التنمية البشرية … أداة الرقي بالإنسان


التنمية البشرية … أداة الرقي بالإنسان

تقديم:
في العقد الأخير من القرن الماضي تزايد الوعي بأهمية الإنسان هدفا ووسيلة في التنمية الشاملة، وبناء على ذلك كثرت الدراسات والبحوث واللقاءات لتحديد معنى التنمية البشرية وتحليل مجالاتها وأبعادها، كإشباع الحاجات الأساسية وتنمية القدرات الإنسانية من خلال توفير فرص ملائمة للتعليم وزيادة الخبرات والرفع من المستوى الاجتماعي من خلال رفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة.

وقد برز مصطلح التنمية البشرية بقوة في العقود الأخيرة في الخطاب السياسي والاقتصادي على مستوى العالم بأسره وقد لعب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقاريره السنوية عن التنمية البشرية أهمية بالغة في نشر هذا المصطلح.

فماهي التنمية البشرية ؟ ماهي أبعادها وأهدافها؟ وما أهميتها في الرفع من قيمة الإنسان؟

أولا : التنمية البشرية أبعادها وأهدافها

تكمن فلسفة التنمية الشرية في عملية توسيع الخيارات المتاحة للناس، ومن حيث المبدأ يمكن أن تكون تلك الخيارات غير منتهية تتبدل عبر الزمان، ولكن ثمة ثلاثة خيارات تبقى جوهرية في كل مستويات التنمية وهي أن يعيش المرء حياة طويلة وصحيحة، وأن يكتسب المعرفة، وأن يحصل على الموارد اللازمة لتحقيق حياة كريمة. وما لم تكن هذه الخيارات الأساسية مضمونة فإن كثيرا من الفرص الأخرى ستظل بعيدة المنال ، وهناك خيارات إضافية يهتم بها كثير من الناس وهي تمتد من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى فرص الابتكار والخلق والتمتع بالاحترام الشخصي وضمان حقوق الانسان.

ودليل التنمية البشرية يعتمد ثلاث مؤشرات أساسية لرفاه الإنسان ألا وهي الصحة والتعليم والدخل، وأضيف مقياس آخر وهو تمكين المرأة من مواقع القرار والمشاركة السياسية كحصتها في البرلمان مثلا والمشاركة الاقتصادية وتقاس بحصتها في المناصب المهنية والفنية..إلخ وقد حاولت بعض التقارير إضافة مؤشر آخر للأدلة السابقة وهو بعد الحرية، إلا أنه تم إرجاء هذا الأمر لإجراء مزيدا من البحث للمفهوم وجمع البيانات حول هذا البعد ليمكن قياسه كميا.[1]

فالتنمية البشرية ترتكز أساسا على ضرورة توفير الدولة للإنسان حقوقه الطبيعية والمدنية و السياسية والاجتماعية والاقتصادية ليسعد بإنسانيته، فضمان التنمية البشرية ليست مجرد تغييرات سياسية وتشريعية وإن كانت ضرورية، بل هي مسالة توفير مجموعة حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية من تعليم جيد ووظائف ومدارس ومستشفيات وعدالة وأمن وغيرها. إن التنمية البشرية هي تنمية عادلة تهدف إلى توزيع الثروات بشكل عادل بين كل أبناء الوطن بدون تمييز، وتحقيق أهداف العدالة الاجتماعية التي توفر للمواطنين الكرامة والأمن والاستقرار والحرية.

وقد تطور مفهوم التنمية البشرية ليشمل مجالات عديدة منها: التنمية (الإدارية والسياسية و التعليمية والثقافية)، ويكون الإنسان هو القاسم المشترك بين جميع المجالات السابقة.

و بناء عليه فتطور الأبنية: الإدارية والسياسية والتعليمية والثقافية له مردود على عملية التنمية الفردية من حيث تطوير أنماط المهارات والعمل الجماعي والمشاركة الفعالة للمواطن في عملية التنمية بغرض الانتفاع بها. وعلى هذا الأساس يمثل منهج التنمية البشرية الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها المخططون وصانعوا القرار لتهيئة الظروف الملائمة لإحداث التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتطور بالمجتمع على طريق الرخاء والرفاهية.

