الفكر الإسلامي، السياسة و الدين  و المرجعية الدستورية في أفق السلم الدولي  


 الفكر الإسلامي، السياسة و الدين  و المرجعية الدستورية في أفق السلم الدولي            

مقدمة:

على غير عادة الفلاسفة سأهتم بعلاقة السياسة بالدين من منظور المرجعية الدستورية، كما دأب ذ. عبد الهادي بوطالب على ذلك. و لكنني أتبنّى خلال ذلك موقفا فلسفياً نعتبر بموجبه أن المرجعية القانونية تعكس مرجعية أخلاقية محايثةًلها. سأبرز أن الممارسة السياسية ظلت بعيدةً عن استدعاء هذه المرجعية و ربطت السياسة بالمقاومة و نقد القانون الدولي و نقد العدمية الغربية داخل التيارات الدينية. كما سأبرز أن السياسة ارتبطت في البداية بالخلافة و بمفهوم الحاكمية لله. سنراجع الفكرة التي ترى أنّ السياسة ممارسة غير أخلاقية بقصد فصل الدين عن السياسة، مركزين على الارتباط الممكن بين قيم السياسة و قيم الدين و ليس بين السياسة و الدين بحدّ ذاتهما، و هذا ما يسمح بإبراز مساهمة الإسلام في القيم الكونية، بناءً على التقدم الحاصل في منظومة القيم على الصعيد الدولي.

 

الدستور مرجعية أخلاقية:

كان الرئيس الأمريكي جورج واشنطن، و هذا ما يذكره ذ. عبد الهادي بوطالب، قد أرسل إلى السلطان سيدي محمد بن عبد الله رسالة اعتراف بجميل المغرب، بعد أن كان البلد الأول الذي اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، و أرسل جورج واشنطون معها هدية إلى سلطان المغرب. ماذا عساها كانت تلك الهدية؟ يقول بوطالب:

 “و قد أبى الرئيس واشنطون إلا أن يرفق هذه الرسالة بنسخة من الدستور الأمريكي ليعرف دولة المغرب باتجاه الدولة الجديدة و يرسم له من خلال الدستور فكرةً مدقّقةً عن سياستها و اختياراتها.[1] و يضيف بوطالب أن المغرب عرف بعد ذلك “عهد الانهيار ثم عهد الاحتلال لأسباب”، معتبراً أنّ تلك الأسباب ترجع إلى أن المغرب قد تنكر في آخر عهده لمبادئ الحرية، فقام الحكم فيه على أساس غير سليم، و لم يستفد شيئاً من هدية الدستور الرمزية التي بعثها إليه رئيس دولة أمريكا الفتية الناشئة” (بوطالب1980، 263). و قد خلص بوطالب إلى أنّ غياب دستور يعترف بمبادئ الحرية و حقوق الإنسان كان هو مكمن الداء، و قد انتبه إلى ذلك بعض المغاربة لولا أنّ فرض الحماية سنة 1912 أقبر هذه المحاولة في المهد.

كانت هذه الملاحظة نظرة ثاقبة من ذ. بوطالب. فقد أصبحت الدساتير بالفعل بمثابة قاعدة أخلاقية عليا نحتكم إليها لفضّ المنازعات القانونية و هي قاعدة أخلاقية تنبني على شعور المواطنين في قرارة أنفسهم أن الحرية و المساواة و الإنصاف داخل إطار ديمقراطي من بين أهمّ ضمانات الحياة السياسية المستقرّة و العيش المشترك الآمن. و قد تطورت هذه الدساتير على المستوى الدولي و أحدثت تراكما ضخماً لا يمكن الإحاطة به، و استفادت من المستجدات الكونية الحاصلة على صعيد الحقوق و السلم الدولي. توجد استثناءات تؤكد القاعدة، مثل الدستور النازي و دساتير دول أوروبا الشرقية خلال الحرب الباردة. لا نجد اليوم على المستوى الدولي دستوراً يدعو إلى الحرب أو يحرّض على الكراهية أو يكرس العنصرية و الاسترقاق. هذهالبنيات المعيارية موجودة و تشكل تقدّما فعليا على مستوى الأمن الفردي و السلم الدولي. و النتيجة هي أنّ ظهور الأمم المتحدة و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان و المواثيق الدولية، كلّ هذه المؤسسات الرمزية قد شكلت الإطار المعياري الذي واكب السياسات الوطنية و الدولية. لكنّ هذا الإطار المعياري ظلّ على الدوام حبيس كليات العلوم القانونية، و ظلّ القانون و المحاكمات مقرونين على الدوام بالعنف الذي يمارسه الفكر المحافظ و تمارسه السلطة السياسية. لم يكن النضال السياسي مدّةً طويلةً يستنجد بحقوق الإنسان لاكتساب الشرعية، و لم تقترن السياسة بالمرجعيات الكونية إلا ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي بالمغرب.

السياسة و المقاومةنقد القانون الدولي

 كان الكفاح الوطني كما يقول عبد الهادي بوطالب يهدف إلى تحقيق الاستقلال و انتزاع السيادة على الدولة الوطنية[2] ، كما كانت المقاومة و الفداء و الثورة تمارس سحراً خاصّاً على العمل السياسي المغربي قبل استقلال المغرب و بعده.فقد اتخذت المقاومة و العنف و الثورة بعد الاستقلال دلالات جديدة من أجل الوصول إلى السيادة الكاملة و مواجهة الاستعمار الجديد و الغزو الثقافي و الإمبريالية، سواءً كان يتعلق الأمر بالاستعمار المباشر أو بالاستعمار الجديد و استرجاع السيادة السياسية الكاملة و السيادة الثقافية في العالم الإسلامي.

 كانت المذاهب اليسارية قد قادت في البداية مقاومة الاستعمار الجديد و مواجهة الرأسمالية المتوحشة في سنوات بعد الاستقلال، ثمّ ظهرت التيارات الدينية لتوجّه سهام نقدها إلى الغزو الثقافي و العولمة الدستورية و الاقتصادية و السياسية، و اعتبرت أنّ الإسلام هو دستور المسلمين. و قد اعتبرت بعض النظريات السياسية – التي تتذرّع بها التيارات المتطرفة، سواءً كانت دينية أو يسارية- أنّ القانون نفسه جزء من بنيات العنف الذي يتفشى في المجتمع، دون أن تتنبه إلى الرصيد التاريخي الذي جمعته الإنسانية عبر تاريخها الطويل. فقد ألقى مجموعة من الفلاسفة نظرةً نقديةً على القانون نفسه، و اعتبروا أنّ المسارعة إلى الاندماج في المحيط الدولي لا يعدو أن يكون تصوراً رومانسياً للقانون و يتجاهل عد قصدٍ أنّ القانون الدولي يقوم على العنف. لم يميز بعض الفلاسفة، مثل Agamben بين قوة القانون و عنف القانون و اعتبر دريدا Derrida أننا لمّا نخلع هالةً روحانيةً على القانون نسمح بتسلل العنف و التحكم إلى صلب القانون نفسه.

