الحكامة الأمنية بالمغرب بين الهاجس السياسي والضمانات الحقوقية


الحكامة الأمنية بالمغرب بين الهاجس السياسي والضمانات الحقوقية

بخلاف العديد من الدول العربية التي لم تطرح فيها إشكالية الحكامة الأمنية إلا بعيد حراك الربيع العربي، كمصر وتونس وليبيا وغيرها، شكلت هذه المسألة بالمغرب قضية جدل ودراسة من طرف الفرقاء السياسيين ومختلف الفعاليات المدنية منذ بداية تسعينيات القرن 20، لأسباب ترجع بالأساس إلى عوامل حراك سياسي داخلي اتسم بفترة الخلافة على الحكم، وبعض الضغوط الدولية التي كانت تندد بانتهاكات حقوق الإنسان بالمغرب.

وقد أدى ذلك إلى توافق أهم مكونات الطبقة السياسية الحاكمة بالمغرب على تنقية الأجواء السياسية من خلال الشروع في سلسلة من الإصلاحات همت مختلف المجالات، بما فيها المجال الأمني. كما شكل إصلاح هذا القطاع موضوع سلسلة من الندوات، كندوة “إصلاح السياسات الأمنية..الواقع والمتطلبات” المنظمة من طرف المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف في أكتوبر 2008، والندوة التي نظمت في أبريل 2012 من طرف الهيئة نفسها تحت عنوان “الحكامة الأمنية والحراك الاجتماعي”، والتي شارك فيها حقوقيون إلى جانب مسؤولين أمنيين من وزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني.

تصفية التركة السياسية

لقد كان من أهم المبادرات السياسية التي اتخذها الملك محمد السادس العمل على تصفية التركة السياسية الثقيلة التي خلفها أسلوب الملك الراحل الحسن الثاني طيلة فترة حكمه التي دامت ما يقارب 38 سنة. ففي مواجهته لمعارضة سياسية تمثلت في قوى اليسار بزعامة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ومكونات الحركة الماركسية اللينينية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بالإضافة إلى بعض الانقلابات العسكرية أو العمليات المسلحة التي كان قد خطط لها الفقيه محمد البصري من خارج البلاد، وفي محاولة احتوائه لانتفاضات شعبية متعاقبة همت مدنا كبرى، كالدار البيضاء، وفاس ومراكش، وبعض مدن الشمال، لجأ نظام الملك الحسن الثاني إلى مختلف أنواع القمع والتنكيل؛ من تصفيات جسدية، واختطافات، وإخفاءات قسرية، ومحاكمات، وسجن لمدد طويلة، مما خلف عدة انتهاكات حقوقية كانت مثار انتقاد عدة أوساط حقوقية دولية ووطنية، والتي تجلت خاصة من خلال قضية معتقلات سرية؛ كسجن تزمامارت، وقلعة مكونة… وقضيتي اعتقال كل من الشاعر عبد اللطيف اللعبي، وأبراهام السرفاتي، وباقي المعتقلين السياسيين الذين كان النظام يرفض الاعتراف لهم بهذه الصفة السياسية.

ولمعالجة هذا الوضع، والتخفيف من هذه الضغوطات الدولية، اتخذ الملك الحسن الثاني، في بداية التسعينيات من القرن 20، إجراءات تهم بالأساس إطلاق ما تبقى من معتقلي سجن تازمامارت وهدم بناياته، وإصدار عفو شامل على العديد من المعتقلين السياسيين والمنفيين. كما عمل على تأسيس مجلس استشاري لحقوق الإنسان، ومنح تعويضات للمعتقلين الذين تعرضوا لانتهاكات من طرف الدولة. وبالموازاة مع ذلك، تم العمل على محاولة تلميع صورة المؤسسة الأمنية في نظر الرأي العام، من خلال اتخاذ مجموعة من التدابير كان من أهمها تغيير اللباس الرسمي للشرطة، والسماح للعنصر النسوي التابع لجهاز الشرطة بالظهور في الشارع العام، من خلال تنظيم حركة المرور على سبيل المثال.

