الجوانب الحقوقية لمسطرة الإكراه البدني في الغرامات و الإدانات النقدية أقل من 8000.00 درهم


الجوانب الحقوقية لمسطرة الإكراه البدني في الغرامات و الإدانات النقدية أقل من 8000.00 درهم

من المعلوم أن الإكراه البدني عرف تطورا نوعيا من حيث التصور و الممارسة ، هذا التطور طبعته خصوصيات المراحل التاريخية التي اعتمد فيها هذا النظام كوسيلة لاقتضاء الحقوق و خاصة الديون المالية . و لذلك فقد عرف هذا النظام القانوني نوعا من التهذيب لينتقل من الصفة الوحشية التي كان يمارس بها إلى هيئته الحالية التي عملت المواثيق الدولية و التشريعات الوطنية على صياغتها و صيانتها بالشكل الذي يراعي حرمة جسد الإنسان الفرد و حريته .

و إذا كان من جوانب تطور الإكراه البدني أن شمل الإجراءات و القواعد المنظمة له ، فإن هذا التطور شمل أيضا موضوع الإكراه البدني ، لذلك فقد عمدت العديد من التشريعات القانونية على اعتماد ما ذهب إليه الفكر الحقوق العالمي من عدم إمكانية تطبيق الإكراه البدني في الديون التعاقدية متى توفرت الشروط القانونية لذلك ، و تم التمييز بين الدين الخصوصي الذي يبقى ملكا لأشخاص القانون الخاص أو حتى الدولة عندما تتصرف باعتبارها شخصا من أشخاص القانون الخاص و الدين العام الذي تستحقه مالية الدولة أيا كانت الجهة التي ستستخلصه .

و في معرض حديثنا هذا عن الإكراه البدني ، سوف نقصر حديثنا على الديون العمومية باعتبارها موضوعا يمكن أن تمارس فيه الإدارة – باعتبارها صاحبة إكراه و إجبار – حقها في وضع حد لحريات الأفراد لمجرد عدم قدرتهم لسبب من الأسباب على إبراء ذمتهم المالية من الديون العمومية المترتبة في حقهم . و من أجل الوقوف على بعض حقوق الأفراد المدينين للدولة بديون عمومية تقل عن 8000.00 درهم فإننا سوف نعمل على التمييز بين القواعد التي نظمها المشرع في مدونة تحصيل الديون العمومية و هي قواعد تهم تحصيل جميع الديون العمومية باستثناء الغرامات و الأداءات النقدية التي أخضعها المشرع لقواعد قانون المسطرة الجنائية . و أهمية هذا التمييز تكمن في البحث عن القواعد التي تؤطر مسطرة الإكراه البدني و كيفية تطبيقها من أجل ضمان الحقوق التي كرسها المشرع ذاته للشخص الخاضع لهذه المسطرة .

و هكذا ؛ فإن مدونة تحصيل الديون العمومية تعتبر الأساس في تحصيل الديون العمومية جميعها باستثناء الغرامات و الأداءات النقدية ، وهذه الأخيرة لها خصوصية بدورها تتجسد في ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بقدر معين من الديون ألا و هو الدين الذي لا تتجاوز قيمته 8000.00 درهم . هل يمكن سلوك مسطرة الإكراه البدني بشأن هذه المبالغ بنفس القواعد التي تسلك بها ذات المسطرة في الديون الأخرى أم أن المشرع خص هذه المبالغ بخصوصية معينة ؟

و للجواب عن هذا التساؤل يمكن الحديث عن مبحثين اثنين :
المبحث الأول : خضوع مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها عن 8000.00 درهم لقواعد خاصة
المبحث الثاني : الآثار القانونية المترتبة عن خرق قواعد الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها عن 8000.00 درهم

المبحث الأول : خضوع مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها على 8000.00 درهم لقواعد خاصة

للإحاطة بالموضوع من جميع جوانبه ،كان لابد من الوقوف على أهم المؤيدات التي دفعت بالمشرع المغربي لإفراد أحكام الإكراه البدني بخصوص مبالغ الغرامات و الإدانات النقدية بأحكام خاصة و استثنائية ( المطلب الأول ) حتى نتمكن من فهم و الوقوف على تلك الأحكام وفق ما نظمها ذات المشرع ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول : أساس خصوصية مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم .

