الشركات المدنية المهنية للمحاماة في القانون المغربي والمقارن


      الشركات المدنية المهنية للمحاماة في القانون المغربي والمقارن

تمهيد :

شهد العالم ، خلال العقود السالفة، عدة تحولات على مستوى المبادلات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والخدماتية بسبب العولمة وتدويل الخدمات ، حيث تركزت جهود تحرير التجارة العالمية منذ الجولة الأولى من اتفاقية الكات   «G.A.T.T» سنة 1947 وحتى بدء الجولة التاسعة عام 1986 بالاوروغواي ، على إزالة الحواجز  بين الدول الأعضاء أمام تبادل السلع .
لكن وبالنظر لتزايد معدلات تصدير الخدمات في الدول المتقدمة ، اكتسى هذا القطاع أهمية بالغة، وثم التفكير في تحرير حركة تبادل الخدمات، وهو ما توج بالاتفاق العام للتجارة في الخدمات«G.A.T.S»  والذي يعتبر المغرب من الدول الموقعة عليه .
وقد أثرت هذه التحولات الجوهرية على المجال القانوني ، حيث أفرزت العولمة بزوغ أشكال جديدة للعمل القانوني وللخدمات القانونية ، ألقت بظلالها على مهنة المحاماة ، التي وجدت نفسها مطالبة بمواكبة هذه التحولات ونزع عباءة الشكل التقليدي الذي لبسته منذ عقود .
فالمحاماة أصبحت تتعاطى ميادين شتى لا تنحصر في ملفات القضايا وإجراءات التقاضي فقط ، وإنما تتجاوزها إلى ما يعبر عنه بخدمات المساعدة والمساندة ، وهي تتمثل في إعداد الوثائق وفي التفاوض وفي الوساطة والصلح والتحكيم وإبرام الصفقات بأنواعها والتدقيق والاستشارة 
(1).
كما أن الممارسين لمهنة المحاماة وجدوا أنفسهم في مواجهة سيل جارف من التشريعات المنظمة والمؤطرة لأنظمة التحكيم والوساطة والتوفيق ، وللمنازعات الاقتصادية والتجارية الوطنية والدولية ، والمنظمة لأسواق رأس المال ، ومجال عمل الشركات … حيث تشابكت القوانين وتداخل فيها البعد الوطني بالمصادر الدولية ممثلة في الاتفاقيات الدولية وما أقرته من قواعد عامة وإجراءات تحدد وتحصر الالتزامات الفردية للدول بشأن دخول الأجانب إلى أسواقها المحلية .
وهو ما كرس القناعة بضرورة تأسيس شركات للمحاماة ، حيث فطن الفقه أولا والقانون بعد ذلك، بإيعاز من الفقه ، إلى ضرورة خلق إطار قادر على أن تظل المهنة الحرة بموجبه محافظة على خصوصيتها، لكن في ذات الوقت مسايرة للتطور الذي أفرزته العولمة على جميع المستويات 
(2).  وقد كان ظهور أولى شركات المحاماة في الولايات المتحدة الامريكية في بداية القرن الماضي، قبل أن تنتقل عدوى التأسيس إلى القارة الأوروبية .
ففي فرنسا مثلا صدر قانون بتاريخ 29/11/1966 نظم الإطار العام للممارسة في إطار الشركات المدنية المهنية بشكل عام، ثم صدر بعد ذلك مرسوم بتاريخ 20/7/1992 نظم ممارسة مهنة المحاماة في إطار شركة مدنية مهنية .
أما في المغرب فلم يسمح القانون بممارسة مهنة المحاماة في إطار الشركة المدنية المهنية إلا بمقتضى المادة 26 من ظهير 20 أكتوبر2008 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة 
(3) ، كما صدر بنفس التاريخ القانون رقم 08 . 29 المتعلق بتحديد الاطار القانوني للشركات المدنية المهنية للمحاماة (4) .
ولم يعرف المشرع المغربي الشركة المدنية المهنية للمحاماة شأنه في ذلك شأن العديد من القوانين المقارنة التي أتيحت لنا فرصة الاطلاع عليها كالقانون الفرنسي والتونسي والمصري والسوري والسعودي … بينما انبرى الفقه الى الاجتهاد في وضع تعريف لها ، حيث عرفها البعض بأنها    « شخص معنوي، ينشأ بالاتفاق بين عدد من المحامين بغرض ممارسة المحاماة ممارسة جماعية بصورة مشتركة واقتسام ما يتحصل عن ذلك من أرباح » 
(5) ، كما عرفها البعض الآخر بأنها : « عقد مدني يلتزم بمقتضاه محاميان أو أكثر ينتمون الى فرع واحد لنقابة المحامين ، بأن يساهم كل منهم في مشروع مهني للمحاماة، لممارسة أعمال المحاماة طبقا لأحكام تنظيم مهنة المحاماة
والنظام الداخلي لنقابة المحامين، والقيام بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح ناتج عن أتعاب المحاماة أو من خسارة » 
(6)
وتختلف شركة المحاماة المدنية عن الشركة المدنية العادية في أن لشركة المحاماة وحدها باعتبارها شخصا معنويا الحق في ممارسة مهنة المحاماة ، وتخضع في سبيل ذلك لنظام يفوق في صرامته وغلظته ما تخضع له الشركات المدنية العادية  
(7) .
كما تختلف شركة المحاماة المدنية عن الشركة التجارية في كون الأولى تزاول عملا مدنيا ، بينما تزاول الثانية عملا تجاريا من قبيل الأعمال التي عددتها المادتين 6 و 7 من مدونة التجارة 
(8)
وسنحاول من خلال هذه الدراسة بسط أهم المقتضيات التي تضمنها القانون رقم 08 . 29 المنظم للشركات المهنية للمحاماة ، ورصد أوجه القوة والقصور فيه مقارنة مع ما تضمنته بعض التشريعات المقارنة ، على أن نفرد الجزء الأخير منها لبعض الاقتراحات والتوصيات التي من شانها الرقي بالممارسة المهنية في إطار الشركات المدنية إلى مستوى مجابهة تحديات العولمة ومخاطر تدويل الخدمات ، وما ينتج عنهما من غزو شركات المحاماة العالمية لإطار العمل القانوني بالمغرب مع الاشارة إلى أن ميثاق إصلاح منظومة العدالة لم يول  أية أهمية لموضوع الشركات المدنية المهنية للمحاماة ولم يخصها بأية توصيات .

