التجريم والعقاب و السياسات الجنائية


التجريم والعقاب و السياسات الجنائية

مقدمة
إذا كان علم القانون الجنائي يبين حاضر هذا القانون، فإن  السياسة الجنائية هي التي  ترسم مستقبلة، ويعتبر حقا مدلول السياسة الجنائية ليس من الوضوح  الكافي  حتى نتبين أبعاده، لأول وهلة إلا أننا  نبادر ونقول بأنه لا يكفي لمعالجة مشكلة الجريمة تحديد  ماهيتها ورد الفعل  المترتب  عليها وبيان وسائل منعها ما لم نعرف بادئ الأمر ماهي الخطة التي تعالج على أساسها هذه المشكلة.؟  وبدون معرفة الخطة سوف تتم معالجة مشكلة الجريمة في صورة ارتجالية ووفقا لحلول متنافرة لا ترتبط ببعضها بوثاق متين يوحدها  جميعا نحو أصل واحد تستمد منه وجودها وتحدد على ضوئه  أبعادها  وأحكامها القانونية  التي تنظمها  هذا فضلا عما  قد يتعرض له القانون الجنائي من جمود يؤدي به الى ان  يتخلف عن مسايرة التطور العلمي. ولذا يجب دائما أن تتابع مدى ملائمة القانون الجنائي للواقع  الاجتماعي والإنساني للوصول إلى أحسن  صيغة علمية تفرغ فيه قواعده.
 وقد أثار تحديد السياسة  الجنائية كثيرا من المشكلات التي تحيط عادة كل عمل علمي يهدف إلى البحث  عن الحقيقة.
وكما  تقول الأستاذة  Mireille Delmas – Marty  على أن المعيارية القانونية  تؤثر أشد التأثير على طبيعة السلوك المجتمعي فلطالما اعتبر  القانون  كخطاب هو عنوان للحقيقة وترجمة للشرعية وهذا ما يجعل اعتقاد الأفراد  داخل المجتمع[1] على أن  القانون بصفة عامة والقانون الجنائي  بصفة خاصة كافيين  لوحدهما  لتحقيق الأمن والاستقرار داخل  المجتمع إلا أنه سرعان  ما تطفوا على السطح مشاكل الكل يسلك  أسهل طريق وهو اتهامه للقانون الجنائي، لكن التشخيص السليم لهذه الوضعية هو التباعد (الحقيقي) في أرض الواقع  بين أهداف القانون ومصالح المجتمع فمن هنا يتضح  معالم  السياسة الجنائية التي أنيطت بها مهمة رأب الصدع بين المصالح المحمية  من طرف القانون الجنائي  وحمايته على ارض  الواقع  هذا كله  ضمن محاولة التوفيق بين متطلبات الحفاظ على النظام العام وحماية الحقوق الفردية.
فمنذ العهد اليوناني كانت السياسة الجنائية تتصف داخل منظومة العدالة الجنائية بكونها موجهة دائما نحو التدخل الزجري والسلطوي لمكافحة الجريمة.[2]
فمحاربة الجريمة كانت بواسطة منظومة جنائية تتميز بطابعها الزجري والسلطوي ، لكن سرعان ما سيتم توجيه مبادئ الفكر العلمي لمحاربة ظاهرة الجريمة بغية الوصول إلى قواعد علمية إذ ذاك سيظهر  مصطلح السياسة الجنائية في أواخر القرن السابع عشر على يد الفقيه الألماني فويرباخ ، حيث أن جميع الأنظمة المعرفية التي تهتم  بمكافحة   الجريمة قبل صياغة التعريف المعاصر. للسياسة الجنائية الذي سيتم التطرق له لاحقا حيث كانت تعتمد على إستراتيجية  العدالة الجنائية الردعية لكننا  اليوم أصبحت السياسة الجنائية تعرف بأنها سياسة عمومية تعتمد على فلسفة جنائية تحدد الإستراتيجية التي  تصنعها الدولة.
لأجل إيجاد حلول للظاهرة الإجرامية ومنه فإن السياسة الجنائية  الحالية تنبني على عدة اختيارات واستراتيجيات فمن السياسة  التشريعية التي تحدد الجرائم والعقوبات المقررة في شأنها.تبدأ  سلسلة جنائية طويلة تتخلل حلقاتها قرارات  النيابة العامة حول المتابعة بكافة طرق تحريكها  وصولا إلى طور المحاكمة  وانتهاء  بتنفيذ العقوبات  المحكوم بها من طرف المحاكم. [3]
فإذا كان هذا  هو الوظيفة التي تقوم بها السياسة الجنائية من خلال القانون الجنائي بمفهومه الواسع فهل السياسة الجنائية يمكن أن يحدد  مفهومها  في إطار القانون الجنائي؟ أم أن هناك مفهوما أوسع من ذلك؟ وما هو موقع السياسة الجنائية في إطار المنظومة الجنائية؟
وما هو موقع السياسة الجنائية في إطار المنظومة الجنائية؟
وما هي القواعد الناظمة للسياسة الجنائية على ضوء المحاكمة العادلة؟

المبحث الأول: السياسة الجنائية إشكالية المفهوم والعلاقة مع المنظومة الجنائية

من خلال التطور التاريخي الذي تم التطرق إليه أعلاه يبدوا أن مصطلح السياسية الجنائية هو مصطلح حديث نسبيا مما يجعل القيام بتقديم تعريف شامل ومانع للسياسة الجنائية أمرا محفوفا بالمخاطر[4] فإننا ارتأينا أن نمهد هذا المبحث بالتعرف على مختلف التعريفات التي حددها الفقه وبما أن   اكتمال أي تعريف هو باكتمال تحديد موضوعه فانه بجدر بنا أن نجيب عن إشكالية الاستقلالية وتبعية السياسة الجنائية (المطلب الأول). على ان نعالج في (المطلب الثاني) موقع السياسة الجنائية في المنظومة الجنائية.
المطلب الأول: مفهوم السياسة الجنائية من الجزئيات إلى الكليات
الفقرة الأولى: محاولة في تعريف السياسة الجنائية
بادئ ذي بدء سنحاول أن نحلل البناء العلمي للسياسة الجنائية(أولا) ثم ننتقل لنسلط الضوء على أهم فروع السياسة الجنائية ( ثانيا).
أولا: البناء العلمي للسياسة الجنائية.
سنحاول أن نفكك البناء للسياسة الجنائية بتحديد مجال السياسة الجنائية (أ) والهدف والهدف المبتغي منها (ب) ووظيفتها (د) وفي الأخير سوف نحاول وضع تعريف تقريبي للسياسة الجنائية على ضوء التعاريف الفقهية والعلمية (ت).
أ- مجال السياسة الجنائية.
إن موضوع السياسة الجنائية ليس فقط أكثر إتساعا من  القانون الجنائي ولكنه مجال مفتوح وغير محدد. وبالتالي فإنه لا يمكننا أن نحدد مجال السياسة الجنائية بشكل شمولي[5]. لهذا سنحاول أن نحدده من خلال مقاربة (عبر زمنية) كالتالي.
أ‌-  1-موضوع السياسة الجنائية هو التحريم والعقاب.
اعتبرها الفقيه Von list  بمثابة Magna carta الجنائية[6] ويمكن تحديد مجال السياسة الجنائية كما حددها مارك أنسل جميع الأنظمة الجنائية المتعلقة بالقانون الجنائي فعندما نتحدث عن سياسة جنائية حقيقية فيجب أن يكون النظام الزجري للدولة منظم بواسطة خطوط توجيهية محددة وذلك من خلال تحديدها بواسطة آليتي التجريم والعقاب اللتان تعتبران المحرك الأساسي للقانون الجنائي الوضعي[7].
فعند أغلبية الباحثين في المادة الجنائية فالسياسة الجنائية تحدد بواسطة توجهات تعرض لمختلف مبادئ التجريم والعقاب إذ أن مارك أنسل وسع من مجال السياسة الجنائية ا بإضافته المسطرة الجنائية، وحيث أن وظيفة المسطرة الجنائية هي التي تنتقل قواعد التجريم والعقاب إلى وضعها المتحرك فاعتبرها بذلك مارك أنسل بمثابة العنصر الجوهري للسياسة الجنائية.
أ-2 –  موضوع السياسة الجنائية هو الوقاية من الجريمة.
تعكس السياسة الجنائية المصالح الواجب حمايتها في الدولة ويرتبط تحديد هذه المصالح بالنظام العام للدولة فهو الذي يبين الحاجيات الواجب إشباعها سواء كانت اجتماعية أو فردية. ومن أهم هذه المصالح الملقاة على عاتق السياسة الجنائية هو الوقاية من الجريمة وتقديم أفضل الوسائل لحماية المحيط السكاني من مظاهر الجريمة وأيضا تهدف سياسة الوقاية من الجريمة حماية الحقوق الأساسية لأفراد المجتمع وذلك في سبيل وضع توجه نحو القضاء على مظاهر الحرمان الاجتماعي[8].
ب: هدف السياسة الجنائية.
يتحدد هدف السياسة الجنائية في تسخير إمكانيات الدولة لأجل تحقيق الأمن والطمأنينة داخل المجتمع.
وذلك من خلال:
منع الإجرام ومحاربة مظاهره.
