الحماية القانونية للطفل بين مدونة الاسرة ووالمواثيق الدولية 


                         الحماية القانونية للطفل بين مدونة الاسرة ووالمواثيق الدولية 
مقدمة :
تعتبر الأسرة البنية الأساسية التي تضمن بقاء المجتمع و إستمراره. فالمجتمع بدون أسرة لا استمرارية له، و على هذا المجتمع أن يوفر الحماية اللازمة لكل أفراده في إطار القانون، ولعل الفئة التي ينبغي أن تحاط بالرعاية القصوى هي فئة الأطفال.
ولقد اعتنى المغرب منذ فجر التاريخ الإسلامي به ، بالإنسان بصفة عامة و بالأطفال بصفة خاصة، فكانت الشريعة الإسلامية السمحاء هي المطبقة ، وإستمرت الى حد الآن باعتبارها المصدر الأساسي لأحكام مدونة الأسرة[1] ، التي شكلت اللبنة الأساسية لتنظيم الأسرة المغربية تنظيما محكما يساير من جهة الشريعة الإسلامية ، مادام أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للدولة المغربية ، و تساير من جهة أخرى الإتفاقيات الدولية التي تهم مجال الأحوال الشخصية بصفة خاصة .
وقد أولت هذه المدونة عناية مميزة للطفل الذي لم يبلغ بعد سن الرشد القانوني[2]، وأكدت في ديباجتها على ضرورة: ” الحفاظ على حقوق الطفل، بادماج مقتضيات الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب في صلب المدونة “. وانطلاقا من هذه الديباجة وما دام المغرب قد صادق على مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي لها علاقة بالطفولة خاصة اتفاقية حقوق الطفل سنحاول ي هذا البحث الوقوف على مدى مسايرة مدونة الأسرة في موادها لما تم تقريره ببعض الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب والتي ستتم الإشارة إليها في هوامش هذا البحث عندما نتناول بعض مقتطفاتها.” وما دام أن الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع و البيئة الطبيعية لنمو و رفاهية جميع أفرادها و بخاصة الأطفال ، ينبغي أن تولي الحماية و المساعدة اللازمتين لتتمكن من الإضطلاع بمسؤوليتها داخل المجتمع”[3] .
و هو ما استجاب له المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة، حينما أفردت لحماية الأطفال عناية خاصة، مراعية ي ذلك بعض الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب سواءا أثناء قيام العلاقة الزوجية ( المبحث الأول)أو بعد انفصام تلك العلاقة (المبحث الثاني).

المبحث الأول :
حماية الأطفال أثناء قيام العلاقة الزوجية من خلال مدونة
الأسرة وبعض الإتفاقيات الدولية ذات الصلة

لعل الغاية العظمى من تشكيل الأسرة بين رجل و امرأة هي الحصول على الخلف الصالح[4]، و حتى يتحقق صلاح هذا الخلف، ينبغي أن يحاط الأبناء بالعناية اللازمة منذ الوهلة الأولى لإزديادهم، بل وقبل ولادتهم[5].عندما يكونوا أجنة في بطون أمهاتهم، بيد أن العناية و الحماية تكون ملحة بشكل كبير بعد الولادة.
و تتجسد هذه الحماية بعد الولادة في الحق في أن يكون للمولود نسب(المطلب الأول)، وفي أن ينفق عليه (المطلب الثاني )، و في أن يكون محضونا (المطلب الثالث).

المطلب الأول: حماية الطفل في نسبه:

لقد كانت الشريعة الإسلامية سباقة الى المناداة بحماية حق الطفل في النسب، مصداقا لقوله تعالى ” ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله “[6].عن طريق محاربتها لكل ما يخالف الزواج الشرعي، الذي اعتبرته، المنبت الأصيل للأبناء[7]، لأنه في حماية النسب حماية للمجتمع و لإطمئنان الإبن نفسه، و لتوفير الرعايةو العناية بالطفل على أحسن وجه ممكن.
و قد سايرت الإتفاقيات الدولية هذا المنحى عندما أشارت الى هذا الحق، هكذا نجد المادة 7 من اتفاقية حقوق الطفل تنص “…ويكون له (الطفل) ، قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه و تلقي رعايتهما”و المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تنص على أنه ” يكون لكل ولد …حق على أسرته… في اتخاذ تدابير الحماية التي يقتضيها كونه قاصرا”[8]، والمادة 10 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية و اٌلإجتماعية و الثقافية التي تنص على “….وجوب منح الأسرة…أكبر قدر ممكن من الحماية و خصوصا بتكوين هذه الأسرة، و طوال نهوضها بمسؤولية تعهد الأولاد الذين تعيلهم…”[9]. لكن رغم ذلك يتجلى لنا أن الإتفاقيات الدولية لم تعر كبير الإهتمام لمسألة نسب الطفل بخلاف مدونة الأسرة التي اهتمت به بشكل كبير في القسم الأول من الكتاب الثالت من المدونة المعنون بالولادة و نتائجها.
و للإحاطة بهذا الموضوع أكثر نرى أن نعالج النسب في الزواج الصحيح(أولا)، قبل أن نعالجه في الزواج غير الصحيح (ثانيا) مع ابراز أهمية النسب بالنسبة للطفل في حياته الإجتماعية، وكذا في حالة عدم وجود الزواج(ثالثا).