 يؤدي المجتمع ثمناً باهضاً حينما لحظة القبول عندما يتخلى عن أولوية القوانين الداخلية و يعترف بسموّ القانون الدولي، لأن التنازل عن السيادة القانونية الوطنية يفضي إلى التنازل عن الخصوصيات القانونية المحلية و يعتنق مبادئ العولمة القانونية. “فمع عولمة القانون لا توجد أحكام قانونية نهائية، بل توجد على الدوام أحكام قبل نهائية”.[3] و قد أدّى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا 1993 على سبيل المثال إلى رفض الاعتراف بالقوانين الداخلية التي تنتهك القانون الدولي. و قد اعترض كثير من المفكرين على مفهوم الحرب العادلة، من منطلق أن القانون الدولي لا ينبغي له أن يسمو على القانون الداخلي، ذلك أنّهم اعتبروا أنّ سموّ القانون الدولي على القوانين الوطنية مجرّد ذريعة تبنّتها الدول العظمى من أجل تجريد الدول الوطنية من سيادتها القانونية. و قد كانت التيارات السياسية الدينية أكبر مستفيد من مناهضة سيادة القانون الدولي، لأنها اعتبرت أنّ الاستعمار القديم قد عاد من خلال العولمة القانونية و السياسية بعد اندحار الاستعمار السياسي المباشر.

الدين و السياسة: نقد العدمية الغربية.

إنّ الصفة الأولى التي تميّز السياسة هي مواجهة القانون الدولي. هذا ما ابتدأ مع المذاهب اليسارية و وصل إلى نتيجته المنطقية مع التيارات الدينية. يعتبر المعترضون على العولمة القانونية نتيجة ذلك أنّ التمييز بين الدين و السياسة في المسيحية ليس مثالا يحتذى به في الإسلام. و اعتبرت أنه لا يجب الخلط بين الإسلام و الفساد السياسي الذي عرفته المسيحية و أدى إلى اندحار الكنيسة. فقد فقدت المسيحية سلطتها السياسية لأنها كانت قد دخلت في ثلاثة عقود من الحروب الدينية بين الكاثوليك و البروتستانت، كما أنّ اتفاقية السلام الموقعة في مونستر سنة 1648 قد أدّت إلى تعزيز سيادة الدولة الحديثة، و لكن بقدر ما كانت تلك السيادة نعمة على دول أوروبا، أي على الدول الموقعة على الاتفاقية، بقدر ما تحولت إلى وبال على باقي الدول غير الأوروبية، لأن الدول الأوروبية الكبرى آنذاك حظيت بضمانات قانونية تجيز لها القيام بحملات استعمارية و ممارسة تجارة الرقيق و إعلان الحرب عن حق أو عن غير وجه حقّ ضدّ أية دولة أخرى ذات سيادة. من هذه الزاوية نفهم لماذا لماذا برّر الفلاسفة الاستعمار باسم الحقّ الطبيعي.[4] و لم يتراجع الغرب عن الحقّ في الاحتلال إلا سنة 1928[5]، بعدما تمّ تجريد الاستعمار من مشروعيته القانونية. و قد كان ظهور نظرية الدولة التّنين مع هوبز و الكتاب الثاني للحكومة مع لوكإيذاناً بظهور صورة حديثة غير مسبوقة للدولة، و ارتفع مبدأ سلطان الإرادة إلى مبدأ تشريعي أسمى، و أصبحت الأخلاق بدون مضمون موضوعي و تحولت إلى أخلاق واجب و احترام للقانون، بصرف النظر عن أيّ مضمون محدّد. أصبح الغرب وضعياً من الزاوية القانونية و عدمياً من الزاوية الأخلاقية. بالمقابل، لم يسر العالم الإسلامي في ركاب الغرب و ظلّ إلى عهد قريب يحتكم إلى مضامين شرعية و أخلاقية لا تخضع للهوى. فالأخلاق ليست مجرد التزامات صورية و لكنها مضامين تفرضها التشريعات الإلهية و الأعراف المحلية. و تقوم السياسة على القيم الأخلاقية في مظاهرها الاجتماعية و الدينية، بناءً على ما يقرّره الفقهاء، دونما شعور بحاجة اجتماعية إلى تبنّي صورة الدولة الحديثة الغربية.

إلى حدّ الآن نجد تصورين متناقضين: نجد تصور عبد الهادي بوطالب الذي يعتبر أنّ الدستور من أعظم الهدايا التي يتقدم بها بلد ما إلى آخر، بناءً على أنّ بعض الدول قد تقتبس جزءا من قوانينها و دساتيرها من دساتير و قوانين تتمتع بجودة أعلى وضوحاً و دقةً في دول أخرى. التصور الثاني يعتبر أنه يجب حماية السيادة الوطنية، و حماية الشريعة الإسلامية من تسلّل القانون الوضعي، بما أنّ القانون يعتبر من بين أهمّ مظاهر السيادة.

الخلافة و المجال السياسي:

 كان سقوط الخلافة الإسلامية و إنشاء الدولة المدنيّة العلمانية بتركيا صدمةً كبرى للمسلمين، حينما تمّ تعويض مظاهر سيادة الدولة من خلال سيادة الشريعة بسيادة الدولة المدنية فقط. و قد اعتبر كثير من علماء الدين المسلمين أنّ التخلي عن الوظيفة السياسية التي يشغلها الدين خروج عن الإسلام نفسه. حينما كان فقهاء الدين يؤكدون في البداية صلة الدين بالسياسة كانوا يقصدون ربط الإسلام بالخلافة.

