التوثيق العدلي بين معوقات التشريع ومستلزمات الحكامة الجيدة


التوثيق العدلي بين معوقات التشريع ومستلزمات الحكامة الجيدة

سبق لنا في دراسة سابقة، تحت عنوان (خطة العدالة في غياب الحكامة الجيدة) نشرتها جريدة “الصباح” تحت عدد: 5489 بتاريخ 18 دجنبر 2017، أن واعدنا، بأننا سنواصل الدراسة، بالأمثلة الصارخة، في الضربات الموجعة التي تلقتها، وتتلقاها خطة العدالة، خاصة، ببلادنا باسم القانون المقترح مشروعه الأولي، من قبل وزارة العدل، في شخص (الطاقم المكلف أو بعضه) والتي عانى، ويعاني منها العدول ومعهم المواطنون المرتفقون على امتداد التراب الوطني.

من خلال الدراسة الأولى هذه، أعطينا مثالا نموذجيا أوليا (بالصورية) في حرية خطة العدالة في القانون الإطار رقم 16.03 وقلنا إنه لا يجادل أحد متبصر بالمهنة، في أنه لا حرية في خطة العدالة بالمغرب بتاتا، وإن خطة العدالة، مؤممة أصلا، ومنذ القديم، وهي على ما كانت عليه، وتمارس الآن بتسيير مباشر وعميق ومسيج، من قبل موظف يسمى حاليا (قاض مكلف بالتوثيق)، مكلف بذلك من قبل وزارة العدل، طبقا للمادة الأولى من القانون الإطار رقم 16.03، والمادة 37 وما بعدها من المرسوم التطبيقي للقانون الإطار هذا.
وقلنا إن العدول وحدهم، ظلوا محرومين من حقهم في الحرية، وفي المساواة، وتكافؤ الفرص، في ميدان التوثيق بالمغرب، رغم مجيء دستور 2011 بالحكامة الجيدة، وهم بذلك ظلوا مسيرين وليسوا مخيرين، وكل ما ينسب إلى العدول، من ضعف في العطاء، أو ضعف في اللياقة في الشكل أو المضمون، لا ذنب للعدول فيه على الإطلاق، وأن وصف خطتهم بالحرية هو وصف صوري مقصود لذاته، أضر جدا، بالعدالة والعدول بالمغرب، ولا أساس له أبدا على أرض الواقع، وهو على حاله، يشكل تهما للخطة، ويخدم مصالح للأغيار على أوسع نطاق.
كما أنه موهم للمصالح الضريبية، بأن لها حقوقا على خطة العدالة والعدول بالمغرب، زائدة على الخدمات المالية الباهظة، التي يقدمها العدول عبر خدماتهم المتنوعة لخزينة الدولة باستمرار وبالمجان، وانطلاقا من هذا، فإنها ليس بينها وبين خطة العدالة والعدول، إلا الخير والإحسان، وما جاء في المادتين 28 و29 من المرسوم التطبيقي للقانون الإطار رقم 16.03 على اعتبار القاعدة القانونية تقول إن القانون الخاص مفسر ومقدم على القانون العام، وفي ظل دستور 2011، سيأتي يوم تتأطر فيه خطة العدالة، (تأطيرا مخلصا ومتبصرا)، ونتحاسب فيه مع وزارة المالية، التي دأبت على مكافأة موظفيها بالمالية عبر (بريمات) باهظة، وظلت غاضة الطرف عن العدول في خدماتهم لها باستمرار.
ومن الأمثلة الصارخة في الضربات الموجعة المقصودة لذاتها ضد خطة العدالة والعدول، مسألة التطهير المكاني، وشبه التطهير العرقي، ففي الأخير، جاء في الفقرة الثانية، من المادة 11 من القانون الإطار رقم 16.03: (أنه يتعين على كل عدل بلغ سبعين سنة من العمر أن يدلي خلال ثلاثة أشهر الأولى من كل سنة بشهادة طبية، صادرة عن مصالح الصحة العمومية، تثبت قدرته على الاستمرار في ممارسة المهنة، بصورة عادية، توجه إلى الوزارة، تحت إشراف القاضي المكلف بالتوثيق، تحت طائلة إعفائه، إذا لم يدل بها في الأجل المحدد)، وهذه في الحقيقة، مكافأة مجانية عابثة، وغابنة وجاحدة، لكل الخدمات التي ظل يقدمها العدل السبعيني طيلة مساره المهني في المجتمع، ولفائدة خزينة الدولة باستمرار، وعابثة بكل حقوق الإنسان في حق هذا العدل كإنسان مغربي، ومتنافية مع كل القوانين الضابطة للأهلية: (المادة 206 من قانون 70.03). ولا مثيل لها في جميع المهن على الإطلاق، ونترك التعليق المناسب للقارئ الكريم، ونذكر، أن التشريع التطهيري هذا، كانت له عواقب وخيمة في صفوف العدول، ومنها “جناية” وفاة وقعت، على إثر صدمة أحد العدول من الرباط سنة 2016، بلغه إعفاؤه فجأة من قبل وزارة العدل، دون أن تلتفت الوزارة لأمره، ولعملها ضده وضد غيره بتاتا، وحتى مصالح كل حقوق الإنسان بالمغرب لم تلتفت لشأنه.