أولا: حماية حق الطفل في النسب في الزواج الصحيح:

عندما ينعقد الزواج على الوجه الصحيح بسائر أركانه[10] تترتب عنه جميع الآثار القانونية بما في ذلك نسب الأبناء، و بالرجوع الى المادة 150 من م أ س نجدها تنص بأن :”النسب لحمة شرعية بين الأب و ولده تنتقل من السلف الى الخلف”.
لقد اعتبرت هذه المادة النسب لحمة شرعية بين الأب و ولده في حالة نشوئها عن زواج صحيح [11]، و تكون بالتالي ” البنوة شرعية بالنسبة للأب في حالة سبب من أسباب النسب …”[12].
و أسباب النسب حسب المادة 152 من م أ س هي الفراش، و الإقرار[13] والشبهة ، و عليه فمتى ازداد الولد لأقل مدة الحمل من تاريخ عقد الزواج و هي 6 أشهر يثبت نسبه لأبيه.
بهذا يتجلى أن المدونة وفرت حماية قانونية هامة لنسب الأطفال و وضحت حالاتها، لاسيما اذا كان الولد نتيجة زواج صحيح معتبر شرعا .فهل وفرت المدونة حماية للنسب في ظل الزواج الفاسد و الباطل؟ هذا سنحاول الإجابة عنه فيما يلي:

ثانيا: حماية حق الطفل في النسب في الزواج غير الصحيح:

قسمت مدونة الأسرة الزواج غير الصحيح الى قسمين زواج باطل( I) وزواج فاسد(II).

I- حماية حق الطفل في النسب في الزواج الباطل:

يكون الزواج باطلا طبقا للمادة57 من م أ س إذا اختل فيه الإيجاب و القبـول، أو إذا اعتراه أحد الموانع المؤبدة[14] أو المؤقتة المنصوص عليها في المادة 39[15] من نفس المدونة.فالزواج الباطل هو الزواج المنعدم الذي يمكن للمحكمة أن تصرح ببطلانه إما تلقائيا لأن البطلان في هذه الحالة هو من النظام العام أو إما بطلب ممن يعينه الأمر طبقا للمادة 58 من م أ س.
و يترتب عن هذا الزواج الباطل عند حسن النية ثبوت النسب. أما في حالة سوء النية فلا يمكن الحديث عن ثبوت النسب، و ذلك حتى لا يفتح المجال لمثل هاته العلاقات غير الشرعية و ترتكب عن عمد[16].

II- حماية حق الطفل في النسب في الزواج الفاسد:

قسمت المدونة الزواج الفاسد الى قسمين الفاسد لصداقه، و الفاسد لعقده.
فالفاسد لصداقه يفسخ قبل البناء و لا صداق فيه و يصح بعد البناء بصداق المثل المادة 60 من م أ س.
وأما الفاسد لعقده فيفسخ قبل البناء و بعده حسب نص المادة 61 من م أ س في الحالات التالية :
-” اذا كان الزواج في المرض المخوف لأحد الزوجين، إلا أن يشفى المريض بعد الزواج.
-اذا قصد الزواج تحليل المبثوتة لمن طلقها ثلاثا.
-اذا كان الزواج بدون ولي في حالة وجوبه”.
و تترتب عن الزواج الفاسد سواء لصداقه أو لعقده، اذا وقع فيه البناء جميع أثار الزواج الصحيح بما في ذلك ثبوت نسب الأطفال[17].
و هكذا يتضح لنا أن مدونة الأسرة كانت صريحة أكثر من الإتفاقيات الدولية ذات الصلة بخصوص حماية نسب الأطفال، وذلك بتشريعها أحكاما مفصلة تبين كيفية ثبوت النسب وكذا الآثار المترتبة عن ثبوته.
في حالة قيام الزواج سواء كان صحيحا أو باطلا أو فاسدا، رأينا كيف تقر فيه المدونة النسب، فما العمل في حالة انعدام الزواج و وجود أبناء؟ هل وفرت المدونة حماية لأنسابهم؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه فيما يلي:

ثالثا- حماية حق الطفل في النسب في حالة انعدام الزواج:

قد يولد الطفل خارج مؤسسة الزواج، و يعتبر من ثم غير شرعي فلمن ينسب في هذه الحالة، و قد يعتبر شرعيا حتى خارج مؤسسة الزواج كيف ذلك؟هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال الفقرة الموالية.

I- حماية حق الطفل في النسب خارج مؤسسة الزواج في اطار البنوة غير
الشرعية:

عندما تنتج البنوة بالنسبة للأم عن العلاقة غير الشرعية. يكون الولد غير شرعي و يلحق نسبه بنسبها.
و تثبـت البنـوة بالنسبـة للأم إمـا عـن طريـق واقعـة الـولادة، أو إقــرار الأم أو صدور حكم قضائي بها[18]. من هنا يتضح لنا جليا أن مدونة الأسرة كانت في صف نسب الطفل و حمايته حتى و لو نتج عن علاقة غير شرعية، و من هذا المنطلق لا يمكن لنا بتاتا أن نتصور أبوة غير شرعية بالمرة، حتى في الحالة التي يكون فيها الزواج باطلا مع توفر سوء نية الزوج فهنا لا يعتبر النسب قائما للطفل في حق أبيه. و ان جازلنا أن نتصور هنا بنوة غير شرعية للأب فعلية أو طبيعية أو عملية، و مع ذلك لا يترتب عنها أي أثر من آثار البنوة الشرعية طبقا للمادة 148 من م أ س، هنا يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن حريا بالمشرع المغربي أن يعترف بنسب الطفل لوالده في هذه الحالة ؟بل مع انزال عقوبة قاسية في حق من يتعمد سوء النية في الزواج الباطل، لأن الإبن أو الطفل لا ذنب له إن كان أبوه حسن النية أو سيء النية.