للوقوف على خصوصية مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها عن 8000.0 درهم ، و كذا على الوجه الصحيح الذي يجب أن يتعامل به قضاة تنفيذ العقوبة و النيابات العامة مع المدينين بهذه المبالغ ، وجب أن ننطلق من مسلمة قائمة على كون القاضي كيفما كان مركزه أو طبيعة المهمة التي يقوم بها ، فإنه يمارس أعمال السلطة القضائية الراعية لحقوق و حريات الأفراد . و أن ما يتصل بأمر التشريع إنما هو حصري على المؤسسة التشريعية التي تعتبر معبرا عن إرادة الأمة في سن قوانين تراها ملائمة لاقتضاء الحقوق و صيانة الحريات من غير تجاوز أو اعتداء على تكل الحقوق و الحريات. و لذلك فإن المشرع عندما يرى أن مسألة معينة يجب أن تُنظم بشكل معين فإننا نفترض أن التوجه العام الذي يحكم تلك المسألة هو ما عبر عنه النص التشريعي و لا يجب تجاوزه ؛ و إلا فإن القضاء الذي يتولى تطبيق النص التشريعي سيتجاوز حدود اختصاصه في حالة عدم التقيد بالشروط و الاستثناءات التي وضعها المشرع و خلق قواعد جديدة قد تمس بحقوق و حريات الأفراد .

و لعل حديثنا عن استقلال القرارين التشريعي و القضائي إنما يجد سنده في ضرورة التأكيد على كون العمل القضائي يجب أن يبقى خاضعا لمبدأ الشرعية الجنائية سواء ما تعلق منها بالجوانب الموضوعية أو تلك المرتبطة بالجوانب الشكلية أو الإجرائية. و هنا وجب التأكيد على أن مفهوم الشرعية لا ينحصر فقط في التزام النص القانوني ذاته و إنما يتعداه إلى ضرورة اعتبار المصلحة التي وُضع من أجلها ذلك النص أيضا . و معنى ذلك أن التزام مبدأ الشرعية الجنائية ليس التزاما شكليا و إنما هو التزام يتجسد من خلال احترام المبادئ التي روعيت قبل وضع النص المعني .

إن أخذنا بمفهوم الشرعية على النحو المشار إليه أعلاه هو الذي يسعفنا في البحث عن قيمة الحمولة الحقوقية للنص التشريعي و هل راعى بعض الحقوق أم لا ؟ و من هذا المنطلق يمكننا القول بأن المشرع الذي نظم مسطرة الإكراه البدني حاول أن يضع بعض الاستثناءات التي تضمن الحقوق الأساسية للمدينين بمبالغ ديون عمومية تقل قيمتها ععى 8000.00 درهم ؛ و في هذا السياق يمكن الوقوف على أن المشرع الذي استثنى الديون العمومية التي تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم إنما وازى بين المصلحتين المتعارضتين ، مصلحة اقتضاء مبلغ ذلك الدين من جهة و مصلحة وضع حد لحرية الأفراد نتيجة عدم أدائهم لتلك المبالغ من جهة أخرى ، فرجح إعفاء هؤلاء الأخيرين من الخضوع للإكراه البدني في حالة عدم إبراء ذمتهم من الديون العمومية التي تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم نظرا لزهادة المبلغ من جهة عدم موازاته للمبالغ التي يمكن أن تُصرف في حالة تطبيق مسطرة الإكراه البدني عليه ، و من وجهة نظر حقوقية صرفة فإن اختيار المشرع لعدم تطبيق مسطرة الإكراه البدني في هذه الفئة من الديون العمومية يعتبر إجراء فعالا لتفادي اكتظاظ السجون بالمعتقلين خاصة و أن السياسة الجنائية تتجه نحو اعتماد الوسائل البديلة للوفاء بالالتزامات ، و في ذلك تخفيف عن وضعية السجون التي تعرف ارتفاعا مهولا في نسبة الاعتقال الاحتياطي كما تذهب إليه التقارير المتواترة في هذا الخصوص .

و على ذلك يمكن القول بأن الاختيار التشريعي لعدم خضوع المدينين بديون عمومية تقل على مبلغ 8000.00 درهم لمسطرة الإكراه البدني إنما هو اختيار حقوقي بامتياز رُجِّحت فيه المصلحة الحقوقية على المصلحة المالية بصفة أساسية ، و بالتالي يجب مراعاة هذه المصلحة باعتبارها مناط الشرعية الإجرائية في هذا الحالة . و هنا وجب علينا أن نتساءل حول الترجمة التشريعية لهذا التوجه الحقوقي ؟

المطلب الثاني : الإطار التشريعي لخصوصية مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم

لحصر الإطار التشريعي للموضوع لابد من الوقوف على مواد مدونة تحصيل الديون العمومية ذات الصلة باعتبار ذلك مقدمة منطقية لمعرفة العلاقة القائمة بين أحماك هذه المواد و ما جاء بقانون المسطرة الجنائية .

