الدكتور محمد كمال جمعة يناقش “الحكمة في زمن الكورونا”


الحكمة في زمن الكورونا

رسالة شكر من القلب

 

بقلم: د. محمد كمال جمعة

 

شكل انتشار فايروس الكورونا كارثة لأكبر وأعتى الدول في العالم، حيث أن هذه الدول لم تتمكن من حصره برغم وجود مراكزها الصحية المدججة بالأطباء والعلماء ومراكز بحوثها وقوتها الاقتصادية الهائلة، إلا أن استهتار مواطنيهم بهذا المرض وعدم التدخل الفوري والحاسم لحكامهم، وغشت أفئدتهم قدرات بلادهم الطبية عن أخذ الحيطة والحذر، جعل من هذا الفايروس سبباً لانقلاب هذه الدول وانتظارا منهم لرحمة السماء لإيقاف هذا المرض. ولإيمان سيدي وسيد الوطن جلالة الملك عبدالله بالله سبحانه وتعالى وإدراكه التام بأن الله قد أمر بأخذ الحيطة في انتشار المرض تصديقاً لقول الرسول الهاشمي صلى الله عليه وسلم (الفارّ من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف).

فقد عمل جلالته على الاستجابة السريعة وأخذ العبر فوراً مما حل ويحل بالدول من جراء هذا الوباء اللعين، فقد أصدر جلالة الملك أطال الله بقاءه توجيهاته السامية بالتعامل مع “أزمة الكورونا” لمنع انتشاره في الأردن، وقد قام بالتوجه الفوري إلى مركز الأزمات لتقييم أعمال السلطة التنفيذية التي توكل لها المهام العملية في الدولة، لمواجهة هذا الفايروس، وشدد جلالته على ضرورة الجاهزية التامة واستمراريتها لمواكبة كل التطورات المتعلقة بالفايروس لمواجهته بالسرعة اللازمة والكفاءة العالية، وأيضاً التواصل المستمر بشفافية مع المواطنين وذلك لزرع وبث الطمأنينة في النفوس، مع توضيح للإجراءات العملية على أرض الواقع حتى تكون هناك ثقة حقيقية بالإجراءات ولثقة قائد البلاد بوعي شعبه وقدرته على الالتزام التام بما تنفذه الحكومة من إجراءات إنما هي لصالح المواطنين دون كلل وملل، فالطيب لا يزرع إلا طيباً ولا يحصد إلا طيباً، كما قال الله تعالى ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾، فالحمد لله أننا من الشاكرين.

وقد كان من التوجيهات الملكية السامية بضرورة الاجتماع اليومي لكافة المسؤولين من وزراء ورئاسة أركان وقادة أجهزة في مركز الأزمات من أجل متابعة كافة التطورات المتعلقة بالفايروس لمنع انتشاره ومراقبته بشكل دقيق. وبالتالي فقد تم الإعلان عن العمل بقانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992، في جميع أرجاء المملكة اعتباراً من 17 مارس 2020، وذلك للحرص على سلامة المواطنين، وبناءً على ذلك فقد كانت استجابة الحكومة فورية، فكانت القرارات الصارمة الجريئة والقوية لتعطيل معظم مرافق الحياة وإغلاق الحدود والمعابر وعزل المواطنين الأردنيين القادمين من الخارج في فنادق البحر الميت وعمان لمدة 14 يوماً، وكانت الخطوة الحاسمة بإشراك الجيش صمام الأمان، هذه الخطوة التي لم يسبق الأردن لها إلا دولتان؛ الصين التي كانت مركز الوباء ومنها انتشاره لكافة أقطار العالم، واليابان التي كانت فيها أوائل الحالات التي انتشرت فيها الوباء خارج الصين من خلال سفينة الألماس والطلبة اليابانيون العائدون من الدراسة منووهان. وكان استقبال هذه الخطوة الجريئة كرأسمال سياسي يعي ويقدر دور الجيش في إدارة الأزمات، هذا الجيش العربي الصميم الذي يستمد أوامره مباشرة من قائد القوات المسلحة وقائد البلاد جلالة الملك، فأثبتَّيا سيدي الملك أنك النهر العظيم، تستمدُّ منه الأنهار الصغار ماءها، فعذبت تلك الأنهار لأن عذب مائك طغى على أُجاجها.

يا قِبْلَة َ القُصَّادِ يا تاجَ العُلا              يا بدْر هذا العصر في كيوانه

يا مُخجِلاً نَوْءَ السَّماء بجُودهِ             يا مُنْقذَ المحزونِ منْ أحزانه

وقد كانت التوجيهات الملكية السامية كدليل توجيه وعمل لكافة قطاعات الدولة من رئاسة الوزراء وقادة الجيش إلى أصغر عامل في دوائر البلديات والمحافظات للعمل على الحد من انتشار الفايروس، وكانت هذه الإجراءات كالترياق للخلاص من أزمة زعزعت دولاً عظمى، وجعلت من هذه التوجيهات منارة دربٍ يُحتذى بها، فدول مثل أمريكا وإيطاليا وبريطانيا واسبانيا، إصاباتها بعشرات الألوف وقتلاها بالألوف حتى أنها لم تعد تجد أسرّة لإيواء مرضاها، وأصبح أطباؤها ينزعون أجهزة التنفس من الحالات المستعصية وإعطاؤها لمن يقدّرون أنه قد ينجو، قد صغرت أمام الأردن لحكمة قائده ورجاحة عقله، حتى إذاعاتهم تتحدث عن نهج دولتنا كمثال للسرعة في الاستجابة للأزمات واحتوائها كما لم تماثلها أي دولةٍ قط.

وقد كان للحكومة بكافة أطيافها وأفرادها جهداً لا يُكال بموازين الذهب. فلا ننسى فضلكم أيها المقاتلين في أزقة هذا الوطن وردهاته، في كل أرجائه كنتم تسهرون على أمن المواطن، خوفكم على أمنه كخوف الأم على وليدها، قد لا يدرك وليدها سبب قسوتها أحياناً، ولكن عند الإدراك ينفطر الفؤاد وترقرق العين دمعها محبةً وإجلالاً. فرئيس الوزراء يواكب عن كثب مجريات الأمور، ويصدر الأوامر وفقاً لما خولته به الإرادة الملكية السامية، بعد إعلانها قانون الدفاع، فقد شرعت حكومة رئيس الوزراء باتخاذ كافة التدابير اللازمة للحيلولة دون تفاقم الوضع في الأردن نتيجة لوجود بعض الحالات، وقد التزم المواطنين بيوتهم تنفيذاً لقرارات الحكومة، وتم حجر الحالات، ومتابعة المواطنين الذين اختلطوا بمن يحملون المرض. وبذا فإن هذه الأمة تسير باتجاه بر الأمان من ويلات المرض بثلاث؛ ملكها القوي صاحب الحكمة والبصيرة، وتصرف أولي الأمر، وإخلاص عامليها، ومعهم بإذن الله إلى بر الأمان.

ونهاية مثلي مثل أي مواطنٍ في هذه الدولة العظيمة أشكر الله الذي منحنا فخرنا وعزتنا ملكنا الأعز علينا من أنفسنا (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ).


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...