إذا ما عدنا إلى بداية القرن العشرين مع سقوط الخلافة العثمانية نجد أن عليّ عبد الرازق قد ميّز كذلك بين الدين و السياسة، معتبراً أنّ أصول الحكم في الإسلام لم تكن دينيةً، بما أنّ “الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، و أن تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة.”[6] () فمبادئ العقل و الدين غير مبادئ السياسة القائمة على البطش و العنف. و نظام الخلافة في الإسلام يقوم على مبادئ السياسة، و لا يقوم على مبادئ العقل و الدين. بطبيعةالحال، إذا كانت السياسة تقوم على البطش و العدوان فالدين منها براء، و لا يجب استحداث صلة بين الدين و السياسة. و لكن إذا ما ارتقت السياسة إلى مستوى خلق أجواء التعايش السلمي و احتكمت إلى قيم الشرعة الدولية لحقوق الإنسان و مبادئ الديمقراطية البرلمانية أو الدستورية يمكننا أن نناقش أطروحة عليّ عبد الرازق من جديد، لاسيما و أنّه يقول أنه ليس “بدعا في الدين، و لا شذوذاً عن مذاهب المسلمين، أن يذهب باحث إلى أنّ النبيّ عليه السلام كان رسولا و ملكاً، و ليس بدعا و لا شذوذاً أن يخالف في ذلك مخالف، فذلك بحث خارج دائرة العقائد الدينية التي تعارف العلماء بحثها، و استقرّ لهم فيها مذهبٌ، و هو أدخل في باب البحث العلمي منه في باب الدين.” (عبد الرازق06، 55). و قد دافع علي عبد الرازق عن فكرة أنّ “الرسالة غير الملك و أنه ليس بينهما شيء من التلازم” (55) بججج أجملها فيما يلي: دعوة الدين دعوة إلى الله بدون قوة و لا إكراه (على خلاف الإكراه في الدولة) أما الدعوة إلى الدين بالقوة أو الجهاد أو التدبير الاقتصادي فهي أمور تدخل في نظام الحكم المدني. الدين مرتبط بالعبادات بينما يقوم نظام التسيير و الحكم على المعاملات. غير أن هذا الموقف برأيي موقف ساذج و يستهين بحجج اللاهوت السياسي، و هو مذهب سياسي ظهر في مختلف الأديان و في قلب المذاهب اليهودية/المسيحية قبل أن تتبناه بعض المذاهب الإسلامية. يعتمد هذا اللاهوت على مبدأ “لا حكم إلا لله” و هو مبدأ يرجع في صورته الإسلامية إلى الخوارج الذين أعطوا “القضايا الدينية مضمونا سياسياً.” (الجابري 197). هناك من يكتفي بتفسير المذهب السياسي “لا حكم إلا لله” تفسيراً اجتماعياً بالخروج عن عليّ، لأن مرتكز الخوارج هو “أن الحكم ينبغي أن يكون لله وحده لا لنناس، و حكم الله تمثّل عندهم في أن تستمرّ الحرب ضدّ الفئة الباغية – أي فئة معاوية- حتى النصر أو حتى تفيء الفئة الباغية إلى أمر الله.”[7] و يعتبر محمد شحرور أنّ الخوارج يمثلون في الحقيقة موقفاً سياسياً خالصاً، و يفيد أنّ “كلّ من يثور على السلطة المستبدّة في مجتمعه يتهم بالخروج و المروق عن النظام.”[8] صحيح أن الثورة على الحكام كانت في الغالب باسم تحقيق العدل أو الصالح العام. غير أنّ اللجوء إلى حكم الله في المنازعات على السلطة السياسية كان أفضل طريق للاستيلاء على السلطة، و هو ما ظهر بوضوح في عقائد اللاهوت السياسي.

الخلافة لا تحتكر المجال السياسي للدين: علي عبد الرازق:

يميز علي عبد الرازق بين السياسة و الدين في تاريخ الأديان، بناءً على الحجة التالية: “كم لله من رسل لم يكونوا ملوكاً، بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رسلا فحسب. و لقد كان عيسى رسول الدعوة المسيحية، و كان مع هذا يدعو إلى الإذعان لقيصر، و يؤمن بسلطانه.. و لا نعرف في تاريخ الرسل من جمع الله له بين ‘الرسالة و المُلك إلا قليلا” (55) لم تكن زعامة موسى و عيسى في رأي عبد الرازق زعامةً ملوكيةً.

باءت كلّ محاولات تعويض الخلافة العثمانية بخلافة جديدة عربيّة هذه المرّة بالفشل. و لم تعد الخلافة جوهر السياسة في الإسلام المعاصر. و ظهرت قضايا سياسية غير مسبوقة في الدول العربية الجديدة بعد تفتيت الإمبراطورية العثمانية. عرفت هذه الدول ي مصر و سوريا و العراق صراعا كبيرا على السلطة في ظلّ تقلبات سياسيّة مستمرّة.

و قد قامت الدول العربية الفتية بتعويض مطلب الخلافة بهاجس إنشاء الدولة الوطنيّة. فكما انتهى عهد الإمبراطوريات في أوروبا بعد 1918 و انتهى دور سلطة الكنيسة في التحكم السياسي في الدول الأوروبية. و قد شرعت الحياة السياسية بعد نهاية الخلافة في وضع الدساتير و إنشاء الأحزاب. و قد أفرد ذ عبد الهادي بوطالب عنايةً خاصّة في كتابه عن الوحدة العربية بالدساتير التي كانت الدول العربية قد أصدرتها أثناء العرض الذي كان يقوم به ذ. عبد الهادي بوطالب للتقلبات السياسية و الصراع على السلطة داخل هذه الدول. لم يكن تقديم الدساتير المتوالية أقلّ أهمية لدى عبد الهادي بوطالب من تتبّع تلك التقلبات السياسية في تلك الدول. و قد جرت عادته أن يستعرض تلك الاضطرابات السياسية التي عرفها بلد عربيّ ما ثمّ يرفق ذلك بعرض المستجدات الدستورية أو التراجعات التي عرفها البلد بعد اقتراح دستور لم يكن يحمي الحقوق و الحريات. و هكذا، أورد ذ عبد الهادي بوطالب دستور 1923 الذي منحته بريطانيا لفلسطين و هو دستور كان يسوّي في الظاهر بين العرب و اليهود في الحقوق و الواجبات.[9] و أبرز كيف كانت سوريا و لبنان محكومتين بالنظام الدستوري الذي وضعه الانتداب الفرنسي و كيف تأثرت مصر بالتنظيمات الدستورية الفرنسية (27) و أبرز فشل مشاريع الوحدة العربية بين مصر و سوريا أو ليبيا، لأن “بعض الذين كانوا وراء تلك المشاريع اخترعوا مصطلحات لا نجد لها أثراً في الفقه الدستوري العالمي، حيث أطلقوا على مشاريعهم اسم الوحدة الاندماجية.. و الوحدة الاتحادية.” (ص 90) و أورد كلام عبد الناصر: “كان الهتاف بالوحدة العربية شعارنا. و لما هتفنا به لم نكن نفكر في الصور الدستورية، و إنما كان هتافا و تعبيراً عن عاطفة قوية تملأ نفوسنا” (91). كان الحكام العرب على وعي بأهمية الربط بين السياسة و الدستور. كانت السياسة تعني بالنسبة للدول الجديدة وضع الدساتير و سنّ القوانين و خلق هوية وطنية في ظلّ دولة مستبدّة عادلة و البحث عن الوحدة مع الدول المجارة، أملا في أن تحقّق الوحدة العربية ما لم تحقّقه الوحدة الإسلامية.

