التواصل بين الإدارة العمومية والمواطن


التواصل بين الإدارة العمومية والمواطن

إن التطورات التي عرفتها الدولة مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية بفضل وظيفتها في جميع الميادين، وتخليها عن دورها التقاعدي، الذي كان ينحصر في الحفاظ على الأمن والنظام العام، نتج عنه احتكاك كبير بين الإدارة و الأفراد خصوصا المنتفعين من خدماتها. لقد باتت الإدارة تلعب طابعا هاما في حياة الأشخاص، إذ الأفراد في حاجة إلى خدمات ذات جودة عالية وقريبة منهم، وبالمقابل، فالإدارة في حاجة إلى الأفراد، باعتبارهم سبب قيامها ومصدر عملها. ويعتبر تقريب الإدارة من المواطنين من المبادئ الأساسية والمفاهيم التي عرفت تداولا كبيرا، ورافقت معظم الخطابات الإصلاحية المتعلقة بالإدارة المغربية. فنجاح الإدارة وتميزها مرتبط، ليس فقط بتحقيق أهدافها الخاصة، وإنما بمدى اندماجها في محيطها وتفاعلها معه، و بمدى قدرتها على تحقيق تواصل فعال مع المواطن. ويستمد التواصل بين الإدارة والمواطن أهميته من كونه يعتبر عنصرا ومؤشرا مهما على مدى دمقرطة المرفق العمومي وخدمته للمرتفق بكفاءة وفعالية، باعتباره أساس وغاية إنشاء المرفق.

ورغم المجهودات التي قامت بها الدولة المغربية في تدعيم سياسة انفتاح الإدارة على محيطها الداخلي والخارجي، وذلك من خلال التوجيهات الملكية والاختيارات الحكومية لتجاوز أزمة التواصل التي تتخبط فيها الإدارة، يبقى تأثير هذه الإجراءات محدودا نظرا للطبيعة البنيوية لمظاهر الفساد والآليات التدبيرية ذات الطابع البيروقراطي والمركزية المفرطة. ذلك أن الممارسة الواقعية أفرزت لنا إدارة منسلخة متناقضة مع محيطها نتيجة ترسبات وتطورات تاريخية عرفها المغرب، مما نتج عنه ترسخ ثقافة مسيئة لذاكرة الإدارة المغربية. و شكلت أزمة التواصل داخل الإدارة العمومية وخارجها أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الفساد الذي ظهر واستفحل نتيجة عدة عوامل، كالتذرع بالسر المهني واتخاذ القرارات على المستوى المركزي، وانعدام الشفافية، والعلاقات الأحادية الجانب، والبطء وتعقيد الإجراءات الإدارية، وسيادة سياسة الانغلاق في مواجهة المحيط. كل هذا كان له الأثر البليغ على سمعة الإدارة و مستقبلها. قبل التطرق لتحليل هذا الموضوع لابد من طرح مجموعة من الإشكالات من قبيل: ما مدى حضور مفهوم التواصل الخارجي في ممارسة تعاملات الإدارة بمرتفقيها بشكل عام؟
وإلى أي حد تؤثر الأساليب التدبيرية في عملية التواصل؟ وكيف تتحدد علاقة الإدارة بمحيطها؟ وما مدى انعكاس ذلك على العلاقة التواصلية؟ للإجابة على مجموع هذه الإشكالات سوف يتم تقسيم هذا الموضوع إلى شطرين: واقع العملية التواصلية داخل الإدارة المغربية وعلاقتها بأساليب التدبير، وتواصل الإدارة مع المرتفق.

1. واقع العملية التواصلية داخل الإدارة المغربية وعلاقتها بأساليب التدبير
تعمل الدولة على تحقيق حاجات المواطن وإشباع رغباته، و تتبع في ذلك مجموعة من الأساليب التدبيرية التي غالبا ما يكون لها تأثير كبير على العملية التواصلية الخارجية، وذلك نتيجة مجموعة من المظاهر، من قبيل التضخم البيروقراطي والمركزية المفرطة. هذه المعيقات التنموية جعلت المغرب يغير نظرته للإدارة في إطار ما يصطلح عليه بالتصور الجديد للتدبير الإداري.