إعادة النظر في العقوبات الموجودة في القانون الجنائي ومحاولة البحث عن بدائل لتحسينها بما يناسب هدفها سواء من حيث نوع العقوبة أومن حيث كمها.
كل هذا بهدف حماية:
– المجتمع أي على المستوى الجماعي كحماية الأموال المشتركة والأمن العمومي…،
-أما على المستوى الفردي فيمتثل في حماية الأشخاص وأموالهم وكذلك حقوقهم الأساسية وأيضا حماية ضحايا الجريمة[9].
د: وظيفة السياسة الجنائية.
تتجلى وظيفة السياسة الجنائية في كونها الأداء الشرعية لا يجاد الأجوبة للنزاعات الجنائية داخل المجتمع وباعتبارها تقنية تشريعية تحدد المبادئ الموجهة للقانون الجنائي[10].
وهناك من يعتبر أن دور السياسة هو صعب التحديد وذلك نتيجة للمفهوم المعقد للسياسة بحيث أن السياسة الجنائية تستعمل أدوات جنائية من جهة وأدوات غير جنائية من جهة أخرى ( كالعقوبات الإدارية…)
وهناك من الفقه اعتبرها أنها تساهم في بناء  نموذج للضبط الاجتماعي[11].
ت: تعريف السياسة الجنائية.
اذا كانت السياسة في معنى محدد هي فهم و تسيير شؤون الساكنة . فان السياسة الجنائية هي تسيير لشان خاص لساكنة وهو الظاهرة الإجرامية هدا من جهة ومن جهة أخرى السياسة الجنائية هي وضع إستراتجية للإجابة عن أوضاع الإجرام و الانحراف[12].  تلك الأجوبة إما أن تأتي من الدولة (des réponse étatique) أو منبثقة عن المجتمع (des réponses sociétale). اذا كان هدا بمثابة الإطار العام لمفهوم السياسة الجنائية فإلى حد تماشت التعريفات الفقيه مع الإطار العام لمفهوم السياسة الجنائية؟ هدا ما سنحاول الإجابة عنه في الآتي:
يرجع تعريف السياسة الجنائية إلى الفقيه الألماني فويرباخ الذي كان أول من استعمله في بداية القرن التاسع عشر وقد قصد بها مجموعة الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت معين من أجل مكافحة الإجرام فيه[13]. ويتميز هذا التعريف بأنه قد حدد مكافحة الإجرام هدفا للسياسة الجنائية. لكن هذا التعريف سرعان ما تم تفنيذه كونه لا يتماشى  وحقيقة السياسة الجنائية ويمكن تعريفها على أنها مجموع العمليات التي ينظمها الجسم المجتمعي للإجابة عن الظاهرة الإجرامية.
هذا التعريف هو الذي يتماشى مع الطابع العلمي للسياسة الجنائية التي طالما تتأثر بالزمان والمكان حيث أن جميع السياسات تتحدد وفق القيم التي تدافع عنها في زمن ما ومجتمع معين[14]  لكن هذه القيم تتمحور حول  ثلاث محاور رئيسية الحرية والمساواة والسلطة.
– التيار الأول: التيار الليبرالي: Le caurant libreral، الذي يعطي الأولوية في الحرية وأيضا مكانة محورية للمساواة.
– التيار الثاني: تيار المساواة: Le courant égalitaire هذا التيار الذي يدافع عن المساواة الحقيقية ويرجع أسباب الجريمة إلى اللامساواة الإجتماعية[15].
– التيار الثالث: التيار السلطوي: courant autoritaire  أو الديكتاتوري والذي يدعو إلى جعل السلطة المطلقة للأمة أو الدين محور اهتمام كل السياسات.
– هذه التيارات التي تقام عليها جميع السياسات الجنائية هي تعبير عن ” المعايير الاجتماعية المحددة للسياسة الجنائية”
– وقد ظهرت عدة اتجاهات فقهية في تعريف السياسة الجنائية والتي تتجلى أهمها فيها يلي:
أولا: عرف البعض السياسة الجنائية بأنها مجموعة الوسائل التي تحددها الدولة للمعاقبة على وقوع الجريمة وقد ظهر هذا التعريف في كتابات بعض الفقهاء فقال دونته دي فاييربان السياسة الجنائية هي التي تحدد رد الفعل العقابي الجزائي ويتفق هذا التحديد مع تعريف الفقيه الألماني ميسنجير للسياسة الجنائية بأنها رد فعل الدولة ضد الجريمة بواسطة قانون العقوبات وفي هذا المعنى قال دي اسوا بأنها ليست الا قانون العقوبات في حالة حركة وعرف البعض الآخر[16]. بأنها العلم الذي يدرس النشاط الذي يجب أن تمارسه الدولة بمنع الجريمة والعقاب. وانها هي التي يسترشد بها المشرع في اختيارما يتخذه من تدابير وفي هذا المعنى. أيضا قيل بأن السياسة الجنائية هي مجموعة الوسائل التي تتخذ لمنع الجريمة والعقاب عليها.
وقد أطلق عليها أيضا بانها ضرورة في المادة الجنائية فتطبيقاتها محددة. فالقانون الجنائي غير كافي وحده بسبب افتقاره للوسائل المادية والبشرية في الواقع. فاستخدام العقوبة الجنائية ينبنى على اختيارات متباينة نظرا لهدفه في تحقيق المصلحة العامة.
فالسياسة الجنائية هي عبارة حديثة نسبيا فمن جهة يقصد بمصطلح السياسة القدرة على تحديد ما ينبغي أن يكون عليه الشيء بإرادة مستقلة. فالباحتين في علم السياسة الجنائية لا ينبغي لهم أن يتقيدوا بالمعايير الجنائية الموجودة ولكن بما يجب أن تكون عليه هذه المعايير.
إلى ماضي قريب فسلطة الملاءمة التي تتمتع بها النيابة العامة الا تعدوا أن تكون عبارة عن إحدى تطبيقات السياسة العقابية[17].
ويمكن حسب Deroussin  تعريف السياسة الجنائية بانها تطبيق القانون الجنائي وليس سياسة التجريم وذلك عندما تحدد التوجهات التي تحكم تحريك وممارسة الدعوى العمومية.
ويذهب الأستاذ أحمد فتحي سرور إلى أن السياسة الجنائية هي التي تضع القواعد التي تحدد على ضوئها صياغة نصوص القانون الجنائي سواء فيما يتعلق بالتجريم أو الوقاية من الجريمة أو معالجتها وبعبارة أخرى فإن السياسة الجنائية هي التي تبين المبادئ اللازم السير عليها في تحديد ما يعتبر جريمة وفي اتخاذ التدابير والعقوبات المقررة لها[18].
ثانيا: فروع السياسة الجنائية.
أ: سياسة التجريم.
تباشر الدولة وظيفتها الجزائية لحماية المصالح الإجتماعية التي تسود المجتمع وتختار الجزاء الأكثر صلاحية والأقرب إلى التعيير عن مدى التقدير لأهمية هذه المصالح فإن قدرت الدولة أن المصلحة تستأهل أقصى مراتب الحماية القانونية عبرت عن ذلك بالعقوبة وتحديد المصالح الجديرة بالحماية الجنائية وفقا لظروف واحتياجات المجتمع وتتأثر بتقاليده ونظامه الإفتقادي والإجتماعي والسياسي. ويعتبر التجريم هو أقصى مراتب الحماية التي يضفيها التشريع على نوع معين من المصالح التي تهم المجتمع[19].
ب: سياسة العقاب:
يبدو لأول وهلة على أن مصطلحي السياسة العقابية والسياسية الجنائية هم مترادفين وهذا الخلط نتج عن سوء تفسير المصطلح الأصلي الذي عبر عنه فويرباخ kriminal politika إلا أنه من خلال تعريفات السياسة الجنائية المشار إليها أعلاه يتضح على أن سياسة العقاب من بين الأساليب التي تعتمد عليها السياسة الجنائية في إيجادها من أجل مكافحة الجريمة وبالتالي فإن سياسة العقاب في فرع من السياسة الجنائية[20].
وتتكون السياسة العقابية في مقام تحديد وسائل تحقيق الهدف من العقوبات بنسقين:
أ‌- نسق موضوعي بحث: ويتناول الصورة المجردة للعقوبات في مرحلة التشريع والأسس الواجبة إتباعها في مرحلة تطبيقها وتنفيذها.
ب‌- وهو النسق الإجرامي: ويعالج الإجراءات الواجب إتباعها للفصل ابتداء في توافر حق الدولة في العقاب في الإجراءات المعمول بها عند تطبيق العقوبات وتنفيذها طبقا للأسس الموضوعية المحددة لها[21].
د: سياسة المنع:
هذه السياسة تهدف إلى الحيلولة دون وقوع الجريمة بواسطة اتخاذها للتدابير الوقائية في مواجهة الخطورة الإجرامية ولقد شكلت الملامح الأولى لهذه السياسة من خلال المبادئ التي نادت بها مدرسة الدفاع الإجتماعي التي وضعها مارك انسل بحيث اعتبر أن وظيفة السياسة الجنائية يجب ان تتسم بالصفة الحمائية أي أن تكون موجهة نحو القضاء على الاسباب التي تؤدي بالفرد إلى نحو سلوك طريق الجريمة[22] .
الفقرة الثانية: مفهوم السياسة الجنائية بين الاستقلالية والتبعية.