المبحث الأول : تأسيس الشركة المدنية المهنية للمحاماة 

سنتناول في هذا المبحث إنشاء الشركة ونظامها الأساسي ورأسمالها وإجراءات شهرها استنادا لما تضمنه قانون الشركات المدنية المهنية للمحاماة، واستئناسا بالمقتضيات المستمدة من بعض القوانين المقارنة .

الفرع الأول  : إنشاء الشركة 

تؤسس الشركة من قبل شركاء محامين مسجلين في جدول نفس الهيئة (9) ، وهو ما يعني أن الشركة المدنية المهنية تتكون من محامين رسميين منتمين إلى هيئة واحدة ، ولا يمكنها بالتالي أن تضم محامين منتمين لهيئات مختلفة ، ولا يمكنها أن تضم محامين متمرنين كما سمح بذلك القانون الفرنسي في الفصل 2 من المرسوم الصادر بتاريخ 20/7/1992 ، ولا يجوز للمحامين الشركاء أن يمثلوا أطرافا لها مصالح متعارضة ، كما لا يمكنهم ممارسة مهامهم إلا في إطار نفس الشركة وفي مكتب واحد .
ولا تكتسب الشركة الشخصية المعنوية ، ولا يحق لها بالتالي ممارسة المهنة إلا من يوم تسجيلها في جدول الهيئة التي يوجد بدائرتها مقرها( المادة 3  ) .
ويقدم طلب التسجيل بالهيئة موقعا من طرف كل الشركاء وجوبا إلى نقيب الهيئة، مرفقا بنسخة من العقد التأسيسي ومن النظام الأساسي للشركة ( المادة 4 )، وذلك خلافا لما تضمنته بعض القوانين المقارنة من إمكانية رفع الطلب إلى مجلس الهيئة من طرف ممثل يعينه الشركاء من بينهم 
(10) ، كما أن القانون المغربي لم يشر إلى إمكانية بعث طلب التسجيل بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالاستلام كما سمح بذلك القانون الفرنسي .
ويحيل النقيب الطلب إلى مجلس الهيئة للبث فيه داخل أجل شهرين تحتسب من تاريخ توصل النقيب به ، تحت طائلة اعتبار الطلب مقبولا في حالة عدم البث فيه ( المادة 5 ) ، والحقيقة أن المشرع المغربي في هذه الحالة قد خالف القاعدة العامة التي سبق أن أقرها قانون المهنة بمقتضى المادة 11 عندما اعتبر عدم بث المجلس في طلب الترشيح للتقيد في لائحة المحامين المتمرنين داخل الأجل المحدد له في أربعة أشهر بمثابة رفض وليس قبولا كما هو الحال بالنسبة لطلب تسجيل الشركة .
والملاحظ ان هذا الأجل الذي أقره المشرع المغربي طويل نسبيا مقارنة مع ما تضمنته بعض التشريعات المقارنة التي حددته في شهر واحد كالقانون الفرنسي 
(11)
ولا يمكن لمجلس الهيئة رفض الطلب إلا في حالة مخالفة النظام الأساسي للمقتضيات القانونية أو التنظيمية، وتبلغ نسخة من المقرر إلى الوكيل العام للملك وللشركاء 
(12) ويكون هذا المقرر قابل للطعن وفق القواعد المنصوص عليها في المادة 94 من قانون المهنة .
كما تجدر الإشارة إلى أن نفس المسطرة المومأ إليها أعلاه تطبق في حالة تأسيس الشركة عن طريق الاندماج أو الانفصال ( المادة 7 ) ، أما في حالة تعديل النظام الأساسي، فيتعين الحصول على موافقة المجلس وفق ما تم بيانه أعلاه ( المادة 9 ) .

الفرع الثاني  : النظام الأساسي للشركة 

تنشأ الشركة بمقتضى نظام أساسي مكتوب في نسخ أصلية كافية ، حيث تسلم نسخة منه لكل واحد من الشركاء ، كما تودع نسخة في مقر الشركة ( المادة 10 )
وقد نص القانون على وجوب تضمين النظام الأساسي لعدة بيانات من قبل الاسم الشخصي والعائلي وموطن كل شريك، وتسمية الشركة، وعنوان مقرها، ومدتها عند الاقتضاء، وطبيعة وقيمة حصة كل شريك، ومبلغ رأس المال، وعدد الأنصبة الممثلة لرأس المال، وقيمة كل واحد منها وكيفية توزيعها بين الشركاء، وصلاحيات المسيرين، ومدة مهامهم، وشروط تعيينهم وعزلهم، والإشهاد على التحرير الكلي للحصص المكونة لرأس المال .

الفرع الثالث  : تسمية الشركة 

نص القانون المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة بخصوص تسمية الشركة على أن يكون متكونا من أسماء كل الشركاء أو بعضهم أو اسم أحدهم شريطة إضافة عبارة « وشركاؤهم » .
كما يمكن الإبقاء على اسم شريك قديم في التسمية شريطة أن يكون هذا الاسم متبوعا بعبارة             « سابقا »، ووجود شريك على الأقل ممن مارسوا المهنة داخل الشركة الى جانب الشريك المحتفظ باسمه .
كما يتعين أن تسبق أو تتبع التسمية دائما بعبارة « الشركة المدنية المهنية للمحاماة» ( المادة 12 )
ويجب أن يشار إلى تسمية الشركة في جميع الوثائق والمراسلات والمحررات، كما يجب على كل شريك أن يضمن ذلك في كل ما يصدر عنه بصفته هذه ( المادة 40 ) .
ومما تجدر الإشارة إليه بخصوص الحديث عن التسمية، أنه وبالنظر لأهميتها لاستمرار واستقرار الشركة، فقد أثير نقاش في فرنسا بين المجلس الوطني لهيئات المحامين ووزارة العدل حول حذف المقتضيات المشابهة لما يتضمنه القانون المغربي حاليا، مقابل التنصيص على حرية الشركاء في اختيار اسم الشركة، مع التنصيص على إمكان تضمين اسم واحد أو أكثر من الشركاء ضمن هذه التسمية (13)  ، وحبذا لو اتخذ المشرع المغربي نفس الموقف وتفادى انعدام الاستقرار الذي تعيشه الشركات المدنية المهنية للمحاماة بفرنسا نتيجة وفاة أو انسحاب الشريك أو الشركاء الذين تتكون تسمية الشركة من أسمائهم (14) .