وفي التطهير المكاني: جاء في المادة 14 من القانون الإطار رقم 16.03 ما يلي: (يتعين على العدل أن يتخذ مقر مكتبه، حيث تم تعيينه) يعني خارج المحاكم، وخارج المراكز التابعة لها. بعد أن كانت مهنة العدالة، وظلت تمارس من داخل المحاكم، أو المراكز التابعة لها، وكان ذلك، تقديرا لمكانة المهنة، وأصحابها، عند الرعيل الأول من المسؤولين، وتقديرا للخدمات المالية المجانية، التي كانت وظلت المهنة لحد الآن، تقدمها لخزينة الدولة باستمرار، حيث كان ذلك اعترافا بالحق، ومكتسبا، حمائيا، لكرامة المهنة بصفتها معلمة إدارية وشرعية ضاربة في أعماق التاريخ وصالحة لكل زمان ومكان.
وبإفراغ العدول، عنوة، من مقارهم المكتسبة عبر التاريخ، تكون وزارة العدل (في شخص الطاقم المكلف أو بعضه)، قد استعملت التحكم الزائد على حده، والشطط في استعمال السلطة، في حق المواطنين والعدول، وتكون قد جنت على العدول والمواطنين، وأضرت بهما ضررا بالغا، مازالوا يعانونه لحد الآن، كما أن ذلك، يعد مساهمة فعالة في استفادة الأغيار.
والحالة هذه، أنها هي الراعية المؤتمنة على مبدأ: أن (القضاء في خدمة المواطن) وأن (تقريب القضاء من المتقاضين) أمر لا جدال فيه.
وبإلقاء نظرة بسيطة، على أكثرية المكاتب العدلية بالمغرب، نتأكد جيدا من مبلغ الضرر البالغ، الذي جنته وزارة العدل، من خلال (طاقمها المكلفت أو بعضه) على كرامة مهنة العدالة والعدول، بالإضافة إلى إلقائها الحبل على الغارب، في شكل وموضوع هذه المكاتب، وأدبياتها، وغض الطرف عنها، وعن جميع مضارها، إذ يعتبر العدول أن غض الطرف على هذه الحالة المزرية، هو أمر غير بريئ، على اعتبار أن السادة العدول، هم غير أحرار في عملهم اليومي إطلاقا، وأنهم مسيرون وليسو مخيرين أبدا.
وكان على الوزارة، في إطار القانون، أن تحافظ لخطة العدالة، والعدول على مكتسباتهم التاريخية بالمحاكم، أو عبر إنشاء مقرات مشرفة، مما تدره المهنة عبر خدماتها المجانية، على خزينة الدولة باستمرار، وعبر التاريخ، حيث إنه بالإمكان أن تسمى هذه المقرات ب (دار العدول) وليس مكتبا موحدا تناوبيا تفعيلا للأمر الواقع في التبخيس؟، بها (دار العدول) تكون الممارسة المهنية بصفة شريفة، وبها يكون التكوين المستمر، وبها تتم المحافظة على كرامة المهنة وأخلاقياتها الحميدة، وبها يسهل ولوج المواطنين المرتفقين إلى إداراتهم المطلوبة، وبها تكون التنمية البشرية المستدامة وبها ….. وبها …..، خصوصا أن ثمة وزارات أخرى بالمغرب، تقوم بواجبها في هذا الشأن، مثل وزارة الثقافة، والدور التابعة لها، للمطربين وجميع الفنانين…….. (على سبيل المثال فقط).
في حين أن وزارتنا في العدل، لها رصيد وافر، من البنايات المستغنى عنها، بعد إنشاء محاكم أخرى عصرية، أو لم تستعمل من طرف رؤساء المحاكم، أو وكلائها، كان على الوزارة أن تنصف خطة العدالة، وأن تبرئ ذمتها مع العدول في الموضوع، وأن تمكن، على الأقل، الخطة وأصحابها من هذه البنايات المتخلى عنها، في جميع أنحاء المغرب، حتى ترد المياه إلى مجاريها المنسابة.
وللتذكير، فإننا لم نقم بهذه الدراسة وأمثالها، على منابر الإعلام، إلا بعد أن استنفدنا جميع المحاولات المكتوبة، المباشرة، إلى كل الجهات المسؤولة، والرامية إلى طلب الالتفات إلى خطة العدالة والعدول بالمغرب، بما فيها وزارة العدل، الراعية المؤتمنة على خطة العدالة بالمغرب، دون جدوى لحد الآن، وسنواصل تحت شعار: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ** ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

*عدل بالمحمدية رئيس جمعية عدول استئنافية الدار البيضاء
رئيس لجنة البحوث العلمية والكفاءات المهنية بالنقابة الوطنية لعدول المغرب

بقلم: ذ: صابر محمد*


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...