أولا: استقلالية للمفهوم.
سنقسم هذه الفقرة إلى ثلاثة محاور وسنعالج فيها علم السياسة الجنائية وفن التشريع الجنائي (أ). والذاتية العلمية للسياسة الجنائية (ب) وخصائص السياسة الجنائية (د).
أ: علم السياسة الجنائية.
يقوم الفقيه الجنائي الألماني claus roxin على أن السياسة الجنائية هي فن تفسير القوانين مراعاة مع المبادئ العلمية[23]  وكما قيل أيضا أن السياسة الجنائية هي علم الملاحظة وفن التدخل[24]. وهو ما يجعلنا نتساءل عن هل الساسة الجنائية لها طابع العلم أم أن لها طابع مجرد حيث أن العلم هو الذي يشد معرفة الحقيقة من خلال التوصل إلى قانون يحكم ظاهرة معينة. أما الفن فهو الذي يحدد أفضل أسلوب لتطبيق القانون العلمي للوصول إلى أحسن نتيجة[25].
ومن خلال وظائف السياسة الجنائية حسب رأينا فإنها علم وفن في نفس الوقت فهي علم عندما تسعى إلى إيجاد مبادئ توجيهية تهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار.
وهي فن من خلال تأسيسها للقواعد التي تحدد طبيعة عمل الجهات المكلفة بانقاد القوانين إلا أننا نصطدم من خلال توضيح طبيعة السياسة الجنائية بما يسمى بفن التشريع الجنائي الذي يعرف بأنه هو ذلك العلم الذي يبين أفضل الأشكال الذي يجب أن تصاغ فيه نصوص التشريع الجنائي وهي بهذا تختلف عن السياسة الجنائية كونها تحدد الهدف من القانون الجنائي والخطوط العريضة التي من شأنها تحقيق هذا الهدف وفق قوانين علمية أسفر عنها البحث العلمي[26].
ب: الذاتية العلمية للسياسة الجنائية.
أنكر البعض الذاتية العلمية للسياسة الجنائية بحجة أنها لا تعالج موضوعا.
ويعود سبب إنكار البعض للذاتية العلمية للسياسة الجنائية. أنها لا تعالج موضوعا ذاتيا تنفرد به عن علم الإجرام ولا تنفرد بمنهج علمي معين بل تعتمد اعتمادا كليا بما يقدمه علم الإجرام من نتائج وتقتصر وتها على صياغة هذه النتائج في صورة اتجاهات عامة للدفاع ضد الجريمة ومن تم فإنها لا تتمتع بكيان علمي مستقل
والواقع من الأمر أن اعتماد أحد العلوم على معطيات العلوم الأخرى لا يؤثر في ذاتيته العلمية طالما أن هذا العلم سيستهدف من أبحاثه صياغة قوانين علمية وحلولا عامة للموضوعات التي تعالجها وأول ما يحتاجه العلم للتمتع بكيانه واستقلاله هو إقامة نظرية أساسية باعتباره أنه لا يمكن أن ينشد استقلاله وذاتته بدون أن يتوافر له أساس واضح وإذا طبقنا هذا المعيار على السياسة الجنائية نجد أن اعتمادها على معطيات العلوم الأخرى كعلم الإجماع القانوني وعلم الإجرام وعلم العقاب لا تحول في حد ذاته دون التسليم بالكيان العلمي المستقل للسياسة الجنائية لأنها تختلف عن هذه العلوم في منهجها[27].
د: خصائص السياسة الجنائية
تتميز السياسة الجنائية بالخصائص الآتية:
أ: غائية: تهدف السياسة الجنائية إلى غاية معينة وهي تطوير القانون الجنائي الوضعي في مجالات التجريم والعقاب والمنع فهي ليست تجميعا لأبحاث العلوم التي تمدها بالنتائج العلمية ولا نقتصر على تحليل هذه النتائج أو تركيبها،  وإنما تهدف إلى  غاية علمية وهي توجيه القانون الجنائي  في مرحلتي  إنشائه وتطبيقه، والتوجيه في مرحلة  الإنشاء  ينصرف إلى المشرع  الذي يتعين عليه من الناحية العلمية الاهتداء بمبادئ السياسة الجنائية فيما بينه من قواعد جنائية.
لما التوجيه في مرحلة التطبيق فينصرف إلى القاضي الذي يتعين عليه أن يحيط بأخر تطورات  السياسة الجنائية حتى  يستعين  بنتائجها  في تفسير نصوص القانون الجنائي.
ب- نسبية: لما كانت الجريمة ظاهرة اجتماعية تتأثر في أسبابها  بالبيئة والظروف  الاجتماعية المختلفة سواء  ما يتعلق بالنواحي الطبيعية أو الأخلاقية أو الاقتصادية أو السياسية فان تحديد السياسة التي تحدد الجريمة وتبين أسلوب العقاب عليها أو منعها يتأثر بطبيعة هذه الظروف.[28]
ومن هنا نقول بأن السياسة الجنائية تتميز بالنسبية، فهي ليست مطلقة والوسائل التي تقترحها دولة لمكافحة الجريمة فيها قد لا تصلح في دولة أخرى نظرا لاختلاف الظروف الاجتماعية  في كل من هاتين الدولتين.
د: سياسية:  تتأثر وسائل السياسة الجنائية وفقا للتنظيم السياسي  في الدولة، ووفقا لذلك فإن  هناك ارتباط لا مفر منه  بين السياسة العامة للدولة، وسياستها الجنائية فالأولى توجه الثانية وتحدد إطارها فالدولة التي تسيطر عليها  النظم الديكتاتورية تختلف  عن غيرها من الدول ذات النظم الديمقراطية في تحديد السياسة الجنائية والواقع  من الأمر فإنه لا يمكن مطلقا معالجة قضية رد الفعل ضد الجريمة  بعيدا عن قضية الحرية وعلى ضوء كيفية معالجة القضية في نظام سياسي معين لابد أن تتحدد السياسة الجنائية.
ومن ناحية أخرى فهناك علاقة أساسية بين المسائل الهامة للسياسة الوطنية والسياسة الجنائية فالجريمة في الدول النامية تتصدر مشاكلها الداخلية إذا أرادت أن تصل إلى مستوى أكثر ارتفاعا من أجل تحقيق أهدافها في التنمية.
ت: متطورة: تتميز السياسة الجنائية بالحركة لا بالجمود فهي سياسة متطورة بحكم اعتمادها على نتائج علم الاجتماع القانوني وعلم الإجرام وعلم العقاب وتأثرها بالنظام السياسي ولذا فإنه يتعين للتحقق من فاعلية السياسة الجنائية أن تخضع دائما للمراجعة والتقييم.
ث: قيامها  على منهج علمي: يجب أن تقوم السياسة الجنائية على مجموعة من القوانين العلمية تحدد الصلات السببية بين الوسائل التي تقترحها والغرض الذي تستهدفه.
وبما أن السياسة الجنائية تتميز بالطابع العلمي فإن ما تحدده من وسائل للوصول إلى غايتها يجب أن يرتكز على توافر صلة السببية بين هذه الوسائل وتلك الغاية ويتوقف تحديد تلك الوسائل وفقا لمنهج البحث العلمي الذي تعتمد عليه هذه السياسة فوفقا للمنهج  العلمي  التجريبي القائم على الملاحظة لا بد لتحديد هذه  الوسائل  من إجراء   بعض البحوث التجريبية   لبيان مدى فاعليتها في تحقيق الدفاع الاجتماعي  فمثلا إذ قلنا  أن الدفاع عن المجتمع يتحقق  بتأهيل  المجرم للحياة الاجتماعية تعين علينا  أن نجري بحوثا تجريبية في مدى فاعلية العقوبات المقيدة للحرية في تحقيق هذا الغرض والقانون الذي تصل إليه هذه البحوث يعتبر  من المبادئ التي يتعين أن ترتكز عليها السياسة الجنائية  كما أن وضع قواعد التجريم يجب استخلاصها  من نتائج علم الاجتماع القانوني الذي يبحث  في مدى معاينة القاعدة القانونية للواقع الاجتماعي.
والسياسة الجنائية بهذا لمعنى  تختلف عن القرارات التي تتخذها   الدولة  لتحقيق خطة معينة لأنها تقوم على مبادئ علمية يتحدد على أساسها توجيه  نشاط الدولة في مجالات التجريم والعقاب والمنع.
ومع ذلك فإن بعض مذاهب السياسة الجنائية  لم تتصف  بهذه الخاصية العلمية لأنها ارتكزت  على أساس ميتافيزيقي قوامه التصور العقلي المحض لا المنهج العلمي في البحث ونشير  بذلك على وجه التحديد إلى السياسة الكلاسيكية والسياسة النيو كلاسيكية.[29]
ثانيا: تبعية السياسة الجنائية.
إن البحث في موضوع السياسة الجنائية، انطلاقا من مجمل التعريفات التي قال بها الفقه. وبقوة الأشياء تجعلنا  نقف بغية الإجابة عن ما مدى تبعية السياسة الجنائية للسياسة العمومية؟ هذا الإشكال هو الذي سنحاول أن نجيب عنه من خلال التطرق إلى مظاهر تبعية السياسة الجنائية للسياسة العمومية وعلاقة هذه الأخيرة بالسياسة الاجتماعية.