الفرع الرابع   : رأس مال الشركة 

يتكون رأس مال الشركة من مجموع الحصص النقدية، ومن المقابل النقدي للحصص العينية، على أساس تقسيمه إلى أنصبة متساوية القيمة ( المادة 14 ) .
كما يمكن أن تكون حصصا : الحقوق المادية أو المعنوية، وخاصة تخلي المحامي عن موكليه لفائدة الشركة، وكذا الوثائق والأرشيفات وكل الأشياء المنقولة المعدة للاستعمال المهني، ثم المبالغ النقدية . وتقدم هذه الحصص على سبيل الملكية أو الانتفاع ، كما اشترط المشرع المغربي تحديد قيمة الحصص العينية عند تقديمها، وأوجب أيضا تحرير قيمة الحصص بالكامل عند تأسيس الشركة، خلافا لما نص عليه القانون الفرنسي في الفصل 14 من مرسوم 20/7/1992 الذي أقر مبدأ تحرير الحصص على مراحل وخلال أجل أقصاه سنتين تحتسب من تاريخ تسجيل الشركة .
كما يلاحظ أن المشرع المغربي نص على عدم إمكان اعتبار عمل الشركاء حصة في تكوين الشركة ( المادة 13 ) خلافا لما هو مسموح به في باقي الشركات المدنية والتجارية الأخرى .
ومن جهة أخرى نص القانون المغربي على إمكانية الزيادة في رأس المال عن طريق إنشاء أنصبة جديدة ( المادة 36)، غير أن الزيادة في رأس المال يصبح إجباريا إذا لم يكن انضمام الشريك الجديد للشركة نتيجة لتفويت الأنصبة ( المادة 35 )
وتجدر الإشارة الى أن المشرع المغربي لا ينص على إمكانية تقديم الحق في الايجار الذي يتمتع به المحامي المكتري في مواجهة مالك العقار الذي يمارس فيه الأول نشاطه المهني حصة عينية في رس مال الشركة، وذلك بالرغم من أن هذا الحق يعتبر أكثر استقرارا من عنصر الزبناء الذي اعتمده القانون المغربي حصة عينية في الشركة (15)  ، وهو ما سمح به القانون الفرنسي بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 12 من مرسوم 20/7/1992 .

الفرع الخامس    : إجراءات شهر الشركة

الشهر معناه إعلان وجود الشركة بالنسبة للأغيار، وقد نص القانون المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة على أن تشهر الشركة عن طريق تسجيلها في سجل خاص ممسوك بكتابة الهيئة، وتمسك الهيئة ملفا خاصا بكل شركة، ولا يحتج ضد الأغيار إلا بالوقائع والتصرفات التي وقع شهرها، كما يمكن لكل ذي مصلحة أن يحصل على نفقته من كتابة الهيئة على مستخرج من النظام الأساسي لا يتضمن إلا المعلومات المتعلقة بالشركة والشركاء والمحددة على سبيل الحصر في المادة 15 من القانون المذكور .
ويلاحظ هنا أن المشرع المغربي قصر إجراءات شهر الشركة على تسجيلها بسجل خاص لدى كتابة الهيئة كما سلف بيانه، وذلك خلافا لما نصت عليه بعض القوانين المقارنة كالقانون التونسي الذي نص على ضرورة الشهر بالنشر في الجريدة الرسمية ، أو الشهر بالتسجيل لدى المحكمة التي تم إيداع طلب التسجيل بالسجل التجاري والشركات بها كما نص على ذلك الفصل 15 من المرسوم المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة بفرنسا .
كما يلاحظ أن المشرع المغربي لم يحدد أجلا معينا للقيام بإجراءات شهر الشركة، خلافا لما نص عليه القانون التونسي على سبيل المثال، حيث نصت المادة 18 منه على انه يجب إشهار تكوين الشركة المهنية للمحاماة خلال اجل لا يتعدى الشهر من تاريخ تخويلها ممارسة مهنة المحاماة في شكل شركة (16)
كما لم ينص المشرع المغربي على جزاء الإخلال بإجراءات شهر الشركة خلافا لما نص عليه القانون التونسي من ترتيب بطلان الشركة بطلب من مجلس الهيئة أو الوكيل العام لمحكمة الاستئناف في حالة عدم القيام بإجراءات الإشهار 
(17).

المبحث الثاني  : تسيير الشركة المدنية المهنية للمحاماة 

سنتعرض في هذا المبحث إلى إدارة الشركة ( الفرع الأول )، وكذا العمليات الواردة على أنصبة الشركاء ( الفرع الثاني )، ثم نعرج للحديث عن المحاسبة في الشركة ( الفرع الثالث) .

