العمد الجنائي أو سوء النية، أو الاستفادة  الشخصية من المال المبدد خاصة بعد أن اقتصر الجزء الثاني من السؤال الأول المجاب عنه بنعم على الإشارة إلى عدد من الأخطاء في الأرقام والشطب و الإلغاء، وعدم ضبط المصاريف، والتغاضي عن المراقبة، دون ربطها بالركن المعنوي للجريمة أو بسوء نية الفاعل، الأمر الذي كان معه التعليل المذكور ناقصا نقصانا يوازي انعدامه، ويعرض الحكم المطعون فيه للنقض والإبطال” .

و من خلال تتبع عمل النيابة العامة بأقسام الجرائم المالية و عمل المجلس الأعلى للحسابات و المجالس الجهوية للحسابات يمكن التمييز بين ثلاث مستويات تؤطر عمل النيابة العامة بمناسبة تكييف الأفعال ذات الصلة بالمال العام، وفق ما يلي:

المستوى الأول: أفعال لا تترتب عنها أية مسؤولية سواء محاسبية أو جنائية: و هي الحالات التي سمح بها القانون نفسه، كما هو الشأن بالنسبة لعناصر الاستعجال و الاستثناء و الإستحالة التي تبرر مخالفة بعض أحكام قانون الصفقات العمومية ( المواد 84، 86 و 163 من مرسوم الصفقات العمومية)، أو بالنسبة لحالة تنفيذ الأمر الكتابي الصادر عن الرئيس التسلسلي ( المادة 53 من قانون المحاكم المالية ) أو تنفيذ الأمر بالتسخير ( المادة 9 من قانون المراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة)، حيث يتحمل المسؤولية في هذا هذه الحالة مصدر الأمر، متى كان هذا الأمر كتابيا و صادرا في حدود اختصاص الرئيس و المرؤوس و كان صادرا قبل ارتكاب المخالفة.

و في هذا الشأن سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن قضى ب ”كي ينتج الأمر الوارد في المادة 53من مدونة المحاكم المالية آثاره القانونية، يجب تضمين هذا الأمر في وثيقة مكتوبة يوجهها الرئيس التسلسلي إلى مرؤوسه موضوعها القيام بالفعل موضوع المتابعة، ومؤرخة قبل ارتكاب المخالفة. وتبعا لذلك، تستبعد من نطاق هذا الأمر أوامر التسوية و الأوامر الشفوية التي يكون قد تلقاها  المتابع من مسؤولي الإدارة المركزية…وحيث إن ما يعتبره المعني بالأمر أمرا كتابيا موجها إليه، ورد في شكل ملحوظة مكتوبة  بخط اليد في الهامش الأسفل لمراسلة إدارية لايتعلق موضوعها ومتنها بتنفيذ أمر خارج النطاق الترابي لنيابة إقليم (أ)، كما أن المعني  بالأمر ليست له الصفة لتلقي الأوامر الكتابية التي تتعلق بنيابة إقليم(ب) علاوة على أن صيغة الملحوظة لا تتضمن أمرا صريحا موجها إلى المعني بالأمربإصدار الأوامر بأداء مبالغ مخلفات نيابة إقليم (ب)” .

المستوى الثاني: أفعال تترتب عنها المسؤولية المحاسبية دون المسؤولية الجنائية، حيث تتوفر عناصر المخافة التأديبية التي ينعقد الإختصاص بشأنها للمجلس الأعلى للحسابات أو المجالس الجهوية للحسابات و لكن لا تتوفر فيها عناصر جرائم المال العام، كما هو الشأن بالنسبة لحالات: عدم احترام أجل الإعلان عن طلب العروض،إصدار الأمر بالشروع في تنفيذ الاعمال موضوع الصفقة قبل المصادقة عليها من طرف السلطة المختصة و من طرف مراقب الالتزام بالنفقات،إبرام الصفقة بعد إنجاز الخدمة لتسوية ديون في ذمة الادارة،إبرام صفقة لانجاز أشغال على أرض لم تتم تسوية وضعيتها القانونية بعد.

