العدالة وحقوق الانسان


العدالة وحقوق الانسان

كلمة العدالة تعني أمرين: الإنصاف بكل معانيه الذي يجب أن يسود العلاقة بين الأفراد بعضهم ببعض وفي علاقتهم مع مؤسسات الدولة، تعني الجهاز الذي يتولى أمر تحقيق العدالة وهو الجهاز القضائي بجميع مكوناته.
أما حقوق الإنسان فهي تعني جملة من الحقوق الطبيعية المرتبطة بالإنسان باعتباره كائنا بشريا.
العدالة لها مفهوم مجتمعي ويختلف المفهوم من مجتمع إلى آخر كما يختلف حسب تطور الوعي المجتمعي (لاحظوا تطور عقوبة الإعدام مثلا وتطور القصاص والثأر).
حقوق الإنسان وإن كان هناك تقارب بين المجتمعات حول مفاهيمها (عالمية حقوق الإنسان) فإن ضمان التمتع بها يعرف تباينات كبيرة.
ويمكن القول بأن العدالة كفكرة فلسفية أصبحت مطلبا لجميع المجتمعات، وبشعارها نحارب الظلم والطغيان والتسلط والشطط وكل ما ينتج عن ذلك من انعدام المساواة وهضم للحقوق.
وبهذا المعنى تصبح العدالة من أرقى حقوق الإنسان.
وسواد العدالة داخل المجتمع تحصين له من أي نوع من أنواع الإضطراب (نزاعات صراعات حروب) بحيث يصبح المجتمع برمته جانحا للسلم والتسامح. ومن تم يصبح واجب تحقيق العدالة حقا لكل فرد من أفراد المجتمع
مسئولية تحقيق العدالة تقع على الجميع، افرادا وهيئات منظمة، كل يساهم بنصيب في إقامة العدل في المجتمع.
بمعنى آخر فإن العدالة سلوك، يتحدد على ضوء النظام التربوي السائد في المجتمع، والنظام التربوي يمكن لنا التحكم فيه وتوجيهه حسب تصورنا للمشروع المجتمعي الذي نسعى إلى بنائه.
دور الدولة في تحقيق العدالة مهم وخطير في آن واحد. ولذلك فإن الأنظمة الديمقراطية تقوم على أساس الفصل بين ثلاث سلط منها السلطة القضائية المعهود لها بالفصل في النواعات بما يقتضيه القانون، في استقلال تام عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وبما أن مهمة السلطة القضائية هي تحقيق العدالة فإننا نسميها في الغالب باسم المهمة المسندة إليها ونقول جهاز العدالة.
ولذلك فإننا حينما نستعمل تعبير إصلاح العدالة أو إصلاح القضاء فإننا نقصد بذلك الجهاز الذي يتولى مهمة القضاء أو مهمة تحقيق العدالة.
بما أن تحقيق العدالة من مسؤولية المجتمع أفرادا وجماعات فإن المجتمع يبدع من الآليات مايراه كفيلا بضمانها، من محاكم بمختلف تخصصاتها ودرجاتها، ومؤسسات لها دور إرشادي أو تنويري، مثل المؤسسات الدينية والهيئات السياسية والنقابية والحقوقية والجمعوية، إلى مؤسسات وطنية متخصصة كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي صدر ظيهر جديد لإعادة هيكلته، ومؤسسة الوسيط. ويمارس المجتمع عبر مختلف الآليات التي يحدثها رقابته على كيفية تحقيق العدالة.
النقاش الدائر منذ مدة حول إصلاح القضاء وجهاز العدالة لم يبلور بعد أي تصور شمولي. بالرغم من المبادرات التي تمت لحد الآن (إحداث محاكم إدارية، وتجارية، والرهان على دور المسؤولين القضائيين وتحفيزهم على تنظيم ندوات تكوينية…).