الفرع الأول   : إدارة الشركة 

يحدد النظام الأساسي للشركة شروط تعيين المسيرين وعزلهم، وسلطاتهم ومدة ولايتهم وعند الاقتضاء المستحقات المتفق عليها ( المادة 16 ) .
كما يتولى المسير أو المسيرون وضع الحسابات السنوية للشركة وتحرير تقرير عن نتائجها بعد انتهاء السنة المالية وفق الشروط المحددة في النظام الأساسي ( المادة 23 ) .
ولعل خاصية هذه الشركة تفرض على أن المسير أو المسيرين ليست لهم إلا وظيفة إدارة الشركة، ولا يمكنهم أن يتدخلوا في ممارسة المهنة، ويحتفظ المحامي الشريك بكامل                       استقلاليته (18)  ، وهو نفس المقتضى الذي أقره القانون الفرنسي عندما نص على أن الشركاء في الشركة لا يخضعون لسلطة المسير أوالمسيرين (19) ، ومن الأجهزة الأخرى المقررة في إدارة الشركة نذكر الجمع العام الذي يتكون من جميع الشركاء، وينعقد مرة واحدة في السنة على الأقل، مع إمكانية عقد جموع عامة أخرى بناء على طلب نصف الشركاء على الأقل .
ويحدد النظام الأساسي للشركة شروط استدعاء الجمع العام، الذي لا ينعقد بصفة صحيحة إلا إذا كان الشركاء الممثلون لثلاثة أرباع رأس المال على الأقل حاضرين أو ممثلين، وفي حالة عدم اكتمال هذا النصاب، يستدعى الشركاء مرة ثانية، ويبت الجمع العام بصفة صحيحة إذا كان عدد الشركاء الحاضرين اثنين على الأقل ومالكين لثلث رأس المال .
وتتخذ قرارات الجمع العام بأغلبية الأصوات التي يملكها الحاضرون ما لم ينص النظام الأساسي على أغلبية أكبر ( المادة 21 )، مع الإشارة إلى أن القانون المغربي لم يحدد المقصود بالأغلبية : هل النسبية أم المطلقة ؟ وأمام سكوت النص نعتقد بدورنا أن المقصود هو الأغلبية النسبية ما دام الأمر يتعلق بالتسيير اليومي والعادي للشركة
(20) .
ولكل شريك في الشركة عدد من الأصوات يعادل عدد الأنصبة التي يملكها في رأس المال على ان لا يتجاوز نصف العدد الإجمالي للأصوات ( المادة 20 )، وهو نفس المقتضى الذي تبناه المشرع الفرنسي عندما نص على انه لا يمكن لشريك واحد أن يملك أكثر من نصف الأصوات، أي أن يضمن لنفسه الأغلبية المطلقة، حتى ولو امتلك أكثر من نصف الحصص 
(21) .
وقد جعل المشرع المغربي الجمع العام أعلى سلطة تقريرية في الشركة، حيث أسند له صلاحيات مهمة حددها في اتخاذ القرارات التي تتجاوز سلطات المسيرين ( المادة 8 )، وتعديل النظام الأساسي للشركة والزيادة في التزامات الشركاء ( المادة 22 )، والمصادقة على الحسابات السنوية للشركة ( المادة 23 ) .
وتدون جميع مداولات الجمع العام في محضر يوقعه الشركاء الحاضرون، ويشار فيه الى هوية ممثلي الغائبين منهم، كما يشار فيه إلى تاريخ ومكان الاجتماع، وجدول الأعمال بشكل مفصل ، وخلاصة المناقشات، ونص القرارات الخاضعة للتصويت ونتيجته .
وتضمن المحاضر في سجل خاص مرقم يؤشر عليه النقيب مسبقا، ويحفظ بمقر الشركة، كما نص القانون على وجوب تبليغ نقيب الهيئة نسخا من هذه المحاضر، وكذا جميع القرارات المتعلقة بتعديل النظام الأساسي، وبانسحاب أحد الشركاء، وبتفويت حصته في الشركة، داخل أجل خمسة عشر يوما ( المادة 19 ) .

الفرع الثاني   : العمليات الواردة على أنصبة الشركاء 

إن طبيعة مهنة المحاماة التي تستمدها من قانون المهنة والأنظمة الداخلية وكذا الأعراف والتقاليد المتوارثة، جعلت المشرع يفرد للشركات المدنية المهنية للمحامين أحكاما خاصة تميزها عن باقي القواعد العامة المنظمة للشركات، وهكذا نصت المادة 25 على أنه لا يمكن رهن أو بيع الأنصبة في المزاد العلني ، وفي حالة عجز أحد الشركاء عن أداء ما بذمته بمقتضى مقرر قابل للتنفيذ، أمكن للنقيب إجباره على تفويت حصته في رأسمال الشركة لها أو لأحد الشركاء أو الأغيار من المحامين، ويحدد النقيب قيمة حصة الشريك المدين، ويتسلم مقابلها لأداء ما ترتب بذمته أو لتصفية ديونه ( المادة 25 ) .
كما أن تفويت الأنصبة للأغيار يتوقف على موافقة الشركة ، حيث ألزم المشرع كل راغب في التفويت بضرورة تبليغ مشروع التفويت للشركة والشركاء عن طريق البريد المضمون مع الاشعار بالتوصل، على أن تبدي الشركة رأيها في مشروع التفويت داخل أجل شهرين من تاريخ التوصل، وإلا اعتبر المشروع مقبولا .
أما في حالة رفض المشروع، تعرض الشركة على المفوت اقتناء أنصبته من طرفها أو من طرف أحد الشركاء أو الأغيار، بنفس ثمن مشروعه، داخل أجل ستة أشهر من تاريخ تبليغ قرار     الرفض ، وإلا اعتبرت قابلة للمشروع المقدم من طرف الشريك .
وفي حالة الشريك الراغب في الانسحاب من الشركة، تعرض عليه هذه الأخيرة مشروعا لتفويت أنصبته وفق المسطرة أعلاه، ويعتبر هذا الطلب ملغى إذا انقضى الأجل دون تقديم المشروع من طرف الشركة، أو إذا رفض المعني بالأمر المشروع المقترح ( المادة 29 ) .
أما إذا فقد أحد الشركاء صفة محام فقد منحه المشرع أجل ستة أشهر لتفويت أنصبته في الشركة طبقا لنفس المسطرة أعلاه ( المادة 30 )، بينما نص المشرع على انه في حالة وفاة أحد الشركاء، توجه الشركة لورثته إشعارا بضرورة مباشرة مسطرة التفويت داخل أجل سنة من تاريخ التوصل، ما لم يباشروا هذه المسطرة تلقائيا ( المادة 31 ) .
وفي الحالتين الأخيرتين نص المشرع على انه إذا انقضى الأجل، يعتبر المشروع المقدم من طرف الشركة والمصادق عليه من طرف النقيب ملزما لهم .
ومن خلال ما تم بسطه يلاحظ أن تفويت حصص الشركاء في الشركة المدنية المهنية للمحاماة لا يستفيد منها المحامون المسجلون بنفس الهيئة المسجلة فيها الشركة بصورة مطلقة ، بل يحق للشركة وللشركاء من خلالها اختيار شريكهم الجديد الذي ستفوت له أنصبة أحد الشركاء (22) .

ولا يمكن للأغيار الطعن في صحة العمليات الواردة على الأنصبة في مواجهة الشركة أو المستفيد من العملية، ولا يمكن للمتضرر في هذه الحالة إلا الرجوع بالتعويض على المتسبب في الضرر    ( المادة 26 ) .

الفرع الثالث : المحاسبة في الشركة

بعد انتهاء السنة المالية، توضع الحسابات السنوية للشركة من طرف المسير او المسيرين ويحرر تقرير عن نتائجها ووفق الشروط المحددة في نظامها الأساسي .
وتوضع الوثائق المتعلقة بالمحاسبة بمقر الشركة رهن إشارة الشركاء خمسة عشر يوما على الأقل قبل انعقاد الجمع العام الذي يصادق عليها خلال ثلاثة أشهر التابعة لانتهاء السنة المالية(المادة 23) كما يمكن لكل واحد من الشركاء الاطلاع على التقارير والسجلات وكافة الوثائق المحاسبية الواجب مسكها بموجب المقتضيات القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل، وكذا القواعد المحاسبية المتعلقة بالمهنة والمنصوص عليها في المادتين 54 و 55 من قانون المهنة .

