القوة الملزمة للشروط الأحادية التحرير في العقد.


             القوة الملزمة للشروط الأحادية التحرير في العقد.

المقدمة

مما لاشك فيه ان للتطور الصناعي والتكنولوجي الهائل وما نشأ عنه من تنوع في الخدمات والسلع والمنتجات وما رافقه من تعدد من اساليب التسويق المعاصرة وطرق الدعاية المختلفة، الاثر الفاعل في تطور صيغ العقود وتقوية النزعة الاستهلاكية لدى الافراد وحثهم على التعاقد دون مناقشة او مفاوضة، وذلك بالتحديد ما ساهم في اتساع نطاق التعاقد وفق شروط موحدة عامة مجردة معدة مسبقاً من قبل احد المتعاقدين، وهي ما يطلق عليها بالشروط الاحادية التحرير والشروط بهذا المعنى لا تستمد قوتها الملزمة من ذاتها لانها لا تمثل الا ارادة واضعها وانما تستلزم انصراف ارادة المتعاقد الاخر الى اعتمادها والالتزام بمضمونها، الا ان الصعوبة تثار في معرفة مدى انصراف ارادة المتعاقد –المتلقي لها- الى اعتمادها والالتزام بها في حالة ادعائه عدم العلم بهذه الشروط او بعضها سواء الواردة منها في وثيقة العقد الموقع من قبله او في الوثائق الاضافية المحال عليها صراحةً او ضمناً، محتجَّاً بطريقة صياغتها او غياب المفاوضة العقدية ازاءها وقبولها دون ادراك لمضمونها او معرفة اثارها المسيئة الى مركزه التعاقدي، لاسيما وان واضع هذه الشروط في الاغلب هو الطرف المتمع بالقوة التعاقدية سواء كان ذلك من النواحي القانونية او الاقتصادية او التقنية مما يتيح له فرض شروط من شأنها الاساءة الى مركز المتعاقد الاخر سواء كان ذلك بالحد من ضماناته او حقوقه كالشروط المعفية من الضمان القانوني او التي تسقط حقه في المطالبة بالتعويض او الفسخ، او تلك التي تعفى او تخفف من مسؤولية واضعها في حالة التأخر في تنفيذ الالتزامات التعاقدية او تنفيذها تنفيذاً معيبا… وما شابه ذلك من الشروط.

وازاء الفرضين المتقدمين ونعني بهما مدى تحقق علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير، ومدى تحقق التوازن العقدي، تبدو اهمية البحث في القوة الملزمة للشروط احادية التحرير في العقد، لذا ارتأينا ان نبحث هذا الموضوع في مبحثين سنخصص الاول منهما لعلاقة القوة الملزمة للشروط احادية التحرير بمدى علم المتعاقد بها.

في حين سنخصص الثاني لعلاقة القوة الملزمة للشروط احادية التحرير بمدى تحقق التوازن العقدي.

المبحث الأول

علاقة القوة الملزمة للشروط الأحادية التحرير بمدى علم المتعاقد بها

   إن انفراد احد المتعاقدين بصياغة شروط العقد، يتطلب لالزام المتعاقد الاخر بها وحسبانها جزءاً لا يتجزأ من العقد المبرم بينهما ان يكون عالماً بمضمونها، الا ان الصعوبة هنا تثار ازاء المقصود بالعلم، وهل ان مجرد التوقيع على وثيقة العقد تقيم قرينة على علم المتعاقد بهذه الشروط على اعتبار ان الشخص المعتاد مكلف بالقراءة المتأينة لشروط العقد الذي يوقع عليه، ام ان هذا العلم المفترض غير كاف بل ان المقصود به هو العلم الحقيقي لمضمون هذه الشروط أي بادراك حقيقتها وماهيتها؟ ان الاجابة على هذا التساؤل تتوقف على امرين اثنين الاول: طريقة صياغتها.

والثاني، المكان الذي ترد فيه هذه الشروط. لذا سنقسم هذا المبحث الى مطلبين نتناول في الاول منهما : علاقة علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير بطريقة صياغتها.

والثاني: علاقة علم المتعاقد بالشروط احادية التحرير بمكان ورودها في العقد.

المطلب الاول

علاقة علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير بطريقة صياغتها

ان معرفة مدى تحقق علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير من عدمه يتوقف على طريقة صياغتها ، فيما اذا كانت واضحة ام غامضة، وذلك ما سنتناوله في الفرعين الاتيين:

الفرع الاول

الصياغة الواضحة للشروط الاحادية التحرير

ثمة اتجاه يفصل في صياغة وثيقة معينة بين موضوعها وشكلها ويستمد هذا الاتجاه اساسه من ان الصياغة تتعلق بشكل المحرر لا بموضوعه.

