الطفل المهمل في القانون المغربي 


الطفل المهمل في القانون المغربي   

فقبل أن أنظر في تعريفه المنصوص عليه في القانون المتعلق بكفالة الأطفال المهملين ،أرى من الأفضل أن أسوق تعريف الفقه الإسلامي للطفل المهمل .

  المطلب الأول: مفهوم الطفل المهمل في الفقه الإسلامي:

    تعددت تعاريف الطفل المهمل في الفقه الإسلامي وذلك حسب المدارس الفقهية.

    1 – تعريف المالكية: عرفه ابن الحاجب بقوله :” طفل ضائع لا كافل له.” الملاحظ أن هذا التعريف قيد اللقيط (الطفل المهمل) بالضائع مع أن الغالب عليه النبذ وليس الضياع فقط

   2 – تعريف الشافعية : قال في تعريفه الشربيني الخطيب في مغني المحتاج :”صغير منبوذ في شارع أو مسجد أو نحو ذلك لا كافل له معلوم ولو مميزا.” ويؤخذ على هذا التعريف أنه أدخل فيه صاحبه ما ليس فيه كذكر الأماكن ،وهي زيادة لا غير.

   3- تعريف الحنابلة: عرفه الخطاب الكلوداني ب :”الطفل المنبوذ.” يلاحظ أنه اقتصر فقط على النبذ دون الضياع كما يلاحظ أيضا   أنه لم ينص على الجهل بكافله.

     بعد هذا الكلام، لا بد أن نأتي بتعريف مختار   ومقبول،وهو ما نجده عند ابن عرفة المالكي في حدوده :”صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه.” فهذا التعريف نص على الصغر حيث تنعدم القدرة على القيام بأمور ومصالح النفس،وتستمر هذه الصفة إلى البلوغ.

  وأما قوله:”لا يعلم أبوه ولا رقه.”فقد رام من وراء ذلك، إخراج من علمت أمه فقط.

   وماذا عن تعريف الطفل المهمل في القانون العصري؟

  مطلب ثاني:تعريف الطفل المهمل في القانون الوضعي:

    نصت المادة الأولى من القانون المتعلق بكفالة الأطفال المهملين على أنه :”يعتبر مهملا الطفل من كلا الجنسين الذي لم يبلغ سنه ثمان عشرة سنة شمسية كاملة إذا وجد في إحد الحالات

التالية :

  _ إذا ولد من أبوين مجهولين أو من أب مجهول وأم معلومة تخلت عنه بمحض إرادتها.

  _ إذا كان يتيما أو عجز أبواه عن رعايته وليست له وسائل مشروعة للعيش،

  _ إذا كان ابواه منحرفين ولا يقومان بواجبهما في رعايته وتوجيهه من اجل اكتساب سلوك حسن ، كما في حالة سقوط الولاية الشرعية ،أوكان أحد ابويه الذي يتولى رعايته، بعد فقد الآخر، أو عجزه عن رعايته، منحرفا ولا يقوم بواجبه المذكور إزاءه.”

   فكما أن هذه المادة تقدم لنا تعريفا شاملا للطفل المهمل ،إلا أنه بإمعان النظر فيها نستطيع أن نستخلص منها الأسباب التي تكون وراء إهمال الطفل والتخلي عنه،وهذه الاسباب هي :

    1_ الصغر وعدم البلوغ.

   2_ الاتصال غير الشرعي بين الجنسين.

   3_ موت والدي الطفل ،ولا يعرف له كافل غيرهما.

   4_ شدة الفقر والعجز عن القيام بكفالته.

   5_ انحراف الأبوين أو أحدهما.

   6_ الطلاق.