II- حماية حق الطفل في النسب خارج مؤسسة الزواج في إطار البنوة
الشرعية:

قد ينتج الولد عن علاقة غير شرعية و مع ذلك، اعتبرت مدونة الأسرة أن الإبن الناتج عن حالة الشبهة أو عن حالة الاغتصاب ابنا شرعيا مرة يلحق بأبيه ومرة يلحق بأمه.

1-الحالة الأولى : حالة الشبهة
هي الحالة التي يقع فيها الوطء بشبهة كمن اتصل بامرأة، ظنها زوجته وظنته زوجها، ففي مثل هذه الحالة يكون النسب شرعيا للمتصل، اذا ظهر بالمرأة المتصل بها حمل أثناء مدة الإستبراء. فهنا و حتى خارج الزواج أثبتت مدونة الأسرة في مادتها 155 النسب للطفل و اعتبرته شرعيا، كما أتت المدونة بجديد في المادة 156، عندما أقرت النسب حتى للخاطب للشبهة عندما تحول ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج و كان قد حصل الإيجاب و القبول بالشروط التالية:
” أ-اذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما و وافق ولي الزوجة عليها عند الإقتضاء.
ب-اذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة.
ج-اذا أقر الخاطبان أن الحمل منهما…..اذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء الى جميع الوسائل الشرعية في اثبات النسب”. و هذه المادة لن تستقر الا بالتطبيق القضائي الذي سيكشف عن عيوبها و مزاياها[19].
2-الحالة الثانية: حالة الإغتصاب
عندما تتعرض المرأة للإغتصاب، فالمدونة اعتبرت في هذه الحالة أن الإبن يكون نسبه شرعيا للأم، فقط طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 147 من م أ س التي جاء فيها” تعتبر بنوة الأمومة شرعية في حالة الزوجية و الشبهة و الإغتصاب، و لا ينسب لمرتكب فعل الإغتصاب. فحتى عندما تتعرض المرأة للإغتصاب راعى المشرع المغربي وضعها ووضعيتها النفسية و اعتبر الإبن شرعيا[20].
بعد أن أو جزنا حق الطفل في النسب من خلال مدونة الأسرة، و بعض الإتفاقيات الدولية، تبين أن المشرع المغربي كان أكثر تدقيقا و توضيحا و حرصا على النسب من الإتفاقيات الدولية،حيث جعلت المدونة النسب يثبت بالظن و لا ينتفي الا بالجزم و اليقين[21]. و هذا ليس بغريب عن المجتمع المغربي الذي يدين بالإسلام منذ ما يزيد عن أربعة عشر قرنا من الزمن، الذي حرص كما أوضحنا سابقا على العناية بالنسب عناية فائقة، لأن في العناية بنسب الطفل ضمان لإطمئنانه وحماية لشخصه كانسان كرمه الله عز وجل على سائر الكائنات، و لأن الأب و الأم هما الحضن الطبيعي و البيئة السليمة التي ينبغي للطفل أن يحي داخلها ، حتى يستقر نفسيا و معنويا و ماديا و أخلاقيا و دينيا، لأن الأسرة هي الخلية الطبيعية والأساسية في المجتمع ، ينبغي أن تحاط بالحماية اللازمة لتنهض بمسؤولية تربية الأبناء[22] أحسن تربية، حتى يضمن المجتمع استمراريته و صلاحه لأن هذا الأخير ما هو الا تجمع من الأفراد و هؤلاء الأفراد بهم يصلح المجتمع و بهم يفسد، و اذا صلح الفرد صلح معه المجتمع و كلما كان المجتمع صالحا ضمن الفرد استقراره اجتماعيا.
بعد أن تحدثنا عن حماية حق الطفل في النسب سنعالج فيما يلي حق الطفل في النفقة.

المطلب الثاني: حق الطفل في النفقة عليه:

لقد أقرت الإتفاقيات الدولية حق الطفل في النفقة هكذا، نجد المادة 27 في الفقرة الثانية من اتفاقية حقوق الطفل تنص:” يتحمل الوالدان…المسؤولية الأساسية عن القيام في حدود إمكانياتهم المالية وقدراتهم، بتأمين ظروف المعيشة اللازمة لنمو الطفل “، و تضيف نفس المادة في فقرتها الرابعة:” تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لكفالة تحصيل نفقة الأطفال “.
وقد نصت المادة 11 في فقرتها الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية: “تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجاتهم من الغذاء والكساء و المأوى…”، في حين نصت المادة 6 في فقرتها الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق”. لأنه اذا ضمن الإنسان أو الطفل النفقة عليه ضمن من ثم حقه في الحياة.
بهذا يتضح لنا أن الإتفاقيات الدولية حثت على الإنفاق على الأطفال، نظرا لأنهم عاجزون عن الإنفاق على أنفسهم، و بالتالي ينبغي أن يحاطوا بأكبر قدر من الحماية.
و هذه الإتفاقيات الدولية كلها قد صادق عليها المغرب، كما أوضحنا ذلك في موضع سابق من هذا البحث.
و اذا رجعنا الى المادة 27 في فقرتها الرابعة من اتفاقية حقوق الطفل نجدها، تؤكد بأنه يجب على الدول الأطراف أن يتخذوا كل التدابير الملائمة لضمان حصول الأطفال على نفقاتهم، نتساءل هل استجاب المشرع المغربي من خلال مدونة الأسرة الى ضمان تلك التدابير؟
للإجابة عن هذا السؤال نرى أن نمهد له، بنظر الدين الإسلامي الى النفقة وحثه عليها بشكل موجز لأنه من المصادر الأساسية لمدونة الأسرة في باب النفقة، وهكذا نجد في السنة النبوية الشريفة أن الرسول(ص) يحث أن ينفق الإنسان على أهله فقال (ص) “اذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة”[23]، فالنفقة هي القيام بشؤون المنفق عليه من مأكل وملبس ومسكن، فهذا الحديث الشريف يدل دلالة قطعية أن في النفقة على الأبناء الأجر والثواب، وهذا حث من الله عز وجل على لسان رسوله للأباء أو القادرين على الإنفاق لينفقوا قدر مستطاعهم. وهذا ما يؤكده قول الله عز وجل في الآية 7 من سورة الطلاق ” لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه ، فلينفق مما اتاه الله لا يكلف الله نفسا الا ما اتاها.”
وجاءت مدونة الأسرة مسايرة لهذا المنهج الإسلامي ، و خصصت القسم الثالث من الكتاب الثالث للنفقة، و حتى يتأتى لنا الإحاطة بحق الطفل في النفقة في ظل مدونة الأسرة ، لابد من تعريفها و تحديد طريقة تقديرها(أولا)، ثم توضيح أسبابها (ثانيا).

أولا-تعريف النفقة و تحديد طريقة تقديرها:

I- تعريف النفقة:

تعرف المادة 189 من م أ س النفقة بالنص على أنه:” تشمل النفقة الغذاء والكسوة و العلاج ، و مايعتبر من الضروريات و التعليم للأولاد مع مراعاة أحكام المادة 168 أعلاه”.
و عليه تشمل النفقة:
– الغذاء : أو الماكل و هو أساسي لحياة الفرد و نموه، و يجب أن يكون متوازنا وكافيا لسد الرمق.
-العلاج : أو التطبيب لأن الطفل أو الإنسان معرض للأمراض و ينبغي معالجته في حالة المرض.
– التعليم للأولاد : نظرا لما للتعليم من دور حاسم في نماء الفرد و تطوره، وعبرت بالأولاد و هم الأطفال[24].
– السكن : أو المأوى الذي يقيم به الإنسان و يستقر فيه، و يعتبر من مشمولات النفقة طبقا للمادة 168 من م أ س ، ويكون الأب ملزما بأن يهيء لأولاده محلا لسكناهم[25].
إن كل ما يعتبر من الضروريات يدخل تحت مفهوم النفقة،حسب مقتضيات مدونة الأسرة بالإضافة إلى أن المادة 201 منها جعلت أجرة الرضاع كذلك على المكلف بنفقته[26].

II- تقدير النفقة:

تنص المادة 189 في فقرتها الثانية من م أ س:”يراعى في تقدير كل ذلك (النفقة بمشمولاتها)، التوسط و دخل الملزم بالنفقة، و حال مستحقها، و مستوى الأسعار والأعراف و العادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة.”
هذه المادة بينت طريقة تحديد النفقة، و أبرزت مجموعة من المعايير التي ينبغي مراعاتها من طرف القاضي لتحديد النفقة[27].تتجلى في :
-مراعاة دخل الملزم بالنفقة و حال مستحقها:على القاضي عندما يريد تحديد النفقة أن يراعي الحالة الإقتصادية للملزم بالنفقة و المستحقة له ،و يقدرها حسب ما يتبث بين يديه من يسر أو عسر الملزم بالنفقة،و الحالة الإجتماعية لمستحقها .
-مراعاة مستوى الأسعار:يراعي كذلك القاضي حينما يقوم بتقدير النفقة الوضعية العامة للأسعارالمتعلقة بالسكن و المعيشة و الدراسة…
-مراعاة الأعراف و العادات السائدة في الوسط الذي تفرض فيه النفقة: كما يجب على القاضي أن يضع في حسبانه -و هو يقدر النفقة -الأعراف و العادات السائدة في مكان فرضها ، فمثلا عادات المدينة تختلف عن عادات القرية.
و في كل هذه الحالات على القاضي أن يراعي في تقديره للنفقة الوسطية و الإعتدال ضمانا لحق الملزم بالنفقة و المستحق لها في نفس الآن.

ثانيا:أسباب النفقة:

حددت الفقرة الثانية من المادة 187 أسباب النفقة في الزوجية و القرابة والإلتزام و مايهمنا في بحثنا هذا بالدرجة الأولى، هو النفقة على الأطفال، و عليه سنركز على نفقة الأب على طفله(I) ، و الإلتزام بالنفقة على الطفل (II).