فرغم المفهوم الموسع للسياسة العمومية إلا أنه يمكن تعريفها بأنها إستراتيجية عمومية ذات إطار عام للنشاط العمومي محددة الأهداف لأجل تلبية الاحتياجات العمومية.
وإذا كان الأمن العمومي و الاستقرار العمومي هو من ضمن الاحتياجات العمومية التي تعتبر من ضمن أولويات السياسة العمومية فهو أيضا من الوظائف المنوطة بالسياسة الجنائية وبدلك فان السياسة الجنائية تعتبر فرع من السياسات العمومية[30]
لكن الإشكال المطروح والذي هو مرتبط بواقع العلاقة التي تربط السياسة العمومية بالسياسة الجنائية حيث نجد  أن السياسة العمومية هي التسيير السياسي والإداري للشؤون العامة بواسطة برنامج ذوا أهداف محددة تتداخل فيه مجموعة من السلطات العمومية والحكومية وهذا ما يجعل السياسة الجنائية مجرد وسيلة لإضفاء الشرعية عن وظائف الدولة من خلال النيابة العامة في تدخلها لحل النزاعات الجنائية ومنه يتضح على أن السياسة الجنائية هي سياسة تطبيق القانون الجنائي وذلك عندما تحدد التوجهات التي تحكم تحريك وممارسة الدعوى العمومية.[31]
فهي بذلك- أي السياسة الجنائية- من خلال ارتباطها بالسياسة العمومية التي يبدوا واضحا سواء من خلال الفاعلين أو من خلال الأهداف تبدوا عبارة عن شبكة من القرارات والأعمال المحددة التي تبحث عن أجوبة تجاوزا يمكن نعتها بالجنائية للظاهرة الإجرامية.
أما على مستوى آثار ارتباط السياسة الجنائية أو تبعية السياسة الجنائية للسياسة العمومية فمثلا نلاحظ على أنه في إطار الأنظمة الديكتاتورية تعتبر السياسة الجنائية ذات مقاربة بوليسية أمنية صرفة إلى جانب باقي فروع السياسات العمومية الأخرى مثل سياسة التعليم وسياسة المدينة[32].
المطلب الثاني: موقع السياسة الجنائية في المنظومة الجنائية
 ارتأينا في إطار هذا المبحث أن نسلط الضوء على علاقة السياسة الجنائية بالقانون الجنائي والقضاء الزجري( الفقرة الأولى) ونمر بعد ذلك لتوضيح كل من علاقة الاجرام والضحية   بالسياسة الجنائية( الفقرة الثانية)
  الفقرة الاولى: علاقة السياسة الجنائية بالقانون الجنائي والقضاء الزجري
تعتبر  الأستاذة  marielle Delmas – Marty  أن القانون الجنائي سيبقى بمثابة النواة الأكثر صلابة للسياسة الجنائية[33] . ادن فكيف يمكن تفسير هده الأهمية التي يحتلها القانون الجنائي في السياسة الجنائية؟(اولا) و كون القضاء الزجري يبرز على  على المستوى التطبيقي للقانون الجنائي هدا الأخير الذي يعتبر العنصر الأقوى في السياسة الجنائية .وعلى  ذلك سنحاول أن نوضح طبيعة العلاقة التي تجمعهما (ثانيا)
اولا: علاقة السياسة الجنائية مع القانون الجنائي
لقد تم الإشارة أعلاه أن موضوع السياسة الجنائية هو التصدي للجريمة.وان القانون الجنائي هو  مجموعة من القواعد التي تنظم رد الفعل الرسمي ضد الجريمة.تلك القواعد التي تعتبر أساليب جنائية ((des techniques pénale توظفها السياسة الجنائية لآجل تحقيق أهدافها .[34]التي تتمحور حول حماية القيم المجتمعية التي تضمن العيش المشترك داخل المجتمع . بمعنى تلك القيم التي  يعبر عنها ب”المصالح المحمية” في القانون الجنائي .
وبذلك فان نظرنا لطبيعة هذه العلاقة من زاوية :
 قواعد الموضوع: نجد على إن الشق ألتجريمي للقاعدة الجنائية يحدد طبيعة النشاط الذي ينتهك المصلحة المحمية.أما الشق العقابي فيعبر عن الوسيلة التي ارتآه المشرع مناسبة لحماية تلك المصالح .
قواعد الشكل:يتوقف تحديد ملامح قانون الإجراءات الجنائية في بلد ما على سياسة جنائية فيما يتعلق بكشف الحقيقة و ما يسيتتبعه من رد الفعل القانوني الاجتماعي ضد الجريمة . وحماية الحرية الشخصية للمتهم من خلال الإجراءات الجنائية التي تباشر ضده.من هنا يتضح إن السياسة الجنائية الإجرائية تهدف أساسا إلى تحقيق غرضين هما كشف الحقيقة وحماية الحرية الشخصية.[35] و هدا ما يتحقق من خلال آلية الدعوى العمومية المنظمة بواسطة قواعد المسطرة الجنائية , مما يجعلنا نقف على ما يعرف بسياسة الدعوى العمومية  (la politique de l’action publique) التي عبارة عن تسيير لنظام القرارات الذي  تقوم به النيابة العامة في إطار ماتتمتع به من سلطة ملائمة المتابعة.ويتميز نظام القرارات هدا انه يجمع ما بين:
– قانون السياسة العقابيةloi de politique pénal  وهي مجموع القواعد التشريعية الجنائية سواء الموضوعية أو المسطرية المنظمة و الموجهة للدعوى العمومية
-قرارات السياسة العقابية la décision de la politique pénal وهي تلك القرارات الدي تتخده النيابة العامة للإجابة عن اسءلة المجتمع عن ظاهرة الجريمة[36]
ثانيا: علاقة السياسة الجنائية بالقضاء الزجري
يقول  platon “ مع أحسن القضاة  يمكن لأسوأ القوانين أن تصبح مقبولة” بذلك يتضح دور القضاء الزجري في إمكانية تحقيقه لأهداف السياسة الجنائية من خلال تطبيقه للقوانين خصوصا منها المسطرية فرغم قصور القوانين أو  قد تكون مخالفة في بعض الأحيان لأهداف السياسة الجنائية، فإن أهمية القضاء هنا خصوصا في المادة الجنائية يمكنها أن تتغلب على مختلف تلك النواقص ومن هنا يجب أن نتساءل  أي دور يمكن أن يلعبه القضاء  في ملائمة قوانين المسطرة الجنائية مع أهداف السياسة الجنائية[37] ؟
الفقرة الثانية :علاقة الإجرام والضحية  بالسياسة الجنائية
أولا: علاقة الاجرام بالسياسة الجنائية
إن رسم الخطوط أو الملامح لأجل إيجاد سياسة جنائية بديلة نحو سياسة جنائية تستهدف طبقات ثانوية في مجال الانحراف، هو ما يسمح بتطوير نظام الضبط الاجتماعي الذي سيتمكن من رسم إستراتيجية مستقلة وبديلة في سبيل مكافحة  الانحراف من خلال منظومة جنائية حقيقية وواقعية تتماشى وهموم أي مجتمع  حيث نجد على أن السياسات الجنائية في الدول الليبرالية على الخصوص محددة من طرف الطبقات الحاكمة والتي تؤخذ بعين الاعتبار فقط مصالح الطبقة التي تحدد  تلك السياسة.
نتيجة لذلك نلاحظ هيمنة الطبقات الحاكمة على عملية التجريم من خلال اختيار السلوكيات التي يتم إصباغ الصفة الإجرامية عليها، وهذا ما يفسر صراعات السلوكيات الاجتماعية، مما يقف عائقا أمام أي تحسن في ظروف النظام الاجتماعي والاقتصادي فالتحول الحالي في اتجاهات السياسة الجنائية المعاصرة جاءت بسبب ضعف مناعة نظام الضبط الاجتماعي ضد أنواع من الجرائم طالما ظلت في المنطقة المظلمة التي لم تطأها قدم التجريم بعد (الجرائم الاقتصادية – نموذجا).[38]
 لذلك تعتبر السياسة الجنائية بمثابة تعبير صريح عن المجتمع لمحاربة الاجرام ولن وهذا من خلال تفعيل قانون المتابعة لنقل قانون الموضوع من حالة الجمود إلى حالة الحركة[39].
ثانيا: علاقة السياسة الجنائية بالضحية
إن تطور الدراسات في علم الضحايا جعلت السياسة الجنائية تتجه  نحو توفير الاحتياجات للضحايا وتحسين بينتهم الاجتماعية داخل المجتمع [40] بحيث أصبح هدف السياسة الجنائية يمتد للسيطرة على عواقب الجريمة ، بالإضافة  إلى منع وقوع الجريمة حماية للمجتمع بشكل عام والضحية بشكل خاص وذلك بشكل استباقي لتفادي وقوع الجريمة.