في حين ذهب اتجاه آخر الى التشكيك بصحة الاتجاه الاول بالقول: “ان الغاية من الصياغة هي وضع موضوع التعاقد في قوالب تقييم التواصل بين طرفيه بطريقة واضحة وتكفل تنفيذه دون منازعات او خلافات، فالصياغة لن تقوم من فراغ بل يفترض وجود موضوع له معنى محدد يراد التعبير عنه بشكل صحيح وواضح وكامل، وعلى هذا فان هناك ثمة تبادل بين الموضوع والشكل عند تحرير أي وثيقة عقدية(1).

  ونرجح الاخذ بالرأي الاخير لانه يتفق وينسجم مع القواعد العامة في
تفسير العقد، إذ لاتعتد هذه القواعد بالتعبير بحد ذاته وانما باعتباره اداة للتعبير عن الارادة وهو اكده القضاء العراقي(3)  والمصري(4) .

وتبناه القضاء الفرنسي في احكامه.

وبناءً على ذلك فان الزام المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير يتطلب ان تكون مصاغة بطريقة واضحة، بحيث يكون من الممكن فهم وادراك مضمونها، ومتى ما كانت الصياغة كذلك يفترض علم ورضا المتعاقد بها، لان ذلك ما يقتضيه مسلك المتعاقد المعتاد في القدرة على الاطلاع والفهم وادراك ما ورد في هذه الشروط.

  فالعلاقة واضحة لا تخفى بين الصياغة الواضحة والجيدة للشروط احادية التحرير وافتراض علم المتعاقد بمضمونها ومن ثم الزامه بها، بحيث لا يمكن ان يقوم الثاني دون تحقق الاولى.

   ومما تجدر ملاحظته ان المشرع قد تشدد في بعض انواع العقود ولاسيما عقد التأمين ، من حيث صياغة بعض شروطها بشكل ظاهر اذ نصت المادة 985 من القانون المدني العراقي: “يقع باطلاً كل ما يرد في وثيقة التأمين من الشروط الاتية:

  1. كل شرط مطبوع لم يبرز بشكل ظاهر وكان متعلقاً بحالة من الاحوال التي تؤدي الى البطلان، والسقوط .
  2. شرط التحكيم اذا ورد في الوثيقة بين شروطها العامة المطبوعة، لا في صورة اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة…”.

وهذا ايضاً ما نصت عليه المادة (750) من القانون المدني المصري.

   فالمشرع ابطل نوعين من الشروط ، وهما شرط السقوط او البطلان مالم يبرزا بشكل ظاهر، وشرط التحكيم مالم يتخذ صورة اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة، والمقصود بالشكل الظاهر هو الكتابة بخطوط تغاير بقية الشروط بالحروف العادية للوثيقة وبحروف اكثر ظهوراً واكبر حجماً. كذلك يمكن كتابة هذه الشروط بالحروف العادية للوثيقة شريطة وضع خطوط تحتها، كما يمكن الاكتفاء بتوقيع المؤمن الى جوارها(1). وكتابة الشرط بشكل ظاهر ليست هي الغاية بحد ذاتها وانما النتيجة التي تترتب على هذه الكتابة وهي لفت نظر المتعاقد الى هذه الشروط وتحقق علمه بها. وذلك ما اكدته محكمة التمييز في قضائها فقد جاء في احد قراراتها “قد اتخذت المحكمة من عدم اظهار شرط الاعفاء من المسؤولية ، وتميزه عن الشروط الاخرى، ذريعة لاعفاء المتعاقد منه كونه لم يعلم به لانه كتب بطريقة لم تسترع الانتباه”(2).

وهو ايضاً ما طبقه القضاء المصري في احكامه فقد ذهبت محكمة النقض المصرية الى : “يقع باطلاً كل شرط مطبوع يرد في عقد التأمين لم يبرز بشكل ظاهر وكان متعلقاً بحالة من الاحوال التي تؤدي الى البطلان او السقوط، يتعين اعمال اثر الاتفاق على استثناء بعض حالات الخطر المؤمن منه من التأمين متى كانت محددة تحديداً واضحاً ومفرغاً في شرط خاص”(1).

وبالنسبة لما درج عليه القضاء في فرنسا بشأن وثائق التأمين المحررة بحروف دقيقة يصعب قراءتها، فانه حظر استخدام الحروف الدقيقة في صياغة الشروط الهامة التي تمس مصالح المستأمنين حيث استلزم ان تكون مدونة بحروف واضحة متميزة عن باقي شروط الوثيقة(2) فلا يكفي ان تكون بحروف كبيرة اذا كانت تماثل غيرها من شروط الوثيقة ولا تميزها عما عداها(3).