   وقد تطرق لبعض هذه الأسباب التعريف التالي الذي أورده محمد الدريج في كتيبه الموسوم ب”الأطفال في وضعية صعبة”:”إنهم الأطفال المتخلى عنهم والذين يولدون لآباء وأمهات مجهولين أوغير مرتبطين بزواج شرعي،فإما ينبذون أطفالهم ويتخلون عنهم   بشكل أو بآخر،أو يعيش الأطفال في كنفهم،ولكن في وضعية صعبة بحيث يصبحون في هذه الحالة في حاجة لمساعدات من الدولة والسلطات العامة”

   فهذا التعريف لم يكتف فقط بالإهمال والتخلي عن الأطفال،وإنما ألحق بهم حتى أولئك الذين يعيشون في كنف العائلة ولكن في وضعية صعبة بسبب انحراف الآباء أو مشاجرتهم أوسوء المعاشرة،وهوما عبر عنه التعريف ب”الوضعية الصعبة”.

  وإذا كان هذا هو حال الطفل المهمل الوصفية ،فما هي حالته ووضعيته في القانون؟

    مبحث ثاني: الوضعية القانونية للطفل المهمل:

    توجب الإنسانية لكل شخص العيش الكريم والتمتع بكامل الحقوق الإنسانية،لكن حين تضمحل الأخلاق،وتتفشى القسوة واللامبالاة،فإنه لابد من قانون يحمي إنسانيتنا من الخدش ،ويضمن لها حقوقها ،ومن بين الأشخاص الذين جاء القانون ليرد لهم الاعتبار المادي والمعنوي،نجد الأطفال المهملين،فكيف تم ذلك؟

    فحرصا منه على رعاية الطفل المهمل،أوجد القانون ملاذا لحمايته من الانحراف والزيغ،وذلك عن طريق الكفالة،فما المقصود بها؟ الجواب في المادة الثانية من القانون المتعلق بكفالة الأطفال المهملين التتي نصت على أنها”الالتزام برعاية طفل مهمل وتربيته وحمايته والنفقة عليه كما يفعل الأب مع ولده ولا يترتب عن الكفالة حق في النسب ولا في الإرث”.

   فهي إذن التزام قانوني إرادي ،يشمل الجوانب المادية والمعنوية المتعلقة بالطفل المكفول،وتجدر الإشارة إلى أن الكافل يمكن أن يكون شخصا طبيعيا كما يمكن أن يكون شخصا معنويا . ولا يترتب عن الكفالة حق في النسب ولا في الإرث،وأعتقد بأن المشرع المغربي هنا يشير إلى إبطال التبني في الإسلام وتحريمه .

      وإذا كانت الكفالة حق الطفل المهمل بسند قانوني،فما هي الشروط المطلوبة لكفالته؟

   المطلب الأول: الشروط المطلوبة لكفالة طفل مهمل:

     لا تسند كفالة طفل مهمل لأسرة ما إلا إذا توفرت فيها الشروط التالية :

        1_ أن تكون الأسرة مكونة من زوجين مسلمين ومستوفيين للشروط التالية :

                = بالغان سن الرشد القانوني   و صالحان للكفالة أخلاقيا واجتماعيا وماديا.

               = لم يسبق أن حكم عليهما أو على أحدهما بجريمة مخلة بالأخلاق أو لها علاقة بجريمة مرتكبة ضد الأطفال .

               = سالمان من أي مرض معد ومن أي مانع من تحمل المسئولية .

               = ليس بينهما وبين الطفل الذي يرغبان في كفالته أي نزاع قضائي أو خلاف عائلي .

          2_   ويمكن للمراة تولي كفالة الطفل المهمل بتوفر الشروط المذكورة أعلاه

(م. 9).

     وفي حالة الشخص الطبيعي ،فإنه تسند الكفالة للشخص المعنوي المتمثل في المؤسسات العمومية ذات الطابع الاجتماعي والمعترف لها بصفة المنفعة العامة ،ومتوفرة على الوسائل المادية والمعنوية للقيام بهذه المهمة ،ومن بينها التنشئة الاسلامية(م.9). وتنصيص المشرع المغربي على التنشئة الاسلامية يعني إرادته على الحفاظ على الهوية الإسلامية للطفل المهمل ،كما يفهم منه عدم جواز ترك الطفل المهمل من أصول إسلامية لأسرة غير إسلامية تقوم بكفالته،ولا لمؤسسة شأنها كذلك .