فبخصوص مواد مدونة تحصيل الديون العمومية يمكن تقسمها لثلاثة أنواع ؛ النوع الأول يتعلق بتحديد مفهوم الدين العمومي و هو ما تجسده المادة 2 من ذات المدونة ، بينما النوع الثاني فهو القاعدة القانونية التي تعلن لنا عن الاستثناء و نعني هنا المادة 77 و هذه المادة تعتبر حجز الزاوية في قراءة الأحكام العامة للتعامل مع الإكراه البدني من الجانب الحقوقي، أما النوع الثالث فيتجسد في القاعدة الرابطة بين القواعد المنصوص عليها في مدونة تحصيل الديون العمومية و تلك الواردة في قانون المسطرة الجنائية و يتجسد الأمر هنا في المادة 134 من مدونة التحصيل ؛ و هنا تجدر الإشارة إلى أن الأحكام التي تضمنتها هذه المادة تكيف في أبجديات القانون بأنها أحكام إحالة فقط ، إذ هي لا تعطي حكما و لا تمنح حقا أو توجب التزاما ، و إنما ينحصر موضوعها في الإحالة فقط لتطبق بعد ذلك القواعد المنصوص عليها في القانون المحال إليه .

و أما فيما يتعلق بالقواعد الواردة بقانون المسطرة الجنائية فإن المشرع نظم قواعد تطبيق الإكراه البدني في المواد من 633 إلى 647 ، غير أن أهم المواد التي تهمنا في هذا المقام هي المادة 638 من قانون المسطرة الجنائية ، إذ أن هذه المادة هي التي تحدد مدد الإكراه البدني كما أنها تضم بين أحكامها قاعدة قانون لها أهمية استثنائية ، سنقف عندها بعد قليل .

من أهم قواعد القانون المؤسسة و الممهدة لتطبيق أحكامه أن نقف بدقة على تعريف المؤسسات التي نظم المشرع أحكامها ، و قد كان الاعتقاد سائدا فيما قبل على أن التعريف من مهمة الفقه ، و هذا القول و إن كان صحيحا في حقبة زمنية معينة فإنه لم يعد كذلك . و تظهر صحة هذا الاستنتاج من قوة و عدد التعاريف التي أصبح المشرع ذاته العمل على صياغتها كأساس لتطبيق أحكام القانون .

و في هذا السياق نجد أن واضع أحكام مدونة تحصيل الديون العمومية كان أكثر دقة في تعريف المقصود بالدين العمومي ، و قد جسد هذا التعريف في مقتضيات المادة 2 من مدونة تحصيل الديون العمومية التي تنص على أنه : ” تعتبر ديونا عمومية بمقتضى هذا القانون :
الضرائب المباشرة للدولة والرسوم المماثلة وكذا الضريبة على القيمة المضافة، المشار إليها بعبارة ” الضرائب والرسوم ” في ما يلي من هذا القانون ؛
الحقوق والرسوم الجمركية ؛
حقوق التسجيل والتمبر والرسوم المماثلة ؛
مداخيل وعائدات أملاك الدولة ؛
حصيلة الاستغلالات والمساهمات المالية للدولة ؛
5. الغرامات والإدانات النقدية ؛
ضرائب ورسوم الجماعات المحلية وهيئاتها ؛
· سائر الديون الأخرى لفائدة الدولة والجماعات المحلية وهيئاتها والمؤسسات العمومية التي يعهد بقبضها للمحاسبين المكلفين بالتحصيل، باستثناء الديون ذات الطابع التجاري. ”

فكما هو ملاحظ فأن المشرع نفسه عمل على تحديد المقصود بالدين العمومية و جعل من بين مشتملاته ما ورد بالبند الخامس الذي أشار إلى ” الغرامات و الإدانات النقدية ” . و هي إشارة لا يجب تجاهلها لما لها من آثار مهمة سنقف عليها في حينها . و على هذا الأساس جاز لنا التساؤل حول ما إذا كان بالإمكان إعطاء مفهوم آخر للدين العمومي غير ذلك الذي حدده المشرع عينه سواء زيادة أو نقصانا ؟ و هلا يعتبر القضاء في حالة مجانبة هذ التعريف متعسفا في تفسير القاعدة القانونية أم لا ؟

