العدالة الناجزة مطلب الشعوب


العدالة الناجزة مطلب الشعوب

لا مراء بأن حكم الله سبحانه وتعالى يكون عدلاً مطلقاً إذ لا يعرف المحاباة ولا المجاملة ولا التحامل، فيقول في محكم كتابه الكريم «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» (الحديد: 25) ويقول عز وجل «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولاتكن للخائنين خصيماً…» (النساء: 105).

ولاشك أن في الواقع العملي كثيراً ما تثار مسألة غاية في الأهمية وهي كيف يُكوّن القاضي الجنائي عقيدته؟ أي كيف يطمئن القاضي الجنائي للأدلة ويقيم عليها حكمه؟ وهل للمتهم دور في تكوين تلك العقيدة خصوصاً إذا رفص القاضي الاستماع إليه خلافاً مع الدفاع؟ بل ويتساءل الكثيرون لما لا يلزم القانون القاضي الجنائي بتسبيب اطمئنانه، إلا إذا ثبت تعسفه في ذلك الإطمئنان وما أصعب ذلك؟ وهل الشك في الإدانة أو ترجيح البراءة أو الإدانة يستلزم البراءة أو تخفيف العقوبة فحسب، وذلك طبعاً من الناحية العملية البحتة، فالأمر من الناحية القانونية محسوم بقاعدة الشك تفسر لمصلحة المتهم وقاعدة الشك بالإدانة براءة كما هو الحال بالنسبة للشك في البراءة، فبعبارة أخرى نقول بأن البراءة كافية بالشك والإدانة يجب أن تؤسس على اليقين لا مجرد الترجيح والاحتمال.

وعليه أوضح أن القاضي الجنائي يفترض فيه أن يمر بثلاث مراحل لتكوين عقيدته القانونية القائمة على(اطمئنانه) إزاء أي واقعة من الوقائع المعروضة عليه كما رسمها له الفقه الجنائي، لينتهي بجمع أدلة الإدانة والبراءة فإن كان حصاد جمعه مجموعة أدلة إدانة كان يقينه نحو إدانة المتهم، أما إن كان حصاد جمعه دليل براءة واحد يفترض أن يكون يقينه باتجاه الحكم بالبراءة، وهي على النحو الآتي ذكره:

أولاً: مرحلة المشاهدة: وهي المرحلة التي يتم عرض الواقعة برمتها على (القاضي)عقب قرار الإحالة من قبل النيابة العامة، فيقوم القاضي الجنائي بهذه المرحلة بإعادة فحص وتمحيص الأدلة المقدمة في الدعوى الجنائية المعروضة عليه إعمالاً لمبدأ حق الدفاع كأن يسمع الشهود ويناقشهم أو أن يستجوب المتهم أعمالاً لمبدأ المجابهة بالدليل أو أن يعيد التحقيق معه أو أن يحيل المتهم للطبيب الشرعي أو أن يعاين الأدلة ومسرح الجريمة وسؤال المجني عليه وغيرها، فالأصل أن تبنى الأحكام الجنائية على التحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها في الجلسة، فلا يجوز لها أن تعتمد في اقتناعها على دليل لم يطرح في الجلسة.

وفي ذلك أوضح بأن قضايا (الرأي العام)، قد تضيف للقاضي معلومات شخصية، هنا يجب أن تكون للقاضي قدرة على الفصل ما بين الدليل الذي يجب أن يستنبطه من الأوراق واستبعاد أي معلومات شخصية مباشرة أو غير مباشرة كانت وليدة الإعلام مثلاً أو أي جهة أخرى كان لها وجهة نظر معينة.

كما أن المؤثرات الداخلية والخارجية، ينبغي ألا يكون لها أثر على إدراك القاضي وعلى حريته في القضاء ومنها وجود علاقات أو قيام مصلحة مثلا أو الخلافات الشخصية أو الطائفية، وكذلك الحالة النفسية والجسمية التي يكون عليها القاضي عندما يدرس الدعوى ويصدر حكمه.

بانتهاء هذه المرحلة تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة للقاضي الجنائي وهي مرحلة التردد.

ثانياً: مرحلة التردد: وهي التي يقوم فيها القاضي بمقارنة أدلة الإدانة وأدلة البراءة والنفي، فيقوم بوضع جدول أمامه ليحصر فيها ووفق اقتناعه الذاتي التصنيف لماهية كل دليل من الأدلة بما يراه ويفنده بما يتوافق مع العقل والمنطق والقانون.