–        المستوى الثالث: أفعال تترتب عنها مسؤولية محاسبية و مسؤولية جنائية، كما هو الشأن بالنسبة لحالات الأداء عن نفس الخدمة مرتين، الأداء عن أشغال وهمية،استعمال وثائق خاصة بصفقة معينة لتبرير نفقة تتعلق بصفقة أخرى، إدراج أشغال في الصفقة كانت منجزة قبل تاريخ إبرامها، الأداء عن أشغال غير مطابقة لدفتر التحملات، الأداء عن كمية أشغال تفوق الكمية المنجزة فعليا.

ثانيا : دور النيابة العامة في تفعيل إجراءات كشف جرائم الفساد و استرداد المال العام.

من بين الآليات الإجرائية التي تفعلها النيابة العامة، بغية كشف جرائم الفساد و تشجيع الإبلاغ عن مرتكبيها ، ما يتعلق بحماية الشهود و المبلغين، و رفع السر البنكي في إطار ما تأمر به من تحقيقات مالية، و ذلك بالنظر إلى ما يصاحب جرائم الفساد من كتمان، واستغلال الموظفين لسلطاتهم من أجل إخفاء أفعالهم، خاصة عندما ترتبط جرائم الفساد باستخدام التقنيات الحديثة في المجالات الاقتصادية والمصرفية.

أ‌-       حماية الشهود والمبلغين و الضحايا و الخبراء:

يعد التبليغ عن الجرائم والإدلاء بالشهادة حول وقائعها بشكل عام وعن جرائم الفساد بشكل خاص واجبا قانونيا وأخلاقيا وشرعيا يحول في كثير من الأحيان دون وقوع الجريمة، ويؤدي إلى تعزيز مشاركة الأفراد بشكل خاص والمجتمع بشكل عام في مكافحة الإجرام بشتى صوره ويسهم في بناء الثقة والطمأنينة في المجتمع وترسيخ مبدأ المواطنة الحقة ،لذلك ينبغي أن يقابل هذا الواجب التزام عام بحماية هؤلاء الشهود والمبلغين وأقاربهم وسائر الأشخاص الوثيقي الصلة بهم من أية أعمال انتقامية أو إجراءات تعسفية ، وضرورة توفير مجموعة من الضمانات تكفل سلامة الشاهد والمبلغ جسديا وماديا ومعنويا، وتحول دون إفلات الجناة من العقاب وفق ما نصت عليه صراحة المادتين 32 و33 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003.

والتزاما ببنود الاتفاقية التي تلزم كل دولة طرف باتخاذ تدابير مناسبة وفقا لنظامها الداخلي، تضمن التشريع المغربي نصوصا تتحمل بموجبها الدولة نفقات تنقلات الشهود من تعويض عن الحضور والإقامة ومصاريف السفر، وإمكانية الاستماع إليهم في مكان إقامتهم بواسطة إنابات قضائية وتخصيص قاعة بالمحكمة خاصة بالشهود، والاستماع إلى الأشخاص المقيدين بالسر المهني وفق الشروط وفي نطاق الحدود المقررة في القانون، كما جرم المشرع المغربي استعمال الوعود أو الهبات أو الهدايا أو الضغط أو التهديد أو العنف أو المناورة أو التحايل لحمل الغير على الإدلاء بالشهادة في أي حالة كانت عليها الدعوى.

كما حرص المشرع على إرساء تدابير ونظم تيسر قيام الموظفين بإبلاغ السلطات المعنية عن أفعال الفساد عندما ينتبهون إلى مثل هذه الأفعال أثناء أداء وظائفهم ومنع إقامة أي دعوى في مواجهتهم، كما متع بعذر معفي من العقاب الراشي الذي بلغ السلطات القضائية عن جريمة الرشوة.