غير أنّ انهيار الخلافة العثمانية و زوال نير الاستعمار لم ينعكس بصورة إيجابية على الفكر السياسي. فقد ظل الربط بين السياسة و الخلافة فكرةً تحريضيةً على مناهضة استقرار الدول في الإطار الذي يكفله الدستور و القوانين الداخلية. و عليه، إذا ما كان النضال السياسي المدني قد اقتصر على الشأن الداخلي في حدود سيادة الدول، كانت استثمار الدين في السياسة يتجاوز الحدود الوطنية، معتبراً أنّ الإسلام دستور المسلمين قاطبةً، و يتجاوز حدود الدولة القطرية، ما دامت الحدود السياسية مجرد حدود وهمية وضعها الاستعمار، و ما دام مفهوم الدولة الذي كان زعماء النهضة يتطلعون إليه قد اقترن على العموم بالدولة الغربية الحديثة. و قد كانت فكرة أنّ الإسلام دستور كلّ المسلمين يتناقض مع مبدأ أنّ القانون لا يتجاوز في صلاحيته حدود الدولة القطرية، الأمر الذي كان يهدّد الدول الفتية بعدم الاستقرار. و قد كان هدف عبد الرازق هو أن يدعم أسس الدولة الوطنية، دون أن يتجاهل و هو عالم الأزهر رسالة الإسلام الكونية. و يشبه موقف علي عبد الرازق مذاهب كبار آباء الكنيسة المصلحين، القديس أغوسطين و توماس الأكويني و مارتن لوثر الإنجيلي، الذين أقروا أنه من واجب المؤمن أن يعلن الولاء لسلطان الدولة و طاعة الحاكم و لو كان طاغيةً. و هو موقف ساهم في اندحار اللاهوت السياسي و ساهم في ترسيخ دعائم الدولة الحديثة.

السياسة و الدين و الحاكمية لله:

 كان ارتباط الدين بالسياسة يعني اقتران الدين بالخلافة إلى حين سقوط الخلافة العثمانية. و بعد أن كانت الخلافة هي المظهر الأول الذي ظهرت فيه السياسة، ظهر مفهوم جديد لدى التيارات الدينية و يتعلق بالحاكمية. بعد فشل الإيديولوجيات السياسية عقب استقلال الدول العربية شرعت السياسة تقترن داخل الدين بالحاكمية لله. يذكر دعاة التيار الجديد أنّ الله قد سمّى نفسه بأسماء تدلّ على العزة و القوة و الجبروت، و يعتقدون في وجود صلة وثيقة بين الربوبية و التوحيد و الحاكمية. و يعتبرون أنّ الصراع بين الديانات صراعٌ سياسيٌّ، لأنه صراع هويات حضارية و ثقافية و لغوية. فقد كانت ديانات الوحي ثورة على ديانات الطبيعة، و كان إله الوحي ثورة على إله الفلاسفة. و كانت الديانات على الدوام ديانات مضادة للديانات التي سادت قبلها و تحلّ محلّها.[10] كما أنّ العلاقات بين الأديان تجسد علاقات صراع سياسي بين المؤمن و الكافر و بين الأنصار و الأعداء أو بين دار الإسلام و دار الحرب.[11] صفوة القول في التصور الجديد الذي يجمع بين الدين و السياسة هي أنّ الإيمان الديني لا يستقيم إلا بتقرير الحاكمية لله وحده و بتقسيم الناس إلى أعداء و أنصار و اتباع المبدأ القانوني الوارد لدى هوبز autoritas non veritas facit legem. يصبح القانون مشروعاً لأن الله أو لأن السلطان قد أصدره و ليس لأن القانون يتطابق مع الحقيقة المعيارية. كما أنّ القيم الأخلاقية لا تسمو على القوانين الإلهية، لأنها مجرد قيم بشرية ذاتية، سواء كانت قيم الدستور أو القانون لأنها لا تعكس في أخر المطاف إلا آراء الأفراد و إرادتهم الشخصية. يؤدّي الجمع بين الدين و السياسة في إطار الحاكميةلله إلى رفض الديمقراطيات الحديثة و رفض تهافتها الأخلاقي و بعدها عن بساطة الخطاب الديني و عجزها عن مخاطبة المواطن العادي. و قد أورد ذ. عبد السلام ياسين النقد الذي وجهه أحد المثقفين الفرنسيين إلى الديمقراطية ليُظهر كيف أنها أدّت إلى تدمير الدين و تدمير السياسة؛ و لن توجد الديمقراطية بعد ذلك إلا في صورة سياسة تدعى تدبيرا management، أو تسييراً administration كما يقول كارل شميت، لأن الوزير لن يكون آنذاك سياسياً بالمعنى الذي يذهب إليه كارل شميت أو عبد السلام ياسين بل سيصبح إداريا ministre qui administre و هو يقوم بتدبير أو إدارة الشأن العام و يظل بعيداً آنذاك عن الاحتكام إلى القيم الدينية الموجهة، مكتفيا بتسيير الإدارة و بتنظيم الوقائع و المطالب و القدرات. و النتيجة كما يقول عبد السلام ياسين هي أن الديمقراطية بدأت تفقد جذورها داخل بلدانها الأوروبية، و لم تعد موجودة إلا في مخيلة أتباعها الجدد في بلادنا.[12] لقد طرح ذ عبد السلام ياسين إشكالية العلاقة بين الديمقراطية و القيم الأخلاقية، و هو سؤال هام في بعده النقدي، و لكنه سؤال يدفعنا إلى التساؤل: هل تعني الحاكمية لله أنّ حكم البشر لا ينبني كذلك على الاجتهاد البشري و لا يرجع في تصوراته المختلفة للديمقراطية إلى مرجعية أخلاقية أو إلى قيم يُجمع عليها المجتمع؟ هل السياسة تخلو بالفعل من الأخلاق؟