فالفكرة الأساسية في هذا الموضوع هي أن البشر هم الثروة الحقيقية لأي امة، وقدراتها تتجلى فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على التعاطي مع كل مستجد بفاعلية وجدارة. ونستحضر هنا العديد من الدول الأسيوية التي قطعت أشواطا في عملية التنمية وأصبح لها موقع كبير في خارطة الدول العالمية الرائدة التي تبنت نموذجا تنمويا يعتمد على الإنسان كحلقة رئيسية محورية في التطور والتغيير، وبالتالي فهذه الأمم كاليابان أو ماليزيا مثلا تبنت مرجعية تحديثية تعتمد على الإنسان كمنتج وفاعل وطاقة ايجابية في عملية التنمية، والنتيجة أن الاستثمار في البشر وفي العقول البشرية بهذه الأمم أدى إلى نهضة كبرى ونمو اقتصادي جيد ….الخ.

فماليزيا مثلا تمكنت في سنوات قليلة أن تكون إحدى الدول الصناعية الكبرى التي تتسابق مع أكبر دول العالم في العلم والتكنولوجيا علي جميع المستويات.. وبلغة الأرقام حققت ماليزيا معدلات نمو وصلت إلي 8-9٪ لسنوات طويلة، ولا تتجاوز نسبة الفقراء بها 10 ٪ من السكان، كما يبلغ متوسط الدخل الفردي أكثر من 14 ألف دولار سنويا حسب أخر الإحصائيات، كما حققت ماليزيا طفرة في مجال التعليم وتنمية الموارد البشرية ، بحيث أولت أهمية كبري للارتقاء بالتعليم لتنمية الموارد البشرية من أجل خلق قوة عاملة جديدة متعلمة ومدربة تستطيع التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة والعقول الالكترونية، وفي هذا السياق اتجهت الدولة إلى التوسع في التعليم وتطويره والاهتمام بالتعليم الفني وتطوير مناهجه وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التعليم.

والمغرب حتى يستطيع استشراف المستقبل وتحدياته الكبرى واللحاق بركاب الدول التي حققت طفرة كبرى في ميدان التنمية البشرية، فإن الأمر يستدعي بكل إلحاح تحرير المنظومة التنموية من كل المعيقات البنيوية وأشكال التخلف في البنيات الفكرية والمؤسسية، وكون فئات عريضة من المواطنين لازالت تعاني الفقر والجهل والأمية والبطالة والإقصاء والتهميش. و خصاص في الخدمات الاجتماعية كالتطبيب و التمدرس والسكن ..الخ فحسب التقرير الأخير الذي أصدرته الأمم المتحدة لسنة 2014 فإن المغرب صنف في الرتبة 129 من ضمن 187 دولة، وبهذا يكون المغرب حسب التقرير، قد تخلف بخطوات كبيرة عن دول تستوي معه أو يفوقها في المؤهلات المطلوبة لأي تنمية بشرية والضرورية لأي إقلاع اقتصادي، وقد شمل هذا التخلف تراجع جميع مؤشرات التنمية، بما فيها وضعية المرأة والأسرة والطفل والهشاشة والفقر، ذلك أن نسبة كبيرة من المغاربة يشكون من ضعف الدخل الفردي ويعيشون تحت عتبة الفقر.

فبالرغم من المجهوذات المبذولة من طرف السلطات العمومية من أجل النهوض بالميدان الاجتماعي وعلى رأس ذلك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت مند سنة 2005، فلازال هناك قصورا كبيرا على عدة مستويات في هذا الشأن ، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد تجاوز معدل البطالة بالمغرب نسبة %10 وأن حوالي 13%من السكان لا يزالون تحت عتبة الفقر، وأكثر من %30 من الشباب المتعلمين عاطلون عن العمل[2]، كما أن حصة المواطن المغربي من الناتج الداخلي يعد ضعيفا للغاية فهو لا يتجاوز حوالي 4550 دولار سنويا ، في حين أن المعدل العربي هو 6700 دولار للفرد سنويا ، بينما يصل المعدل العالمي إلى أزيد من 9500 دولار سنويا [3].

يضاف إلى ذلك فقطاع التعليم الذي يعتبر بوابة وقاطرة التنمية لازال يتخبط في إشكاليات متعددة كالأمية الأبجدية والأمية التكنولوجية، الهدر المدرسي، ضعف المهارات المعرفية لدى التلاميذ، عدم ملائمة المناهج التعليمية وضعف جودة التعليم وعدم مطابقته لسوق الشغل، ضعف نسبة التمدرس في العالم القروي…الخ فالتقارير الرسمية تشير إلى أن حوالي %13 فقط ممن يلجون التعليم الأساسي هم الذين يحصلون على شهادة البكالوريا، بينما لا تشكل نسبة الحاصلين على شهادة عليا سوى 5%. أما بالنسبة للهدر المدرسي فهو في ارتفاع مستمر وخاصة في الأوساط الفقيرة، فمن بين 100 طفل عمرهم سبع سنوات، 10 منهم فقط من يحصلون على شهادة الباكالوريا، ومن بين 100 طفل قروي عمرهم 7 سنوات يدخل المدرسة حوالي 66، ومن بين 100 فتاة عمرهن 7 سنوات تدخل المدرسة 59 فقط [4]