وبذلك فإن علاقة السياسة الجنائية بعلم الضحية تتجلى من خلال:
أ: مساعدة الضحايا الحقيقيين
 ففي هذه المرحلة فهدف السياسة الجنائية يتخذ دور إعلامي بصفة التخفيف من العواقب التي تخلفها الجريمة، وخصوصا ما يعرف بالجرائم ذات الضحية، فالضحية يتمتع بها في المحاكمة الجنائية  وذلك بممارسة للدعوى المدنية أمام القضاء الزجري إما أن هذه المكانة الثانوية الذي يحتلها الضحية في الدعوى المدنية باعتباره طرف مدني. يجعل السياسة الجنائية قاصرة عن  تحقيق هدفها العلاجي وبهذا فإنه يجب أن يتم التساؤل عن ماهي المكانة الحقيقية الفعالة التي يجب أن يحتلها اليوم الضحية في المحاكمة الجنائية:
ومنه فإن وظيفة السياسة الجنائية العلاجية لا يمكن أن تحقق على ارض الواقع خصوصا على مستوى ضحايا الجرائم إلا إذا توجهت نحو إقامة مبادئها بناء على  ما سيساهم في اهتمام أكثر باحتياجات الضحايا إذ أن هناك تأثير بالغ الأهمية بالضحايا في إعادة تجديد المسطرة الجنائية والقانون الجنائي الموضوعي سواء على مستوى التجريم أو العقوبة.[41]
ب: مساعدة الضحايا الاحتماليين
إن تحديات الحياة والتطور التكنولوجي اليوم أدى بنا إلى ما يعرف بمجتمع المخاطر « la société du risque » فمفهوم  المخاطر يحيلنا إلى المخاطر الناتجة عن  الكوارث الطبيعية والتكنولوجية لكن أيضا تلك المخاطر الناتجة عن الأنشطة الخطيرة للإنسان وهذا الأمر يفرض على الدولة أن تحدث مؤسسات منظمة حول المعارف المرتبطة بالمخاطر ، فاليوم أصبح كل أفراد المجتمع عبارة عن ضحايا احتماليين ومن ثم فإن السياسة الجنائية يجب أن توجه وظيفتها الوقائية إلى صياغة مبادئ توجيهية منبثقة من إفرازات مجتمع المخاطر ولعل علاقة الشرطة بتدبير المخاطر يصطدم بعلاقتها مع حماية الحقوق الأساسية للأفراد. [42]
 فإن هدف السياسة الجنائية  التي تتحدد في سياسة حماية النظام تعتمد على الضبط   الزجري والمعي يجب أن تستبدل سياسة ذات مراقبة قبلية تتأسس على احترام الأنظمة.[43]

المبحث الثاني: القواعد الناظمة للسياسة الجنائية على ضوء المحاكمة العادلة

أقرت الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان عددا من الضمانات الخاصة بمحاكمة المتهمين في القضايا الجنائية، وتتمثل هذه الضمانات في الواقع مكونات أساسية للمحاكمة العادلة، والتي تحتل كحق من حقوق الإنسان مكانة خاصة في الاتفاقيات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالموضوع يمكن تقسيمها من حيث مجال تطبيقها إلى اتفاقيات أو معاهدات ذات طبيعة عالمية أو إلى اتفاقيات ذات طبيعية إقليمية (المطلب الأول) .على ان نختم هذه الدراسة بازمة السباسة الجنائية والبدائل الممكنة(المطلب الثاني).
المطلب الأول: المحاكمة العادلة والسياسة الجنائية
الفقرة الأولى: المحاكمة العادلة من خلال المصادر الدولية ذات الطبيعة العالمية
إن معظم الاتفاقيات الدولية هي صادرة عن هيئة الأمم المتحدة، في أعقاب ما ارتكب من فظاعات أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث سعى المنتظم الدولي للبحث عن طرق لتعزيز التعاون الدولي، بما في ذلك التعاون الهادف لحماية حقوق الإنسان من ممارسة الدولة لنفوذها بشكل تعسفي، وبهذا سوف نتناول  المصادر الاتفاقية (أولا)  ثم المصادر غير الاتفاقية  (ثانيا)
أولا:المصادر الاتفاقية لضمانات المحاكمة العادلة
 أ: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966
مثل العهد الدولي الخاص  بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 ، قفزة نوعية في القواعد المرجعية التوجيهية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
فمن خلاله تم التأصيل لجملة المبادئ التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى هذا الأساس تضمنت المادة 14 من العهد القواعد والأسس المتعين إعمالها في القوانين الوطنية فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة التي تشكل في ذات الوقت مناط التزام وتعهد الدول بمقتضياته[44].
من المسلم به في النظم القانونية المعاصرة وجوبا احترام مبدأ الفصل بين السلطات، الذي يعتبر ضمانة لحقوق الأفراد وحرياتهم وركيزة هامة لضمانات المحاكمة العادلة، بحيث يجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة عن باقي السلط باعتبارها أهم سلطة يمكنها تكريس ضمان المحاكمة العادلة. ويقصد باستقلال القضاء وجوب ممارسة السلطة المذكورة لنشاطها بحرية دون تدخل سلطة من السلطات الأخرى داخل الدولة أو الخضوع لرقابتها أو تأثيرها، أما القضاة فهم أحرار مستقلون لا سلطان عليهم لغير القانون، وهذا ما نصت عليه المادة 14 من العهد الدولي  المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لسنة  1966.
بالإضافة على تنصيص العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية على أن تجرى جلسات المحاكمة بصورة علنية، فالعلنية تساهم في حماية حقوق المتقاضين وعادة ما تكون المحاكمات السرية أكثر انحرافا عن العدالة لكونها بمنأى عن رقابة الناس ووسائل الإعلام، فالعلنية تفترض عقد جلسة المحاكمة في مكان يجوز لمن يشاء من الأفراد دخوله.
بحيث تسمح العلنية في الواقع بتحقيق نوع من الرقابة الشعبية على سير القضاء، خاصة وأنها تجعل كافة إجراءات المحاكمة  مكشوفة وبمقدور الرأي العام مراقبة عدالتها وقانونيتها.
إن الأصل العام في المحاكمات جميعها هو العلنية، وإتاحة المجال للعموم للاستماع إلى جلساتها، ويجوز الخروج على هذا الأصل العام في حالات استثنائية لمبررات ودوافع فعلية أو قانونية تدعو إلى عقدها بصورة سرية.[45]
ومن بين ضمانات المحاكمة العادلة التي نص عليها العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، هي إجراء المحاكمة في مدة معقولة باعتبار أن هذه الضمانة تؤدي وظيفة[46] هامة في إطار المحاكمة المنصفة، فهي دليل على فعالية العدالة وجديتها  ومصداقيتها.
لكن ما يلاحظ على العهد كونه نص على ضمانة محاكمة المتهم دون تأخير لا مبرر له ولم يحدد المدة المعقولة التي سوف تتم فيها المحاكمة أو حتى على الأقل  المدة القسوى  التي لا يجب  أن تتعداها  المحاكمة.
بالإضافة إلى هذه الضمانات، نص العهد على عدم جواز محاكمة الشخص مرتين عن واقعة واحدة باعتبار أن العقوبة هي الجزاء المقرر لكل جريمة لذلك يجب أن تكون متناسبة ومحققة لأغراضها، ولهذا أوجب العدل ألا يعاقب الشخص مرتين عن فعل  واحد بمحاكمة ولو تحت وصف قانوني آخر لمخالفة قواعد  العدالة ومبادئ الشريعة.[47]
ويعتبر الحق في الدفاع أهم ضمانة لضمانات المحاكمة العادلة لتي نص عليها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بحيث أن الحق في الدفاع  يضمن دفاعا فعالا  وفعليا لأطراف الدعوى وبالذات المتهمين في الدعاوى الجزائية، وللحق في الدفاع عناصر ومكونات مختلفة فهو لا يقوم دون توفر هذه العناصر والتي تتجلى في الآتي:
·       عدم إكراه المتهم على الشهادة ضد نفسه أو الاعتراف بالجرم المنسوب إليه.
·       حق المتهم في المشاركة في إجراءات المحاكمة.
يتعين على الدول أن تفسح المجال أمام المتهم في المشاركة في إجرءات المحاكمة  مشاركة فعالة وغير منقوصة، وحتى تكون هذه المشاركة فعالة لا بد من توفر شرطين وهما ما أكد عليهما العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966.
 أولهما: إعلام المتهم سريعا وبالتفصيل وبلغة يفهمها بالتهمة الموجهة إليه  وأساسها وينشأ حق المتهم في إعلامه  بالتهمة الموجهة إليه وأسبابها  عندما تقر إحدى المحاكم  أو إحدى السلطات العامة أثناء التحقيق[48] أن تباشر ضد شخص مشتبه بارتكابه جريمة ما إجراءا معينا أو عندما تتجه إرادتهما إلى تسميته علنا بأنه مشتبه فيه ولا يشترط إخبار المتهم بالتهمة شفويا، فيجوز أن يتم الإخطار كتابة أيضا شريطة أن تشير المعلومات إلى القانون وإلى الأفعال المنسوبة إلى المتهم، وأن يكون الإخطار والإعلام بلغة يفهما المتهم ذلك لأنه ليس بمقدور المتهم تقديم إجابات أو ردود أو دفوع دون أن يفهم ما ينسب إليه عندما لا يتكلم لغة الدولة المعنية أو اللغة المستخدمة  في المحاكمة.
ثانيهما: أن يحاكم المتهم حضوريا  وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بوساطة محام[49]. إن حضور المتهم جلسات المحاكمة له أهمية كبرى بالنسبة إليه في المقام الأول، ويملك  المتهم بوجه عام حق الحضور أثناء المحاكمات والاستماع إلى كل ما يدور بداخلها والاطلاع على  تفاصيلها وحقائقها عملا بمبدأ حضورية المحاكمات.