    وإذا تعددت طلبات الكفالة فإنها تسندإلى :

                    _ الأسرة التي لانسل لها ،

                    _ أو للتي ظروفها المادية افضل (م.10 ).

 وتجدر الإشارة إلى أن توفر الأسرة على أطفال لا يمنع من كفالة طفل مهمل شريطة استحضار مبدأ المساواة بينهم (م.11). بخلاف القانون السعودي الذي يشترط على الأسرة الكافلة ذات أطفال ،ألا يزيد عددأطفالها ممن هم دون السادسة من العمر عن ثلاثة . وتتم كفالة   طفل مهمل بالغ بموافقته في حالة كان الكافل شخصا طبيعيا ،أما إذا كان الكافل شخصا معنويا فلا تشترط موافقنه (م.12) .وأخيرا،لا يجوز تعدد الكفلاء بخلاف المكفولين(م.13) .

   وإذا كانت كفالة طفل مهمل تخضع لهذه الشروط ،فما هي الإجراءات المتبعة في ذلك ؟

    المطلب الثاني : المسطرة الواجب اتباعها لكفالة طفل مهمل :

   نجمل هاته الإجراءات في النقط التالية :

       1_ يقوم   القاضي المكلف بشؤون القاصرين الواقع بدائرة نفوذ مقر إقامة الطفل المهمل،بإسناد الكفالة للراغب فيها (م.14)،وذلك بعد تأكده من توفر الشروط المذكورة في المادة التاسعة (المطلب الأول).

       2_ في حال إسناد الكفالة للشخص أو للجهة الراغبين فيها،فإنه يتعين عليهما تقديم الوثائق التالية :

               = طلب إسناد الكفالة ،

                = وثيقة تثبت استيفاء الكافل للشروط الواردة في المادة التاسعة ،

                = نسخة من رسم ولادة الطفل المعني بالكفالة (م.15).

   تسلم هذه الوثائق إلى القاضي المكلف بشؤون القاصرين،من أجل قيام هذا الأخير،بالتحريات الواجبة لجمع المعلومات والمعطيات المتعلقة بالظروف التي ستتم فيها الكفالة،وذلك عن طريق لجنة مكونة من :

         _ ممثل للنيابة العامة ؛

         _ ممثل للسلطة الحكومية المكلف بالأوقاف والشؤون الإسلامية؛

          _ ممثل للسلطة المحلية ؛

          _ ممثل للسلطة المكلفة بالطفولة .

      كما يمكن للقاضي توسيع دائرة بحثه استعانة بكل جهة أو شخص مفيد لهذه الغاية ،حتى يضمن للمكفول الحضانة الجيدة (م.16).

     3_ بعد إسناد الأمر بالكفالة للراغب فيها، عليه تعيين مقدم عنه(م.17).

     4_ يحضر تنفيذ الأمر بالكفالة ممثل النيابة العامة والسلطة المحلية والمساعدة الاجتماعية،إضافة إلى تضمين المحضر هوية الكافل والطفل المكفول،والأشخاص الحاضرون،وكذا مكان وساعة التسليم(م.18).

     5_ تختتم الإجراءات بتحرير محضر في ثلاثة نظائر يحتفظ بها هؤلاء على التوالي ،القاضي المكلف بشؤون القاصرين؛الكافل ؛والثالث يبقى في ملف التنفيذ (م.18).

يلاحظ من خلال هذه الإجراءات الصارمة أن القانون المتعلق بكفالة الطفل المهمل ،إنما شرع لإنصاف هذه الشريحة من المجتمع،لدلك نراه لم يكتف فقط بوضع المسطرة المتبعة للكفالة،بل أردفها بمسطرة أخرى للتنفيذ،وهو ما سنراه في الفقرة التالية.