إن مناسبة الحديث عن تعريف الدين العمومي ليست من قبيل الترف الفكري ، و إنما من باب الحرص على التطبيق السليم للقانون ، فالمادة 77 من مدونة تحصيل الديون العمومية أشارت إلى عبارة الدين العمومي و هي الإشارة التي يتعين تفسيرها على النحو القانوني السليم و ليس على نحوٍ يدفعنا إلى خرق القانون من أجل حماية مصلحة لم يعتبرها المشرع ذاته و كأن القضاء أصبح أكثر حرصا على المصالح العامة من المؤسسة التشريعية التي تضع قواعد تلك الحماية بعد تقدير ما يستحق الحماية منها .

و هكذا ؛ فبالرجوع إلى مقتضيات المادة 77 من مدونة تحصيل الديون العمومية سنجدها تنص على ما يلي : ” لا يمكن اللجوء إلى الإكراه البدني في ما يخص تحصيل الضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى في الحالات الآتية :
· إذا كان مجموع المبالغ المستحقة يقل عن ثمانية آلاف درهم (8.000) ؛
· إذا كان سن المدين يقل عن 20 سنة أو بلغ 60 سنة فما فوق ؛
· إذا ثبت عسر المدين طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 57 أعلاه ؛
· إذا كان المدين امرأة حاملا ؛
· إذا كان المدين مرضعة، وذلك في حدود سنتين ابتداء من تاريخ الولادة. ”
و غرضنا من عرض هذه المادة هو التأكيد على أنها قاعدة جعلت من مسألة تطبيق الإكراه البدني أمرا غير قانوني ، بدليل أنها سردت الحالات التي لا يجوز فيها اللجوء إلى تطبيق مقتضيات الإكراه البدني في حالة ما إذا تحققت واحدة منها على الأقل . و بذلك استحقت هذه المادة أن تكون مادة الاستثناءات بامتياز .

إن القراءة المتأنية لمقتضيات المادة 77 المشار إليها أعلاه ستجعلنا نقف عند مسألتين مهمتين ؛ الأولى متعلق بمقدمة المادة و الثانية مرتبطة بالبند الأول .

ففيما يتعلق بمقدمة المادة ، نجد أن المشرع نص على ما يلي : ” لا يمكن اللجوء إلى الإكراه البدني في ما يخص تحصيل الضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى في الحالات الآتية : … ” فما المقصود بعبارة ” الديون العمومية الأخرى ” ؟ إن تفسير هذه العبارة هو الذي سيحدد لنا طبيعة الديون العمومية التي لا يمكن تطبيق الإكراه البدني فيها متى تحققت إحدى الحالات المنصوص عليها حصرا في المادة المذكورة . و هكذا ؛ فإنه لا سبيل لنا لتحديد مفهوم العبارة المذكورة إلا بالرجوع إلى مقتضيات المادة 2 التي سبقت الإشارة إليها . إذ أن المشرع هو الذي حدد مشتملات الدين العام و بالتالي فإننا سنبقى ملزمين بالتقيد بما حدده المشرع .

و في هذا الصدد سنجد أن تفسير عبارة ” والديون العمومية الأخرى ” هو ما تضمنته المادة 2 تماما و أن ما ذكر من ضرائب و رسوم ما هو إلا من باب الزيادة التي لا تغني عن المقصود الذي يبقي جميع الديون العمومية خاضعة لأحكام المادة 77 من حيث الاستثناءات . و من ذلك كله سنخلص إلى أن من بين الديون العمومية التي لا يجب تطبيق الإكراه البدني فيها ” الغرامات و الإدانات النقدية ” ؛ و بالتالي يبقى لنا أن نتساءل حول ما إذا كان من الممكن تطبيق الإكراه البدني على الأشخاص المحكوم عليهم بغرامات و إدانات نقدية لفائدة الخزينة العامة أو للإدارات العمومية في جميع الحالات أم أن الأمر له استثناء معين ؟