ثانيا:استنتاجات و حلول

لقد أثبتت التجارب أن أي تنمية واستثمار في الموارد البشرية ينعكس بشكل مباشر على مستوى مسار التنمية المستدامة لأي بلد من البلدان، لدا فالملاحظ أن اعتماد المقاربة الاجتماعية هو الخيار المتتبع في كل الاقتصاديات المعاصرة، كما أن تحقيق التنمية أصبح يرتكز أكثر على إنتاج المعرفة والبحث العلمي والقدرة على الاستيعاب والاختراع في مجالات التكنولوجيا بشكل عام.

هذه التحديات لا يمكن مواجهتها إلا بالموارد البشرية ذات التكوين النوعي والكفاءة العالية، وهو ما يتطلب استثمارات مهمة في هذا الاتجاه، لذا يتعين وضع الإنسان في قلب العملية التنموية باعتباره الرأسمال الحقيقي فهو المنتج والمستهلك في نفس الوقت .

إن وضع سياسية تنموية اجتماعية طموحة يتطلب استعمال جد عقلاني للإمكانات والوسائل المتاحة ، مع العمل على ضمان وتقوية الحق في الولوج للخدمات الاجتماعية والثقافية والتربوية الأساسية لكل المواطنين ، هذه الخدمات التي ينبغي أن تبقى موكولة للدولة.

وخلاصة القول فإن التنمية البشرية تشترط على بلادنا في عصرنا الحالي الذي يتسم بالمتغيرات الاقتصادية والعولمة ما يلي:

* وضع نظام تعليمي حديث يقضي على الأمية والجهل، ويعد الناشئة للحياة والعمل والانتاج، فالتخطيط للتنمية البشرية ينطلق أساسا من تأهيل المدرسة والجامعة وإعادة الاعتبار لدورهما الريادي في تنشئة أجيال منتجة وخلاقة ومساهمة في التغيير والتنمية الشاملة.

* ضرورة الاهتمام بالأطفال والشباب لأنهم عماد مستقبل البلاد، وذلك من خلال خلق نموذج تعليمي يشجعهم على الإبداع والخلق والمبادرة وحرية التعبير، وكذا الاهتمام بأوضاعهم وإشراكهم في اتخاذ القرار وخلق مراكز ثقافية وأندية رياضية لتنمية مواهبهم ومداركهم .

* حفز وحث العنصر البشري على الاهتمام بالعلم والثقافة وتنويع القراءة والنهل من كل فنون وأصناف الآداب والعلوم واللغات، بالإضافة إلى التحكم في الأدوات التكنولوجية، دون التفريط في الهوية والقيم الروحية والحضارية.

* الرفع من مستوى الفرد اجتماعيا وثقافيا وصحيا، وتوفير مناخ للحرية والتعبير والتمتع بالحقوق المكفولة، علاوة على الاهتمام بإنماء القيم الثقافية المرتبطة بالفكر الديني الصحيح، والقيم المحفزة للعمل والجدية والوعي بضرورة التطوير والتجديد كأداة للتقدم والتنمية.

* الأخذ بأحدث التطورات العلمية والتكنولوجية وتطبيقها في الزراعة والصناعة والتجارة .

* إرساء أسس الديمقراطية التشاركية التي تتيح مشاركة كل الشرائح الشعبية في تدبير الشؤون العامة، وفي إطلاق قدراتها المبدعة في خدمة المجتمع. [5]

لائحة بأهم المراجع:

1- د رشيد السعيد وذ . كريم لحرش : الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة.الطبع طوب بريس ، أبريل 2009 .

2- مقال منشور على الموقع الالكتروني: www.aljazeera.net

3- مقال منشور على الموقع الالكتروني: www.siironline.org/alabwab/edare

4- محمد أديب السلاوي ؛ المغرب الأسئلة والرهانات مطبعة rabat net maroc، الطبعة الأولى 2011.

5- محمد أديب السلاوي؛ مرجع سبق ذكره

إعداد:ذ/عبد العزيز رشدي

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...