أ. التضخم البيروقراطي والمركزية المفرطة
اختلفت التعاريف التي أعطيت للبيروقراطية حسب الزاوية التي يراها منها كل مهتم بالشأن الإداري. إذ هناك من ينظر إليها على أنها خاصية من خاصيات الإدارة المثالية، أمثال ماكس فيير الذي يعرفها أنها ذلك التنظيم الضخم المتواجد في المجتمع السياسي المعقد والمتحضر لتحقيق الأهداف القومية، و لإخراج السياسة العامة إلى حيز الواقع ووضعها موضع التنفيذ. فهي إذا في نظره تنظيم يرمي إلى تحقيق الأهداف بفاعلية ودقة، وهناك من يربطها بمفهوم الروتين والبطء، وبأنها تفقد الخلق وتؤدي إلى تردي الروح المعنوية، حيث يعامل الرؤساء مرؤوسيهم بعجرفة وغطرسة يقابلها المرؤوس بالذل والخضوع.
ويرى ميرتون أن التنظيم البيروقراطي يمارس ضغطا على المرء ويجعله أكثر انضباطا ومتبعا لمنهج معين، وبالتالي فإذا ما أريد للجهاز أن يمارس نشاطه بنجاح، فينبغي أن يحقق درجة عالية من السلوك الثابت ودرجة غير عادية من الالتزام تحت نظام من الرقابة الهادفة يتألف من مجموعة من القواعد التي تحدد مهام كل فرد في التنظيم. إلا أن هذه القواعد قليلا ما تنجح في ضبط التنظيم وتوحيد النشاطات نحو أهدافها المحددة، لأن للإفراد أهدافا ذاتية لا تتفق بالضرورة مع أهداف التنظيم، بل يمكن القول إن أهداف التنظيم تعتبر وسيلة من خلالها يسعى الأفراد لتحقيق أغراضهم الشخصية. وبهذا فان البيروقراطية – كمظهر تمتاز به الأجهزة المكلفة بتسيير شؤون الأفراد- تشكل معانات يومية للمواطن، الذي يصعب عليه اختراق البيانات في ظل تعقد المساطر وتعدد الوجوه والوظائف. وعليه فان النظام البيروقراطي مناقض للنظام العقلاني، عكس ما أصر عليه ماكس فيير، الذي اعتبره النظام الفعال. وقد أصبح علماء الاجتماع اليوم مجمعين على أن المشكلة التي يواجهها النظام البيروقراطي هي أزمة التواصل والتنظيم اللذان يجعلان الإدارة منغلقة حول نفسها. الشيء الذي يجعلها خارج السياق الاجتماعي وينفر المواطن منها ويتسبب في عرقلة عملية التواصل بينهما، ويحبط عزيمة المستثمرين.

يلاحظ أن النظام الإداري المغربي الحالي يتميز باحتكاره مركزيا لأهم الاختصاصات، إلى جانب السلطة التقريرية و كذا الوسائل والموارد البشرية. وتعتبر المركزية الطريقة المهيمنة في تدبير الإدارة والمرافق العمومية في العديد من الدول، خصوصا النامية منها، مما قد يجعلها تخضع لمركزية مفرطة كأسلوب تدبير تقليدي يشكل ثقلا كبيرا لم يعد مقبولا من طرف الأفراد. فإذا كانت هذه المركزية تشكل في وقت سابق ضرورة أساسية وحصانة لوحدة الدولة واستمراريتها، فإنه لم يبق لها مبرر اليوم، ولم تعد تستجيب لحاجيات المواطنين. ذلك أن انتشار المركزية المفرطة في المرافق العامة يؤدي إلى فقدانها لمصداقيتها، مما قد يؤدي إلى تفاوت يدفع إلى طلاق بين الإدارة والأفراد، وذلك نتيجة نقص معلومات متخذي القرار على المستوى المركزي. هذه المعلومات غالبا ما تكون بعيدة عن الحقيقة ولا تعطي نظرة كاملة عن واقع الأفراد. وقد تبرز المركزية في شكل تجميع لسلطة اتخاذ القرار بين وزارات معينة أو على المستوى الداخلي لكل وزارة، أو بين السلطة المركزية والجماعات المحلية.

كما أن اللاتركيز لم يرق إلى الدور المنوط به، إذ أن المصالح الجهوية والإقليمية وكذا المصالح الخارجية ليست في مستوى يجعلها تستجيب لتطلعات الجماعات المحلية بهدف تحقيق شراكة حقيقية في مجال التنمية المحلية، كما أن دور هذه المصالح لم يرق بعد إلى تلبية مختلف حاجيات المواطنين فيما يخص الخدمات المقدمة لهم. كما يلاحظ أيضا أن المصالح الخارجية تتواجد على العموم على مستوى المقر الرئيسي للعمالة أو الإقليم، ولا تتوفر في أغلب الحالات على ملحقات تابعة لها على صعيد باقي الإقليم أو العمالة، الشيء الذي يترتب عنه بعد الإدارة عن السكان، سيما في الحالة التي يشمل فيها نطاق المصالح الخارجية أكثر من عمالتين. وحتى في الحالة التي تكون فيها هذه المصالح الخارجية قريبة من المرتفق فإن دورها يبقى ضعيفا، إذ غالبا ما يقتصر على تنفيذ القرارات التي تتخذ مركزيا؛ هذه القرارات بدورها قد لا تكون لها صلة بواقع المواطنين وحاجياتهم الحقيقية والمستعجلة.

إن نظام اللامركزية واللاتمركز الذي تنهجه الدولة المغربية مازال يشوبه العديد من الاختلالات، سواء من ناحية الاختصاصات أو من جانب الآليات الأساسية، مما يؤدي إلى بطء اتخاذ القرار، وإضاعة مصالح المواطنين، وهجرة المستثمرين، وابتعاد الإدارة عن المواطنين وقطع حبال الاتصال والتواصل معهم. إن هذه الوضعية السلبية جعلت القائمين على أمور الدولة يبادرون إلى إصلاح هذه الأعطاب التي تعاني منها الإدارة، ضمن منظورجديد للتدبير الإداري، يقوم على مفهوم جديد للسلطة.