إن الجواب على هذا السؤال يتضمنه البند الأول من المادة 77 نفسها ؛ إذ في الحالة التي نأخذ فيها بمعيار المبلغ المالي فإننا سنواجه بقاعدة قانونية تفيد باستحالة تطبيق الإكراه البدني متى ” كان مجموع المبالغ المستحقة يقل عن ثمانية آلاف درهم (8.000) ” . و معنى هذه العبارة أن الدين العمومي متى ما لم تتجاوز قيمته 8000.00 درهم لا يمكن تطبيق الإكراه البدني فيه ، كما أنه في الحالة التي يكون فيها الشخص محكوما بمجموعة مبالغ مالية عبارة عن غرامات و إدانات نقدية لا تتجاوز قيمتها 8000.00 درهم فلا يمكن أن يواجه بمسطرة الإكراه البدني . و بالتالي فإن العلاقة القائمة بين المادتين الثانية و السابعة و السبعين من مدونة تحصيل الديون العمومية إنما تتجسد في تحديد مفهوم الديون العمومية من أجل الوقوف على الحالات المستثناة من تطبيق مقتضيات الإكراه البدني .

غير أن معترضا قد يعترض على هذا التوجه بالقول بأن المشرع نص في نفس مدونة تحصيل الديون العمومية في المادة 134 على أنه: ” يبقى الإكراه البدني في ميدان تحصيل الغرامات والإدانات النقدية خاضعا للفصول 675 إلى 687 من قانون المسطرة الجنائية ( و هي ما يقابل المواد من 633 إلى 647 من قانون المسطرة الجنائية الحالي ) ” ، و أنه بالرجوع إلى مقتضيات قانون المسطرة الجنائية سنجدها تنص في المادة 638 على إمكانية تطبيق الإكراه البدني في المبالغ التي تقل على مبلغ 8000.00 درهم . وبالتالي فإن القول بعدم مواجهة المحكوم عليهم بغرامات و إدانات نقدية بالإكراه البدني قول مردود من جهة الإشارة في المادة 638 من ق م ج على إمكانية تحديد مدة الإكراه بين 6 أيام و 22 يوما ، و بكون قانون المسطرة الجنائية صدر بعد صدور مدونة تحصيل الديون العمومية و بالتالي فإنه نسخ أحكام هذه الأخيرة .

إن المنطق الذي يسير به هذا الاتجاه مجانب للصواب مجانبة صريحة لا تحتمل التأويل ؛ ذلك أنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 134 من مدونة تحصيل الديون العمومية نجدها تنص على بقاء الإكراه البدني في مجال تحصيل الغرامات و الإدانات النقدية فقط دون غيرها لما هو منصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية ، و بالتالي فإن ما تبقى من مشتملات مفهوم الديون العمومي وفق ما جاء بالمادة 2 من مدونة التحصيل لا يخضع من حيث التحصيل لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية . مما تكون معه هذه المادة مادة إحالة فيما يتعلق بشق معين من الديون العمومية لا غير .

و على ذلك فإننا سنكون ملزمين بالرجوع إلى المقتضيات الواردة بقانون المسطرة الجنائية. و بتفحص هذه المقتضيات سنجدها تحدد الجهات و المسطرة أو الإجراءات التي يتعين سلوكها من أجل تطبيق مسطرة الإكراه البدني و كيفية المنازعة فيها و سلطات قاضي تنفيذ العقوبة بهذا الخصوص . و من بين تلك الأحكام سنجد ما نصت عليه المادة 638 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها : ” تحدد مدة الإكراه البدني من بين المدد المبينة بعده ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك:
ـ من ستة أيام (6)إلي عشرين يوماً (20) إذا كان مبلغ الغرامة أو ما عداها من العقوبات المالية يقل عن ثمانية آلاف درهم (8000)؛ … ” .

إن القراءة الصحيحة لمقتضيات هذه المادة ستجعلنا أمام معطى واحد مفاده أن واضع أحكام قانون المسطرة الجنائية كان أكثر ذكاء عندما صاغ المادة المذكورة. و يظهر ذلك من خلال إيراده لعبارة غاية في الأهمية في مقدمة المادة المذكورة ، و يتعلق الأمر هنا بعبارة : ” ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك” .