المبحث الثالث : بطلان الشركة وحلها 

تنتهي الشركة المدنية المهنية للمحاماة حسب القانون المغربي في حالة بطلانها ( الفرع الأول ) أو حلها ( الفرع الثاني ) وهو ما سنتناوله بالشرح والتحليل تباعا .

الفرع الأول   : حالات بطلان الشركة 

لم يتضمن القانون المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة بالمغرب أي نص يبين حالات بطلان الشركة ، لذلك يرجع في شانها إلى القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود، حيث ينص الفصل 306 على أن الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر إلا استرداد ما دفع بغير حق تنفيذا له، ويكون الالتزام باطلا بقوة القانون إذا كان ينقصه احد الأركان اللازمة لقيامه، أو إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه .
وقد حدد بعض الفقه (23)  أسباب البطلان في التشريع المغربي وحصرها في انعدام الأهلية، وتخلف الرضى، وتخلف المحل وعدم مشروعيته، وخرق قواعد النظام العام والآداب العامة، وتخلف السبب وعدم مشروعيته، وتخلف الشكل في العقود الشكلية والتسليم في العقود العينية، والبطلان بمقتضى نص في القانون .
والملاحظ أن القانون المغربي لم يميز بين القرار القضائي النهائي بالبطلان الذي يكون نتيجة لدعوى البطلان ، والقرار النهائي بالابطال الذي يصدر عقب تقديم دعوى الابطال وفق الأحكام الخاصة بها المنصوص عليها في الفصول 311 و 313 و 318 من قانون الالتزامات والعقود .
وهذا الخلط هو ما تؤكده عبارات المادتين 54 و 55 من قانون الشركة المدنية المهنية للمحاماة، حيث الحديث عن البطلان فقط دون الابطال رغم الفروق القانونية بين المصطلحين 
(24) .
ولا يسري أثر البطلان، إلا من تاريخ القرار القضائي بالبطلان والمؤشر عليه من طرف النقيب، حسبما أقرته المادة 54 من القانون، وهو ما يطرح التساؤل حول احتساب بداية أجل التمييز بين صحة الأعمال المهنية للشركاء : هل هو تاريخ صدور القرار النهائي بالبطلان أم تاريخ تأشير النقيب عليه ؟
وفي اعتقادنا المتواضع وبالنظر لكون مؤسسة النقيب ليست درجة للتقاضي يمكنها تعديل ما ورد في القرار القضائي النهائي بالبطلان، وبالنظر كذلك لكون تأشيرة النقيب تكتسي بالأساس صبغة إدارية ذات صلة بالتسيير العادي لشؤون المهنة، نرى أن أثر البطلان يبتدئ من تاريخ القرار القضائي بالبطلان، وهو نفس المعنى الذي تفيده عبارات المادة 55 عندما نصت على أن بطلان الشركة لا يمس صحة الأعمال المهنية التي قام بها المحامون الشركاء قبل التاريخ الذي أصبح فيه البطلان نهائيا .
والواقع أن القانون المغربي بتنصيصه على هذا المقتضى عمل على مسايرة ما تبناه القضاء الفرنسي مؤيدا من الفقه 
(25) بخصوص الحد من الأثر الرجعي للبطلان من خلال إيجاد وسيلة تضمن الحلول المناسبة لأوضاع الشركة الباطلة، فاحدث لهذه الغاية نظرية جديدة تعرف باسم          « نظرية الشركة الفعلية ».
ومؤدى هذه النظرية، أن يكون للشركة المدنية، وجود واقعي، قبل صدور هذا الحكم . لا يمكن التغاضي عنه، وذلك احتراما للأوضاع القانونية التي اكتسبها الغير، بتعامله مع الشركة المدنية، على أساس الظاهر الذي اطمئن إليه، لذا فان الدعوى المقامة من الشركة المدنية قبل الحكم بالبطلان تكون مسموعة قانونا، كما أن العقود التي أبرمتها في السابق تظل قائمة وملزمة للمتعاقدين شخصيا إذ ليس من شأن البطلان تمكين المدعى عليه من التحلل من الالتزامات التي وقعها 
(26) .

الفرع الثاني  : حالات حل الشركة 

نص المشرع المغربي على أن الشركة تنقضي بانتهاء مدتها ما لم يتم الاتفاق على تمديدها، غير انه يمكن حل الشركة قبل انتهاء مدتها في عدة حالات نجملها فيما يلي :

 الحالة الأولى : يمكن حل الشركة بأغلبية ثلاثة أرباع الشركاء المتوفرين على ثلاثة أرباع الأصوات، ويعين المصفي من طرف النقيب باقتراح من أغلبية الشركاء المتوفرين على الأقل على نصف أنصبة الشركة، وفي حالة غياب الاتفاق بين الشركاء يعين من طرف النقيب بصفة تلقائية .
ويبلغ المصفي المعين بالقرار الصادر بتعيينه، وان كان القانون لم يحدد الجهة المكلفة بتبليغه : هل الشركاء الراغبين في حل الشركة أم كتابة الهيئة؟ وتودع النسخة الأصلية من هذا القرار بملف الشركة لدى الهيئة، ويمكن الاطلاع عليه من طرف كل ذي مصلحة .

-الحالة الثانية : تحل الشركة بقوة القانون عند التشطيب على جميع الشركاء أو على الشركة، على أن يتضمن قرار التشطيب حل الشركة والأمر بتصفيتها.
وتودع النسخة الأصلية من قرار التشطيب على الشركة القابل للنفاذ بالملف المفتوح بكتابة الهيئة، وتبلغ نسخة منه للوكيل العام للملك .
وتطبق في حالة التشطيب التأديبي مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 73 من قانون المهنة التي تنص على وجوب موافقة النقيب على اسم المحامي أو المحامين المختارين من طرف الشركاء للقيام بمهام التصفية، وإذا لم يحظ هذا الاختيار بموافقته أو لم تقع مباشرته رغم الإنذار ، يقوم النقيب بالتعيين طبقا لما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 74 من قانون المهنة، كما لا يمكن تعيين الشركاء المشطب عليهم كمصفين كما تقضي بذلك المادة 58 من قانون الشركات .