وقد تابع الملك محمد السادس، بعد توليه الحكم في يوليوز 1999، تنقية هذا الجو؛ إذ بمجرد توليه العرش، اتخذ عدة مبادرات ذات دلالة سياسية وإعلامية قوية؛ من أهمها السماح لأبراهام السرفاتي، أهم معارضي نظام الحسن الثاني، بالعودة إلى البلاد، وتكليف السيد حسن أوريد، أحد أصدقاء الملك الجديد، باستقباله في المطار، كما رفع أيضا الإقامة الإجبارية عن شيخ جماعة العدل والإحسان عبد السلام ياسين، التي فرضها حكم والده على هذا المعارض الأصولي.

لكن إلى جانب هذه الإشارات السياسية ذات المنحى السياسي والدعائي، أظهر الملك الجديد عزمه على تكريس هذه السياسة من خلال تأكيده في أول خطاب للعرش، في 30 يوليوز 2000، على مواصلة سياسة تصفية تركة الانتهاكات الجسيمة التي خلفها حكم سلفه؛ حيث أعلن بهذا الصدد على ما يلي:

“(…) وفي هذا السياق الرامي إلى تركيز دولة الحق والقانون، أولينا عناية خاصة لحقوق الإنسان، وأحدثنا هيئة مستقلة للتحكيم بجانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتعويض الضحايا حرصنا على أن تعمل بكامل العدل والإنصاف والسعي للاستجابة لكل المطالب والطلبات المشروعة والانفتاح على مختلف الحساسيات. كما أصدرنا تعليماتنا السامية بأن تبذل أشكال التأهيل الطبي والإنساني وإعادة الاعتبار والإدماج الاجتماعي لذوي الحقوق، علما من جلالتنا بما للتعويض المعنوي والإنساني من أهمية خاصة في الطي النهائي لهذا الملف، غايتنا المثلى تضميد الجراح وفتح صفحة جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديمقراطي وعصري وقوي لمواجهة المشاكل الحقيقية والملموسة لأجياله الصاعدة (…) وسيرا على اعتماد الدمقرطة والعقلنة في مسلسل التحديث الشامل لمؤسساتنا، فقد قررنا إعادة النظر في الظهير الشريف المنظم للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما أننا قد أصدرنا توجيهاتنا السامية بخصوص ما ننتظره من هذا المجلس من مهام جليلة متجددة في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين مثلما نهض بوظائفه كاملة خلال العقد الذي نودعه. وسنسهر لهذه الغاية على تجديد تركيبته وكذا اختصاصاته وطريقة عمله، خاصة وأن المؤسسات الدولية المختصة بحقوق الإنسان تتطلع لجعل تجربته نموذجا متميزا في هذا المجال”.

ولتجسيد ملامح هذه السياسة، تم استقطاب مجموعة من المعتقلين السياسيين السابقين، كصلاح الوديع، وأحمد حرزني، وإدريس بنزكري، الذين أشرفوا على تنظيم جلسات لضحايا حقوق الإنسان في مختلف المدن والمناطق التي تعرض سكانها وأبناؤها لهذه الانتهاكات. كما تم تعيين السيد إدريس بنزكري، أحد القياديين السابقين في منظمة إلى الإمام، على رأس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ليخلفه بعد وفاته السيد أحمد حرزني الذي كان قد أثار الانتباه، خلال إحدى جلسات الاستماع لبعض ضحايا حقوق الإنسان، بأنه لا يعتبر نفسه ضحية من ضحايا نظام الحسن الثاني، بل كان أحد معارضيه.

كما اتخذت عدة مبادرات لإعادة الاعتبار لبعض المناطق التي عانت من التهميش بسبب مواقفها من نظام الحسن الثاني، كفتح مجموعة من الأوراش الاقتصادية والاجتماعية بالمناطق الشمالية للبلاد، والقيام بزيارات ملكية لبعض المناطق في الأطلس المتوسط، بالإضافة إلى الكشف عن مجموعة من المقابر الجماعية، سواء في الناظور أو الدار البيضاء وغيرها.