إن هذا الاستثناء يعني مجموعة من الأمور أهمها أن مشرع قانون المسطرة الجنائية أخذ بالمقتضيات الواردة بمدونة تحصيل الديون العمومية بخصوص عدم إمكانية تطبيق مقتضيات الإكراه البدني متى تعلق الأمر بغرامات و إدانات نقدية لا تتجاوز قيمتها 8000.00 درهم ؛ على اعتبار أن مدونة تحصيل الديون العمومية تعتبر قانونا خاصا في هذه النقطة ما دام قد وضع أحكاما استثنائية لمبالغ الديون العمومية التي تقل قيمتها على 8000.00 درهم ، و ما يؤكد ذلك ما نصت عليه المادة 262 من مدونة الجمارك التي جاء فيها : ” يطبق الإكراه البدني بشأن العقوبات المالية المتعلقة بجنح أو مخالفات جمركية وتحدد مدته على النحو التالي رغم كل الأحكام المخالفة لهذا الفصل :
– من سنة واحدة إلى سنتين بالنسبة للجنح الجمركية ؛
– من 6 أشهر إلى سنة بالنسبة للمخالفات الجمركية من الطبقة الأولى والثانية ؛
– من شهر واحد إلى 6 أشهر بالنسبة للمخالفات الجمركية من الطبقة الثالثة والرابعة. ” وكما هو معلوم فإن مقتضيات هذه المادة إذا ما ربطناها بما جاء بمقدمة المادة 638 من ق م ج سنجدها بمثابة قانون خاص يجب تطبيقه و تنفيذ أحكامه بالرغم من كل الأحكام المخالفة سواء ما تضمنته مدونة تحصيل الديون العمومية أو تلك التي جاءت في قانون المسطرة الجنائية .

و بخصوص نفس عبارة : ” ” ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك” فتفيد بأن المشرع و إن كان قد نص على تحديد مدة الإكراه البدني في الغرامات التي تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم ، فإن ذلك لا يعتبر نسخا لما جاءت به مدونة تحصيل الديون العمومية خاصة و أن الاستثناء الذي أكد عليه المشرع في مقدمة المادة 633 من ق م ج ترك أحكام المادة 77 من مدونة تحصيل الديون العمومية باقية من حيث النفاذ باعتبار أن المدونة تعتبر قانونا خاصا بمفهوم قانون المسطرة الجنائية ، زيادة على ذلك فإنه بالرجوع إلى مقتضيات المادة 756 من قانون المسطرة الجنائية سوف لا نجد من بين مشتملاتها ما يشير إلى إلغاء أي مقتضى من مقتضيات مدونة تحصيل الديون العمومية .

و خلاصة القول في هذا السياق ؛ أن نظرة المشرع لتطبيق مسطرة الإكراه البدني في الديون العمومية متى تعلق بالغرامات و الإدانات النقدية تقل قيمتها على مبلغ 8000.00 درهم كانت نظرة حقوقية بغض النظر عن موجبات هذه النظرة هل هي المصلحة المالية المهدورة مقابل التكلفة اللازمة لإيواء المكره خلال مدة إكراهه أو بناء على نظرة مرتبطة بسلبيات الاعتقال الاحتياطي و الحد من حريات الأفراد . لذلك وجب علينا الوقوف على التوجه العام للعمل القضائي في هذا الصدد و تحديد المسؤولية القانونية المترتبة عن خرق مقتضيات الأحكام المشار إليها أعلاه . و هو ما سنتناوله في المبحث الثاني .

المبحث الثاني الآثار القانونية المترتبة عن خرق قواعد الإكراه البدني في الديون العمومية التي تقل قيمتها عن 8000.00 درهم

إن التزام السلطة القضائية بحدود اختصاصاتها في التعامل مع القواعد القانونية يجعلها في منأى عن أي تدخل في أية سلطة أخرى ، و بالتالي فإن مقتضى هذا الالتزام أن يتولى القاضي تطبيق القانون بغض النظر عن المصالح التي يمكن أن تمس خاصة في الحالات التي يكون المشرع قد حسم فيها أمر تلك المصالح .

و مناسبة هذا القول أن التوجه القضائي عموما في مجال تطبيق مقتضيات الإكراه البدني بخصوص الغرامات و الإدانات النقدية التي تقل قيمتها على 8000.00 درهم جارية من خلال إصدار معظم قضاة تنفيذ العقوبات لأوامرهم بتطبيق الإكراه البدني بناء على مقتضيات البند الأول من المادة 633 من قانون المسطرة الجنائية من غير التفات لا إل الاستثناء الذي ورد بمقدمة المادة المذكورة و لا إلى ما جاءت به مدونة تحصيل الديون العمومية ، و مسايرة قضاة النيابة العامة لهذا التوجه بذريعة تطبيق الحكم القضائي و احرتم مقتضياته . لذلك جاز لنا التساؤل حول الآثار القانونية التي يمكن أن تترتب عن هذا التوجه سواء بالنسبة للقضاء أو بالنسبة لطرق مواجهة التطبيق الخاطئ لمقتضيات الإكراه البدني في الغرامات و الإدانات النقدية التي يقل مبلغها عن 8000.00 درهم ، وذلك من خلال الآثار القانونية المترتبة على تطبيق الإكراه البدني في الغرامات و الإدانات النقدية التي تقل على 8000.00 درهم و كذا بسبل مواجهة هذا الإكراه و ذلك بصورة مقتضبة .