   فقرة أولى: كيفية تنفيد الكفالة :

      كل ما له علاقة بكفالة طفل مهمل ،فإنه يعهد إلى النظر فيه إلى القاضي المكلف بشؤون القاصرين الواقع بدائرة نفوذه ؛فهو يقوم بمراقبة الكافل بمجموعة من الأبحاث التي يمكن أن تطلعه على مدى وفاء الكافل بمهمته او إخلاله بها؛وله ان يستعين في ذلك ب :

           أ\ النيابة العامة او السلطة المحلية أو المساعدة الاجتماعية أو الجهات المختصة والمؤهلة لذلك قانونا.

           ب\ اللجنة المنصوص عليها في المادة التاسعة .

      بعد توصل القاضي ببحث كاشف عن حياة الطفل المكفول،له اتخاذ جميع الحلول التي يراها تخدم مصلحة الطفل المهمل، بما في ذلك إلغاء الكفالة (م.19).

      إذا أبى الكافل الخضوع لقرار القاضي المكلف بشؤون القاصرين،فإن الملف يحال على النيابة العامة التي تتولى تنفيذه ولو بالقوة مراعية في ذلك مصلحة الطفل(م.20).

     وفي حالة تنفيذ الكفالة بكيفية جيدة،ماهي آثارالأمر المتعلق بإسنادها؟

   فقرة ثانية:آثار الأمر المتعلق بإسناد الكفالة:

     لامراء في أن الكافل يصبح مكفوله مثل ابنه ،بمعنى له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات التي ل وعلى أبنائه إن كانوا.

    فللمكفول على الكافل سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا،النفقة والحضانة والتنشئة السليمةنوالسهر عليها إلى حين بلوغه سن الرشد،وإذا كان المكفول أنثى فإن النفقة تستمر إلى الزواج.

    يستفيد الكافل من التعويضات والمساعدات الاجتماعية الممنوحة على الأولاد من طرف الدولة؛ويعتبر الكافل مسئولاعن أفعال المكفول؛(م.22).

    للمكفول الحق في الوصية والتنزيل وغيرها ،ويتولى أمرها قاضي القاصرين الواقع بدائرة الطفل المكفول (م. 23).

   إذا سافر الكافل بالطفل خارج الوطن،فإنه يجب عليه الحصول على إذن قاضي القاصرين،من أجل متابعة حالة الطفل المكفول عن طريق القنصلية المغربية(م.24).

   بعد التحدث عن الكفالة، وعن شروطها ،والمسطرة المتبعة في تنفيذها ،وأخيرا الآثار الناتجة عن الأمر بإسنادها،بقي أن نتطرق إلى الأسباب التي تنتهي بها الكفالة،ترى ماهي هذه الأسباب؟

  المطلب الثالث: أسباب انتهاء الكفالة:

    لخصت المادة الخامسة والعشرون أسباب انتهاء الكفالة في :

       أ\ بلوغ المكفول سن الرشد القانوني ؛وبالزواج إذا كان المكفول أنثى ؛أما المعاق فتستمر كفالته؛

     ب\ موت المكفول؛

     ج \ موت الزوجين الكافلين أو أحدهما وخصوصا المرأة؛

      د \ فقدان الزوجين لأهليتهمامع؛

      ه \ فقدان المرأة الكافلة لأهليتها؛

      و \ حل الشخص المعنوي الكافل؛

      ز \ إلغاء الكفالة بأمر قضائي .

  يمكن إضافة الطلاق إلى هذه الأسباب ،إلا أنه في هذه الحالة يمكن إسناد الكفالة لأحدهما بأمر قضائي(م.26)..                                                                                                                                                               startimes.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية خـــــطــــــة الـبـحـــــــث مـقـدمــــــة. المـبحث الأول: تحديد مفهوم ...