ب. التصور الجديد للتدبير الإداري
يمزج التصور الجديد للتدبير الإداري بين تصورين، أحدهما وليد اجتهاد سياسي داخلي (المفهوم الجديد للسلطة) وآخر وليد تيار ليبرالي جديد (التدبير الإداري الجديد).
لقد أعلن الملك محمد السادس عن الخطوط العريضة للمفهوم الجديد للسلطة في خطابه الذي ألقاه يوم 12 أكتوبر 1999 أمام ممثلي الجهات والولايات والعمالات والأقاليم بالمملكة، حيث جاء فيه: “مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك، على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون، في ضوء الاختيارات التي نسير على هديها من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وواجبات اجتماعية، بما كرسه الدستور وبلورته الممارسة”. لذلك، ومن خلال هذا الخطاب عملت الدولة على إعادة الثقة للمواطن بإدارته التي ظلت لعقود من الزمن بعيدة عن انشغالات وهموم الناس، إذ يعزى هذا إلى نموذج التنظيم نفسه، ذلك أن الاتجاهات التقليدية الموروثة، وأشكال التواصل الإداري القديم فرضت نوعا من العلاقات بين الإدارة والمواطنين مطبوعة بالتشدد والإكراه والخضوع لسلطة الإدارة التي تفرض عليهم بالتبعية منطقها واختياراتها، وتحدد بطريقة أحادية الجانب أشكال الحوار والتواصل. وبالتالي يمكن القول أن المفهوم الجديد للسلطة وما يرتبط بها مبني على رعاية المصالح العمومية والشؤون المحلية والحريات الفردية والجماعية، وعلى السهر على الأمن والاستقرار وتدبير الشأن المحلي والمحافظة على السلم الاجتماعي. وهي مسؤولية لا يمكن النهوض بها داخل المكاتب الإدارية، التي يجب أن تكون مفتوحة في وجه المواطنين، ولكن تتطلب احتكاكا مباشرا بهم وملامسة ميدانية لمشاكلهم في عين المكان، وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة.

وعلى إثر هذا المفهوم الجديد للتدبير العمومي، الذي يركز على فكرة أساسية مفادها تسيير الإدارة العمومية بأدوات ووسائل القطاع الخاص، مع ما يعنيه هذا من تحول للإدارة العمومية نحو البحث عن المردودية وإرساء علاقات تجارية وتعاقدية مع المواطن الذي سينقل من مهنة مرتفق إلى صفة زبون ومستهلك للخدمات العمومية. ففي الحالتين معا، تتميز العلاقة بين الإدارة والمواطنين، بنوع من الصراع وانعدام الثقة، لذا فالإدارة العمومية بصفة عامة مدعوة إلى الاقتراب من المرتفقين وملامسة مشاكلهم وإشراكهم في إيجاد الحلول والقرارات الملائمة لوضعيتهم المختلفة.

وتعد المقاربة التشاركية أحد أهم عوامل التحولات الاجتماعية، لأنها أساس التنمية البشرية التي تضع المواطنين في مركز الاهتمام، بغض النظر عن تمايزاتهم الجنسية والعمرية والطبقية. إن إدماج المقاربة التشاركية في السياسة التنموية تعتبر منهجية عمل تساعد على التنمية العادلة، وذلك من خلال إشراك الجميع في تسيير مؤسسات الدولة، وفي جميع مراحل تدبير مشاريع وبرامج التنمية والإصلاح، من التشخيص والتحليل والتخطيط والتنفيذ إلى التتبع والتقويم. هذه المقاربة هي وسيلة تسمح بالإنصات إلى أصوات الجماعات الضعيفة، والمهمشة (النساء، الفقراء، المعوقين، الأطفال، القرويين والشباب العاطل)، وتمنحهم الفرصة للتعبير بحرية وصراحة.