من أهم النتائج التي يمكن الوقف عليها هو ضرورة النظر في الوصف القانوني الذي يمكن أن نعطيه لتطبيق الإكراه البدني في مواجهة الأشخاص المدينين للخزينة العامة بغرامات و إدانات نقدية تقل على مبلغ 8000.00 درهم ، و في هذا الصدد يمكن الوقوف عند نقطتين: الأولى تتعلق بالخطأ القضائي و الثانية تعلق بالاعتقال التعسفي .

فيما يتعلق بالخطأ القضائي ؛ هل يمكن الحديث عن الخطأ القضائي إذا ما تم تطبيق الإكراه البدني في حق المدينين بغرامات و إدانات نقدية تقل على 8000.00 درهم ؟

إن مفهوم الخطأ القضائي يمكن تعريفه من خلال مجموعة من المقومات منها ما يتعلق بتطبيق قاعدة قانونية واضحة بعد حسن قراءتها ؛ و بالتالي فإن خرق أية قاعدة قانونية واضحة و غير مبهمة بصورة خاطئة يعتبر خطأ قضائيا يحق لمن تضرر منه أن يطالب بالتعويض عنه ، خاصة و أن الدستور المغربي لسنة 2011 قد ارتفع بمفهوم الخطأ القضائي و وجوب التعويض عليه إلى مرتبة القاعدة الدستورية التي أصبحت ملزمة للجميع ، بما في ذلك القضاء نفسه و هو ما أصبح يكرسه القضاء في مجموعة من الحالات . و و لكن كيف يمكن تصور الخطأ القضائي في مثل هذه الحالات ؟

إن القراءة الجيدة لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية و مدونة تحصيل الديون العمومية ستجعلنا نقف عن الحقيقة المستخلصة من التحليل أعلاه ، و التي مفادها عدم جواز تطبيق الإكراه البدني متى كام مبلغ الغرامات و الإدانات النقدية يقل على مبلغ 8000.00 درهم . و بالتالي فإن اي اتجاه مخالف لهذه الأحكام ستكون بمثابة خطأ قضائي بغض النظر عن حسن أو سوء نية في تطبيق القانون . و لا يمكن الاحتجاج بكون المصالح المالية للخزينة العامة ستتضرر من جراء عدم تنفيذ الإكراه البدني ؛ لأن ذلك لم يقل به المشرع و إنما هو من خالص التفسير الواسع المبني على افتراض الغاية التشريعية . و هو افتراض غير صحيح ، إذ لو كان كذلك لعمل المشرع ذاته على جعل الإكراه البدني شاملا لجميع المبالغ مهما بغلت تفاهتها متى تعلق الأمر بدين عمومي .

و بالتالي فإن صورة الخطأ القضائي في تطبيق قاعدة قانونية صريحة ستكون متحققة في مثل هذه الحالات .

و أما فيما يتعلق بفرضية الاعتقال التعسفي أو التحكمي ، فإننا نجد أن المشرع الدستوري نص في الفصل 23 من دستور 2011 على أنه : ” لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته ، إلا في الحالات و طبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون . الاعتقال التعسفي أو السري أو الاختفاء القسري ، من أخطر الجرائم ، و تعرض مقترفيها لأقسى العقوبات ” . و هذه القاعدة الدستورية نجد لها امتدادا في التشريع الجنائي الساري النفاذ ، إذ نجد كلا من الفصلين 225 و 226 من القانون الجنائي تنظمان حالة الاعتقال التحكمي الذي يتم خارج نطاق القانون ، و قد تشدد المشرع في مسودة القانون الجنائي المعروضة للنقاش في أحكام الاعتقال التعسفي ما دام أنه تجسد في صورة وضع حد للحريات الأساسية للأفراد و على رأسها حرية الحركة و التنقل دون مبرر قانوني ، و من غير سند واضح. و تفيدنا مقتضيات الفصل 226 من القانون الجنائي على أن القاضي الذي يضع حدا لحرية الشخص يتحمل مسؤوليته الشخصية في الشق المدني و كذا مسؤولية الدولة مع احتفاظها بحق الرجوع على عليه ، خاصة وأنه لا يمكن تصور أن الأمر الذي يمكن أن يصدره القضاء مجسدا في قاضي تطبيق العقوبات سيصدر بناء على تعليمات من الرؤساء لكون عمل قاضي تطبيق العقوبة شأنه شأن عمل باقي القضاة يجب أن يتأسس على تطبيق القانون و أن تصدر أحكامه بمفهومها العام وفق التطبيق العادل للقانون كما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 110 من الدستور .