هل السياسة ممارسة غير أخلاقية:

أنتقد في هذه النقطة الحجة التي يوردها دعاة الفصل بين الدين و السياسة، حينما يبنون الفصل على مبدأ احتقار السياسة. و لن نفهم الجابري أو ابن خلدون إلا إذا ما أعدنا الاعتبار إلى السياسة. و هنا يجب على دعاة الفصل أن يبحثوا عن حجج أقوى. إذا كانت الخلافة قد استدعت في البداية ربط الدين بالسياسة قبل أن يظهر مفهوم الحاكمية، فإنّ كثيرا من الباحثين فصلوا بين السياسة و الدين، لأن الاقتران بينهما سيؤدّي إلى فساد الدين و السياسة. و الحجة الرئيسة هي أن السياسة تقوم على العنف و الصراع بينما يقوم الدين على الخلق الحميد و الترفع عن شؤون الدنيا و الاستعداد ليوم الرحيل. يجب علينا حسب رأي هؤلاء أن نترك الدين مصاناً عن عبث العابثين. فقد أبرز محمد عابد الجابري مثلا أنّ أهمية دولة الأمويين لم تتمثل في أنها كانت دولة دينية، بل لأنها خلقت مجالا جديداً هو المجال السياسي الذي لم يكن موجوداً من قبل. يعتبر الجابري أنّ معاوية هو من قام بتأسيس جديد “للدولة في الإسلام”، لأنه على خلاف عليّ لم يكن ‘مترددا’ في “سلوكه السياسي زمن الفتنة و حين التحكيم”.[13] عرف معاوية بالدهاء و الحلم و القدرة على المفاوضة على نحو ماكيافيل، و لكنه استطاع على الخصوص خلق “مجال سياسيّ” تمارس فيه السياسة كسياسة بناءً على محدّدات العلاقات القبلية و الجباياتالاقتصادية و العقيدة الدينية. تمارس السياسة في المجتمع الإسلامي لدى الجابري على واقع العلاقات الاقتصادية (الجبايات) و الاجتماعية (رابطة العرق) و العقدية (رابطة الدين)، و قامت الدولة[14] على ما دعاه “العقد السياسي” في “المواكلةالحسنة و المشاربة الجميلة” بنوع من الليبرالية أي على المشاركة “لا في السلطة بل في ثمراتها”.[15] الفكرة الأساس لدى الجابري تتمثل في ظهور مجال سياسي مستقل عن المجال الديني. ما يؤكد كلام الجابري بصدد التمييز بينهما هو ابن خلدون.

يميز ابن خلدون بين الملك و الخلافة بقوله: “المُلك الطبيعيّ هو حمل الكافّة على مقتضى الغرض و الشهوة، و السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية و دفع المضار، و الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية و الدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا.”[16] المُلك الطبيعي لدى ابن خلدون مبنيّ على مقتضى “التغلب و القهر اللذان هما من آثار الغضب و الحيوانية.”[17] أما السياسة فهي تنبني لدى ابن خلدون من جهة أولى على سياسة عقلية يسلم بها الكافة و “ينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك من الفرس و غيرهم من الأمم، و إذا خلت الدولة من هذه السياسة لم يستتب أمرها.” و تنبني من جهةٍ ثانيةٍ على سياسة دينية يفترضها الاعتبار بالآخرة عند المسلمين. و قد استشهد ابن خلدون بأمثلة سليمان و أبيه داوود و معاوية و مروان ابن الحكم و ابنه على وجوب ربط السياسة بتحقيق السلم و تفادي التمزق. هؤلاء و “إن كانوا ملوكاً لم يكن مذهبهم في المُلك مذهب أهل البطالة و البغي؛ إنما كانوا متحرّين لمقاصد الحقّ جهدهم، إلا في ضرورة تحملهم على بعضها مثل خشية افتراق الكلمة الذي هو أهمّ لديهم من كلّ مقصد.”(ابن خلدون78، 206) لكنّ جلّ رجال السياسة يظهرون في صورة مصلحين دينيين للذود عن بيضة الإسلام و إعلاء راية الدين، بينما كانت أهدافهم سياسيةً خالصةً و مستترةً في زيّ دينيٍّ. تعتبر الفكرة المبتذلة عن السياسة أننا إذا ما شئنا تخليص الدين من براثن السياسة، يجب الفصل بينهما على أساس الفصل بين دنس الدنيا و قداسة الدين.

السياسة و القانون و الأخلاق:

غير أنّ طرح الموضوع بهذه الطريقة طرح غير مضبوط، لأنه يوحي بأننا نعزل قداسة الدين عن براثن العمل السياسي. و نحن آنذاك نربح رهان الفصل بين الدين و السياسة بناءً على استهجان السياسة و الحط من شأنها، بينما كان المراد هو أن نعلي من قدرها و أن نحولها إلى مناخ سليم لتعزيز الديمقراطية و حقوق الإنسان. لا فرق آنذاك بين من يزدري بالسياسة و يحط من شأنها ليبعد قداسة الدين عن محيطها، و بين من يستهجن المؤسسات الديمقراطية و يسعى إلى تسديدها، بل و إلى تعويضها بمؤسسات بديلة. إنّ النقد الذي وجّهه ذ. عبد السلام ياسين إلى الديمقراطية سيكون وجيهاً لو صحّ أنّ السياسة مجرّدة من الأخلاق أو أنها مجرد صراع مرير من أجل الوصول إلى الحكم، و تحقيق مصالح الفئات و الأحزاب و الطبقات المستفيدة من الحكم. هذا واقع موجود درسه بيير بورديو Pierre Bourdieu باقتدار كبير، لأنه واقع لا يرتفع. إذا ما تذكرنا كلام دريدا الذي يرى أن قوة القانون force de loi ما هي إلا: force violente, injuste, sans règles, arbitraire[18] نستطيع أن نعتبر أن التفويض و التعاقد يشكلان مظاهر عنف سياسيّ يتخذ صورةً دينيةً أو مدنية، سواءً بسواء. لا يستحبّ بيير بورديو وضع سلطة القانون داخل برج معياري عاجي يجعله بعيداً عن الأهوا و المصالح، لأن السلطة السياسية المنبثقة عن الصراع السياسي هي التي تسنّ القوانين من خلال منتخبين من منظور يخالف أحيانا المنظور الذي اختار من أجله المواطنون من ينوب عنهم أو من فوضوهم أمرهم. ذلك أنّ هدف السياسيين هو أن ينتزعوا تفويض المفوضين لكي يتخلوا عنهم بعد ذلك، ما داموا قد حققوا أهدافهم من تركيز الرأسمال القانوني بين يدي السلطة السياسية، و هو الأساس الذي تقوم عليه “السلطة الخاصة التي يتمتع بها من يتقلد سلطة الدولة[19]. قد يحتكم رجال السياسة في الواقع إلى الأهواء و لا يتقيدون بالواجبات الملقاة عليهم داخل أخلاقيات العمل السياسي و قد يتجاهلون الرأي العام بعدما استقروا في مواقعهم. فالفساد خطر يهدّد المؤسسات الديمقراطية، بحكم استغلال النفوذ و تضارب المصالح و عوائق التواصل بين الناخبين و المنتخبين. غير أنّ الانحراف الملاحظ في الواقع لا يستهين مع ذلك بالفرق الموجود بين الصراع السياسي بين الأحزاب و الوظيفة التشريعية التي يمارسها البرلمان. إن المنتخبين السياسيين هم الذين يمارسون التشريع، لكن التشريع يخضع لقيود دستورية تنظم صيرورة وضع مشروع القوانين و مناقشتها و المصادقة عليها.