وإذا ما أردنا التعمق أكثر فإن مصطلح التشاركية يحيلنا في مستواه اللغوي إلى وزن “التفاعلية”، فوزن التفاعلية هذا ذو دلالة علائقية إيجابية، بحيث إن الفعل فيه متبادل بين أطراف معادلة المشاركة، وبالتالي فإن أطراف الفعل التشاركي من الناحية النظرية على الأقل تحكمهم نوع من النِّدِّيَةِ في الرأي وفي اتخاذ القرار. أما على المستوى الداخلي فإن معادلة التشاركية تبقى محكومة بطبيعة القانون الداخلي لكل طرف من أطراف المعادلة. وهي في النتيجة محكومة بمدى فعالية وقوة كل طرف في التفاعل وتحقيق التوازن داخل المعادلة التشاركية. وقد أشار الخطاب الملكي المرجعي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية في 18 ماي 2005 إلى مفهوم المقاربة التشاركية حينما قال: “إنها تجارب تؤكد نجاعة الأساليب التي تستهدف التحديد الدقيق للمناطق والفئات الأكثر خصاصة، وأهمية السكان ونجاعة المقاربات التعاقدية”. إن المقاربة التشاركية هي طريقة تتوخى تدعيم الجماعات في أفق امتلاك سلطة على مستقبلهم. ونتيجة لذلك فإن استخدام المقاربة التشاركية يلعب دور التنشيط الاجتماعي والتشخيص والتنسيق والتكوين والتحسيس والتعبئة والمسؤولية والتوعية. ذلك أن الأساليب تتمحور حول مشاركة الساكنة، ليس فقط من أجل اتخاذ القرار، ولكن كذلك في مسلسل الإعداد لاتخاذ القرار، فهي تفيد عملية تواصل أفقية مع السكان بطريقة تضمن مشاركتهم في مسلسل اتخاذ القرار عبر آليات الإنصات المستمر بهدف تحسين وضعيتهم المجتمعية. لذلك فإن مصطلح المشاركة هو مفتاح نجاح كل المسيرات التنموية التشاركية.
في الأخير يمكن اعتبار المقاربة التشاركية في مفهومها العام أنها تشمل المناهج التي تجعل الجماعات فعالة، مثيرة بذلك مكتسبات التصور والفهم والإحساس لحيازة المشاريع التنموية المؤدية إلى التغيرات الدائمة. وإن هذه المناهج متوجهة نحو الأشخاص لتحقيق المزيد من احترام الكرامة الإنسانية وتحسين شروط الحياة اللائقة.

إن الحديث عن المقاربة التشاركية بين الإدارة والمواطنين يجرنا إلى الحديث عن واقع تعاملات الإدارة مم مرتفقيها في أفق إيجاد سبل فعالة لتحقيق مزيد من التواصل المأمول.

2. تواصل ومعاملات الإدارة مع المستفيدين من خدماتها
لحل المؤشرات الحقيقية التي يمكن اعتمادها لدراسة التواصل بين الإدارة والأشخاص المستفيدين من خدماتها، لا بد من التوقف لدراسة سلوك الإدارة اتجاه المواطن، لنصل إلى خلاصة مفادها أن الإدارة مطالبة بتحسين خدماتها العمومية لتحقيق تواصل خارجي فعال.

أ. سلوك الإدارة اتجاه المواطن
إن مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي الحفاظ على الحريات وصيانة الحقوق، وأداء الواجبات، وإتاحة الفرص والظروف لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون. غير أن محاولة فهم الواقع الحالي للعلاقات القائمة بين المرفق والمرتفق تبين أن مظاهر الإدارة المخزنية لازالت مستمرة، بما تنتجه من سلطوية وتحكم في علاقة الموظف بالجمهور المتعامل معه، وهو ما يتجلى في عملية استقبال المرتفق، وتمكينه من حقه في الوصول إلى المعلومات.

يعتبر الاستقبال أول تصرف يواجه المرتفق أثناء اتصاله بالإدارة، ومن خلاله يتشكل أول انطباع حول المرفق. وانطلاقا من هذا اللقاء الأول سيحكم المواطن على الإدارة بانفتاحها أو انكماشها، و مدى تنظيمها المحكم أو فوضويتها العارمة أو جهالتها. و قد جاء في ميثاق حسن التدبير: “يجب جعل حسن استقبال المواطنين وإرشادهم وتوجيههم من الانشغالات المركزية للمصالح الإدارية والحرص على تقيد كافة العاملين بالإدارة بهذا التوجه”.

إن استقبال المواطنين أصبح يشكل الحجر الأساس داخل كل إدارة عمومية، وعنصرا من العناصر الهامة التي تهتم بقضايا المواطنين وبمتاعبهم اليومية. ومفهوم الاستقبال قد يعني فيما يعني خلق رابطة إنسانية بين طرفين، أحدهما زائر للمرفق الإداري والآخر موظف تابع لهذا المرفق. غير أننا نرى بخصوص هذه النقطة أن إسناد هذه المهمة إلى شخص مختصر، أو خلية أو مصلحة خاصة لهذا الغرض، بالرغم من قدرته على الإنصات والتوجيه والمساعدة وتسهيل الطريق لولوج حق من الحقوق داخل الإدارة، فإن هذا التخصيص من شأنه أن يحول دون اتساع رقعة العلاقات الإنسانية التي يمكن أن تنتج من جراء هذه المساعدة. فحسب اعتقادنا، إن تحضير مكتب من هذا النوع أو تعيين شخص بعينه يشرف على هذه المهمة من شأنه أن يشكل ذريعة لمنع الزوار من ولوج المصالح الأخرى، وبالتالي فرض نوع من الحصار والعزلة على البناية الإدارية ككل، مما يزيد من تهويلها في نظر المواطن ويكرس شعوره بالغموض اتجاهها. بل إن هذا التخصيص قد يشكل مضيعة إضافية للوقت، لا سيما إذا صار مجرد محطة تضاف إلى باقي المحطات الأخرى التي يمكن أن تنزل بها الملفات. وبناءا على ذلك نعتبر موضوع توزيع مهمة الاستقبال على أكثر من مصلحة، مؤهلة تكوينيا وسلوكيا للقيام بها (خاصة في الإدارات الضخمة) أمرا لا يتعارض مع مبدأ التخصيص من أجل تقديم خدمة أفضل للمواطنين، بل على العكس من ذلك، إن هذا من شأنه أن يزيد من مستوى الأداء الوظيفي في العلاقات العامة. إذ أن مفهومنا الشامل لواجبات الموظف تقتصر على واجبات متخصصة في مجال وظيفي معين كالهندسة والمحاسبة والتسجيل والمشتريات، مضافا إليها الجانب السلوكي الذي تأتي في نطاقه معاملة المواطنين. وهكذا فإن حسن الاستقبال يؤدي حتما إلى نسج علاقات جيدة بين المحكومين والحاكمين، تسودها الشفافية والمعاملة الإنسانية.