وفي هذا السياق أيضا، عيّن الملك محمد السادس هيئة الإنصاف والمصالحة التي ترأسها أحد المعارضين السابقين، المرحوم إدريس بنزكري؛ حيث كلفت بكشف ماضي انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب من 1956 إلى 1999، ورد الاعتبار للضحايا وجبر الَأضرار وصيانة الذاكرة الوطنية وتحقيق المصالحة المجتمعية الشاملة. وقد رفعت هذه اللجنة تقريرها الختامي للملك في 30 نونبر 2005 تضمن مجموعة من التوصيات تتعلق بالإصلاحات المؤسساتية وبإستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب.

إعادة هيكلة المؤسسة الأمنية

رغم التعثرات التي عرفتها مسيرة إصلاح القطاع الأمني بالمغرب، على إثر الأحداث الإرهابية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء في16 ماي 2003، وما ترتب عن ذلك من ملاحقات شابتها العديد من الخروقات، فقد عمل نظام الحكم على مواصلة إصلاح أجهزته الأمنية والاستخباراتية من خلال استبدال مسؤولين عسكريين بمسؤولين مدنيين؛ حيث تم، في هذا الإطار، تعيين ياسين المنصوري على رأس مديرية المستندات والوثائق، بعدما كانت طيلة العقود السابقة حكرا على العسكريين، كان آخرهم الجنرال عبد الحق القادري الذي ترأس هذا الجهاز لأكثر من 17 سنة. كما عمل نظام الحكم أيضا على استبدال المدراء العامين للأمن الذين كانوا ينتمون إلى فترة تحكم وزير الداخلية السابق إدريس البصري في وزارة الداخلية وما تميزت به هذه الفترة من انتهاكات جسيمة وخروقات أمنية. وهكذا تم تعيين مجموعة من الشخصيات المدنية، بداية بأحمد الميداوى، وانتهاء بالضريس الذي خلف الجنرال حميد العنيكري الذي لم يعمر طويلا على رأس هذا الجهاز، ليتم بعد ذلك تعيين بوشعيب الرميلي بتزامن مع تعيين حكومة عبد الإله بنكيران.

منح صفة ضابط الشرطة القضائية لضباط مديرية مراقبة التراب الوطني

استطاعت حركة 20 فبراير أن تثير الرأي العام الوطني والدولي بشأن عمل مديرية مراقبة التراب الوطني (المخابرات المغربية) بتنظيمها مسيرة شعبية نهاية مايو 2012 إلى البناية التي تعمل فيها بمنطقة تمارة قرب الرباط، وقررت الاعتصام أمامها على أساس أنها معتقل سري يعذب فيه المعتقلون، إلا أن قوات الأمن المغربية فرقت هذه المسيرة بالقوة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد أثيرت في المغرب ضجة بشأن قيام عناصر من الأجهزة الأمنية المغربية باستجواب متهمين بتكليف من المخابرات الأمريكية، مثل ما جاء في تقرير “ديك مارتي”، وهو سيناتور سويسري تكلف بمهمة القيام بالبحث عن المعتقلات السرية التي استعملها المحققون الأمريكيون خارج تراب الولايات المتحدة . وعلى إثر ضغط الشارع، فتحت السلطات المغربية أبواب هذا المكان في وجه الوكيل العام للملك (النائب العام) بالرباط ورؤساء الكتل البرلمانية، وقد نفى الجميع وقتها وجود أي معتقل سري بضواحي مدينة الرباط.

وبالموازاة مع ذلك، قدمت الحكومة مشروع قانون يمنح لضباط ومدير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني صفة ضباط الشرطة القضائية؛ حيث تنص المادة 20 من هذا المشروع على أن صفة ضابط الشرطة القضائية يحملها، بالإضافة إلى المدير العام للأمن الوطني (الشرطة) وضباط الدرك الملكي (جهاز أمني يعمل خصوصا في البوادي والمناطق القروية) وغيرهم، “المدير العام لإدارة مراقبة التراب الوطني وولاة الأمن والمراقبون العامون للشرطة وعمداء الشرطة وضباطها بهذه الإدارة”. وقد تمت المصادقة على هذا المشروع الذي يأتي في إطار تغيير وتتميم بعض الفصول المتعلقة بقانون المسطرة الجنائية المغربية، الشيء جعل هذا الجهاز السري يكتسب شرعية قانونية.