و على ذلك فإن وضع أي شخص رهن تدابير الإكراه البدني متى تعلق الأمر بغرامات و إدانات لا تتجاوز قيمتها مبلغ 8000.00 درهم يعتبر صورة من صور الاعتقال التعسفي أو التحكمي الذي يدخل تحت طائلة القانون . و في هذا السياق يجب التساؤل حول موقف النيابة العامة من أمر و قرار قاضي تطبيق العقوبة في مثل هذه الحالات ؟ هنا وجب التذكير بمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 110 و التي تلزم قضاة النيابة العامة بضرورة تطبيق القانون و في حالة خضوعهم للتعليمات التي يتلقونها من رؤسائهم فإن هذه التعليمات يجب أن تكون كتابية و قانونية و لا تفي صفة واحدة فيها ، و من جانب كون التعليمات التي تتعلق بالإكراه البدني أن تكون قانونية بمعنى أن تراعي الأحكام القانونية و إلا فإن الالتزام الدستوري بضرورة تطبيق القانون و الخضوع لحكم القانون سيكون سببا في تحقق المسؤولية القانونية لقاضي النيابة العامة كما هو الحال بالنسبة لقاضي تطبيق العقوبة أو الرئيس أو من ينوب عنه في حالة المنازعة في إجراءات الإكراه البدني المتعلق بالغرامات و الإدانات النقدية التي تقل عن 8000.00 درهم .

خاصة و أن الاستمرار في تنفيذ المقررات القضائية المخالفة للقانون بصورة صريحة يعتبر من باب الخطأ القضائي لأن قرارات قاضي النيابة العامة لا تختلف عن قرارات قاضي الحكم من حيث كونهما يعتبران جزءا من السلطة القضائية التي أوكل لها الدستور مهمة الحفاظ و حماية حقوق و أمن و حريات الأفراد و الجماعات ، و لا يخفى في هذا السياق من كون مذكرات البحث التي تنشر في حق المكرهين في مثل حالة الدراسة هاته يمكن أن تتسبب إهدار حقوق أساسية كما هو الحال مثلا بالنسبة للأفراد الذي قد يوقفون بالمطار أو أية نقطة حدودية فتضيع منهم فرصة الحج أو العمرة أو السفر للخارج و ما يترتب عن ذلك من ضياع لفرصة العمل أو العلاج أو حتى الاستجمام ، فكل ذلك يعتبر فعلا مضرا و ماسا بحرية التنقل يوجب التعويض على أساس الخطأ القضائي .

غير أنه بالرغم من تحقق الأحكام المفصلة أعلاه ، فإننا نجد أنفسنا مضطرين للإشارة إلى الموقف القانوني الذي يمكن للمكره أن يسلكه بناء على مقتضيات قانون المسطرة الجنائية ذاتها .

إن قواعد المنازعة في الإكراه البدني لا تعدو أن تكون موحدة بين مختلف الحالات من حيث المسطرة . و من تمة ، فإنه من حق المكره أن يتقدم بطلب المنازعة في الإكراه أمام رئيس المحكمة طبقا لمقتضيات المادة 643 من قانون المسطرة أو في حالة المنازعة في تفسير مقرر قضائي متعلق بالإكراه البدني أمام الجهة المصدرة للمقرر القضائي المتنازع في تفسيره طبقا لمقتضيات المادتين 599 و 600 من نفس القانون ، وهو الأمر الذي يستتبعه صدور مقرر قضائي يجب أن يكون مترجما للأحكام الواردة أعلاه و سيكون بدوره خاضعا لأحكام المخالفات القانونية التي سبق التطرق إليها .

تلك إذن كانت أهم الأحكام المتعلق بمسطرة الإكراه البدني المتعلقة بمبالغ الغرامات و الإدانات النقدية التي لا يتجاوز مجموع مبلغها 8000.00 درهم .

إعداد:ذ/عبد الحكيم الحكماوي

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...