و فضلا عن هذا وذاك فقد تم سن قانون يتعلق بحماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين وتأمين سلامتهم وسلامة أسرهم. و لم يتبع المشرع المغربي النهج الذي اتبعته بعض الدول وخاصة التي تنتمي للنظام الأنجلوسكسوني، بحيث لم ينص على برنامج لحماية الشهود والضحايا والمبلغين، كما لم ينص على إحداث إدارة خاصة بتنفيذ برنامج حماية الشهود والمبلغين والخبراء، وإنما اتبع النهج الذي سلكته مجموعة من التشريعات كالتشريع الفرنسي، حيث نص على مجموعة من الاجراءات والتدابير اللازمة لتوفير الحماية ضمن نصوص قانون المسطرة الجنائية، وأوكل أمر تنفيذها لأجهزة الشرطة القضائية وباقي الأجهزة الأمنية بنفس الكيفية التي تنفذ بها كافة الإجراءات والأوامر القضائية، وفق التفصيل الوارد في المواد82-4 إلى 82-10 من قانون المسطرة الجنائية، و التي تضمنت تدابير الحماية التالية:

– وضع رقم هاتفي خاص رهن إشارة الضحية أو الشاهد أو الخبير لطلب حماية الشرطة القضائية أو باقي المصالح الأمنية.

– الاستماع شخصيا للشاهد أو الخبير.

– إخفاء هوية الشاهد أو الخبير بشكل يحول دون التعرف على هويته وعلى عنوانه الحقيقيين.

– إخضاع الهواتف التي يستخدمها الشاهد أو الخبير لرقابة السلطات المختصة بعد موافقة المعني بالأمر ضمانا لحمايته.

-توفير حماية جسدية للضحية أو المبلغ أو الشاهد أو الخبير وأسرهم أو أفراد عائلتهم.

– اعتماد تقنيات تغيير الصوت أثناء الاستماع للشهود خلال المحاكمة.

– لا يحول اتخاذ إجراءات إخفاء هوية الشاهد أو الخبير دون تضمين الهوية الحقيقية في ملف خاص يوضع رهن إشارة هيئة المحكمة لتطلع عليه وحدها عند الاقتضاء، مع إمكانية كشف هوية الشاهد استجابة لحقوق الدفاع إذا كانت شهادته هي وسيلة الإثبات الوحيدة وبشرط توفير تدابير الحماية الكافية .

– عدم جواز متابعة الموظف الذي بلغ عن جرائم الفساد بإفشاء السر المهني.

تميز المبلغين عن مثيري الانتباه للفساد: “les lanceur d’alerte”:

يتميز المبلغ عن الفساد بكونه يبلغ السلطات المختصة، بينما يتجه مثير الانتباه للفساد مباشرة لوسائل الإعلام من أجل التشهير بمرتكبي الفساد، و إذا كانت معظم الدول توفر الحماية للمبلغين عن الفساد، بما في ذلك عدم امكانية متابعتهم من أجل إفشاء السر المهني، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع المغربي، فإن معظم الدول مترددة في إقرار عدم متابعة مثيري الانتباه للفساد بتهمة إفشاء السر المهني، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا حيث يدور نقاش اليوم حول إمكانية تمديد الحماية لمثيري الانتباه للفساد، غير أن هناك رأي يدعو إلى التريث في إقرار هذه الحماية، و ذلك اعتبارا لقرينة البراءة و سمعة الأشخاص و المؤسسات، ذلك أن المبلغ للسلطات يستفيد من الحماية لأنه بلغ الجهة المختصة و هي عادة ملزمة بعدم إفشاء سرية الابحاث، بينما الذي يلجأ للصحافة يشهر بالأشخاص و المؤسسات علنا، و قد تنتهي الأبحاث إلى عدم وجود أفعال الفساد، في وقت تكون فيه سمعة الأشخاص و المصالح الإقتصادية للمؤسسات قد تضررت بشكل بليغ.

و الجدير بالذكر أن عدم استفادة مثير الإنتباه من الحماية، يقتصر على حمايته من الإخلال بالتزاماته المهنية و على رأسها إفشاء السر المهني، بحيث قد يترتب على نشاطه فتح بحث قضائي في ما صرح به من وقائع، و يتمتع في هذه الحالة بتدابير الحماية المتعلقة بالسلامة، لكنه لا يتحلل من إلتزاماته المهنية و منها إمكانية متابعته من أجل إفشاء السر المهني، بخلاف من يبلغ السلطات المختصة، و الذي يتمتع بحماية كاملة، بحيث لا يمكن متابعته من أجل إفشاء السر المهني.