غير أن الواقع العملي داخل المرافق العمومية لا يوازي الاهتمام المتزايد بعملية الاستقبال من خلال الخطابات الرسمية. حيث يسجل غياب رؤية شمولية للاستقبال والإرشاد، مع وجود الإجراءات المتخذة بصيغة انفرادية من طرف بعض القطاعات الإدارية، إلى جانب سيادة نظرة تقليدية للاستقبال، إذ يتم تخصيص مقر لكن دون توفير الوسائل الضرورية والأطر الكفأة.

كما يطرح الاستقبال في المكاتب مشكل تنظيم الاستقبال الأولي، إذ لا يجب أن ينتقل المستعمل وينتظر طويلا من أجل معلومة بسيطة، أو من أجل استمارة، إلى جانب عدم توفر معظم الإدارات على ملاحق وأشكال أو رسوم بيانية لتسهيل عملية الاهتداء إلى المرافق والمكاتب داخل البناية الإدارية، أضف إلى ذلك عدم الاهتمام الكافي بالرد على الاستفسارات الكتابية والهاتفية للمواطنين، بخصوص تنظيم اختصاصات المصالح وطبيعة الخدمات التي تقدمها.

عموما، يلاحظ عدم اعتناء المسؤولين في أغلب الإدارات بوظيفة الاستقبال، وقلة وعيهم بأهميتها الإستراتيجية في مسلسل العلاقات العامة، إلى جانب مساهمة الموظفين في ترسيخ سلوكات الاستعلاء، واعتقادهم بامتلاك مفاتيح جهاز معقد متشعب المسالك، والانتشاء بإذلال المرتفق المغلوب على أمره. كل هذا يؤدي بالتبعية إلى خلق أزمة في التواصل بين الجانبين.

إن استعادة ثقة المنتفعين في الإدارة، وإعادة الاعتبار لنبل المرفق العمومي يتطلب القضاء على الصورة السلبية التي يكونها المنتفعون عن الإدارة، باعتبارها بنية سلطوية وإذعانية ومنغلقة. وهذا لن يتأتى إلا بسلوك مسلك الشفافية في المعاملة مع المنتفعين حتى يطمئن هؤلاء لحسن سير الإدارة العمومية. ومن مظاهر الشفافية نقف عند عنصر أساسي هو الحق في الإعلام الإداري. إن هذا الأخير يعتبر جوهر العلاقة بين المواطن والإدارة. كما أن متطلبات تأسيس علاقات إنسانية سليمة بالوظيفة العمومية تقتضي إقرار الحق في الإعلام الإداري والإطلاع على وثائق والملفات الديمقراطية الإدارية. فحق الإعلام يعكس جليا شفافية الأجهزة الإدارية. إذ أن إخبار الجمهور يهدف بالأساس إلى إقامة نوع من التواصل بين الإدارة ومختلف الفئات التي تتعامل معها. هذا التواصل يساهم في تطوير روح التفاهم والتعاون المتبادل للمصالح على حد سواء، إضافة إلى كونه يساهم في تأسيس وخلق جو ملائم بين الطرفين، ويقلل في الوقت نفسه من حدة التوتر. إلا أن القاعدة السائدة في الإدارة هي الانغلاق والسرية التي تطغى على أنشطتها، هذه السرية تترجم عمليا من خلال مجموعة من التصرفات. ولعل العنصر الذي يثير الاهتمام أكثر هو مبدأ عدم توصل المرتفق بالوثائق الإدارية، مادام أنه لا يتوفر على حق عام مطلق في الحصول على المستندات التي تهمه. فغالبا ما تتمسك الإدارة بالسرية تحت غطاء الفعالية وحسن التدبير وأمن الدولة، وترفض لأي كان الإطلاع على الوثائق. وللسرية أهمية كبرى في أعمال السلطة التنفيذية، فالأمور التي لا تستطيع اتخاذها علانية، تتخذها سرا، كما أنها تعد وسيلة أساسية للحكام لتحقيق مصالحهم الخاصة.