إلا أنه لا يمكن اعتبار المحاكمة عادلة بمجرد توفر الضمانات السالفة الذكر لذلك ولكي تكتمل هذه الضمانات  لابد من إتاحة إمكانية الطعن في الحكم،  وذلك أمام محكمة أعلى درجة وهذا ما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بحيث  جاء فيه: “لكل شخص  أدين بجريمة حق اللجوء وفقا للقانون إلى محكمة أعلى كما تعيد النظر في قرار إدانته وفي العقاب الذي حكم به عليه”.
ولكن تبقى أهم ضمانة للمحاكمة العادلة التي نص عليه العهد والتي ارتأينا الحديث عنها في آخر الكلام عن الضمانات التي أتى بها العهد باعتبارها ترافق المتهم طيلة مراحل الدعوى الجنائية ألا وهي مبدأ افتراض براءة المتهم.
وهذا المبدأ يقرر ضمانات الحرية الشخصية ضد تعسف السلطة، وضد انتقام المجني عليه، وبدون ذلك تهدد حرية وكرامة المتهم كما أن هذا المبدأ يوجب على الدولة معاملة المتهم على أنه بريء ويتم التعامل معه على هذا الأساس[50].
 وتجدر الإشارة إلى أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية نص في مادته الرابعة على اعتبار أن الحق في محاكمة عادلة حق مطلق، لا يجوز الإخلال به  حتى ولو تعلق الأمر بحالة الطوارئ  بحيث يسمح فيها  للدول بعدم التقيد بالالتزامات القانونية في حقوق الإنسان وفق شروط معينة.
ب: الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965 واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية1974.
1- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لسنة 1965.
يقصد بتعبير التمييز العنصري كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني يستهدف أو يستنتج تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان أو الحريات الأساسية أو التمتع بها على قدر المساواة في الميدان الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في ميدان أخر من ميادين الحياة. [51]
تتعهد دول الأطراف في الاتفاقية بضمان الحق في المعاملة على قدم المساواة أمام المحاكم وجميع الهيآت الأخرى التي تتولى إقامة العدل .
2- واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أواللإنسانية لسنة 1947
 يقصد بالتعذيب حسب الاتفاقية، كل عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد  جسديا كان أو عقليا  يلحق عمدا شخصا ما، بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر على معلومات أو على اعتراف أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه هو أو شخص آخر، أو تخويفه  أو إرغامه  هو أي شخص آخر، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من هذا الأسباب يقوم على التمييز أي كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص أخر يتصرف بصفته الرسمية إلا أن ذلك لا يتضمن الآلام والعذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبة أو الذي يكون نتيجة عرضية لها .
وتوضح اتفاقية مناهضة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انه لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن الموظفين الأعلى  مرتبة  أو عن السلطة العامة، كما تضيف انه لا يجوز التدرع بأي ظروف استثنائية أيا كانت سواء كانت هذه الظروف  حالة حرب أو تهديد بحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أي حالة من حالات الطوارئ العامة كمبرر للتعذيب.
وتتخذ الدول الأطراف ما يلزم من التدابير  لإقامة القضائية على الجرائم السابقة وتقديم الشخص المرتكب لهذه الأعمال المخالفة للمادة 4  من الاتفاقية إلى السلطات المختصة بقصد تقديمه إلى المحاكمة[52] .
ثانيا: المحاكمة من خلال المصادر غير الاتفاقية
سوف نتناول في (أ) الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 باعتباره أهم المصادر الغير الاتفاقية لضمان المحاكمة العادلة ثم (ب) معايير ميلانو المتعلقة باستقلال القضاء ثم معايير لجنة حقوق الإنسان المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة.
أ: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948:
اعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصدر رسميا بقرار الجمعية العامة في 10 دجنبر سنة 1948 وقد جاء في ديباجة الإعلان أن هذا الأخير يشكل المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب  وكافة الأمم[53].
ورغم الاقتضاب الذي طبع  نص الإعلان العالمي، بحيث  تضمن فقط  30 مادة، بالنظر للتوازنات والظرفية العالمية لما بعد الحرب العالمية الثانية، والتباين الشديد بين مختلف المذاهب والعقائد والمنظومات الفكرية والفلسفية داخل  الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد أولى واضعوه لقضية المحاكمة العادلة أهمية مركزية إن على صعيد الإحالات الواردة في الديباجة أو في بعض مواده[54].
انطلق الإعلان من مبدأ الكرامة الإنسانية المتأصلة، وضرورة تمتع الإنسان بحماية النظام القانوني إذا أريد للبشر ألا يضطر في نهاية الأمر إلى التمرد على الطغيان والاضطهاد.
وعلى هذا الأساس أصلت مجموعة من المواد للمحاكمة العادلة ومنها المواد 5/7/8/9/10/11/12،[55]  ولكن تبقى أهم المواد التي أصلت للمحاكمة العادلة المادتان 10[56]-11[57]. ومنه نستنتج أن فلسفة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تتمثل في:
·       لكل فرد  الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.
·       لا يجوز إخضاع  أحد للتعذيب ولا للمعاملة والعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.
·        الناس جميعا سواء أمام القانون ولهم الحق في التمتع   بحمايته.
·       لكل شخص حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة للإنصاف الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق  الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون.
·       لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه  تعسفا .
·       لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضية محكمة مستقلة ومحايدة نضرا منصفا وعلنيا للفصل في حقوقه  والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه.
·        كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه  لها قانونا  بمقتضى محاكمة علنية تتوفر فيها جميع الضمانات اللازمة  للدفاع عن نفسه.
·       لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكل جرما بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع  عليه أية عقوبة أشد من تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب  فيه الفعل الجرمي.
ب: معايير ميلانو المتعلقة باستقلال القضاء ثم معايير لجنة حقوق الإنسان المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة
1-   معايير ميلانو المتعلقة باستقلالية القضاء
أكدت المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية، التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المنعقد في ميلانو بإيطاليا في دجنبر 1985 على مجموعة من المعايير المتعلقة بدور استقلالية القضاء في ضمان شروط المحاكمة العادلة.
–   تكفل الدول استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه، ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة السلطة القضائية.
–    تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز على أساس الوقائع ووفقا للقانون ودون تدخلات مباشرة كانت أو غير مباشرة من أي جهة أو أي سبب.
أكد قراري الجمعية العامة المشار إليهما على أن مبدأ استقلال السلطة القضائية  يرتبط بمبدأ  فصل السلط في سياق سيادة القانون وإرساء الديمقراطية .
2-     معايير لجنة حقوق الإنسان المتعلقة بالمحاكمة العادلة
أكدت لجنة حقوق الإنسان في القرار رقم 39 لسنة 2003 على مجموعة من المعايير لضمان شروط المحاكمة العادلة والتي تتجلى فيما يلي:
–    تؤكد على أن لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة  في محاكمة منصفة وعلنية للفصل في حقوقه والتزاماته و في أي تهمة جزائية توجه إليه.
–    لكل إنسان في أن يحاكم أمام الهيئات القضائية أو المحاكم بموجب قرارات قانونية.
–    أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وعلانية من قبل محكمة مختصة وحيادية ومنشئة بحكم قانوني.[58]
ثانيا: المحاكمة العادلة من خلال الاتفاقيات الدولية ذات الطبيعة الإقليمية:
 سوف نتناول هذا المطلب من خلال بعض صكوك حقوق الإنسان الخاصة ببلدان إفريقيا وأمريكا وأوروبا  ولذلك سميت بالاتفاقيات الدولية ذات الطبيعة الإقليمية لكونها محصورة في نطاق إقليمي معين وبهذا سوف نتطرق في (أ) إلى الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لسنة 1981  ثم في (ب) إلى الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969 ثم في ( د) إلى الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان لعام 1950.
أ: الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب  لسنة 1981
 شكل اعتماد الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب لسنة 1981 بداية لعهد جديد في ميدان حقوق الإنسان في إفريقيا وقد دخل حيز التنفيذ  في 21 أكتوبر 1986.
وحسب المادة الأولى من الميثاق يجب على الدول الأطراف فيه أن تعترف بالحقوق والواجبات والحريات المجسدة في الميثاق وتتعهد باعتماد التدابير التشريعية وغيرها من التدابير لإعمالها.
وحسب المادة 26 تتحمل الدول الأطراف واجب ضمان استقلال المحاكم وتتعهد بالسماح بإنشاء وتحسين المؤسسات الوطنية الملائمة المنوط بها تعزيز وحماية الحقوق والحريات التي يضمنها الميثاق المذكور.[59]
وقد تضمن الميثاق مجموعة من الحقوق الفردية والجماعية نختار منها ما له علاقة بالمحاكمة العادلة:
·       الحق في المساواة أمام القانون وفي الحماية المتساوية التي يوفرها القانون.