هذه المبادرات تحاول خلخلة هذا القطاع و تحسيس العاملين به ومحيطه أيضا بأن العزم منعقد من أجل ترجمة الإرادة المعبر عنها في ديباجة الدستور والتي تلزم المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، إضافة إلى الإشارات القوية المتمثلة في الإفراج عن معتقلين سياسيين كان الجهاز القضائي قد أنزل في حقهم عقوبات قاسية.
محاولات إصلاح العدالة بدأت منذ حصول المغرب على الاستقلال، ومن محطاته نذكر قانون مغربة وتوحيد وتعريب القضاء لسنة 1965 التي تلتها عدة إشارات مضمنة غالبا في الخطابات التي تلقى بمناسبة انعقاد دورة المجلس الأعلى للقضاء أو بمناسبة افتتاح السنة القضائية، وكلها تخاطب السادة القضاة وتحاول تحفيزهم على التكوين ونكران الذات في سبيل إقامة العدل لضمان الاستثمار وإنعاش الشغل.
النظام العالمي الجديد فرض نمطه على الجميع، ومن لا يملك القدرة على التنافس لن يجد مكانه في النظام الجديد المعتمد أساسا على الوسائل التكنولوجيا المتطورة، وجلب الاستثمارات لتحقيق تنمية اقتصادية توفر الازدهار لأفراد المجتمع.
لنتأمل حالة صاحب الماشية الذي يرعى ماشيته ويتوجه بها إلى الأماكن التي يتوفر فيها الكلأ والأمان، كذلك صاحب الرأسمال يذهب بأمواله ليستثمرها في المناطق “الآمنة” بعيدا عن المناطق المتسمة بعدم الاستقرار والتي تنعدم فيه الضمانات.
ولذلك نرى الكثير من الدول تراهن على إصلاح القضاء باعتباره ضامنا ووسيلة لجلب وطمأنة المستثمرين.
النهج الجديد المتبع لإصلاح القضاء يعتمد على مراحل.
في المرحلة الأولى تم إحداث المحاكم الإدارية لإنصاف الأفراد من شطط الإدارة.
في المرحلة الثانية تم إحداث المحاكم التجارية متخصصة لمعالجة صعوبات المقاولة وضمان استمرارية نشاطها.
وهناك مشروع للمحاكم المالية.
استراتيجية النهج الجديد، ربما اقتناعا منه بأن الإصلاح الشامل لا زال بعيد المنال، دفعته إلى إخراج بعض القضايا ونزع اختصاص البت فيها من القضاء العادي وإسناده لقضاء متخصص في انتظار توفر شروط الإصلاح الشامل. لأن الإصلاح الشامل متوقف على إصلاح المحيط العام (الرشوة مثلا لن يعود هنالك مجال لمحاربتها حين يرفض المتقاضون دفعها ويكفون عن البحث عن وسيط ليوصلها، والرشوة تعبير عن انعدام الثقة في القضاء).
ترجمة التزام المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا من مسؤولية الجميع كما اسلفنا أفرادا وجماعات ومؤسسات.
وعندما تقع انتهاكات لحقوق الإنسان فإن ذلك يعني أننا لا نقوم بمسؤوليتنا على أحسن وجه.
فظاهرة الإفلات من العقاب تعني أن جهازنا القضائي عاجز عن القيام بمأموريته وعلينا أن نبحث في مكامن الخلل لنعالجها.
هنالك عدة عوامل تعوق جهازنا القضائي في القيام بمأموريته على أحسن وجه منها:
ـ النقص في التكوين ـ نقص في التجهيزات ـ نقص في الموارد البشرية ـ ارتباط عمل الجهاز القضائي بعمل مصالح أخرى خارجة عن سيطرته (شرطة قضائية ـ مصلحة تسجيل ـ السلطة المحلية).
كيف نطلب من قاض أن يحاكم الناس محاكمة عادلة دون أن نمكنه من الإطلاع على معايير المحاكم العادلة المتعارف عليها دوليا؟.
كيف نطلب من قاض أن يراعي مقتضيات العولمة دون أن نمكنه من الإطلاع على مستحدثاتها.