I-نفقة الأب على طفله:

يستمر إنفاق الأب على أولاده الى حين بلوغهم سن الرشد(18 سنة) أو اتمام الخامسة و العشرين لمن يتابع دراسته، وتستمر نفقته على البنت الى حين زواجها أو الى حين توفرها على الكسب( المادة 198 من م أ س).
و في حالة عجز الأب عن الإنفاق على أبنائه، تجب نفقتهم على أمهم الموسرة بقدر عجز الأب (المادة 199 من م أ س )أما في حالة توقفه عن الأداء لمدة أقصاها شهر دون مبرر مشروع يكون مرتكبا لجنحة اهمال الأسرة( المادة 202 من م أ س). و يكون الحكم بالنفقة من تاريخ التوفق عن الأداء.
إن هذه المواد تدل دلالة قطعية على أن مدونة الأسرة فصلت فيما يجب أن يكون عليه الأمر بالنسبة لنفقة الأب على طفله، و في حالة التخلف عن النفقة أوجبت جزاءا جنائيا لضمان الحياة الكريمة للطفل.

II- الإلتزام بالنفقة على طفل:

قد يلتزم أي فرد بالإنفاق على طفل، اما لمدة محدودة أو لمدة غير محدودة ، وهذا الإلتزام يكون ملزما لصاحبه و سببا من أسباب النفقة طبقا للمادة 187 من م أ س و هو ما أكدته المادة 205 من نفس المدونة عندما نصت على أنه” من التزم بنفقة الغير صغيرا كان أو كبير لمدة محدودة ألزمه ما التزم به. و اذا كانت لمدة غير محدودة ، اعتمدت المحكمة العرف في تحديدها.”
و لعل الغموض الذي يعتري هذه المادة يتجلى في اعتماد المحكمة على العرف في تحديد مدة النفقة اذا كانت لمدة غير محدودة من الملتزم، و الدليل العملي لم يقدم جوابا لهذا الإشكال ففي حالة الإلتزام بالنفقة على الصغير لمدة غير محدودة هل سنراعي فيها أحكام المادة 198 من م أ س، و نقول بسقوطها ببلوغ الطفل سن الرشد أو 25 سنة ان كان يتابع دراسته أو بزواجها ان كانت بنتا أو قدرتها على الكسب؟ لنخلص فيما يتعلق بالنفقة أن مدونة الأسرة وضعت ضوابط محددة لحماية حق الطفل في حصوله على النفقة، و من ثم يكون المشرع المغربي قد ساير الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها و التزم بها ، في ميدان حماية الطفولة.
اذا كان هذا هو الأمر بالنسبة للنفقة على الطفل، فهل المشرع وفر ضمانات له فيما يتعلق بالحضانة؟ هذا ما سنراه في المطلب الموالي:

المطلب الثالث- حماية حق الطفل في الحضانة:

الحضانة مأخوذة من ” الحضن و هو مادون الإبط الى الكشح، و حضنا الشيء جانباه، و حضن الطائربيضه اذا ضمه الى نفسه تحت جناحه، و كذلك اذا ضمت المرأة ولدها، و عرفها الفقهاء بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير أو الصغيرة… وتعهده بما يصلحه، و وقايته مما يؤذيه و يضره و تربيته جسميا ونفسيا و عقليا”[28].
و الحضانة بهذا المعنى قد أشارت اليها بعض الإتفاقيات الدولية ، و من بينها المادة 27 في فقرتها الأولى من اتفاقية حقوق الطفل التي تنص ” تعترف الدول الأطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني والعقلي و الروحي والمعنوي والإجتماعي”. والفقرة 3 من نفس المـادة: ” تتخذ الــدول الأطـــراف… ولا سيما فيما يتعلق بالتغذية و الكساء و الإسكان”.و المادة 10 في فقرتها الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية التي تنص على ” وجوب منح الأسرة…أكبر قدر من الحماية و المساعدة…طوال نهوضها بمسؤولية تعهد و تربية الأولاد…”و الفقرة 3 من ذات المادة تنص على : ” وجوب اتخاذ تدابير حماية و مساعدة خاصة لصالح جميع الأطفال…”.و المادة 24 في فقرتها الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية التي جاء فيها:” يكون للولد دون تمييز…حق على أسرته و على المجتمع و على الدولة في اتخاذ تدابير الحماية التي يقتضيها كونه قاصرا”.
هكذا يتجلى لنا أن الإتفاقيات الدولية المشار الى بعض موادها أعلاه قد أجملت فيما يخص حق الطفل في الحضانة، فهل استجابت مدونة الأسرة و سايرت تلك المقتضيات فيما يتعلق بالحضانة؟
بالرجوع الى المدونة المذكورة نجدها قد نظمت مقتضيات الحضانة في القسم الثاني من الكتاب الأول في المواد من 163 الى 186 ، فعرفتها في المادة 163 على أنها : ” حفظ الولد مما قد يضره ، و القيام بتربيته و مصالحه”. و هي من واجبات الزوجين ما دامت العلاقة الزوجية قائمة ( المادة 164).
و قد اشترطت في الحاضن عدة شروط أبرزتها في المادة 173 بأن :
-الرشد القانوني لغير الأبوين:
بمعنى أنه عندما يكون الزوجان قاصرين اذا ما تزوجا باذن القضاء و كان لهما حضانة أولادهما .
– الإستقامة و الأمانة.
-القدرة على تربية المحضون و صيانته و رعايته دينا و صحة و خلقا ، و على مراقبة تمدرسه.
– عدم زواج طالبة الحضانة،الا اذا كان زوجها قريبا محرما أو نائبا شرعيا للمحضون. أو اذا كان المحضون صغيرا لم يتجاوز 7 سنوات أو يلحقه ضرر من فراقها ، أو اذا كانت بالمحضون علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.اذا كانت نائبا شرعيا للمحضون و سنفصل أكثر في هذه النقطة عندما سنتحدث في موضع لاحق من هذا البحث عن حماية الطفل بعد انفصام العلاقة الزوجية.
و تستمر الحضانة الى حين بلوغ المحضون سن الرشد القانوني للذكر و الأنثى على حد سواء(المادة 166 من م أ س)
وقد أوضحت المدونة في المادة 171 مستحقو الحضانة و ترتيبهم، فجعلتها للأم ثم للأب ثم لأم الأم، و في حالة تعذر ذلك فالمحكمة لها صلاحية تعيين الحاضن الأكثر افادة للمحضون[29].
هكذا اتضح لنا أن مدونة الأسرة أولت اهتماما خاصا بشؤون الطفل المحضون، وحددت شروطا خاصة بالحاضن ، و جعلتها أي الحضانة مستمرة الى حين بلوغ الطفل ثمانية عشر سنة كاملة أي سن الرشد القانوني، مستجيبة بذلك للإتفاقيات الدولية.
و في ختام هذا المبحث المتعلق بحماية حق الطفل أثناء قيام العلاقة الزوجية يجدر بنا أن ننوه بالمواد التي ساقها المشرع لتوفير الحماية القانونية و الفعلية للطفل في نسبه و النفقة عليه أو حضانته ، و هذه الحقوق ان احترمت تعد صمام الآمان والضمانة الحقة لحماية الأطفال و توفير الحياة الكريمة الآمنة المطمئنة للأسرة وللطفل بالدرجة الأولى.
فاذا كانت هذه الحقوق مضمونة في حالة قيام العلاقة الزوجية فكيف سيكون حال تلك الحقوق في حالة انفصام عراها ؟