فدليل الإدانة المؤدي للاقتناع هو الذي يأتلف مع المنطق السليم ويسلم به العقل بل ويتماشى مع ما أجراه القاضي من تحقيق مع المتهم وتفنيد للأدلة المطروحة، وهذا يعني أن ما اعتمده القاضي من أدلة يمكن أن يؤدي عقلاً إلى النتيجة التي خلص إليها. فاستقلاله بتقدير الأدلة مقيد بسلامة التقدير والاستدلال، فإذا كانا غير سليمين أو كانا قائمين على أسس ضعيفة وركائز واهية، فإن حكمه لن يكون سليماً ولن يكون متماشياً مع حسن تطبيق القانون وقدسية العدالة، فلا يجوز على سبيل المثال تأسيس الحكم بالإدانة على شهادة شاهد له مصلحة قائمة، عندها سيخلّ بمبدأ الحياد وفي ذلك ذهب بعض فقهاء القانون الجنائي في فرنسا للمطالبة بحظر شهادة مأمور الضبط (الشرطي) بمواجهة المتهم والذي قام بالقبض عليه، فالجانب المهني ومصلحته الظاهرة والقائمة يفرضان عليه تأكيد قيام دليل الإدانة قبل المتهم، فالعقل والمنطق يقولان بأنه سيكون أمام خيارين إما إدانة نفسه والطعن في عدم كفاءته في عمله أو إدانة المتهم، وبالتالي سيغلِّب مصلحة نفسه بطبيعة الحال.

ثالثاً: مرحلة اليقين: واليقين المطلوب بهذه المرحلة هو اليقين القضائي الذي يتحقق عن طريق قيام القاضي بالاستنتاج من خلال العقل والمنطق، بحيث يكون اليقين وليد هذا الاستنباط. ويذكر أن اليقين هنا مطلوب للحكم بالإدانة بينما مجرد الشك في البراءة أو حتى في الإدانة يستلزمان البراءة.

واليقين القضائي لكي يكون صحيحاً لابد أن يتحلى القاضي بمؤهلات ذهنية كما أكد ذلك الإمام علي (ع) في معرض حديثه عن ذلك الأمر، حيث أوضح بأن القاضي يجب أن يتحلى بسرعة البديهة والإدراك والذكاء والقدرة على أخذ القرار المستقل القائم على يقينه المتصل بأوراق الدعوى دونما شيء سواها.

من خلال المراحل الثلاث يقوم القاضي بالتوصل للحكم أياً كان البراءة أو الإدانة بحسب الأدلة المطروحة طبقاً ليقينه القضائي وما إلى ذلك.

إلا أن الواقع العملي القضائي مازال يلهث وراء تطبيق مراحل اليقين القضائي دون جدوى، فمازال الشك في الإدانة أو البراءة يجعل القاضي سائراً باتجاه تخفيف العقوبة فحسب دون البراءة.

إلا أن ذلك الأمر يعد نزولاً منه عما أقرته المبادئ الجنائية الفقهية في ذلك، حيث حددت بأن طريق الشك نحو البراءة أو الإدانة يتجهان نحو البراءة فقط بينما الطريق نحو الإدانة دون ذرّة شك بسيطة في البراءة يؤديان للإدانة. «فإفلات مجرم من العقاب أولى من الافتئات على حقوق وحريات الناس».

ونتمنى أن يتم الأخذ بهذه القواعد تماشياً مع قضاء جنائي عادل بإذن الله تعالى، فالقضاء الجنائي مؤسسة مهمتها الحكم بالعدل والقسط، ولايكون ذلك إلا بالعمل على إبراز الوقائع واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض، تدعمها أدلة إدانة قاطعة وحاسمة لا يتطرق إليها الشك والشبهة ولا يلتبس فيها الاحتمال، وكل دليل يحمل بين طياته شكاً أو شبهة أو احتمالاً يجب أن يكون مصيره الإهمال والطرح لكي يسود الحق ويقوم العدل.

وعليه أرى أن يتم تفعيل الآتي ذكره تحقيقاً لقدر أكبر من العدالة الجنائية:

– عدم الاعتداد بالاعتراف كدليل والذي يتم أمام جهتي الشرطة والنيابة العامة، وخصوصاً إذا ما أثيرت وجود شبهة تعرض المتهم للإكراه وما إلى ذلك، والرجوع بما يقرّ به المتهم أمام المحكمة سلباً أو إيجاباً ومن ثم تفنيدها وتمريرها بمراحل اليقين القضائي، وذلك الأمر تماشياً مع عقيدة الاطمئنان التي يتبناها القاضي الجنائي وحده، كذلك فإن مسألة تعرض المتهم للإكراه والتعذيب يصعب بل يستحيل إثباتها إذا ما كانت من جهة الاستدلال، وذلك لأن القائم بالاستدلال ينفرد وحده مع المتهم بتعذيبه، بل وفي الغالب الأعم يضرب بالأماكن التي لا تظهر آثارها بالتقارير الطبية فيصعب كنتيجة الحصول على مستمسك للقضاء، ومما يذكر في هذا الصدد أن بعض رجالات الفقه الفرنسي قد نادوا بطرح الاعتراف الصادر من المتهم أمام جهتي الاستدلال والتحقيق.