·        الحق في أن تحترم حياة الشخص وسلامته البدنية. ( المادة 4)
·       الحق في احترام كرامة الشخص المتأصلة بوصفه مخلوقا بشريا بما في ذلك عدم التعرض للرق والتعذيب والعقوبة القاسية أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. (المادة5)
·       حق الإنسان أن ينظر في قضيته والحق في الاستئناف أمام  أجهزة وطنية مختصة ضد الأفعال التي تنتهك حقوق الإنسان التي يتمتع  بها والحق في افتراض براءته إلى أن تثبت إدانته بواسطة محكمة أو هيئة مختصة، والحق في الدفاع، والحق في أن يحاكم في غضون  فترة زمنية معقولة من قبل محكمة نزيهة ومحايدة، والحق في ألا يطبق عليه القانون بأثر رجعي. ( المادة 7)
وخلافا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الأمريكية والأوربية لحقوق الإنسان لا ينص الميثاق  الإفريقي على أي حق للدول الأطراف في عدم التقييد بالالتزامات أثناء حالة الطوارئ العامة وفهم غياب هذا النص من قبل اللجنة الإفريقية للحقوق الإنسان والشعوب على أن عدم التقييد ليس مسموحا به في إطار الميثاق الإفريقي[60].
ب: الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لسنة 1969.
دخلت الاتفاقية الأمريكية حيز التنفيذ في يوليوز 1978[61] ومن الحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية[62] والمتعلقة بالمحاكمة العادلة .
·       الحق في المعاملة الإنسانية بما فيها عدم التعرض للتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية  أو المهينة. ( المادة 50)
·       الحق في  محاكمة عادلة. (8)
·        الحق في عدم التعرض لتطبيق القانون بأثر رجعي. ( المادة 9).
·       الحق في التعويض في حالة إساءة  تصريف شؤون العدالة. ( المادة10).
·        الحق في المساواة امام القانون والحماية المتساوية التي يوفرها القانون. ( 24) .
·       الحق  في الحماية القضائية. ( المادة 25) .
أما  ممارسة قيود على هذه الحقوق فلا يمكن أن يتم إلا إذا نص عليها القانون صراحة وفي حالات معينة علما أن هناك بعض الحقوق تخرج من دائرة التقييد  كالحق في الشخصية القانونية والحق في الحياة والمعاملة الإنسانية وعدم تطبيق القوانين الجنائية على الشخص بأثر  رجعي[63].
ثالثا:  الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان  لعام 1950 و بروتوكولاتها 1 و4 و6 و7
وقد  تم التوسع في الحقوق التي تحميها الاتفاقية من خلال البرتوكولات  الإضافية  1و4و6و7.
وتتعهد الدول الأطراف في الاتفاقية بأن تؤمن لكل فرد يخضع لولاياتها  الحقوق والحريات المعددة في المادة الأولى من الاتفاقية  والتي من بينها:
·       الحق في الحياة ( المادة 2)
·        حضر  التعذيب والمعاملة القاسية واللإنسانية أو المهنية المادة 3
·         الحق في المحاكمة  عادلة ( المادة 6)
·        عدم تطبيق  القوانين بأثر رجعي.
    أما البروتوكول رقم 7[64] فقد مدد هذا من نطاق الاتفاقية بالنص على الحماية الإضافية لمايلي:
·       الحق في الطعن في إدانة جنائية[65].
·       الحق في عدم التعرض للمحاكمة من جديد على الجريمة نفسها  في ظل الولاية القضائية للدولة نفسها.
وتنص  هذه الاتفاقية وبرتكولاتها على إمكانية  فرض قيود على ممارسة هذه الحقوق في ظروف معينة تحديدا هذه القيود يجب أن تفرض  بالقانون ن ويستثنى منها بعض الحقوق اللصيقة بالإنسان كإنسان كالحق في الحياة والحق  في عدم التعرض للتعذيب.[66]
المطلب الثاني: سلطة العقاب :تفاقم الأزمة والبحث عن البدائل
الفقرة الاولى: أزمة السياسة الجنائية.
كثيراً ما يتردد على لسان الباحثين في حقل العلوم الجنائية أن “الأزمة” أصبحت سمة لصيقة بالسياسات الجنائية المعاصرة. وليس المراد بالأزمة هنا ذلك المعنى الدارج الذي يترخَّص البعض في استخدامه تعبيرا عن مجرد الصعوبات البسيطة أو العابرة التي تعترض سير مؤسسة من المؤسسات الاجتماعية، وإنما المراد هو المفهوم الذي بات علماء الاجتماع يتداولونه نعتاً للنظام أو المؤسسة التي تنتابها أعراض محددة:
– ظهور اختلال أو أكثر يُعجز النظام عن إيجاد الحل الملائم للمشاكل التي كان يوفَّق إلى علاجها في السابق؛
– زيادة مظاهر الفوضى والارتباك بمعدلات تفقد النظام القدرة على السيطرة عليها؛
– طغيان الجمود على النظام إلى درجة الحيلولة دون تكيفه مع المحيط الخارجي والدفع به نحو الدوران في حلقات مفرغة.
ولا شك أن مجمل هذه الأعراض ينطبق تماما على النظم الوضعية المعاصرة التي تتفق جميعا-على اختلاف أصولها الفكرية وفلسفاتها العقابية- في العجز عن ضبط ظاهرة الجريمة اجتماعيا.
والواقع أن الأزمة التي يتواتر الحديث عنها في حقل الأبحاث والدراسات المعاصرة إنما تضرب بجذورها في أعماق القانون الجنائي وتلقي بظلالها الكثيفة على جوانب عدة متبدِّيةً في أكثر من وجه. فإذا ما نحينا جانبا الخلافات الاصطلاحية التي تكاد لا تنتهي بين فقهاء القانون الجنائي وخبراء السياسة الجنائية وعلماء الإجرام، وتجاوزنا عن بعض التفاصيل الجزئية التي ليس من شأنها تعديل ملامح الصورة العامة، أمكننا القول إن الأزمة التي يتخبط فيها القانون الجنائي المعاصر هي أزمة وجود أولا، وأزمة مشروعية ثانياً، وأزمة فعالية ثالثاً.
– إن ثمة أزمة ملازمة للبناء الداخلي لقانون التجريم والعقاب نفسه طالما أن هذا القانون بمفهومه الحديث القائم على فلسفة العقد الاجتماعي لا يعدو أن يكون صيغة معينة لحسم التناقض بين هاجس الأمن ومبدأ الحرية أو محاولة للتوفيق بين ضرورات الدفاع عن المجتمع ضد الجريمة وتأمين الضمانات الكفيلة باحترام حقوق الإنسان المجرم خلال الأطوار المختلفة التي تمر بها الخصومة الجنائية. على أن هذه الأزمة البنيوية التي تعكس ما يعتمل في الساحة الداخلية للقانون الجنائي من توتر دائم ليست ظاهرة سلبية بالضرورة، وإنما يمكن النظر إليها أيضا بحسبانها محرِّكا أساسيا لدفع عجلة تطورهذا القانون في اتجاه معالجة المعضلة الجنائية باعتماد حلول وأساليب تراعى فيها أكثر فأكثر القيم الإنسانية Humanisation والاعتبارات العقلانية Rationalisation، إلى جانب التقييد المستمر لسلطات الدولة في ممارسة حق العقاب.
– ويتبدَّى الوجه الثاني في أزمة مشروعية Légitimation القانون الجنائي. ولا أدل على هذا من الجدل الدائر أبداً حول صحة المبررات المقدمة أساساً لاستخدام الدولة لأعتى ما في ترسانتها من أسلحة ألا وهو العقاب الجنائي. بل إن المجادلة والتشكيك أخذا يمتدان إلى صميم العلم الذي ينقطع لدراسة هذا القانون وهو علم القانون الجنائي Science de droit criminel الذي أصبح مثار نقاش ساخن سواء فيما يتصل بـ ” هويته الذاتية” أو بـ ” شرعيته الإبستمولوجية” على ما تنم عنه التساؤلات المثارة باستمرار بشأن النموذج الإرشادي Paradigme الجدير بالاتباع في البحث والدراسة فضلا عن مدى فائدة هذا العلم من الناحية الاجتماعية.[67]
– أما الوجه الثالث للأزمة فيعكسه التناقض الذي أصبح طاغيا على السياسات الجنائية المعاصرة من حيث الوسائل المسخَّرة للتصدي للجريمة والنتائج المحصل عليها فعلا: إن التمادي في التجريم والإغراق في إصدار النصوص التشريعية الجديدة لا يولد إلا أثراً عكسياً وهو تراجع أداء “الآلية الجنائية” باستمرار وتآكل فعاليتها في مكافحة الظاهرة.
الفقرة الثانية: اليدائل الممكنة لأزمة السياسة الجنائية
إن بدائل العقوبات السالبة للحرية تنقسم الى بدائل جنائية ، وبدائل غير جنائية ارتأينا أن نشير إليها بعجالة. حيث تنقسم البدائل غير الجنائية إلى ثلاثة أنواع:
1-        البدائل القانونية: هي المنصوص عليها في قوانين غير القانون الجنائي[68]، ومن أمثلة ذلك التعويض عن الضرر في القانون المدني، التحكيم التجاري في مدونة التجارة، العقوبات الإدارية في القانون الإداري…الخ، وتلعب هذه البدائل دورا ردعيا عاما.