المبحث الثاني: حماية الأطفال بعد انحلال ميثاق الزوجية من خلال مدونة
الأسرة وبعض الإتفاقيات الدولية ذات الصلة :

سبق لنا أن أوضحنا الحماية التي توفرها الإتفاقيات الدولية و مدونة الأسرة للطفل أثناء قيام العلاقة الزوجية و ركزنا فيها على حق النسب و حق النفقة و حق الحضانة لأنهم في اعتقادنا أهم الحقوق التي ينبغي توفيرها للطفل، و بتوفرها له يحيى حياة كريمة، خاصة أنه يعيش في كنف والديه و تحت رعايتهم ، لكن المسألة تحتاج لبعض التدقيق عندما ينحل ميثاق الزوجية.فكيف يتأتى للطفل أن يتمتع بحقوقه؟ ما موقف الإتفاقيات الدولية في هذا الصدد؟ و ماموقف مدونة الأسرة؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه فيما يلي:
بخصوص الإتفاقيات الدولية: نجد الفقرة 4 من المادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية تنص:” تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة لكفالة تساوي حقوق الزوجين وواجباتهما لدى التزوج و خلال قيام الزواج و لدى انحلاله.
و في حالة الإنحلال يتوجب اتخاذ تدابير لكفالة الحماية الضرورية للأولاد في حالة وجودهم”.و تنص المادة 3 في فقرتها الأولى من اتفاقية حقوق الطفل على أنه : ” في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال …يولى الإعتبار لمصالح الطفل الفضلى”. جاء في المادة 9 في فقرتها الأولى من نفس الإتفاقية:” تضمن الدول الأطراف عدم فصل الطفل عن والديه على كره منهما…هذا الفصل ضروري لصون مصالح الطفل الفضلي، و قد يلزم مثل هذا القرارفي حالة معينة…أو عندما يعيش الوالدين منفصلين و يتعين اتخاذ قرار بشأن محل اقامة الطفل “. و تنص المادة 12في فقرتها الأولى من ذات الإتفاقية “… تتاح للطفل ، بوجه خاص فرصة الإستماع اليه في أي اجراءات قضائية و ادارية تمس الطفل…”، وقد جاء في الفقرة الأولى من المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية: “تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل انسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية و العقلية يمكن بلوغه”.
تبرزهذه الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب ، كما أوضحنا سابقا ، أنه ينبغي أن تولي التشريعات الوطنية عناية خاصة للأطفال، في الحالة التي ينحل فيها ميثاق الزوجية ، حيث أتت اتفاقية حقوق الطفل بمبدأ مصالح الطفل الفضلى، و لكن لم توضح معناه تاركة الباب مفتوحا أمام هذه التشريعات الوطنية لتحديد المصالح الفضلى للطفل[30].
بالرجوع الى مدونة الأسرة نجدها قد خصصت الكتاب الثاني، لإنحلال ميثاق الزوجية واثاره في المواد من 70 الى 141. و نصت المادة 71 ” ينحل عقد الزواج بالوفاة أو الفسخ أو الطلاق أو التطليق أو الخلع “، و عليه تختلف أثار انحلال ميثاق الزوجية على الأطفال بينما اذا كان الزوج لازال على قيد الحياة(المطلب الأول)، وبينما اذا انحل الزواج بالوفاة(المطلب الثاني).
المطلب الأول : انحلال ميثاق الزوجية و أثره على حقوق الأطفال في
الحالة التي يكون فيها الزوج أو الأب مازال على قيد الحياة:

جعلت مدونة الأسرة انحلال ميثاق الزواج ، اما بالطلاق أو التطليق أو الطلاق بالإتفاق أو الخلع ، و أبرزت في المادة 80 على أن الإذن بالإشهاد على الطلاق يتضمن هوية الزوجين و مهنتهما و عنوانهما و عدد الأطفال ان وجدوا وسنهم ووضعهم الصحي و الدراسي، و جعلت انحلال ميثاق الزوجية في هذه الحالات يخضع لمساطر قضائية .و في هذه المساطر القضائية ضمانة أساسية لحقوق الأطفال، اذ أوضحت المادة 82 من م أ س :للمحكمة أن تبذل أقصى جهد ممكن للصلح. بما ذلك انتداب الحكمين أو مجلس العائلة [31]لإصلاح ذات البين و في حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح، و في حالة تعذر الإصلاح تحدد المحكمة طبقا المادة 83 مبلغا يودعه الزوج بكتابة ضبطها داخل أجل أقصاه ثلاثين يوما لأداء مستحقات الزوجة، و الأطفال المتجسدة في النفقة و السكنى، و إلا اعتبر الزوج متراجعا عن رغبته في الطلاق ( المواد من 84 الى 87 من م أ س).
و وفرت نفس الحماية لأطفال دعاوى التطليق ، اذ قبل أن تستجيب المحكمة لدعوى الزوجة بالتطليق وفق الأسباب المحددة في المدونة[32]. أن تبت في مستحقات الأطفال و نصت المادة 119 على أنه ” لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو بنفقتهم اذا كانت الأم معسرة ، و اذا أعسرت الأم المختلعة بنفقة أطفالها وجبت النفقة على أبيهم “[33] و حتى في اطار الإتفاق على الطلاق لا ينبغي المساس بحقوق الأطفال طبقا للمادة 114 من م أ س .
و هكذا ضمنت مدونة الأسرة حق الطفل في النفقة إلى حين بلوغه سن الرشد القانوني، كالطفل في أثناء قيام الحياة الزوجية المشار اليه سابقا في هذا البحث[34].كما حمت مدونة الأسرة حق المحضون عندما قضت بأن تكاليف سكناه هي مستقلة في تقديرها عن النفقة و أجرة الحضانة و غيرها (المادة 168 من م أ س)، و أكدت بأن زواج طالبة الحضانة يسقط حقها في الحضانة ماعـدا اذا تزوجــت بقريــب محــرم أو بالنائب الشرعي للمحضون أو كانت هي النائب الشرعي للمحضون ، أو كان المحضون صغيرا لم يتجاوز سبع سنوات ، أو يلحقه ضرر من فراقها أو كانت به علة أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم، و تبقى في جميع الأحوال نفقة المحضون واجبة على الأب ( المادتان 174 و 175 من م أ س).
كما أن” سكوت من له الحق في الحضانة مدة سنة بعد علمه بالبناء يسقط حضانته الا لأسباب قاهرة”( المادة 176 من م أ س)، و يجب على أب وأم المحضون و كل من علم بألحاق اضرار بالمحضون أن يعلم النيابة العامة لتقوم بواجبها( المادة 177 من م أ س ).
بهذا تكون المدونة قد وفرت الحماية للأم الحاضنة و أطفالها من حيث المسكن ،فلم تعد الحاضنة تطرد منه بعد انتهاء عدتها باعتبارها محتلة بدون سند ،أو بالإفراغ لعدم أداء الوجيبة الكرائية، فأصبحت المحكمة لها كامل الصلاحية للتدخل لضمان أجرة المسكن بتنفيذ الحكم على أموال المحكوم عليـــه و الإقتطــاع من منبـع الريـع أو الأجر الذي يتقضاه[35].
كما أن الحضانة لا تسقط بانتقال الحاضنة أو النائب الشرعي من مكان لآخر داخل المغرب، ما عـدا إذا تعــارض ذلك مــع مصلحــة المحضـون( المادة 178 من م أ س)[36].
اعتبرت المادة 135 من م أ س أن أقصى أمد الحمل هو سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة.و أن النسب يثبت بالظن، و لا ينتفي الا بحكم قضائي. وهذا ما كان المجلس الأعلى قد سار عليه في عدة قرارات[37].
بهذا فان المدونة تكون قد وفرت حماية للأطفال بعد انفصام عرى الزوجية في نفقتهم و حضانتهم و نسبهم [38]. لكن الأمر يحتاج للتدقيق عندما تنفصم عرى الزوجية بالوفاة.

المطلب الثاني : انحلال ميثاق الزوجية بالوفاة و أثره على حقوق الأطفال:

في الحالة التي ينحل بها ميثاق الزوجية بالوفاة، خاصة وفاة الزوج فان مدونة الأسرة لم توفر أية حماية تذكر للأطفال الأيتام، وبالتالي لم يساير المشرع المغربي الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها و أشرنا الى مقتضياتها سابقا. اللهم حق الطفل في الإرث، ان كان للهالك ما يورث أو كان الطفل موصى له أو منزلا منزلة الإبن.
أما في الحالة التي لا يكون فيها للهالك ما يورث، فيبقى الطفل عرضة للضياع و التشرد حيث جاء قانون الأطفال المهملين ليدخله تحت حكمه، و يبقى في هذا الإطار الدور الفعال للجمعيات الخيرية التي تعتني بهؤلاء الأطفال بدعم من المحسنين.