 نطرح هنا سؤالا فلسفيّاً: هل تتخيلون يوماً أن يجتمع البرلمان يوماً ليصدر قانوناً يكرس حماية الفساد إذا ما أجمع بارونات المخدرات على توزيع عائداتهم مجاناً على المعوزين؟ إذا ما كانت السلطة التشريعية سيدة نفسها و كان العقد شريعة المتعاقدين، ألا يُعتبر هذا الاتفاق شرعيّاً؟ لا يمكن تخيل ذلك، لأن ترويج المخدرات ممنوع على الصعيد الدولي، و على الخصوص لأن النائب البرلماني، أيّاً كان، لا يقبل أن تقع ابنته يوماً ما ضحية تجارة المخدرات، و ما لا يرضاه شخص لأولاده ما لأولاده لن يقبله لأولاد الآخرين و لكلّ المجتمع. توجد ممارسات فاسدة لا يجمع الناس على صحتها. و بصورة عامة إذا رجعنا إلى كتب القانون المقارن، لن نجد برأيي دستورا يُكرّس قانون الغاب أو التمييز على أساس العرق و الدين و الجنس. و إذا ما حدث ذلك، تعتبر المنظومة القانونية آنذلك غير شرعية.[20] مثلا، حوّلت النازية الصراع من أجل البقاء و حولت عقيدة البقاء للأقوى و الانتقاء الطبيعي من الواقع العيني المحسوس في مذهب تطور الأنواع إلى مستوى واقع معياري.[21]

بالفعل، لا نستبعد حصول تباين كبير بين الوثيقة الدستورية و الممارسة السياسية الفعلية. لا تعتبر الدساتير الحديثة أنّ الصراع السياسي صراع مصالح لا بقاء فيها إلا للأقوى، لأن السياسة داخل الدولة الحديثة تلتزم من الزاوية المعيارية بمبادئ دستورية تترجم في ذاتها قيماً أخلاقيةً تنشد العدل و الإنصاف و موجودةً فوق القانون ذاته. لهذا السبب لا نفصل الدين عن السياسة بحجّة أن السياسة موطن الرذيلة بينما يُعتبر الدين موطن الفضيلة. على العكس من ذلك، نربط بين الدين و السياسة، ليس من أجل الوصول إلى الخلافة و ليس من أجل رفع شعار الحاكمية لله من أجل إلغاء المؤسسات الدستورية. تنعقد الصلة بين الدين و السياسة بفضل التقاء القيم الأخلاقية للدين بالقيم السياسية للقانون.

أخلاق الدين و أخلاق السياسة:

يساهم الدين في تنظيم الحياة الاجتماعية، لأنه يتوفر على مبادئ كبرى و على قيم و أعراف تُعدّ بمثابة مبادئ معيارية نتوقع من خلالها كيف يتصرف الأفراد في العبادات و المعاملات. تنبني المعاملات في جزء منها على المعايير الدينية و في جزء على العادات و التقاليد الأعراف. و قد عرف المجتمع المغربي الحديث إلى جانب الدين ظهور بنيات معيارية جديدة في مجالات القانون و الدستور و القيم الحقوقية الكونية. لا شكّ في أنّ الأفراد يخضعون في سلوكهم لمعايير دينية و أخلاقية و قانونية، حسب درجة فعاليتها و قدرتها على ضمان استقرار سلوك الأفراد. غير أنّ إشكالية الدين و السياسة تظهر في هذا الجانب بالضبط: تعدّد المنظومات المعيارية يعني تعدّد مصادر التشريع الدينية و القانونية و العرفية و الفلسفية، كما هي ظاهرةٌ في الحق الطبيعي. لم يكن التعدّد القانوني مقلقاً داخل المجتمع المغربي بعد خضوع المغرب للحماية. كان العرف قادراً على ضبط العلاقات الاجتماعية، و كان السلوك الديني يتلون بلون الخصوصيات المحلية. غير أنّ المعضلة التي نواجهها اليوم ليست في تعدّد المنظومات المعيارية، و لكن في تضاربها أحياناً. يعتبر بعض المتشدّدين أنّ العودة إلى أصول الدين تتطلب من جهة أولى أن نتخلص من كلّ الأعراف، بحكم أنها مجرد بدع لا ينبغي لها أن تحظى بقيمةٍ معياريةٍ في التشريع، و تعني العودة إلى أصول الدين ثانيا أن السياسة تنبني على الدين و على التشريع الإسلامي فحسب. و يعني توحيد مصادر التشريع لدى فريق آخر أن نعتمد مصادر التشريع الحديثة فحسب، مع تعويض الأعراف الدينية أو التي تدعى كذلك بقواعد قانونية واضحة و سهلة الفهم. يوجد فريق ثالث أدرج ضمنه اجتهادات ذ عبد الهادي بوطالب. يتكون هذا الفريق من الفقهاء الذين اطلعوا على أصول الفقه الإسلامي، و الفقه المالكي بالمغرب، و يملكون في ذات الوقت معرفةً جيدةً بالعلوم القانونية الحديثة. يبرز هؤلاء أن تعدّد مصادر التشريع لا يعني تعدّد التشريعات. و لكن هذا التعدّد يتحول بالفعل إلى مشكلة حقيقية و تحتاج إلى اجتهادات شرعية و قانونية عندما يقع تضارب بين القاعدة الشرعية و القاعدة الدستورية في قضايا المساواة بين الجنسين و حرية الضمير و الإعدام.