كيف نطلب من قاض أن تكون أحكامه مضاهية لأحكام نظرائه في الدول المتقدمة دون أن نمكنه من الإطلاع على تجاربهم وإنتاجاتهم.
كيف نطلب من قاض أن يحكم وفق مقتضيات حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا دون أن نمكنه من الإطلاع عليها وعلى تطبيقاتها في مختلف الدول.
كيف نطلب من قاض أن يخصص وقتا كافيا لمناقشة قضية والتأمل فيها ونمارس عليه في نفس الوقت ضغطا من أجل انتاجية كمية أكبر.
ارتفاع نسبة الصوائر القضائية يجعل حق اللجوء إلى القضاء غير متاح للجميع.
نظام التحكيم يحتاج إلى تشجيع خاص لأن من شأنه أن يخفف العبء على القضاء.
وضع سلم Barème لأتعاب المحامين والتراجمة واعتبارها من صوائر الدعوى من شأنه أن يحفز الناس على اختيار فض نزاعاتهم بطريقة ودية لأن اللجوء إلى القضاء من شأنه أن يحملهم المزيد من التكاليف.
تجهيز المحاكم بالحواسيب وتمكين المحامين من الإطلاع على الملفات عبر شبكة اتصال من شأنه أن يوفر الوقت لإعداد الأبحاث والدراسات التي من شأنها أن تساعد القاضي على بناء حكمه على أسس سليمة وفي غاية الجودة.
إغناء محطة وزارة العدل على الأنتيرنيت بنصوص المجموعات القانونية والاجتهادات القضائية وبيليوغرافية الدراسات والأبحاث الفقهية في مختلف المجالات وتمكين القضاة والمحامين من ولوجها في إطار اتفاقية شراكة بين وزارة العدل ونقابات المحامين.
دور المحامي أساسي في الرفع من مستوى وجودة الأحكام، ولكي يقوم المحامي بدوره لا بد له من تكوين جيد يشمل الجانب النظري (الاطلاع على مجمل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وضبط مختلف الآليات الدولية والإقليمية لحمايتها، والاطلاع على مختلف التقارير والاجتهادات التي تصدرها مختلف الهيئات الدولية والإقليمية المكلفة بحماية حقوق الإنسان، وتوسيع مدارك المحامي عن طريق الاطلاع على الاجتهادات القاضئية المقارنة).
إذ لا يمكن أن يكون للمحامي أي تأثير إذا لم يعزز مذكراته بآراء تساعد القاضي على بناء حكمه بشكل عادل ومنصف.
بمعنى أدق فإن عدم إإثارة انتباه القاضي إلى مقتضى من مقتضيات القانون أو ميثاق دولي تجعل مسئولية المحامي واردة إذا ترتب عن ذلك صدور حكم غير عادل. ولذلك فإن على المحامين أن ينظموا دورات تكوينية لتحسين أدائهم، وفي ذلك تحسين لأداء عمل جهاز عدالتنا.
ويبدو، على الأقل في الظروف الراهنة، أنه لا غنى عن نظام رقابي صارم، يتولى ردع كل الانحرافات وتعويض ضحياها. إذ لا معنى للعدالة إذا لم نعوض ضحايا الانحرافات.
على أنه مهما كانت المجهودات التي تبدل فلن تكون مثمرة إذا لم تواكبها حملة تحسيسية يدرك معها المواطنون بأن دور العدالة هو تحقيق العدل وإصدار أحكام وفق ما يقتضيه القانون بدون رشوة ولا تدخل.
وعلى القاضي أن يعلم أن المطلوب منه هو إحقاق العدل بمفهومه المجتمعي، لأن القاضي عندما ينطق بحكمه ويخرج الناس مستائين فذلك يعني أنه لم يوفق في ترجمة الحق والعدل كما يراه ويريده المجتمع.
وعلى المناضلين أن يشاركوا في حملات التوعية لإكساب المواطنين ثقافة حقوقية حتى يساهموا من جهتهم في بناء دولة الحق والقانون، وحتى نعيد للمواطنين ثقتهم في العدالة.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=136902&r=0


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...