  • الحالة الثالثة : تحل الشركة بقوة القانون أيضا بوفاة جميع الشركاء، ويعين النقيب مصفيا طبقا للمادة 60 من قانون الشركات، وذلك استثناء من القاعدة العامة التي اقرها المشرع المغربي في المادة 79 من قانون المهنة عندما نص على أن النقيب يقوم في حالة وفاة محام ، بتعيين مصفي، ويتخذ باتفاق مع ورثة الهالك، جميع الإجراءات اللازمة لضمان تصفية تلك الملفات، ما لم يكن المحامي المتوفي، قد عين في حياته محاميا لهذه الغاية .
  • الحالة الرابعة : في حالة انسحاب جميع الشركاء، تحل الشركة بقوة القانون طبقا للمادة 61 من قانون الشركات، وتطبق عندئد المقتضيات المتعلقة بتعيين المصفي في حالة حل الشركة قبل انتهاء مدتها بأغلبية ثلاثة أرباع الشركاء المتوفرين على ثلاثة أرباع الأصوات ، وفي حالة وفاة جميع الشركاء المفصلتين أعلاه .

–  الحالة الخامسة : تحل الشركة كذلك في حالة بقاء شريك وحيد بها، حيث منحه القانون أجل ستة
أشهر ليفوت جزءا من أنصبته في الشركة للغير .

كما يمكن للشريك الوحيد ان يشارك بواسطة الاندماج في تأسيس شركة مدنية مهنية جديدة، ويتم حل الشركة بقوة القانون ابتداء من تاريخ تقييد الشركة الجديدة، وإلا حلت الشركة بانقضاء الأجل المذكور .
وخلافا للقواعد المذكورة سلفا بشأن تعيين مصفي للشركة، فقد نصت المادة 62 من قانون الشركات على أن يعين الشريك الوحيد مصفيا بقوة القانون، وعند رفضه أو امتناعه يعين النقيب مصفيا .

  • الحالة السادسة : وتتعلق باندماج شركات مدنية مهنية، حيث يتم حل كل شركة منها بقوة القانون بمجرد التنفيذ النهائي للاندماج، وتقييد الشركة الجديدة طبقا للمادة 63 من القانون .

ويقرر الاندماج بالنسبة لكل شركة بواسطة ثلاثة أرباع على الأقل من الشركاء المتوفرين على ثلاثة أرباع الأصوات .
وفي حالة عدم تضمن النظام الأساسي للشركة لكيفية الاندماج، وعدم تعيين ممثل خاص من طرف الجموع العامة التي قررت الاندماج، يقوم المسيرون بتكوين  الشركة المدنية الجديدة، كما يقومون بطلب تقييد الشركة الجديدة إلى نقيب الهيئة التي تنتمي إليها الشركة ضمن شكليات التأسيس العادية .
وفي جميع الحالات لا يمكن إسناد مهام المصفي للمحامي الذي كان موضوع عقوبة تأديبية ، مع تسجيل كون المشرع المغربي لم يتطرق لحالة المحامي الذي صدر في حقه مقرر تأديبي نهائي ورد له اعتباره وفقا للمادة 62 من قانون المهنة : فهل يجوز تعيينه كمصفي أم لا ؟
في رأينا المتواضع نعتقد انه يجوز إسناد مهام المصفي للمحامي الذي كان موضوع عقوبة تأديبية ورد له اعتباره، قياسا على حق هذا الأخير في الترشح لعضوية مجلس الهيئة، وبالتالي مشاركته في تدبير الشأن المهني برمته وليس فقط الإشراف على تصفية الشركة .
ويمثل المصفي الشركة ويسيرها خلال مدة تصفيتها، ويقوم مقام الشركاء بجميع الأعمال المتعلقة بالشركة، وتصريف شؤونها، من قبيل بيع الأصول وتصفية الخصوم وسداد الأعمال وتوزيع الصافي وفق النظام الأساسي للشركة، وتحدد سلطات وصلاحيات المصفي من قبل الجهة التي عينته ( المادة 50 ) .
ويقوم المصفي، خلال أجل ثلاثة أشهر من تاريخ إغلاق السنة المالية، باستدعاء الشركاء أو ذوي حقوقهم لاطلاعهم على تسيير وتصريف شؤون الشركة، كما يعرض المصفي التقرير النهائي، عند انتهاء التصفية، خلال جمع عام إنهاء التصفية المتكون من الشركاء وذوي الحقوق عند الاقتضاء لمعاينة قفل التصفية ومنح التبرئة ( المادة 51 ) .
وتتخذ قرارات المصادقة على الحسابات السنوية للشركة خلال جمع عام انهاء التصفية وفقا للنصاب القانوني الذي يحدده النظام الأساسي للشركة .
وفي حالة عدم تداول الجمع العام في إنهاء التصفية لأي سبب كان، وكذا في حالة رفض المصادقة على حسابات المصفي، بتت غرفة المشورة لدى محكمة الاستئناف الموجود بدائرتها مقر الشركة بناء على طلب يقدمه المصفي أو كل من له مصلحة ( المادة 52 ) .
ويقوم المصفي بإشعار نقيب الهيئة المسجلة بها الشركة بقفل التصفية .
كما وجبت الإشارة إلى أن أجرة المصفي تحدد بمقرر من الشركاء او بمقتضى القرار القضائي الذي عينه، على أن تستخلص من الأرباح الصافية للشركة ( المادة 53 ) .
ويجدر التنبيه إلى أن الفقرة الأولى من المادة 49 التي تنص على تعيين المصفي وفق النظام الأساسي للشركة ما عدا في الحالات المنصوص عليها في القانون، تثير بعض التناقض مع ما تضمنته الفقرة الثالثة من المادة 56 التي تنص على تعيين المصفي من النقيب باقتراح من أغلبية الشركاء المتوفرين على الأقل على نصف أنصبة الشركة، وتلقائيا عند غياب الاتفاق .
وتبعا لذلك يطرح التساؤل حول سلطة النقيب بخصوص تعيين المصفي أمام تضارب مضمون المادتين المومأ إليهما آنفا، وهو ما يطرح ضرورة رفع هذا اللبس، وان كنا نميل بدورنا إلى القول بأنه ونظرا للطبيعة الخاصة للشركات المدنية المهنية للمحاماة التي يفترض أن تخضع لأحكام وضوابط المهنة وأعرافها وتقاليدها نرى أن يقتصر دور الشركاء على الاقتراح وان يتم التعيين من طرف نقيب الهيئة ما عدا في الحالات المنصوص عليها في القانون 
(27).
كما تجدر الإشارة إلى أن القانون المغربي لم يتطرق لحالة استبدال المصفي في حالة حدوث مانع أو لأي سبب خطير آخر كما نص على ذلك القانون الفرنسي في الفصل 61 من مرسوم 20 يوليوز 1992 والذي اسند الاختصاص للبث في طلب الاستبدال إلى رئيس المحكمة الابتدائية الكبرى بصفته قاضيا للمستعجلات، سواء بطلب من المصفي نفسه، أو من طرف الشركاء أو ذوي حقوقهم، أو من طرف نقيب الهيئة .