و نحن نحتكم في الفصل بين الدين و السياسة أو في الوصل بينهما إلى الحقّ في حماية المواطن من الاستغلال الديني أو السياسي: حتّى لا يصبح المواطن عرضةً للحيرة و الاضطراب و سوء فهم القانون، و هو لا يدري ما هي القاعدة القانونية العليا التي يحتكم إليها من أجل إزالة التضارب بين قوانين مختلفة، هل يحتكم إلى الحق في الحياة أم إلى واجب القصاص، في حالة الإعدام.[22]

و لكن هذه الصعوبات تؤكد بالفعل وجود صور ارتباط بين الدين و السياسة، و هو ارتباط أخلاقي و معياري لا يتعارض مع قيم المجتمع الإنساني، و إن كان يحتاج إلى ملاءمة مستمرة يستفيد فيها المسلمون من قيم المجتمع الدولي كما يستفيد هذا الأخير من قيم الإسلام في إطار التواصل الثقافي. و تظهر الحاجة إلى هذا الاندماج المتدرج داخل المجتمع الدولي من خلال سعي المؤسسات الدولية كالإيسيسكو و اليونيسكو إلى إشراك القيم الإسلامية و القيم الثقافية عامة في صيرورة الإدماج المعياري الذي يعرفه المجتمع الدولي.

مساهمة الإسلام في القيم الكونية:

إذا ما تفاقمت الهوة بين القانون و العدالة نلجأ إلى القيم الإنسانية الكونية من أجل تعزيز المرجعية الأخلاقية للدستور المحلي. كما أن الدين قد يضيف إلى السياسة مبادئ أخلاقية تسهم في تنظيم الحياة الاجتماعية على مزيد من مبادئ المساواة و الحرية، (مثل قيمة الأسرة لدى ذ عبد الهادي بوطالب) تستفيد الدولة الحديثة من القيم الدينية إذا ما بلغت درجة عموم و تجرد لا يُحدث تضارباً مع الدستور و القيم الكونية.

 عندما نظر عبد الهادي بوطالب إلى دور الدين في مجال التشريع حرص على أن ينظر إليه نظرة الفقيه الدستوري و ليس نظرة رجل السياسة. فهو قد أضاف إلى بنود الاتفاقيات الدولية بعض القيم التي ندعوها قيما موضوعيةً و لا تكتفي بسلطان الإرادة للبت في مشروعيتها، و لا تقف عند مقتضيات مجال القانون الخاص. يعتبر عبد الهادي بوطالب بهذا الشأن أنّ الأسرة تتمتّع بقيمة معيارية و أخلاقية مستقلة عن الاتفاق الذي ينبع من إرادة الأشخاص و العقود التي ينجزونها. لا يتحقّق الزواج لمجرد اتفاق إرادة شخصين على قبول عقد الزواج، بصرف النظر عن هويتهما، بما أنّ القانون الخاص ينبني على وجود قيم موضوعية لا تخضع للتفاوض و لا للعلاقات الرضائية مثل زنا المحارم. و لذلك يرفض عبد الهادي بوطالب نظام الأحوال الشخصية الغربي.[23] بصورةٍ عامّةٍ، اعتبر عبد الهادي بوطالب أنّ ما يخصّ الزواج و الطلاق و حتى الميراث لا تنطبق عليها القاعدة العلمانية “العقد شريعة المتعاقدين” (بوطالب2014، 40). و هنا يعتبر عبد الهادي بوطالب أنّ حقوق الإنسان في الإسلام “لا تشكل حقاً في المطلق”. فالله لا يمنح لعباده حق التصرف المطلق في أنفسهم. (بوطالب 2014، 48). يرفض بوطالب وجود حقوق أساسية بناءً على إرادة الأفراد و إرادة الجماعة، و يعتبرونها نتيجة ذلك حقوقاً دستورية باعتبارها حقوقا لا تقتضي استثناء في تطبيقها. و قد قام عبد الهادي بوطالب بتأويل حقوق الإنسان تأويلا براغماتياً، بناءً على مبدأ تحقيق المصالح المشتركة. يميل بوطالب هنا إلى التصور الإنجلوساكسوني، و ليس الفرنسي لحقوق الإنسان حينما اعتبر أنّ “الحق في الإسلام هو ما يخدم مصلحة الفرد و الجماعة” (بوطالب2014، 51).[24] و هنا يتم بحث التشريعات الدينية و الوضعية في ضوء مصلحة الفرد و مصلحة الجماعة، بناء على المرجعية الأخلاقية التي تدفع المرء إلى الامتثال لحقوق الأفراد أو لحقوق الجماعة. لايكفي لنا أن نطبق أحكام الشريعة دون أن نجد في أنفسنا وازعاً أخلاقياً يدفعنا إلى الالتزام بها. و يظهر أن هذا الوازع الأخلاقي يأخذ في اعتباره مصلحتي الذاتية و المصلحة العامة بما يضمن روح التعايش داخل المجتمع. و سواءً كنا نلتزم بالقانون أو نلتزم بالدين، نحن ملزمون في الحالتين بتقديم مبررات أخلاقية نعتبر من خلالها أن هذا الالتزام هادف.