2-        البدائل المجتمعية: تعطي هذه البدائل للمجتمع حق حل بعض مشاكله بنفسه والاستغناء عن اللجوء للنظم القانونية التي تكون غالبا غير مناسبة، فدور المجتمع في هذا المنظور يتسم بالازدواجية، فمن جهة يلعب دورا وقائيا من خلال الأخذ بجميع الاحتياطات لعدم تكرار هذا الفعل الجرمي. ومن جهة أخرى ينصب دور المجتمع على إيجاد الحل الملائم للمشاكل التي أدى إليها الفعل الجرمي وهذا ما يسمى بالدور التجنيبي[69].
ومثال ذلك ما أخذت به الولايات المتحدة الأمريكية في بعض مدنها منذ سنة 1980 حيث أنشئت مراكز للتقاضي بين الجيران، إضافة إلى معهد فيرا بولاية نيويورك والمشهور بعملياته لصالح الأحداث والمجرمين المنتدبين، حيث يتم بموجب اتفاقية مع المحاكم المختصة عدم متابعة الجاني إذا تم تصالح بينه وبين المتضرر.
3-        البدائل المستحدثة: تشمل هذه البدائل عدة مؤسسات قانونية استحدثها الفكر الجنائي، نخص بالذكر منها وهي الوساطة الجنائية والمصالحة الجنائية:
–  الوساطة الجنائية: هي وسيلة حديثة لفض النزاعات الجنائية بفرض عقوبات خارج دائرة القضاء ويراد بها إيجاد حل ثالث بين الحفظ وبين المتابعة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجرائم البسيطة كجرائم الأسرة والمنازعات المتعلقة بالجوار والاعتداءات الخفية.
فنظام الوساطة أخذ به المشرع الفرنسي كصورة من صور الصلح باعتباره إحدى وسائل مكافحة ظاهرة الإجرام الجماعي بالمدن والإجرام البسيط والحد من قرارات الأمر بالحفظ، فهو نظام يعتبر إلى حد ما نوع من التصالح الذي يقوم على مبدأ التفاوض للوصول إلى تعويض عادل بهدف جبر الضرر وتحديد مسؤولية الجاني[70]. كما أن نظام الوساطة يتخذ أشكال مختلفة كوساطة الحي التي أخذت بها  فرنسا وبلجيكا، حيث يقوم هذا النظام على المصالحة بين الخصوم، ويعهد بهذه الوساطة إلى مجموعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى الحي نفسه الذي ارتكب فيه الجريمة المتوسطة الخطورة، كالسرقة الصغرى ونزاعات الجوار. أما نظام الوساطة المجتمعية فيقصد بها دور المجتمع في علاج الجريمة وحل مشاكله بنفسه، وذلك باستغنائه عن اللجوء للنظم القانونية التي تكون غالبا غير مناسبة. والاختيار تتبناه نظرية جديدة في مجال السياسة الجنائية التي تحاول تجاوز مختلف الأجوبة الرسمية والقانونية للجريمة وتضع على عاتق المواطنين في إطار التضامن والإخاء مسؤولية التفكير والمساهمة في إيجاد حلول للمشاكل التي نتجت عنها الجريمة[71]. وقد أخذت بهذا النظام كل من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في سياستهما الجنائية، وذلك بهدف يرمي إلى توفير سبل التصالح بين الجاني وبين الضحية، ومن إيجابيات هذه التجربة الإسهام في الحد من تكدس القضايا على القضاء. ويبدو أن توفر هذا النوع من البدائل المجتمعية يقتضي توفر البلد على نظام سياسي يرسخ المشاركة عن طريق فتح المجال لكل المواطنين في صياغة التنمية.[72]
–  المصالحة الجنائية: فيقصد بها ذلك العقد الذي ينهي بموجبه المتعاقدين نزاعا يتخلى فيه كل منهما عن جزء من مطالبه، فهي نمط قديم لفض النزاعات بين الأشخاص. وتمتاز هذه المسطرة بالمرونة والسرعة والبساطة والمجانية إضافة إلى السرية في الإنجاز، حيث يتم إجراء الصلح من قبل الأطراف نفسها أو من طرف القاضي في إطار مسطرة قضائية، علما بان هذه المسطرة تتناول بالأساس فقط القضايا البسيطة التي لا تترك أي آثر سيء[73].
ومهما يكن من أمر العيوب التي تعتري القانون الجنائي الراهن وما يتخلَّل نسيجه من نقائص وثغرات، فإنه يمتاز عن باقي أنماط الضبط الاجتماعي بكونه النمط الأكثر ” تقعيدا” أو الأكثر خضوعا للإجراءات الرسميةFormalismo(1). وتجد هذه الخاصية تفسيرها في كون هذا القانون أداة يترتب على تدخل الدولة بها أخطر العواقب على الحرية الفردية مما يستدعي وضع منظومة دقيقة ومتكاملة من القواعد القانونية التي ترقى إلى مصف الضمانات الاجتماعية والفردية Garantías socio-individuales(2).
وقد حرص بعض الفقه الجنائي المعاصر على إبراز أهمية الطابع الرسمي للقانون الذي نحن بصدده موضِّحاً: ” إن الضبط الاجتماعي الممارَس عن طريق القانون الجنائي يقررعلانية وفي صيغة مكتوبة وبأكبر قدر من الدقة وقبل ارتكاب أي جريمة، ما هو السلوك الذي ينطبق عليه وصف الانحراف وما هو العقاب الذي يتعين توقيعه وما هو الإجراء الواجب الاتباع وصولا إلى ذلك وما هي الجهة التي ينعقد لها الاختصاص للنظر فيه فضلا عن بيان الضمانات وتحديد طرق الطعن التي يجوز اللجوء إليها عند الاقتضاء؛ ثم إنه يتولى رسم الإطار الذي يستطيع المتهم من خلاله الدفاع عن نفسه، وتعيين الآليات التي يتأتى بواسطتها التحقق من مدى احترام جميع الأطراف للقواعد الموضوعة”(3). وعلاوة على ذلك، فإن هذا القانون هو الذي يمكن من امتصاص الكراهية وجموح العاطفة اللذين عادة ما يولدهما ارتكاب السلوك المنحرف مما ينأى بالضبط الاجتماعي عن إشباع غريزة الثأر والانتقام ويرقى به إلى مصف الروية والاتزان.
لما كان الأمر كذلك كان بيِّناً كذب نبوءة القائلين بمآل القانون الجنائي إلى الزوال، وبكون هذا المصير المحتوم أمراً رهيناً بالعامل الزمني ليس إلا. والحق أن تاريخ هذا القانون ليس تاريخ زوال أو اضمحلال وإنما تاريخ ترشيد وتقييد. وهذه السمة البارزة التي لازمت قانون الجرائم والعقوبات في مساره التطوري الطويل هي التي انطبع بها – بوجه خاص- العصر الحديث حينما تقرر علاج المعضلة الجنائية انطلاقا من الفصل بين الأخلاق والقانون من جهة، ومن ضرورة إصلاح نظام العقوبات الجنائية على نحو جذري وشامل وبناء على معايير أكثر عقلانية من جهة أخرى.
بل إن هذه السمة هي التي تتأكد أيضا في الحقبة المعاصرة سواء مع سعي الأنظمة الوضعية المختلفة حثيثا نحو البحث عن بدائل ملائمة للعقوبات السالبة للحرية أو مع صدور مواثيق حقوق الإنسان والدساتير الوطنية والمدونات العقابية معلِنةً إحاطة التدخل الجنائي بقدر أكبر من الضمانات القانونية، ومقرِّرة عدم اللجوء إلى العقوبات الجنائية إلا عند الضرورة تأييداًلمبدأ تقييد هذا التدخل بالحد الأدنى.
ومحصَّلة ما تقدم أن القانون الجنائي يستمد سبب وجوده من كونه الأداة التي لا يستتب السلم الاجتماعي إلا بها، ومن كون الجزاءات التي ينطوي عليها شرطا لا بديل عنه لتأمين سير المؤسسات الاجتماعية على الوجه السليم.
فإذا صح لدينا أن هذا القانون بات ضرورة لا محيد عنها لا في الحقبة التاريخية الراهنة ولا في المستقبل المنظور، أضحى لزاما تقدير الضرورة حق قدرها وعدم إطلاق يد الدولة لاستخدام أعتى ما في ترسانتها من سلاح دون شروط.
من هنا أهمية القيود التي تحد من سلطة الدولة في ممارسة حق العقاب. ومما يجدر ذكره هنا انه بعد أن استأثر الاهتمام زمنا طويلا بقضية تبرير حق العقاب وتأسيسه قانونا، انتقل مركز الثقل في عالم اليوم إلى العناية بمسألة القيود التي ينبغي إحاطة هذا الحق بها[74]
خاتمة
طالما ستبقى إشكالية مفهوم مؤسسات القانون الجنائي،  تشغل ليس فقط المهتمين بالفقه الجنائي  ولكن جميع العلماء وذلك أكان على المستوى النظري أو العملي ، هذا إذن فيما يخص القانون الجنائي ف كيف هو الحال بالنسبة لمفهوم السياسة الجنائية الذي يعتبر القانون الجنائي  مجرد أداة من أدواتها المتعددة رغم هذا  يبدو على أن ما يهم لأجل الوقوف على كنه السياسة الجنائية، هو محاولة تحديد كل من موضوعها مرورا بوظيفتها وصولا إلى أهدافها. إذن فما هي افاق السياسة الجنائية في المسبقبل المنظور؟
http://www.bibliojuriste.club/2019/05/politiquepenal.html

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...