– المساواة في المراكز القانونية بين شهود الإثبات وشهود النفي، كثيراً ما نجد بالواقع العملي بأن أقوال شهود الإثبات خصوصاً إذا ما كانوا من جهة الاستدلال تحمل قوة ثبوتية خاصة ومغايرة تماماً لشهود النفي الذين يكونون من عامة الناس والتي تطرح إفادتهم في الغالب في بعض القضايا الجنائية التي تحمل خصوصية معينة، وينبغي التوجه نحو تبني فكر القضاء الفرنسي في حظر الاعتداد بشهادة مأموري الضبط والقائمين بالقبض على المتهم، وذلك لسبب بسيط مفاده قيام مصلحتهم الظاهرة وعدم حيادتهم، فمن الطبيعي بمكان أن مأمور الضبط الذي يتلقى برقية من مركز الشرطة الذي تربطه به علاقة تبعية وإدارية ووظيفية بأن هناك حالة حرق أو تجمهر مثلاً ويقوم على إثرها مأمور الضبط بالتحرك لمباغتة الجناة، فإن وجد الواقعة الإجرامية حاصلة ولم يجلب أحد سيتعرض لمساءلة تأديبية تصل لفصله من العمل، وبالتالي فإن أمر قيامه بالبحث عن مرتكبي الفعل الإجرامي ستكون ملحة جداً بمنظوره، وإن خالف صحيح القانون بضوابط القبض وما شابه ذلك.

– الاستماع لأقوال المتهم والسماح له بالكلام بأي وقت يشاء أثناء سير القضية الجنائية مع عدم الإخلال بوقت المحكمة طبعاً، وذلك لأن بإسقاط ذلك الأمر طرح لأهم حقوقه في الدفاع بغض النظر عن وجود محامي معه أو لا، أما الواقع العملي فيشهد وللأسف الشديد حالات كثيرة يمتنع فيها القاضي الجنائي عن سماع المتهم وبيان ظروف القبض عليه أو تعذيبه وما إلى ذلك، رغم أهمية ذلك في تكوين عقيدته بشكل صحيح بل ويكتفي بالقول «لن أسمعك طالما لديك محامٍ»، وفي ذلك مصادرة صريحة لحقوق المتهم في الدفاع والكلام.

– عدم الاعتداد بأقوال المصادر السرية (المخابرات بالمصطلح الدارج) في مرحلة المحاكمة وعند تكوين العقيدة القضائية، وذلك تماشياً مع الاتجاه الحديث في التشريعات الجنائية الحديثة وعلى رأسها التشريعات الفرنسية التي قد سارت حديثاً نحو عدم الاعتداد بأقوال المصادر السرية والتي يستعين بها رجال الشرطة لجلب المتهمين المتورطين بإحدى القضايا، إلا أن الطريف في الأمر أننا مازلنا بالدول العربية نقوم، وبقضائنا الجنائي القائم على الاطمئنان، بالاطمئنان لأقوال المصادر السرية التي يرفض مأمور الضبط التصريح عن أسمائها بل وهوياتها على سند من القول بأن ذلك لحمايتهم ولا يثور ببالنا بأن المصادر السرية التي غالباً ما يستعان بها من ذات المنطقة التي يقبض منها المتهم ووجود علاقة ما بين المتهم والمصدر، قد تؤدي لانتقام الأخير من الأول، بل والأدهى والأمرّ أن هناك مصلحة جدية قائمة للمصدر السري الذي يتقاضى مبالغ مالية على كل متهم يجلبه لقضية ما، زد على ذلك بأن قول القضاء بالاطمئنان للمصادر السرية تعني منح قدر أكبر من المركز القانوني للمصدر السري المجهول عنه لشهود النفي أو الإثبات المعلومين، كما أن الأطرف في الموضوع ذاته تبني قول المصادر السرية على التواتر (أي من مصدر سري لمصدر سري آخر وهكذا وصولاً لمأمور الضبط فأي قيمة ثبوتية لذلك المصدر بعد تواترها!).

– التخلي عن العقيدة القضائية السابقة وتبني فكر معين لإدانة فئة معينة بغض النظر عن ملابسات القضية، وعدم ركون القاضي الجنائي لظروف شخصية أو مؤثرات خارجية كالإعلام مثلاً أو مؤثرات داخلية كخلافات طائفية وما شابه ذلك في تكوين عقيدته قبل الشروع في البحث في أوراق وملف الدعوى بل وقبل تلاوة لائحة الاتهام على المتهم، ونضرب مثالاً من الواقع العملي من المتصور حدوثه وهو أن يردد القاضي عبارة (إذا لم ترتكب أنت (أنت) تلك الجريمة فمن ارتكبها إذن…؟!) فهل سيكون لذلك القاضي عقيدة قضائية صحيحة بعد ذلك؟!

وأخيراً أجد بأننا جميعاً غايتنا هي العدالة الناجزة، ولن يكون ذلك إلا بإيجاد معايير صحيحة لتكوين عقيدة قضائية قائمة على أوراق الدعوى بعد عرض وتفنيد أدلتها والاقتناع بعناصر الإثبات فيها والابتعاد عن سياسة القص واللصق في الأحكام.

إعداد:ذة/نفيسة دعبل

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...