التنظيم القانوني لنشاط توطين المقاولات


            التنظيم القانوني لنشاط توطين المقاولات

 

يعد التوطين وسيلة حديثة جرى العمل بها في السنوات الأخيرة بمجال الأعمال والاستثمار، وتقنية ذكية لأصحاب المشاريع سواء حديثة التأسيس منها أو غيرها التي تهدف إلى توسيع مجال نشاطها، من خلال إحداث فروع جديدة لها بدول أخرى، حيث يمثل التوطين البديل المثالي والحل الأمثل لتعويض التأجير التجاري للمقرات المرتفع التكلفة في الوقت الراهن من قبل الأشخاص الذاتيين أو الاعتباريين.

لم يعد التوطين مجرد عُرف تجاري ووسيلة مؤقتة للمساعدة على تجاوز إكراه عدم التوفر على المقر الاجتماعي الذي يعتبر موطن المشاريع والمكان الذي يضمن بمراسلاتها ووثائق معاملاتها، وإنما أصبح يشكل عملا تجاريا قائما بذاته تناط مهمة الاشراف عليه لمراكز للتوطين في شكل شركات خدماتية تسهر على كل ما يتعلق بتقديم هذه الخدمة سواء من حيث التأسيس في ما يتعلق بالمساعدة على استيفاء الإجراءات القانونية لذلك كإعداد النظام الأساسي ودراسة السوق، وقواعد التنافس وإجرءات الشهر، أو من حيث التدبير المادي و التقني المتمثل في توفير الوسائل اللوجستيكية لمباشرة عملها، وخاصة ما يتعلق بتدبير استقبال المراسلات والطرود في علاقة الشخص الذاتي أو المعنوي، مع الزبناء والمتعاملين معه أو الإدارات العمومية .

وصدر أخيرا و بعد طول انتظار بالجريدة الرسمية عدد 7645 بتاريخ 21 يناير 2019 القانون رقم 89.17 يقضي بتغيير وتتميم القانون 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، والذي سبق أن أعدته وزارة الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، ليأتي لسد الفراغ القانوني الذي عرفه مجال التوطين لسنوات وتعذر معه ترميمه في أكثر من مناسبة، و ذلك في سبيل تحقيق نوع من المواكبة القانونية الرامية لإصلاح مناخ الاستثمار بالمغرب، سيما في ما يتعلق بهاجس توفير ترسانة قانونية محفزة على تأسيس المقاولات، في ما يتعلق بتسهيل وتبسيط الإجراءات والمساطر القانونية لإحداثها أو مواكبتها كما هو الشأن بالنسبة إلى العديد من الإجراءات التي أخذها المغرب على عاتقه في هذا السياق، لعل أبرزها إقرار سجل تجاري إلكتروني عن طريق إحداث منصة إلكترونية لإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية و مواكبتها، وذلك بغية الرفع من تنافسية وجاذبية الاقتصاد الوطني على المستوى الدولي، ولتدارك الفراغ التشريعي الحاصل في هذه المجال من جهة، وتقنين بعض الأنشطة الحيوية بشكل يواكب التطور الذي تعرفه من جهة أخرى، كما هو الحال بالنسبة إلى نشاط توطين المقاولات الذي يعتبر من الأنشطة التي توفر فرص شغل كبيرة وتقدم خدمات ضرورية للمقاولات .

