السجون وتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ومتطلبات الاصلاح


 

السجون وتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ومتطلبات الاصلاح

وصف تقرير سابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان وضعية السجون والسجناء في المملكة ب»المتأزمة والخطيرة»، معتبرا أن معالجتها «مسؤولية مشتركة».

وقال ملخص التقرير الذي تم تقديمه خلال ندوة صحافية أن «السجناء والسجينات يتعرضون للمعاملة القاسية وغير الإنسانية والحاطة من الكرامة في أغلب سجون المملكة».ومن بين ضروب هذه المعاملة القاسية والمهينة للكرامة «الضرب والصفع والتجريد من الملابس أمام باقي السجناء والتعليق بالأصفاد والعبارات الحاطة من الكرامة والكي والانتقام عن طريق الترحيل الإداري خاصة في ما يتعلق بسجناء السلفية الجهادية».
موضوع أوضاع السجون كان مثار جدل حاد بمجلس النواب خلال تقديم التقرير الذي أنجزه نواب برلمانيون وأيضا أثناء مناقشة ميزانية مندوبية السجون وإعادة الإدماج برسم سنة 2013 أمام العدل والتشريع..ممارسات لاإنسانية وخروقات قانونية كانت العنوان الكبير لتلك النقاشات..في قضية اليوم سنتوقف عند مداخلة للنقيب عبد الرحيم الجامعي حول «السجون وتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ومتطلبات الإصلاح» فماهي التوصيات التي اقترحها النقيب من أجل النهوض بهذه المؤسسة؟
ملائمة الدستور
في ظل تعدد التقارير الرسمية حول أوضاع السجون بالمغرب، وفي ظل العديد من الخروقات التي سجلها مجموعة من المعتقلين وذويهم، والجمعيات الحقوقية الوطنية و الدولية، اقترح النقيب عبد الرحيم الجامعي، خلال مداخلة له بندوة بمراكش حول الحوار لإصلاح منظومة العدالة مجموعة من التوصيات حول القانون المنظم للسجون، توصيات الملائمة مع الدستور والمواثيق الدولية ذات الصلة، حيث يتطلب الأمر -حسب النقيب الجامعي-بالملائمة مع الدستور فيما يتعلق بالمادة 19 المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان، المادة 22 المتعلقة بعدم جواز المس بالسلامة الجسدية..، المادة 24 المتعلقة بحماية المراسلة كيفما كان شكلها…والمادة 30 المتعلقة بالحق في التصويت باعتباره واجب وطني.
وأوصى النقيب الجامعي بوضع المؤسسات السجنية تحت الإشراف المباشر للقضاء، والتعامل طبقا لروح الدستور مع الحرية والقيود عليها ومع فلسفة استقلال القضاء، مع بسط يد القضاء وإشرافه المباشر على السجون وربط إصلاح منظومة السجون بإصلاح المنظومة الجنائية، بفصل السياسة السجنية عن السياسة الأمنية، والإنهاء مع رقابة وزارة الداخلية على السجون(اللجن المحلية).
واقترح المتحدث نفسه تعديل بعض المواد، من قبيل حصر سلطة مدير المؤسسة في التأديب في حدود عقوبات ثلاثة(الإنذار، القيام بإصلاح الخسائر التي أحدثها السجين، القيام بأعمال داخلية داخل السجن، تم وضع سلطة البث في مسطرة التأديب الإدارية الأخرى بين يدي قاضي تنفيذ العقوبة، وتخويل سلطة الإحالة على قاضي تنفيذ العقوبة في مادة التأديب للمدير العام وحده، فيما اقترح إلغاء الفقرة الأخيرة من المادة 27 وجعل تسليم الملف الطبي للمفرج عنهم حقا له يمارسه شخصيا أو يفوضه لغيره، إلغاء الفقرة 5 من المادة 59 وجعل البث في الطعن المقدر من ضد المقرر التأديبي بين يدي قاضي تنفيذ العقوبة، إلغاء مقتضيات عقوبة العزلة من عدد العقوبات المنصوص عليها، وإلغاء ما له علاقة بالفصل61، وإلغاء السماح باستعمال القوة من المادة 64، وتعويضها باستعمال الوسائل القانونية المشروعة.
وضع مقلق
ظل السجن و أوضاع السجناء موضوع قلق مجتمعي عبر سنوات وإلى اليوم..واحتل وموقعا للمتابعة والجدل و النقاش والانتقاد و الاحتجاج لدى المتقاضين والمواطنين خصوصا في العشرية الأولى من هذا القرن، أي كان السجن ولازال قضية مجتمع وحاضر ومصير ومستقبل.
وأكد «النقيب الجامعي»أن أوضاع السجون السيئة لها عواقب خطيرة تجسدها مظاهر مختلفة، منها ما له علاقة بمجال السياسة العقابية، واحترام حقوق الإنسان(السياسة الجنائية و العقابية، الاعتقالات الاحتياطية، قرينة البراءة..)، ومنها ما له علاقة بأعمال تعهدات الدولة اتجاه التزاماتها الدولية، (المواثيق الدولية، القواعد النموذجية لمعاملة السجناء..)، ومنها ما يدخل في مجال التعامل بين السجن وبين عدد من المؤسسات بما لها من أدوار ومسؤوليات ك(مؤسسة النيابة العامة، مؤسسة التحقيق، مؤسسة قضاء الحكم، مؤسسة الأمن، مؤسسة السجون..).