هكذا يُخْضِعُ القانون عملية التواصل مع المرتفق إلى ضرورة الحصول على رخصة من طرف المسؤولين التسلسليين، ولا يملك الموظف حق التواصل مع العموم، تحت غطاء السر المهني وواجب التحفظ الذي يمس كل ما يتعلق بالأحداث والوثائق والمعلومات التي اطلع عليها الموظف بمناسبة ممارسته لمهنته. وكل تحويل أو تبليغ لهذه المستندات يعرض صاحبه للمتابعة الجنائية.
كما يمكن أن تمارس السرية من خلال السلطة التقديرية المقررة للإدارة، حيث تتجلى مرة في إخبار أو عدم إخبار المرتفقين، وكذا إمدادهم أو لا بالوثائق التي في حوزتها، بالإضافة إلى تقريرها متى وكيف سيتم تقديم تلك الوثائق. وهذا يعني عدم وجود خط فاصل بين ما يجب أن ينشر ويطلع عليه عند طلبه، وبين ما يشكل سرا يحق للإدارة الحفاظ عليه وعدم إفشائه. إن السؤال الذي يطرح بشكل بديهي على هذا المستوى هو: هل يساهم السر المهني في تأزيم العلاقة بين الإدارة والمواطن؟

إن المنطلق الأساس في علاقة الإدارة بالمحيط هو اعتماد مبدأ الشفافية في إيصال المعلومات. “فإن لم تصل المعلومات إلى أصحابها، فهذا يعني أنها ناقصة أو أنها من النوع الرديء، أو أن التواصل غير قائم”. هذه الحالة الأخيرة هي إحدى المظاهر الموغلة في السلبية. لكن كيف يساهم السر المهني في عرقلة عملية إيصال المعلومات؟

إن تقدير الموظف مبدئيا لمسألة السر المهني محبذة، لكن المبالغة فيها يدفع إلى رسم صورة سلبية عن الإدارة وعمَّا يدور داخلها، وبالتالي يتردد المواطن في دخولها أو يتلكأ في التعامل معها. وإن التحصن بالفصل 18 من القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية يتجلى في مستويين: المبالغة في تقديس السر المهني في علاقة الرؤساء بمرؤوسيهم، وفي علاقة المرؤوسيين أنفسهم بالمرتفقين. إن هذه الوضعية تجعل من الإدارة بنية مبهمة وغامضة سواء عل المستوى الداخلي أو الخارجي، ومن المعلوم أن الطبيعة الإنسانية تحيل على النفور من الشيء في حالة جهله.

نشير أيضا إلى مسألة أخرى أساسية فيما يتعلق بالسر المهني، وهي الالتباس الشديد للمفهوم، إذ “يُجهل من أين يبدأ وأين ينتهي. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الإدارة تتحفظ في إعطاء المعلومات الكافية حول سيرها ونشاطها”. إن عدم تحديد المشرع لمفهوم السر المهني أو لما ينبغي كتمانه، يخلق حالة من التدبدب لدى العامل بالإدارة، والذي حتى وإن أراد أن يكون شفافا في تواصله مع المواطنين، فإنه، وأمام عدم وضوح حدود هذا السر، يشك فيما يريد إيصاله من معلومات، فيقطع شكه باليقين الموجود بين سطور الفصل 18 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية، على اعتبار أن هذا الإجراء يعد أحسن من سلوك المخاطرة. “فهذا الموقف المتحفظ… كفيل بأن يقيم علاقة مبهمة بل وغير مجسدة بين الإدارة والمستفيد”، بحيث لن يلتجئ هذا المرتفق إلى الإدارة إلا بعد استنفاذ جميع الحلول الأخرى، مع حفاظه على مساحة واسعة بينه وبين الإدارة؛ جل هذه المساحة حذر وتشكك إن لم نقل مشاحنات وملاسنات كما هو نشاهده في إداراتنا العمومية بشكل يومي.

في هذا الصدد يعد إقرار مبدأ تعليل القرارات الإدارية من أفضل الوسائل التي تسهل عملية مراقبة مشروعية الأعمال الإدارية من طرف القضاء، باعتباره يدعم مبدأ شفافية الإدارة، ومن ثم المساهمة في إحلال علاقات إنسانية مبنية على الثقة والتعاون محل تلك التي يغلب عليها الحذر تارة والمواجهة تارة أخرى.