التكريس الدستوري للمؤسسة الأمنية

بعد الحراك السياسي الذي عرفه المغرب منذ فبراير 2011 في إطار الحراك الذي عرفته المنطقة العربية، تمت المصادقة على دستور فاتح يوليوز 2011 الذي أقر مجموعة من الحقوق الفردية الأساسية، كالحق في الحياة، مجرما أي مس بسلامة الشخص الجسدية أو المعنوية، ومحرما أي شكل من أشكال التعذيب، الشيء الذي انعكس من خلال الفصول 20- 21- 22 و23. بالإضافة إلى ذلك تمت، لأول مرة في تاريخ المغرب، دسترة المؤسسة الأمنية من خلال إحداث مجلس أعلى للأمن، بصفته هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر أيضا على مؤسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. يرأس الملك هذا المجلس، وله أن يفوض لرئيس الحكومة صلاحية رئاسة اجتماع لهذا المجلس، على أساس جدول أعمال محدد.

يضم المجلس الأعلى للأمن في تركيبته، علاوة على رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الوزراء المكلفين بالداخلية، والشؤون الخارجية والعدل، وإدارة الدفاع الوطني، وكذا المسؤولين عن الإدارات الأمنية، وضباطا سامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس. ويحدد نظام داخلي للمجلس قواعد تنظيمه وتسييره.

لكن على الرغم من كل هذه الإجراءات، فما زالت المؤسسة الأمنية تحتاج إلى مواصلة إصلاحها من خلال العمل على الموازنة بين ضمان حماية النظام كما كرسه الملك الراحل الحسن الثاني، وضمان الأمن اليومي للمواطن دافع الضرائب الذي ما زال لم يدخل بعد ضمن الإستراتيجية الأمنية للدولة. ولعل مواصلة هذا الإصلاح تتطلب العمل على اتخاذ مجموعة من الإجراءات تتمثل بالأساس في:

– الزيادة في عدد رجال الأمن لتدارك الخصاص المهول بهذا الشأن مقارنة بدول تتوفر على تركيبة سكنية مشابهة للمغرب، مع تمكين رجال الأمن، خاصة أولئك الذين يشتغلون في الأحياء الشعبية، من مختلف الموارد المالية واللوجستكية، من هاتف ووسائل التنقل وكاميرات للمراقبة، وضمان تغطية صحية ملائمة.

– انفتاح المؤسسة الأمنية بشكل أكبر على مكونات المجتمع المدني، من خلال المشاركة في الندوات أو برامج تلفزية أو إذاعية أو صحافية، والتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني في تنظيم حملات للتوعية أو في إطار الحملات التطهيرية، والإنصات لمطالبها في ما يتعلق بمحاربة الجريمة أو الانحراف في أوساط وفئات الشباب أو اليافعين أو حتى الأطفال.

– إنشاء جامعات عليا لتخريج أطر عليا وأكاديميين في المجال الأمني.

– إخضاع المؤسسات الأمنية للرقابة البرلمانية، من خلال مناقشة ميزانياتها الفرعية، واستجواب مسؤوليها.

– السماح لرجال الأمن بتنظيم أنفسهم في جمعيات ووداديات على غرار جمعيات ووداديات القضاة وغيرهم.

– الإسراع بتفعيل المجلس الأعلى للأمن وضمان الشروط الفعلية لخروجه إلى حيز الوجود.

– العمل بالتدريج على وضع الأجهزة الأمنية (شرطة ضبطية، وقضائية، وإدارية…) تحت إمرة رئيس الحكومة، في حين تبقى المؤسسة العسكرية تحت إمرة الملك بوصفه القائد الأعلى للجيش.

.hespress.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...