خاتمة:
و في ختام هذا البحث نؤكد بأن مدونة الأسرة حاولت ما أمكن الإستجابة للإتفاقيات الدولية وأبرزت عدة حقوق يتمتع بها الأطفال في مواجهة ابائهم وأهمها:
1-” حماية حياتهم و صحتهم منذ الحمل الى حين بلوغ سن الرشد.
2- العمل على تثبيت هويتهم و الحفاظ عليها ، خاصة بالنسبة للإسم و الجنسية والحالة المدنية.
3- النسب و الحضانة و النفقة طبقا لأحكام الكتاب الثالث من هذه المدونة
4- ارضاع الأم لأولادها عند الإستطاعة.
5- اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ على سلامتهم الجسدية و النفسية و العناية بصحتهم وقاية وعلاجا.
6- التوجيه الديني و التربية على السلوك القويم و قيم النبل المؤدية الى الصدق في القول و العمل و اجتناب العنف المفضي الى الإضرار الجسدي و المعنوي والحرص على الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل.
7- التعليم و التكوين الذي يؤهلهم للحياة العملية و للعضوية النافعة في المجتمع ، و على الأباء أن يهيئوا لأولادهم قدر المستطاع الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري و البدني” ( المادة 54 من م أ س ).
و اعتبرت نفس المادة الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال ورعايتهم طبقا للقانون.
بالإضافة الى الحقوق السالفة الذكر( النسب و الحضانة و النفقة) و التي تخص حماية الطفل في جسده، جاءت مدونة الأسرة بحماية لأموال القاصرين في كتابها الرابع الذي خصصته للأهلية و النيابة الشرعية في المـواد مــن ( 206 الى 276 من م أ س) فجعلت الأهلية إما أهلية وجوب أو أهلية تحمل ، فإكتساب الحقوق يكون للطفل منذ ولادته ، أما تحمل الإلتزامات فلا يقع على عاتق الفرد إلا إذا كان بالغا لسن الرشد –18 سنة – .ولقد جعلت المدونة سن التمييز محددا في 12 سنة كاملة، وقبل هذا السن يعتبر الصغير عديم الأهلية و تصرفاته تكون باطلة و لا تنتج أي آثر ( المادتان 217 و 242 من م أ س ) ، أما تصرفات الصغير المميز فهي تخضع للأحكام الآتية :
” 1- تكون نافذة إذا كانت نافعة له نفعا محضا.
2- تكون باطلة إذا كانت مضرة به .
3-يتوقف نفاذها إذا كانت دائرة بين النفع والضرر على إجازة نائبه الشرعي حسب المصلحة الراجحة للمحجور، و في الحدود المخولة لكل نائب شرعي ” ( المادة 225 من م أ س ) .
و أصبح سن الترشيد هو 16 سنة بدل 17 التي كانت في ظل مدونة الأحوال الشخصية، و أجازت المدونة للصغير البالغ سن الترشيد و لنائبه الشرعي –أبا كان أو أما أو وصيا أو مقدما أن يطلب من المحكمة ترشيده ، بحيث إذا أصدرت هذه الأخيرة حكمها بالترشيد يكتسب المرشد الأهلية الكاملة لتسلم أمواله و إدارتها والتصرف فيها ( المادة 218 من م أ س ) .
و جعلت النيابة الشرعية للأشخاص الآتي ذكرهم بالترتيب : الأب الراشد – الأم الراشدة –وصي الأب – وصي الأم – القاضي – مقــدم القاضــي ( المــادة 231 من م أ س) .
و المقصود بالرشد هو حسن إدارة و تسيير المال بصفة عامة، و في هذا قال المتحف:
الرشد حفظ المال مع حسن النظر وبعضهم له الصلاح معتبر.

ووسعت المدونة من مجال النيابة الشرعية عندما جعلتها من حق كل راع للقاصر، بقوة القانون، سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا كالمؤسسة المكلفة برعاية الأطفال فيما يخص شؤون القاصر الشخصية من تعليم و تطبيب و غيرها، في إنتظار أن يعين له القاضي المكلف بشؤون القاصرين مقدما، تفاديا لكل فراغ ( المادة 232 من م أ س ) . و أصبحت النيابة الشرعية تشمل الولاية على النفس و المال معا خلافا لما كان عليه الأمر في مدونة الأحوال الشخصية حيث كانت تشمل المال فقط.
و لا يخضع النائب الشرعي أبا كان أو أما لرقابة القضاء القبلية ، و لا يتم فتح ملف للنيابة الشرعية إلا أذا تجاوزت أموال القاصر 200 ألف درهم،و يجوز للقاضي المكلف بشؤون القاصرين النزول عن هذا الحد و الأمر بفتح ملف النيابة الشرعية متى رأى أن في ذلك مصلحة للقاصر ( المادة 240 من م أ س ).
و تنتهي الولاية على النفس و المال معا ببلوغ القاصر سن الرشد[39].
و على العموم فان المدونة سطرت مجموعة من الإجراءات و جاءت بجملة من المستجدات لحماية الأسرة عامة و الأطفال خاصة، و ربطت تطبيقها بسلطة القاضي فلن يكون لتلك المقتضيات أي أثر اذا لم يطبقها القاضي تطبيقا حسنا[40].
و في الأخير نقول أن المقتضيات القانونية لوحدها لا تكفي للنهوض بحقوق الطفل في بلدنا بل لابد من تظافر جهود الجميع. منقول


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

  العنف الأسري ضد الأطفال

                          العنف الأسري ...