ب. تحسين خدمات الإدارة العمومية
إن مبدأ التواصل يفرض على الإدارة تقديم الخدمات العمومية بكلفة أقل وسرعة أكثر وتقديم خدمات تتوفر فيها الجودة، وكذا تبسيط المساطير والإجراءات الإدارية، إضافة إلى استخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال. إن تحسين العلاقة بين الإدارة والمواطن يرتبط في جانب من الجوانب بتبسيط الإجراءات والمساطر والأجهزة والقنوات الإدارية. ويقصد بالتبسيط، إزالة التعقيد أو التكرار أو التداخل أو التبذير في الوقت والجهد والمال من أجل تيسير حياة المرتفق والمقاولة. لذا، فإن التبسيط يعتبر مرتكزا أساسيا لأجل إحداث التغيير داخل الإدارة وشرطا أساسيا لتحسين علاقتها بالمجتمع، وذلك بتفادي التعقيدات التي تنطوي عليها المسطرة الإدارية، سواء تعلقت بكثرة الأجهزة المتدخلة أو بتعدد وتنوع الوثائق، أو بإشكالات وبروتوكولات الاستقبال. إن أي عملية تنموية، وأي مشروع إصلاحي يتوقف على مدى إيجاد نصوص قانونية وإجراءات مسطرية سهلة التطبيق، واضحة المعالم ومتينة الخطوات. لذلك فإن تبسيط وتسهيل واختزال المساطر الإدارية يساهم دونما شك في فعالية النشاط الإداري وكذا في إصلاح الإدارة ووسائل وطرق تدخلاتها. فقد جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في الندوة الوطنية حول “دعم الأخلاقيات بالمرفق العام” المنعقدة بالرباط بتاريخ 29 أكتوبر 1999: “إن هدف الإجراءات العمومية التسهيل والتسيير وليس التعقيد والتعسير، وهي منهاج لترسيخ روح الاستقامة والوضوح والشفافية..، وتحديد المسؤوليات والتحفيز على التواصل..، لذلك أمرنا بتبسيط الإجراءات وتحيين النصوص الإدارية”.

إن مسألة تبسيط المساطر الإدارية تعتبر إحدى المحاور الرئيسية لمختلف المشاريع الإصلاحية. والحقيقة أن مسألة تبسيط المساطر عرفت ثورة حقيقية في البلدان الأوربية؛ أما في المغرب فالإجراءات التي تم تطبيقها تعتبر قليلة جدا إذا ما تمت مقارنتها بحجم تطلعات المواطنين.

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس كل شيء يصيب الحياة الإدارية يعالج بوسيلة التبسيط، فأحيانا تدعو أسباب الصعوبات التي تشوب البنية الإدارية، إلى حلول تنظيمية أو تكوينية، والتي تكون أكثر فعالية. إن الهدف المتوخى من عملية تبسيط المساطر الإدارية هو تحقيق جودة أداء الإدارة، ذلك أن تحقيق الجودة لم يعد ترفا أو اختيارا، وإنما هو التزام لا بديل عنه. ومن ثم فإن الإدارة التي لا تهتم بجودة ونوعية خدماتهاستفقد إحدى مقومات استمراريتها، ولن يعد أمامها إلا اختياران لا ثالث لهما: إما الاعتدال أو الاعتزال.

إن الجودة الشاملة فلسفة كاملة ونظرية جديدة، و نمط عمل يرتكز على فكرة التحسين المستمر بشكل متلازم في كل شيء، وترتكز أيضا على مبدإ اعتبار الإنسان هو القيمة الكبرى لكل عمل إداري. وتقوم نظرية الجودة الشاملة على فلسفة خلاصتها: تنفيذ العمل المطلوب على الوجه الصحيح في الوقت الصحيح. و يرى Deming ، صاحب نظرية “إدارة الجودة الشاملة”، أن هناك أربعة عشر مبدأ أساسيا لتحقيق المثل الذي يروم التخطيط المناسب ويمنع الأداء الضعيف داخل الإدارة :1- وضوح فلسفة المؤسسة، 2- وضوح الرؤية المستقبلية، 3- الإنسان يأتي أولا، 4- مبدأ الاتفاق والإحسان، 5- روح الفريق والإحسان، 6- روح الفريق الواحد، 7 معايير عالية للأداء، 8- تشجيع روح المبادرة والإيداع، 9- مبدأ الإدارة الوقائية، 10- مبدأ التبسيط،11- قيمة المعلومات. 12- القيادة الفعالة، 13- التدريب المستمر، 14- شمولية واستمرارية التحسين.

كما أن الإدارة المغربية تسعى سعيا متواصلا للحاق بركب التقدم التكنولوجي في جميع نواحيه، وذلك من أجل النهوض بالمجتمع المغربي في جميع المجالات. ولا شك أن ما حققته حتى الآن في مجال استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال يعد إنجازا لا بأس به بفضل خبرائها في جميع المجالات، ونخص هنا بالذكر إدارة الجمارك المغربية على سبيل المثال. وفي هذا الإطار تم وضع لجنة الإدارة الإلكترونية التي كُلفت بوضع مخطط للعمل على تنمية الإدارة الإلكترونية، والسهر على متابعة الإنجازات التي تم تحقيقها في الإطار الشامل للجنة الاستراتيجية لتنمية تكنولوجيا الإعلام، والتي يترأسها الوزير المكلف بالشؤون الاقتصادية والعامة. كما تم تنفيذ عدة إنجازات، ففي 17 أبريل 2006 انطلقت البوابة الوطنية، وتتكون من جزئين: جزء مؤسساتي يقدم معلومات مختلفة عن المغرب، وجزء إداري يضع رهن إشارة المواطنين ما يناهز 700 مسطرة إدارية. وبموازاة مع الموقع الإلكتروني، ثم إحداث جهاز للاتصال خاص بتقديم المساعدة للمتعاملين مع الإدارة، بهدف تقريب الإدارة من المواطن وتمكينه من الإخبار والمعلومات. وعلى المستوى القطاعي، فإن وزارة العدل ووزارة المالية ووزارة الصحة ووزارة النقل والتجهيز أصبحت جاهزة لمنح خدمات على الخط، ونفس الشيء بالنسبة لمؤسسات عمومية مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والخرائطية والمد العقاري.