المبحث الرابع : نظام المسؤولية في الشركة المدنية المهنية للمحاماة :

إن الحديث عن نظام المسؤولية في الشركة المدنية المهنية للمحاماة يقتضي التعرف على أحكام المسؤولية في الشركة المدنية المهنية بصفة عامة ( الفرع الأول )، ثم التعرف على أحكام مسؤولية المحامي الشريك في شركة المحاماة ( الفرع الثاني )، وكذا استعراض المقتضيات المتعلقة بالتبليغات والطعون ( الفرع الثالث ) .

الفرع الأول : مسؤولية شركة المحاماة المدنية المهنية :

تخضع الشركة المدنية المهنية للمحاماة لجميع المقتضيات التشريعية والتنظيمية لمهنة المحاماة ، كما تخضع للأعراف والتقاليد المهنية ولحسن السلوك طبقا للمادة 39 من القانون .
كما تطبق على الشركة المقتضيات المتعلقة بالتأديب في القانون المنظم للمهنة، مع الإشارة إلى أن الشركة لا تكون محل متابعة تأديبية مستقلة عن تلك التي يواجه بها الشركاء أو أحدهم (المادة 43)
وتسأل الشركة عن خطأ الشريك إزاء الأغيار ( المادة 17 )، كما أوجب المشرع المغربي على الشركة أن تؤمن عن مسؤوليتها المهنية ( المادة 42 )، ولعل الغاية من هذا الإلزام إعطاء مصداقية لمعاملات الشركة من خلال إقرار نظام للتأمين عن المسؤولية، وإن كنا نعتقد انه كان حريا بالمشرع المغربي أن ينص على لزوم إيداع نسخة من عقد التامين بملف الشركة المفتوح بكتابة الهيئة، وكذا ما يفيد أداء التامين سنويا، لتمكين مجلس الهيئة من مراقبة مدى احترام الشركة لهذا المقتضى، وهو ما تضمنه القانون التونسي في الفصل 29 من القانون عدد 65 المؤرخ في 20/7/1998 .
كما يلاحظ أن القانون التونسي كان أكثر تأكيدا لمسؤولية الشركة عن خطأ الشريك تجاه الغير، عندما أقر مفهوم الشركة الضامنة من خلال الفصل 24 الذي نص على أن « كل شريك تسبب في مضرة الغير أثناء مباشرته لأعماله المهنية سواء كانت المضرة مادية أو معنوية يكون مسؤولا عن خطئه إذا كان الخطأ قصديا .
وتكون في هذه الحالة الشركة المهنية التي يباشر فيها المعني بالتعويض عمله، ضامنة له وملزمة بأداء المبالغ المستحقة إذا ثبت عدم قدرة المدين على الوفاء جزئيا أو كليا ولها حق الرجوع عليه بالدرك » .

الفرع الثاني : مسؤولية الشريك في شركة المحاماة 

يتقيد المحامي الشريك في سلوكه المهني بمبادئ الاستقلال، والتجرد، والنزاهة ، والكرامة ، والشرف، وما تقتضيه الأخلاق الحميدة وأعراف وتقاليد المهنة طبقا للمادة 3 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، كما تطبق عليه المقتضيات المتعلقة بالتأديب في نفس القانون .
ويسأل كل واحد من الشركاء بصفة فردية عن خطئه تجاه الشركة وباقي الشركاء ، ولا يسأل الشركاء عن ديون الشركة إلا في حدود أنصبتهم فيها .
ولا يمكن للأغيار الرجوع على باقي الشركاء بالمسؤولية عن خطأ تبث ارتكابه من طرف أحدهم ( المادة 17 )، علما أنه وكما سلف بيانه فان الشركة تسأل عن خطأ الشريك إزاء الأغيار .
وقد نص القانون المنظم للشركات على أن الشريك الذي صدر في حقه مقرر تأديبي نهائي بالإيقاف عن مزاولة المهنة لمدة ثلاثة أشهر وما فوق، يكون مجبرا على مغادرة الشركة، بمقتضى مقرر يتخد بإجماع الشركاء الذين لم تتم مؤاخذتهم من أجل نفس الأفعال .
كما أن الشريك الذي يعترضه مانع، يحول دون ممارسة مهامه (28) ، أو الموجود في حالة التغاضي عن التقييد في الجدول (29) ، لا يمكنه أن يزاول أي نشاط مهني أو يكون مسيرا للشركة، على أن يحتفظ خلال هذه المدة، بصفته شريكا، مع ما تمنحه له هذه الصفة من حقوق وواجبات باستثناء الاستفادة من الأرباح المهنية، وعند منع الشركاء جميعا أو بعضهم فقط من مزاولة المهنة، أو في حالة المنع الجزئي للشركاء من مزاولة المهنة، يعين النقيب مسيرا للشركة .
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي جعل مسؤولية الشريك مسؤولية تقصيرية، عندما جعل الشريك مسؤولا عن خطئه الذي تبت ارتكابه من طرفه ونجم عنه ضرر لحق بالغير، ومسؤولية محدودة عندما اعتبر الشريك مسؤولا عن ديون الشركة في حدود أنصبته فيها فقط، وذلك خلافا للقانون الفرنسي الذي اعتبر مسؤولية الشركاء تضامنية تجاه الغير 
(30) ، وهو ما كان محل انتقاد وموضوع مطالبة بالتعديل من طرف المجلس الوطني لهيئات المحامين بفرنسا، الذي اقترح إلغاء التنصيص على المسؤولية التضامنية للشركاء (31) .