ب –  الاعتماد على التحقيقات المالية لاثبات جرائم الفساد:

تتميز جرائم الفساد بكونها من الجرائم المعقدة التي يستعين فيها الجناة بخبرات قانونية و محاسبية لإخفاء آثار الجريمة، مما يصعب معه العثور على وسائل إثبات كافية لإدانة المجرمين، لذلك يبقى التحقيق المالي من الأدوات المهمة التي تعتمد عليها النيابة العامة لجمع وسائل الإقتناع، و ذلك من خلال تعقب أموال المتهم المنقولة و العقارية و حركة حساباته البنكية، و تحليل الصفقات العمومية بدءا من مرحلة الاعلان عن الصفقة و إلى حين تنفيذها و توقيع محضر التسليم المؤقت و محضر التسليم النهائي و مراقبة مدى احترام الإجراءات المتعلقة بالضمانة و الوديعة و آجال الضمان، و هو ما يقتضي التنسيق مع مجموعة من الهيئات و المؤسسات و الإداراة العمومية و على رأسها بنك المغرب و المحافظة على الأملاك العقارية.

و تجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن التشريع المغربي يأخذ بمفهوم السر البنكي النسبي، فمن جهة يلزم الأشخاص الذين يباشرون عمليات البنوك والائتمان وكذا الأشخاص الذين يباشرون مهام الرقابة على هذه العمليات بضرورة كتمان السر المهني ( المادة 79 من قانون مؤسسات الائتمان )،ومن جهة أخرى ينص على انه لا يجوز الاحتجاج بالسر المهني على السلطة القضائية العاملة في مسطرة جنائية (المادة 80 من قانون مؤسسات الائتمان).

كما ألزم مؤسسات الائتمان والهيئات الأخرى الخاضعة لمراقبة بنك المغرب بضرورة التقيد بواجب اليقظة فيما يتعلق بكل عملية يكون الداعي الاقتصادي إليها أو طابعها المشروع غير واضح (المادة 84 من قانون مؤسسات الائتمان).

وتنص المادتان 110 و161 من مدونة المحاكم المالية على أن المسئولون والمستخدمون لا يلزمون بواجب كثمان السر المهني تجاه قضاة المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات بمناسبة التحقيقات التي يقومون بها في إطار اختصاصات المجلس .

وعندما يتعلق الأمر بغسل الأموال فإنه لا  مجال للاحتجاج بالسر البنكي، بحيث ألزم القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، جميع المؤسسات المالية باليقظة وجمع كل عناصر المعلومات التي تمكن من تحديد هوية زبنائها المعتادين أو العرضيين، وأن تتحرى حول مصدر الأموال وفي حالة الشك في مصدرها ، ألزم المشرع البنوك وجميع المؤسسات المالية بتقديم تصريح بالاشتباه إلى الوحدة المحدثة لدى الوزارة الأولى الخاصة بمعالجة المعلومات المالية التي تتخذ القرار الملائم بشأن مآل القضية المعروضة عليها، وفي جميع الأحوال يمنع قانون مكافحة غسل الأموال على البنوك وجميع المؤسسات المالية الاحتجاج بالسر البنكي عندما يتعلق الأمر بغسل الأموال.

وبذلك فإن السر البنكي في ظل التشريع المغربي لا يطرح أية مشكلة في الكشف عن جرائم الفساد المالي، مادام المشرع المغربي وإن كان قد قنن السر البنكي وألزم العاملين في المجال المالي بضرورة كتمانه والتقيد به، فإنه منع هؤلاء من الاحتجاج بالسر البنكي عندما يتعلق الأمر بمسطرة قضائية من أجل كشف الجريمة.

و في هذا الإطار غالبا ما تلجأ النيابات العامة إلى حجز أموال المتهم كآلية من آليات التحقيقات المالية و ضمان استرداد المال العام. غير أن عمل النيابة العامة بهذا الشأن غالبا ما يصطدم ببعض العقبات القانونية، ذلك المشرع تعامل مع أحكام الحجز والتجميد بكيفية تجزيئية، بحيث تعامل مع إجراءات الحجز والتجميد من جهة على أنها وسيلة من وسائل الإثبات بدلا من أن تكون أيضا وسيلة لتعقب الأموال ومصادرتها لمنع المجرمين من الانتفاع بها، ومن جهة أخرى لم يضع إطارا قانونيا عاما للتجميد والحجز يطبق بشأن جميع الجرائم، بل خص بعض الجرائم دون غيرها بأحكام خاصة فيما يتعلق بإجراءات الحجز والتجميد، كما هو الشأن بالنسبة لغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، بحيث يمكن أن نميز بين ثلاث مستويات فيما يتعلق بأحكام الحجز والتجميد في التشريع المغربي وفق ما يلي:

1-      الحجز كتدبير وقائي ووسيلة لجمع أدوات الاقتناع.