خاتمة:

من لم يكن على معرفة جيدة بمدونة الأحوال الشخصية statut personnel في التشريع الفرنسي، مثل ذ. عبد الهادي بوطالب و لم يكن خبيراً كذلك بالفقه الإسلامي لا يستطيع أن يبتكر تصوراً واضحاً لمدونة الأسرة code de la famille. و منأراد معرفة أهمية الفكر الإسلامي في حقول السياسة و التشريع ملزمٌ بأن يرجع إلى الفقه المقارن و القانون المقارن. ذلك أنّ الإنسانية قد عرفت تراكماً كبيراً في مجالات اللاهوت السياسي و فلسفات الأخلاق و المواثيق الدولية. يتعذر علينا الإجابة بالسلب أو الإيجاب عن علاقة السياسة و الدين، ما لم نجب عن الأسئلة التالية:

–         اقترن الإسلام بقيم أخلاقية وجدت تجسدها الفعلي في مذاهب التصوف المختلفة و عزّزت قواعد معيارية تقوم على الإيمان بالله و العفة الجنسية و القناعة و الزهد في الدنيا و الحبّ في الله و حماية الأسرة. هل هذه القيم الأخلاقية ضرورية لإنشاء تصور حديث للدولة؟

–         اكتفت الدولة الحديثة بالغرب بحماية حدّ أدنى من القيم الأخلاقية التي تؤكد على حرية الأفراد و المساواة و التضامن، و اعتبرت أن القيم الأخلاقية و الدينية مسؤولية الفرد و ضميره الفردي؟ هل هذا الموقف الأخلاقي العدميّ مرفوض بالرغم من أنه يكرّس الحريات الشخصية و يفصل المجال العام عن المجال الخاص؟

–         هل تخلّي الديمقراطيات الغربية عن القيم الأخلاقية الموضوعية و الاكتفاء بالقيم الذاتية و الصورية و الفارغة، (الواجب الكانطي) علامة على التفسخ و الانحلال؟

–         هل نستطيع ممارسة السياسة من خلال الدين، بعيداً عن مفهومي الخلافة و الحاكمية و في إطار القانون الدولي؟

–         هل يجوز لنا أن نعتبر أن القرآن و هو دستور المسلمين يخاطب ضمير كلّ المسلمين بينما يخاطب القانون أفعال المواطنين في بلد محدّد؟

–         ألا يتمثل دور دستور المسلمين في تعزيز السلم الدولي، بينما ينحصر دور القانون في ضمان الأمن الداخلي؟

 عبد الهادي بوطالب: هذه سبيلي. دار الكتاب ص. 261.[1]

[2] في مذكراته “هذه سبيلي” المنشورة سنة 1980.

[3] Andreas Fischer-Lescano : Rechtskraft : August Verlag Berlin, 2013, 30- 31.

 فقد وضع فلاسفة الحقّ الطبيعي مثل جون لوك نظرية الملكية في خدمة التوسع الجغرافي، بدعوى امتلاك الحقّ في خلق مجال حيويّ.[4]

[5] بموجب اتفاقية Brilland-Kellogg سنة 1928

[6] علي عبد الرازق: الإسلام و أصول الحكم. نشر اتصالات سبو، الطبعة الثانية، 2006، ص 35.

[7] محمد شحرور: الدين و السلطة. قراءة معاصرة للحاكمية/ دار الساقي، 2015، ص. 31.

[8] محمد شحرور: الدين و السلطة. قراءة معاصرة للحاكمية/ دار الساقي، 2015، ص. 29.

[9] عبد الهادي بوطالب: نظرات في القضية العربية، دار الكتاب، الدار البيضاء 1987، ص. 17

 Jan Assmann : Moses der Ägypter, Jansen, München 1998, 82 [10]

 [11] كلما جاءت أمّة لعنت أختها، بحيث أنّ أفضل طريقة لمحو الطقوس الوثنية في نظرنا هو أن نُحلّ طقوساً مضادّة محلها “فالله أو موسى لم يدوّن مدونته التشريعية فوق صفحة بيضاء، بل أحلّها محلّ مدونة تشريعية كانت معروفة قبل ذلك.” فجاءت اليهودية لتمحو آثار الصابئة أو الديانات المصرية الوثنية، و انتقلت من عبادة العجل إلى نحره.

[12] Abdessalam Yassine : Islamiser la modernité, Al Ofok Impressions, 1998, p. 307.

[13] محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي. محدداته و تجلياته. المركز الثقافي العربي ط 2، 1991، ص. 190

 كما ظهرت لاحقا في العقد الاجتماعي أو في الدستور. [14]

[15] محمد عابد الجابري العقل السياسي العربي. محدداته و تجلياته. المركز الثقافي العربي ط 2، 1991، ص. 194

 مقدمة ابن خلدون، دار القلم بيروت، 1978، ص. 191.[16]

مقدمة ابن خلدون، دار القلم بيروت، 1978، ص. 190[17]

[18] Andreas Fischer-Lescano : Rechtskraft : August Verlag Berlin, 2013, 121

[19] Pierre Bourdieu, Raisons pratiques, Paris : Seuil 1994, 119-120.

[20] ذابت الحقوق الفردية، نتيجة ذلك داخل الجماعة و لم تعد توجد حقوق فردية سابقة على الدولة و موجودة خارج الدولة و لا توجد حياة خاصة و مقدسة للفرد خارج رقابة الدولة أو رقابة السلطة السياسية.

[21] Christian Starck, 27

[22] فنحن نجد أنفسنا أمام قوانين وضعية نتخلى عنها لنطبق فرائض دينية و نطبق أعرافاً محليّةً بدعوى أنها تحمل مرجعيةً دينيةً و قد نكفّ عن تطبيق قانون معيّن و نعوضه في الحال بعرف يحلُّ محلّه. يفقد القانون في هذه الحالة سلطة القواعد الآمرة و يفقد الدين هيبته الأخلاقية. و لذلك، نلجأ إلى قاعدة عليا تصل درجة عموم و تجريد تسمح لكلّ المواطنين بأن يجدوا فيها حلّا للتضارب، مراعاةً لمبدأ حرية الإفراد و المساواة فيما بينهم، بصرف النظر عن كلّ الاعتبارات الثقافية الأخرى.

[23] “إنه موروث عن مبادئ الفلسفة الليبرالية الغربية التي قامت على حرية تصرف الفرد في شؤونه الخاصة كما يشاء و يهوى. و كان شعارها مختصراً في مقولتها: ‘دع الفرد يمضي، دع الفرد يعمل’ في حين أنّ المفروض في أحكام المدونة أن تكون أحكاماً شرعيةً مضبوطةً بضوابط الكتاب و السنة و الإجماع، على الفرد ذكر أو أنثى أن يتقيّد بها في علاقات الأسرة طاعة و امتثالا.” عبد الهادي بوطالب: المرأة بين مقتضيات الشريعة و القوانين الدولية. مؤسسة عبد الهادي بوطالب 2014، ص. 83.

[24] “و القصد من أحكام الشريعة في تقريرها للحقوق و التكاليف، هو تحقيق مصالح الناس. و هذه المصالح قد تكون مصالح عامة للمجتمع ككل، و قد تكون خاصة للأفراد. و قد تكون مصالح مشتركة بينهما.” (بوطالب2014، 51)  :                                                                                                                                                         fldm.usmba.ac.ma


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...