أثار «النقيب الجامعي»موضوع النظام القانوني للسجون الذي لم يعد مناسبا ولا كافيا لحماية المؤسسات والنزلاء، بعد أن أصبح يشكو من عدم قدرته مسايرة ثقافة التنظيم المحكم والحديث لإدارة السجون وعجزه عن رعاية حقوق السجناء، بالإضافة إلى اعتماد المقاربة الأمنية كآلية تقليدية لتدبير المؤسسات السجنية، حيث تأكد للجميع ومن كل المستويات أنها لا تخدم قضية الإدماج أو أنسنة السجون-يضيف «الجامعي».
وعن المنهجية التي تعتمدها المندوبية، أكد «النقيب الجامعي» أن تعامل مندوبية السجون يعتمد على منهجية الانضباط إلى قوة إدارة تملك سلطة مطلقة على السجناء، وذلك مخالف لما تفرضه الحكامة الإدارية من التزامات في السلوك والممارسة ومنها القبول بمراقبتهم من قبل الرأي العام بواسطة المنظمات الحقوقية الغير حكومية، التي تكن لها المندوبية بكل أسف عداء إداريا تمنعها بمقتضاه من القيام بالدور الحقوقي التي تريده للسجون وللسجناء، مشيرا إلى أن المندوبية تتعامل بمنطق عقابي مهين يستعمل التخويف والتأديب والعقاب آلية لإدارة المؤسسة وضبط السجين، بالإضافة إلى ارتفاع الممارسات غير القانونية وغير المشروعة والتي تندرج ضمن انتهاك حقوق الإنسان..تصل إلى حد التعذيب و الضرب والتجويع و العزلة ومنع الزيارات ومنع التغذية ومنع الأدوية وفرض العقوبات القاسية، دون إغفال داء الفساد والارتشاء-يشدد المتحدث نفسه في مداخلته-.
منطلقات المعالجة
تحدث «النقيب الجامعي»عن منطلقات لمعالجة أوضاع السجون، محددا من الناحية الاستراتيجية ضرورة العمل على ربط مصير السجن والسجناء بمصير العدالة الجنائية و العقابية، العمل في نطاق الحوار على تحديد مضامين وأهداف رسالة ودور السجن، والعمل على تخليق قطاع السجن وتدبيره على أساس قيم الشفافية والمراقبة والمساءلة..وتحديث مقومات الهيكل القانوني وملائمته مع مقتضيات الدستور ومع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ومن بين الأهداف الكبرى والاساسية التي ركز عليها «النقيب الجامعي» في مداخلته ارتباط المؤسسات السجنية بالجهاز القضائي، مشددا على ضرورة عودة السجون إلى وزارة العدل و الحريات كما كانت منذ استقلال المغرب، أي أن تعود تحت الإشراف القضائي المباشر، وموضحا على أنه لا معنى أن تنفذ السلطة التنفيذية والحكومية والأمنية لمجال له علاقة عضوية ووظيفية وقانونية بالجهاز القضائي.
وأشار «النقيب الجامعي» إلى أن السياسة الجنائية لاتنفصل عن السياسة العقابية التي تشرف عليها وزارة العدل وتنفذها، وبالتالي فإنه ليس من باب الحكامة السياسية و القضائية والجنائية أن تشرف إدارة تابعة إداريا وماليا لرئيس السلطة التنفيذية، وألا تنفذ أية عقوبة حبسية إلا في السجون التابعة لوزارة العدل حسب المادة 608 من قانون المسطرة الجنائية.
من جهة أخرى، أكد «النقيب الجامعي» على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة في تدبير المرفق، موضحا أن السلطة الحكومية والتي كانت مؤسسة الوزير الأول وأصبحت مؤسسة رئيس الحكومة لا تأثير لها لحد الآن على المندوبية ولا على رئيسها، هذا الوضع-يضيف النقيب الجامعي موضحا-جعل المندوبية خارجة عن مجال الدولة وأعين مؤسساتها وسلطة قضاها ورقابة القانون، وسلطة المجتمع، ومجال الإعلام، أي أنه لا رقابة لمندوب المندوبية من اي سلطة.
وتوج النقيب الجامعي مداخلته بملاحظات مركزة حول قانون 25 غشت 1999 -98-23 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، موضحا أن هذا القانون المكون من 141 مادة موزعة على تسعة أبواب، يمكن المدير و الإدارة من كل السلط، قانون يفرض علاقات أمنية على السجين على قاعدة الخضوع و النضباط، ويجعل العقاب وتدابيره سلطة مطلقة بيد المدير وأعوان الإدارة، قانون لا يعطي أية رقابة قضائية على الإدارة ولا على قراراتها ويفرض حذرا غير طبيعي على الهيئات الحقوقية والمدنية، ويقوم في عدد من مقتضياته على معاني فضفاضة دون تدقيق وغير قابلة لأية رقابة..


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...