كما أن وزارة تحديث القطاعات العمومية أصبحت تنظم الجائزة الوطنية للإدارة الإلكترونية، الهدف منها تشجيع تنمية استعمال تكنولوجيا الإعلام والاتصال وكذا تحديث المرافق العامة. لكن، فبالرغم من المجهودات المتوخاة في عمليات المكننة، فإن غالبية المساطر الإدارية لازالت تعتمد على الورق، ويظهر ذلك غريبا إذا ما لاحظنا أن جل الإدارات تتوفر الآن على شبكة معلوماتية ذاتية وعملية. ففي غياب دراسة دقيقة في الموضوع، قد يلاحظ البعض أنه بالرغم من صرف أموال طائلة في اقتناء المعدات المعلوماتية والبرمجيات على مدى سنوات عدة، فإن ذلك لم ينعكس إيجابا على المردودية وتحسين جودة الخدمات المقدمة من طرف الإدارة، حيث يقال إن الحواسب لا تستغل الآن إلا لأغراض الطباعة فقط.

وإذا كانت المعلوميات تطرح نفسها بإلحاح اليوم، نظرا لما يمكن أن توفره من تدبير جيد للوقت ومن جمع متقن للمعلومات، يساعد على تحسين معدل الأداء الإداري، فإننا نتحفظ على كيفية الاستعمال المطلق لهذا النوع من التكنولوجيا، وذلك بسبب الشلل الذي يمكن أن يحدثه على صعيد العلاقات العامة، إذ أن الإنسان يصبح عبارة عن تركيبة رقمية ومرشح لأن تحل الآلة محله.
إن التواصل داخل الإدارة أو خارجها يرتبط أيما ارتباط بأساليب تدبير يتم إنتاجها داخل هذه الإدارة، وتنعكس هذه الأساليب بشكل مباشر على مستويات التواصل فتؤثر فيها. كما أن الأنظمة العلائقية تلعب دورها أيضا في تأزيم التواصل، يضاف إليها المستويات القانونية التي تفرز أنماطا من التواصل تتسم بالتعقد وتكرس النفور. لذلك، فإن نجاح أو فشل الإدارة يقاس بمدى انفتاحها على محيطها واندماجها فيه، و كذا بطبيعة ونوع التواصل الذي يسود بين المرفق والمرتفق. فالملاحظ أن إدارتنا، بشكل عام، تعاني الانغلاق والتقوقع بشكل يحد من فعالية وجودة الأداء الإداري، و هذا يخلق بالتبعية أزمة في التواصل مع المواطن.

وإذا كانت هذه الأزمة مرتبطة بشكل كبير بالبنيات التنظيمية والهيكلية للمرافق العمومية، وانعكاساتها السلبية على النشاط الإداري عامة وسلوك الموظفين خاصة، فإن ذلك لا يمنع من القول بأن الموظف يتحمل قسطه الوافر من المسؤولية، مادام يشكل الأداة التي تترجم عمل الإدارة. إذ أن غياب الأخلاقيات المهنية يساهم في تكريس الاختلالات البنيوية القائمة. ومهما كانت الأسباب، فإن انفتاح الإدارة على التطورات التي يعرفها محيطها، وقربها من المرتفق وإشراكها له في مختلف السياسات يظل رهينا بتبني استراتيجيات شمولية تعالج مختلف أوجه القصور التي تشكل أزمة التواصل بين الإدارة والمرتفق. إن أية إعادة نظر في الأنظمة التواصلية الخاصة بالإدارة في المغرب، تحتم ربطها ومراجعتها في علاقتها بالأبعاد السالف ذكرها في معرض هذا البحث. كما يتعين بشكل حتمي إدماج التكنولوجيا الحديثة في هذه الأنظمة حتى تضمن تفاعلا جديدا وحديثا للعلاقة التواصلية الخاصة بالمرفق العمومي. هذا وإن العصر الحديث أضحى يُقَيِّمُ نشاط الإدارة انطلاقا من قدراتها التواصلية، حيث مدى انسياب المعلومات ودقتها وسرعتها، وحسن الاستقبال والاستجابة لمتطلبات المرتفق أصبحت سمات تقاس من خلالها كفاءة وقدرة الإدارة على العطاء والتطور. كما أن تطوير القدرات التواصلية للإدارة المغربية أصبحت مطلبا أساسيا، وذلك بولوج المغرب وتوقيعه لاتفاقيات التبادل الحر وانفتاحه التجاري، وبالتالي فإنه يتعين على المغرب أن يكسب هذا الرهان حتى يضمن لنفسه ولإدارته قدرات تنافسية ترقى إلى مستوى الطموحات.

دراسة أنجزتها جمعية القلوب المتحدة للثقافة و التنمية الإجتماعية

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...