ويتضمن هذا القانون الجديد العديد من المقتضيات التي ترمي إلى تنظيم نشاط توطين المقاولات، وتحديد شروط ممارسته، وحقوق والتزامات المتعاقدين، وترصد فيه إجراءات جزرية للمخالفين لبنود هذا القانون الجديد، بشكل يصبح معه عمل هاته المراكز تحت إطار ترسانة تشريعية وقانونية تراعي من جهة متطلبات المجال الاقتصادي وما يعرفه من إصلاحات ترمي الى تحسين دينامية مناخ الأعمال من خلال تطوير خطة عمل متعددة السنوات تضم مجموعة من الإجراءات والإصلاحات التي تهم المقاولة الوطنية، والتي تتماشى والممارسات الفضلى على الصعيد الدولي، قصد التمكن من تحقيق هذا الهدف، والتي تتمحور حول مجالات تحديث الإطار القانوني والتنظيمي للأعمال وتبسيط وتحديث المساطر الإدارية المتعلقة به، سيما في ظل تحسن مؤشر المغرب في تقارير ممارسة الأعمال خلال 2018 و 2019، والذي يعتبر المرجع الأساسي لتحديد اختيارات وقرارات المستثمرين الدوليين . ومن جهة أخرى الحاجة الملحة لسد الفراغ التشريعي الذي عاش على وقعه مجال التوطين بالمغرب لسنوات، باستثناء بعض الإشارات إليه في اجتهادات قضائية معدودة، إضافة لدورية صادرة عن وزير العدل تحت رقم 1923 في هذا الصدد تبنتها لجنة التنسيق المحدثة بمقتضى المادة 21 من المرسوم رقم 2.96.906 المؤرخ في 18 يناير 1997 المتعلق بالسجل التجاري، و التي تنص على أنه ” تسهيلا لعمليات تأسيس الشركات يمكن استثناء قبول التسجيل بمقتضى عقد المساكنة، على أنه حماية للمتعاملين مع كلتا الشركتين المتساكنتين، فإنه يطلب من الشركة التي ترغب في التسجيل، تسوية وضعيتها داخل أجل ثلاثة أشهر قابلة للتجديد عند الاقتضاء مرة واحدة، وإذا لم تتم التسوية يلجأ إلى مسطرة التشطيب طبقا “، الأمر الذي أبان تطبيقه في الواقع العملي عن قصور واضح المعالم في هذا المجال لا يتناسب وأهميته في المجال الاقتصادي.

وبالرجوع لمقتضيات القانون السالف الذكر نجد أنه حاول وضع حد للانتقادات التي عقبت استعمال لجنة التنسيق لمصطلح “المساكنة ” في توصيتها الصادرة بهذا الخصوص كترجمة ل كلمة ” domiciliation” وذلك على اعتبار انها لا تتناسب ومجال المال والأعمال، من خلال استعماله تسمية ” التوطين “، و الذي عرّفه القانون الجديد بأنه عقد يضع بمقتضاه شخص ذاتي أو اعتباري يسمى الموطن لديه، مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي رهن إشارة شخص آخر ذاتي أو اعتباري يسمى الموطن لإقامة مقر مقاولته أو مقره الاجتماعي حسب الحالة”، مضيفا إلى ذلك جواز إمكانية توطين كل شخص ذاتي أو اعتباري أو أي فرع أو وكالة إمكانية إقامة مقر المقاولة أو مقرها الاجتماعي في محلات تشغل بشكل مشترك مع مقاولة أو عدة مقاولات . إلا أنه لا يمكن توطين الشركات التي تتوفر على مقر اجتماعي بالمغرب، كما لا يمكن للشخص الذاتي أو الاعتباري اختيار أكثر من مقر للتوطين.

وقد فتح القانون الجديد إضافة إلى هذا واستثناء باب إمكانية تصريح الشخص الذاتي الذي لا يتوفر على محل لمزاولة نشاطه التجاري، أو محل لتوطين مقاولته بعنوان محل سكناه عند طلب تسجيله بالسجل التجاري الإلكتروني، بالمنصة الإلكترونية المحدثة لهذا الغرض، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، وشريطة التقيد بالشروط المحددة قانونا، ومنها إشعار مالك المحل وعدم ممارسة نشاط تجاري إلا من قبل الشخص المصرح وبالمحل المصرح به، إضافة لعدم ممارسة نشاط تجاري يتطلب استقبال الزبناء والسلع.

وفي ما يتعلق بشكلية عقد التوطين المنظم للرابطة القانونية بين كل من الموطن والموطن لديه، نص القانون الجديد على أنه سيصدر بخصوصها نص تنظيمي لاحقا يحدد النموذج الذي يجب أن يكون عليه العقد، الأمر الذي من شأنه أن يعطل تنزيل هذا القانون الجديد على أرض الواقع، بالنظر للبطء الذي يعرفه إصدار النصوص التنظيمية التي تتم الإحالة عليها في بعض القوانين بالمغرب لتنظيم مقتضى ما، كما حدث مع مجموعة من بنود بعض القوانين التي كتب لها الحياة حبرا على ورق لسنوات.

كما نص القانون على أنه يجب أن يكون عقد التوطين هذا لمدة محددة بإرادة الأطراف، يمكن أن يتم تجديدها، دون تقييده لهذه الإمكانية بعدد معين من المرات، كما كان عليه الأمر بالاستناد على توصية لجنة التنسيق التي حددته في مرة واحدة، مما يستشف معه إدراك واضع القانون الجديد الحالة التي يمكن أن يكون فيها أطراف عقد التوطين في حاجة لمدد طويلة لاستمرار عقد التوطين                                             .  https://assabah.ma


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...