2-      حجز وتجميد الأموال والممتلكات في قضايا غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

3-      حجز وتجميد الأموال والممتلكات في غير قضايا غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

و يمكن القول بشأن المستوى الأول أن المشرع وفر أساسا قانونيا لإجراءات الحجز في جميع الجرائم باعتباره تدبيرا وقائيا أو وسيلة لجمع أدوات الاقتناع، حيث ربط دائما بين هذا التدبير وبين إثبات الجريمة، وفق ما يتضح من خلال الفقرة الأولى من المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على ما يلي: “إذا كان نوع الجناية أو الجنح مما يمكن إثباته بحجز أوراق و وثائق أو أشياء أخرى في حوزة أشخاص يظن أنهم شاركوا في الجريمة، أو يحوزون مستندات أو أشياء تتعلق بالأفعال الإجرامية، فإن ضابط الشرطة القضائية ينتقل فورا إلى منزل هؤلاء الأشخاص ليجري فيه طبقا للشروط المحددة في المادتين 60 و62 تفتيشا يحرر محضراً بشأنه…”، أو ما نصت عليه المادة 104 من ق م ج: ” إذا أجري الحجز على نقود أو سبائك أو سندات أو قيم أو أوراق تجارية لم يكن الاحتفاظ بها ضروريا لإظهار الحقيقة…”. بل إن ما يؤكد أن المشرع تعامل مع إجراءات الحجز على أنها وسيلة للاحتفاظ بأدوات الاقتناع هو ما نصت عليه الفقرة 5 من المادة 104 السالفة الذكر والتي تنص على أنه : “لا يمكن لقاضي التحقيق أن يبقى تحت الحجز سوى الأشياء والوثائق المفيدة لإظهار الحقيقة والتي قد يضر الكشف عنها بسير التحقيق.”

ولم يخرج المشرع عن هذا المنحى الذي يجعل من الحجز والتجميد مجرد وسيلة لجمع الأدلة بدلا من أن يكون أيضا تدبيرا يسمح بمصادرة عائدات الجريمة، إلا في الحالة التي يتعلق فيها الأمر بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث يجوز لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط عندما يتعلق الأمر بجريمة غسل الأموال أن يأمر خلال مرحلة البحث ولمدة لا يمكن أن تتجاوز شهرا واحدا قابلة للتمديد مرة واحدة بالتجميد بالمنع المؤقت لتحويل أو استبدال الممتلكات أو التصرف فيها أو تحريكها، أو تعيين مؤسسة أو هيئة خاصة بهدف القيام مؤقتا بحراسة ومراقبة الممتلكات . كما يمكن لوكيل الملك وقاضي التحقيق أن يأمرا بحجز ممتلكات الأشخاص الطبيعيين أو الأشخاص المعنوية المشتبه في تورطهم مع أشخاص أو منظمات أو أنشطة لها علاقة بجرائم غسل الأموال حتى في حالة عدم ارتكابها داخل تراب المملكة .

و يمكن للوكيل العام للملك بمناسبة إجراء بحث قضائي حول تمويل الإرهاب ولقاضي التحقيق والمحكمة أن يطلبوا معلومات حول عمليات أو تحركات أموال يشتبه في أن لها علاقة بتمويل الإرهاب من الأبناك وشركات التمويل والأبناك الحرة  كما يمكن للسلطات القضائية المذكورة أن تأمر بتجميد أو حجز الأموال المشتبه في أن لها علاقة بتمويل الإٍرهاب، ولها أن تطلب مساعدة بنك المغرب بهذا الخصوص وتبلغ له كافة التدابير المتخذة ؛