أما فيما عدا العقود التي خصها المشرع بقواعد خاصة بصياغة بعض شروطها فانه لا يمكن للقاضي ان يتدخل في ابطال هذه الشروط ان كانت واضحة في مضمونها لاسيما وان تضمن العقد ما يفيد عدها جزءاً منه واطلاع المتعاقد عليها. هذا من جهة ومن جهة اخرى ان لم تكن العقود المتضمنة لشروط واضحة في صياغتها ، عقود اذعان، فلا يمكن للقاضي ان يستبعد او يعدل هذه الشروط متى كانت تعسفية(1) ، وبهذا ينحسر دور القاضي في حماية المتعاقد الاخر المتلقي لهذه الشروط ان كانت مسيئة الى مركزه على فرض علم المتعاقد بها ومن ثم نكون بحاجة الى وسائل اخرى لحماية المتعاقد من هذه الشروط المسيئة الى مركزه التعاقدي وهذا ما يكون موضع تفصيل في المبحث الثاني، في حين الامر يكون مختلفاً اذا كانت هذه الشروط غامضة اذ يتجلى هنا دور القاضي في التفسير ويتسع في حماية المتعاقد منها وهذا ما يكون موضع دراسة الفرع القادم.

الفرع الثاني

الصياغة الغامضة للشروط الاحادية التحرير

ان الاصل في صياغة أي محرر هو ايصال فكرته الى الاخرين، وان صياغة شروط العقد تستهدف بصفة خاصة التعبير بوضوح عن الاتفاق بين طرفيه، وبطريقة تنقل المعنى المراد كاملاً على نحو لا تظهر معه الحاجة الى البحث خارج وثيقة العقد عن حلول للخلاف المحتمل بين طرفيه(1) الا ان هذا الاصل يتضاءل تطبيقه في ضوء اتساع العلاقات العقدية ذات النزعة الاستهلاكية(2) والتي اتاحت الفرصة امام المتتجين والبائعين فرض ما شاؤا من الشروط التي تحقق مصلحته ومنفعته حتى اضحت شروطاً مألوفة سواء المتعلق منها بطريقة الوفاء بثمن السلعة او بتسليمها وصيانتها وضمانها او فيما يتعلق بالشروط الجزائية التي تطبق على المستهلك حال عجزه عن الوفاء بالتزاماته او الشروط التي تمنعه من الرجوع قضائياً على المنتج او البائع لاي سبب كان(1).

وغالباً ما يعمد واضعوا هذه الشروط ولاسيما في نطاق العقود التي لم يشترط المشرع فيها صياغة بطريقة معينة الى صياغتها بطريقة معقدة يصعب فهمها وادراك مضمونها وان تسنى له الاطلاع عليها، فاما لانها تصاغ باحرف دقيقة وناعمة وبشكل مزدحم(2)، او استعمال واضعها اساليب ذكية في صياغتها ككتابه شرط جوهري مع شروط ثانوية ترد في مستندات التعاقد الاخرى بحيث لا يتمكن المتعاقد حال توقيعه على العقد ادراك مضمونها والاثار المترتبة عليها ، كشرط الاعفاء من استبدال السلع المعيبة او عدم الضمان او عدم الصيانة او عدم الرجوع على المنتج بكل الاضرار(1).

  واحياناً اخرى نجد ان واضع هذه الشروط يصفها بانها الافضل ويستحث الفرد على التعاقد مركزاً على بعض الشروط التي تعد مهمة لديه، مثال ذلك سعر الشراء، طريقة الدفع نقداً او على الحساب، مدة الضمان، فمن اجل جذب المستهلك قد يلجأ الى خفض السعر او الامهال في الدفع او تحديد مدد الاقساط بشكل مناسب(2)، مقابل نقل كافة الاعباء على ذمة المتعاقد الاخر من خلال بعض الشروط التي يضعها المنتج او البائع دون ان يتمكن المستهلك من ان يدرك حقيقة الامر(3)، لان المستهلك في ضوء التطور التكنولوجي المعاصر، لا يتمتع بالقدرة الفنية للحكم على ما يسعى لاقتنائه او الحصول عليه من سلع وخدمات سواء كان ذلك من ناحية جودة السلع ومتانتها واهميتها وقيمتها او معرفة حقوقه في مواجهة البائعين ، كل هذا وفر جواً مناسباً لتضمين العقود شروطاً وملاحق لايعلم المستهلك شيئاً عنها، في حين انها تلزمة باداء معين او تقلل من حقوقه وضماناته(1) فقد صار منطقياً ان يقترن شرط ضمان صلاحية المنتج او المبيع للعمل وضمان خدمة ما بعد البيع بشرط الاعفاء من الضمان القانوني، والواقع العملي يؤكد ان المبادرة في خصوص الضمان الاتفاقي تكون للبائعين المحترفين الذي يتخذون منه وسيلة للدعاية والترويج لسلعهم وعادة ما يستهدف هؤلاء تقديم خدمة ما بعد البيع كميزة استثنائية، بديلة للضمان القانوني الذي يجهل المشتري وجوده اصلاً فلا مراء ان البائع يستخدم هذا الضمان كوسيلة للدعاية ويقدمه ميزة اضافية للمشتري في حين انه يحرمه بمقتضى الشروط الاخرى من الضمان القانوني فيكون بذلك الضمان الاتفاقي عيباً لا ميزة، اذا ما اخذنا بمجموع الشروط الواردة في العقد(1).