          الفرع الثالث : التبليغات والطعون 

نصت المادة 64 من القانون المنظم للشركات المدنية المهنية للمحاماة على أن جميع القرارات الصادرة عن نقيب الهيئة في إطار هذا القانون، تبلغ وجوبا إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف التي توجد بدائرتها الهيئة التابعة لها الشركة .
ويحق للوكيل العام ولجميع الأطراف الطعن بالاستئناف في هذه القرارات داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ تبليغها ( المادة 65 )، وذلك بمقتضى مقال يقدم من طرف محام مسجل بإحدى هيئات المحامين بالمغرب، مع إعفاء الطعن المرفوع من الوكيل العام للملك من هذا المقتضى، وإلزامية الإشارة في مقال الطعن إلى موجز الوقائع وأسباب الطعن تحت طائلة عدم القبول             ( المادة 68 ) .
ويستدعى النقيب وجميع الأطراف لتقديم ملاحظاتهم الكتابية وعند الاقتضاء الشفوية ( المادة 70 )
وتبت محكمة الاستئناف في هذه الطعون بغرفة المشورة برئاسة الرئيس الأول وأربعة مستشارين بها ( المادة 69 ) .
وتقبل القرارات الصادرة عن غرفة المشورة في هذا الإطار الطعن بالتعرض والنقض وفق القواعد والآجال العادية المحددة في قانون المسطرة المدنية ( المادة 71 ) .
ويعتبر أجل الطعن، شأنه في ذلك شأن باقي الآجال المنصوص عليها في قانون الشركات، أجلا كاملا، بحيث لا يحسب اليوم الأول الذي أنجز فيه الإجراء، ولا اليوم الأخير الذي ينتهي فيه الأجل، وإذا صادف اليوم الأخير يوم عطلة، امتد الأجل إلى أول يوم عمل بعده ( المادة 72 ) .

اقتراحـات وتوصيـات : 

ان استقراء مواد القانون المنظم للشركات المدنية للمحاماة تدفعنا للقول أن المشرع المغربي ظل حبيس النظرة التقليدية للمهنة، ولم يستطع إقرار شكل جديد للممارسة المهنية، حيث أضاف تسمية أسلوب الشركة المهنية لكن بمضامين أسلوب « المشاركة » الذي أبقى عليه (32) ، حيث نص على أن يكون كل الشركاء في الشركة محامين مسجلين في جدول نفس الهيئة، وبالتالي عدم السماح بتأسيس شركة من طرف محامين منتمين لعدة هيئات كما سمح بذلك القانون الفرنسي، مع ما يعنيه ذلك من إتاحة فرص أرحب للعمل المهني من خلال شركات ممثلة على صعيد خريطة الهيئات بالمغرب .
كما أن المشرع المغربي اقتصر على السماح بتأسيس الشركة المدنية المهنية، بينما الملاحظ أن مجال الممارسة الجماعية للمهنة عرف عدة تطورات على الصعيد العالمي ، وظهرت عدة أشكال للشركات والتجمعات المهنية، كشركة الممارسة الحرة ذات المسؤولية المحدودة SELARL ، وشركة الممارسة الحرة مجهولة الاسم SELAFA  ، وشركة التوصية بالسهم SELCA ، والمجموعات ذات المنفعة الاقتصادية G I E ، والشركات المتعددة الجنسيات…
بينما المشرع المغربي لا زال لا يعترف بالشركة المهنية ذات الشكل التجاري كما سبقتنا الى ذلك العديد من الدول المشابهة للمغرب كتونس مثلا التي نظمت هذا النوع من الشركات منذ سنة 1998 .
وفضلا عما ذكر فان المشرع المغربي لم يفرد للشركات المدنية المهنية للمحاماة أية امتيازات ضريبية أو تحفيزات تشجع المحامين على التكتل في إطارها، من قبيل ما نص عليه المشرع التونسي في الفصل 26 من القانون المتعلق بالشركات المدنية للمحاماة الذي شمل شركات المحامين بالامتيازات المنصوص عليها بمجلة تشجيع الاستثمارات،ونذكر منها إعفاء نسبة 35 من الأرباح الصافية الخاضعة للأداء على مداخيل الأشخاص الطبيعيين أو الشركات، والاستفادة من بعض الإعفاءات الجمركية بخصوص التجهيزات المستوردة، ومساهمة الدولة في أقساط الضمان الاجتماعي، وكذا استفادة الشركات المهنية من منحة الاستثمار ومنحة مساهمة الدولة في مصاريف دراسة المشاريع …
كما تجدر الإشارة إلى أن القانون المغربي ورغم إقراره لنظام الشركة المدنية المهنية ، فانه لم يتضمن أية مقتضيات جديدة تعترف بوضعية المحامين المساعدين، خصوصا وأن قانون المهنة لا يعترف بوضعية المحامي الأجير، وهو ما يطرح التفكير بإلحاح في إعادة النظر في هذا المقتضى حفاظا على حقوق فئة عريضة من المحامين المساعدين الذين قد يشكلوا عماد الشركات المدنية المهنية، دون أن يوازي ذلك التوفر على أية حماية قانونية خاصة ، نظير ما نص عليه القانون التونسي بخصوص إمكانية مباشرة المحامي للمهنة داخل شركة مهنية في نطاق عقد تعاون أو عقد خدمات بمقتضى عقد مكتوب يبين مهام المحامي ومدة العقد والمقابل الذي يتقاضاه .
وعموما يمكن القول أن الشركة المدنية المهنية للمحاماة حلقة أولى في مسلسل تطوير الممارسة الجماعية لمهنة المحاماة بالمغرب، لأنه أصبح ضروريا على المحاماة أن تتأسس وأن تشتغل في سياقات جديدة لم يعد مكتب المحامي الفرد كافيا لأداء رسالة الدفاع في المستوى المطلوب ، كما أننا محتاجين إلى مستوى جديد من الأداء على مستوى الشركات المدنية المهنية، ليصبح الموكل متعاملا مع مهنة المحاماة من خلال مؤسسة لا من خلال فرد كما أعلن عن ذلك من نوايا بمناسبة مناقشة مقترح قانون لتنظيم الشركات المدنية المهنية للمحاماة بمجلس النواب 
(33) ، وذلك طبعا في أفق النهوض بالمهنة وتأهيلها لمجابهة التحولات العميقة التي يشهدها تحرير مجال الخدمات القانونية بالعالم .                                                                                                                                             .blogspot.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...