الذكاء الاصطناعي يلج دهاليز المحاكم للبحث عن الحقيقة


        الذكاء الاصطناعي يلج دهاليز المحاكم للبحث عن الحقيقة

فى العصور القديمة، ساد الخلط بين القانون والدين، ومن مظاهر هذا الخلط أن كان الأفراد والقضاة يحتكمون إلى الآلهة، لتبين جانب الحق فى النزاع. ويتحقق ذلك من خلال إخضاع الناس أنفسهم لمبدأ المحنة (Ordalie)، مؤمنين بأن الآلهة ستقف فى جانب صاحب الحق. وقد أخذت كثير من القوانين القديمة بمبدأ المحنة، كما هو الشأن فى قانون مانو الهندى، والقانون الإغريقى القديم، والقانون الإنجليزى طيلة العصر الأنجلوسكسونى (449 – 1066م). كذلك، كان مبدأ الاحتكام إلى الله معروفاً فى أوروبا فى العصور الوسطى، وأبرز تطبيقاته هو «نظام المبارزة»، فكانت «المبارزة القضائية» (Duel judiciaire) معترفاً بها كوسيلة للإثبات وبالتالى كوسيلة لفض النزاع؛ فعند تعذر الوصول إلى الحقيقة فى النزاع المعروض أمام القاضى، يلجأ الطرفان المتنازعان إلى المبارزة فى ساحة المحكمة، معتقدين أن العناية الإلهية ستتدخل لنصرة صاحب الحق منهما.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بنظام عصرى للإثبات فى المعاملات المدنية والتجارية، يتلخص فى الحديث النبوى الشريف المروى عن ابن عباس، رضى الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر”.

وفى القوانين الحديثة، نظم المشرع وسائل الإثبات فى المعاملات المدنية والتجارية، مبيناً القاعدة العامة فى هذا الشأن، وهى: «على المدعى أن يثبت حقه وللمدعى عليه نفيه». وتبين التشريعات المعاصرة الأدلة المعتبرة فى الإثبات، مميزة بينها فى الحجية والقوة، بحيث تنص أولاً على «الأدلة الكتابية»، وهى المحررات الرسمية والمحررات العرفية ودفاتر التجار. وتتناول التشريعات العربية بالتنظيم حالة إنكار الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة الأصبع، وبحيث تقرر اتباع سبيل «تحقيق الخطوط» للوصول إلى الحقيقة. وبعد الأدلة الكتابية، تأتى شهادة الشهود فى حدود ونطاق معين. وتنص تشريعات الإثبات أيضاً على القرائن والأحكام القضائية التى حازت قوة الأمر المقضى. كذلك، يعتبر الإقرار القضائى حجة على المقر، ولا يقبل منه الرجوع فيه. وتجيز التشريعات المعاصرة أيضاً استجواب الخصوم وتوجيه اليمين، حيث يتم التمييز عادة بين اليمين الحاسمة واليمين المتممة. وتجدر الإشارة هنا إلى أحد الأحكام القانونية المقررة فى معظم التشريعات العربية، وهو أن «كل من وجهت إليه اليمين، فنكل عنها دون أن يردها على خصمه، وكل من ردت عليه اليمين فنكل عنها، خسر دعواه».

مقال قد يهمك :   رشيد مشقاقة: الكتب المدرسية لا تصنع قانونا !!

ومع ظهور الحاسب الآلى وشبكة الإنترنت، خرجت إلى الوجود «الكتابة الإلكترونية» و«المحررات الإلكترونية» و«السجلات والمستندات الإلكترونية»، بحيث قرر لها المشرع ذات الحجية المقررة للكتابة والمحررات الرسمية والعرفية، متى استوفت الشروط والأحكام المقررة فى قوانين المعاملات والتجارة الإلكترونية. ونعتقد بأن المستقبل سوف يحمل تغييراً فى طرق الإثبات، بحيث يتوارى دور الوسائل التقليدية، ومن بينها اليمين ومضاهاة الخطوط، ويتم الاستفادة من معطيات التكنولوجيا الحديثة فى الإثبات بدلاً من اللجوء إلى هذه الطرق التى تعتمد على العنصر البشرى والقناعات الشخصية ومدى صدق الشخص مع نفسه والتزامه أمام ربه. وفى هذا الصدد.

يبدو من الملائم الإشارة إلى أن علماء من جامعة كارديف البريطانية ابتكروا برنامجاً للذكاء الاصطناعى، يطلق عليه اسم (VeriPol)، للتعرف إلى الكاذب من تحليل خط يده.

ويستطيع أى مركز للتحقيق أو أى جهة خاصة أو رسمية تحميل هذا البرنامج الذى يحلل خط اليد على الورق، ويقارنه بالبيانات الأساسية فيه، المستقاة من آلاف «شهادات الزور» فى ملفات الشرطة عبر فترة لا بأس بها من الزمن، ليكتشف الشهادات الكاذبة والشهود الزور. ويؤكد الخبراء أن هذا البرنامج للذكاء الاصطناعى يعمل فى الكثير من الحالات أفضل من أجهزة كشف الكذب المستخدمة فى دوائر الشرطة والتحقيق. حقاً، إن الأيام القادمة حبلى بالكثير من التطورات والابتكارات، وينبغى على كل المهن والوظائف أن تكون على أهبة الاستعداد للتعامل مع تحديات المستقبل. والله من وراء القصد                                                                                                     maroclaw.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مقال مهم: واقع الانسجام بين مبدأ السيادة و قواعد النقل الجوي

  واقع الانسجام بين مبدأ السيادة و قواعد النقل الجوي   محمد جمعة باحث في ...