و في غير جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا تجد النيابات العامة و قضاة التحقيق سندا قانونيا صريحا يسمح لهم بحجز أموال المتهم وأموال أبنائه القاصرين تمهيدا لمصادرتها متى ثبت أنها من متحصلات الجريمة، ولذلك نجد بعض النيابات العامة وقضاة التحقيق يجتهدون لإضفاء الشرعية على الأوامر التي يصدرونها بشأن حجز وعقل أموال المتهمين وأموال أزواجهم وأبنائهم القاصرين، إذ تستند بعض النيابات على ما تضمنته المادة 57 من ق م ج بشأن حجز ” جميع ما قد يكون ناتجا عن الجريمة” ، بينما يستند بعض قضاة التحقيق على الفقرة الأولى من المادة 85 من ق م ج  التي تنص على أن : “يقوم قاضي التحقيق وفقا للقانون بجميع إجراءات التحقيق التي يراها صالحة للكشف عن الحقيقة، كما يستند بعض قضاة التحقيق على أحكام الفصول 43 و247 و255 من القانون الجنائي التي تسمح للمحكمة بمصادرة الأموال والقيم المنقولة والمملتكات والعائدات لفائدة الدولة في حالة ثبوت أنها متحصلة من الجريمة، وهو ما يقتضي حجز هذه الأموال والممتلكات مؤقتا في انتظار حجزها” .

لذلك لا بد من تدخل تشريعي يكون مناسبة لتتمة الأحكام المتعلقة بإجراءات التجميد و الحجز أمام القضاء الوطني، ذلك أن توسيع مشروع القانون الجنائي من نطاق المصادرة، لتشمل مصادرة القيمة، يقتضي أن توازيه إجراءات فعالة في مجال الحجز و التجميد، لضمان الحفاظ على الأموال المشتبه في كونها متحصلة من الجريمة، تمهيدا لمصادرتها، و هو ما يقتضي إدخال مجموعة من التعديلات على المنظومة القانونية الوطني، وفق ما يلي:

–        تعديل الفصل 57 من قانون المسطرة الجنائية، و ذلك بالتنصيص على إمكانية حجز الشرطة القضائية لأموال المتهم و أبنائه القاصرين، بناء على إذن النيابة العامة، متى كانت هناك قرائن على أن تلك الأموال متحصلة من الجريمة، و تمديد أحكام هذا الفصل لتنطبق حتى في غير حالات التلبس؛

–        إضافة مقتضى إلى إجراءات التنقل و التفتيش و الحجز التي يقوم بها قاضي التحقيق، يسمح له بحجز أموال المتهم و أموال أبنائه القاصرين، متى تبين أن هناك قرائن على كونها متحصلة من الجريمة؛

–        التنصيص على إمكانية إصدار هيئة الحكم لأمر بحجز أموال المتهم مؤقتا في انتظار الحكم بمصادرتها، متى لم يتم حجزها خلال مرحلة البحث والتحقيق؛

–        التنصيص على إمكانية تقدم النيابة العامة بطلبات لرئيس المحكمة من أجل توقيع الحجوز التحفظية على الأموال التي لها علاقة بالجريمة وفق ما هو منصوص عليه في مجموعة من التشريعات المقارنة، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع الفرنسي؛

–        إحداث وكالة  وطنية لإدارة و تحصيل الأموال المحجوزة و المصادرة، ذلك أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات الصادر سنة 2015 حول موضوع تدبير المنازعات القضائية للدولة، خلص إلى أن إدارة أملاك الدولة لم تنفذ خلال 20 سنة سوى 80 حكما تتعلق بالمصادرة، بمعدل أربع ملفات في السنة، بينما عرفت التجارب المقارنة التي أحدثت هيئات و إدارات خاصة بتنفيذ العقوبات المالية، ارتفاعا ملحوظا في نسبة تنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بالمصادرة، كما هو الشأن بالنسبة للوكالة الوطنية لإدارة الأموال المحجوزة و المصادرة “AGRASC” بفرنسا التي بلغت قيمة الأموال التي حجزتها  471 مليون أورو سنة 2016، وفازت بجائزة فرنسا للمؤسسات العمومية سنة 2012.

aljarida24.ma


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...