وامام هذه الصياغات المبهمة والغامضة لشروط العقد لا يمكن افتراض علم المتعاقد بها ولا يمكن ان يعد التوقيع على العقد رضاء بما تضمنه من شروط صيغت بطريقة لا تبيح له فهم المقصود ولا تعبر عن حقيقة ما اتجهت اليه ارادته عند ابرام العقد، ومن هنا ينهض دور القضاء في حماية المتعاقد من خلال تفسير شروط العقد واستخلاص النية المشتركة للمتعاقدين وتفضيل الشروط التي تتفق مع قصدهما المستخلص من عبارات العقد وظروف التعاقد والغرض منه، واهدار الشروط التي لا تمثل الا ارادة واضعها(2).

الا ان بعض القوانين لم تقف عند القواعد العامة في التفسير لحماية المستهلك فحسب وانما نصت على ابطال الشروط التي تنقص او تسقط من احكام الضمان القانوني وذلك ما يستفاد من المادة 132/1 من تقنين الاستهلاك الفرنسي ذي الرقم 93/ 649 لسنة 1993 والمادة 10 من قانون حماية المستهلك المصري ذي الرقم 67 لسنة 2006(1).

المطلب الثاني

علاقة علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير بمكان ورودها في العقد

  قد ترد الشروط الاحادية التحرير في الوثيقة المكونة للعقد سواء كان مكوناً من ورقة واحدة او عدة اوراق وقع عليها المتعاقدان، وقد ترد هذه الشروط في وثائق العقد الاخرى كالكتيبات الدعائية او الاعلانات او الملصقات او ملاحق العقود او غير ذلك، وكثير ما يقع الفرض الاخير في الواقع العملي، اذ قد يوقع المتعاقدان على وثيقة العقد المبرم بينهما، ويشار فيها الى وثيقة اخرى تتضمن تلك الشروط وازاء ما تقدم تكمن اهمية البحث في تحديد مفهوم علم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير فيما اذا كان علماً مفترضاً ام فعلياً ولذا سنقسم هذا المطلب الى فرعين نتناول في الاول منهما: علم المتعاقد بالشروط الواردة في وثيقة العقد الاصلية.

وفي الثاني: علم المتعاقد بالشروط الوارد في وثائق العقد الاضافية.

الفرع الاول

علم المتعاقد بالشروط الواردة في وثيقة العقد الاصلية

  ان الاصل في توقيع المتعاقد على وثيقة العقد هو قبوله بكل ما ورد بالعقد من شروط ومن ثم يعد حجة عليه فيما تضمنه مالم يثبت عكس ذلك كتابة(1) فلا يجوز التحلل من الالتزامات المميز عنها تعبيراً كتابياً واضحاً لا لبس فيه ولا ابهام بمحاولة اثبات عكسها بوسائل اقل قوة من الكتابة بحجة ان التفسير يستهدي بظرف الحال وبطبيعة التعامل(1) والا عد ذلك تحايلاً على القواعد العامة في الاثبات والتي تقضي بعدم جواز اثبات ما يخالف الكتابة او ما يقوم مقامها قانوناً(2). فاستبعاد هذه الشروط واهدار قوتها الملزمة يتوقف على وجود عناصر داخلية في العقد تؤكد ان النية المشتركة للمتعاقدين تتنافر مع مضمونها او ان هذه الشروط بحد ذاتها تتعارض مع نص قانوني امر(3).

وعلى هذا متى ما كانت هذه الشروط واردة في وثيقة العقد الاصلية وقبل المكان المخصص للتوقيع ومصاغة بعبارات واضحة غير مبهمة بحيث يسهل على الرجل المعتاد فهم مضمونها وادراك معناها، على ان لا يكون من شأنها الاساءة الى مركز المتعاقد سواء كان العقد اذعان ام مساومة، فلا يمكن لمن وضع توقيعه ان يحتج بعدم العلم بها(1)، فيكفي هنا ان يكون باستطاعة المتعاقد ان يعلم طبقاً لتقدير مسلك الرجل المعتاد في القدرة على الاطلاع والفهم بما ورد فيها(2).

وقد يثور التساؤل عن القوة الملزمة للشروط التي ترد في مكان تالٍ لتوقيع المتعاقد كأن تكون اسفل توقيعه او في ظهر وثيقة العقد الاصلية؟.

لاعطاء هذه الشروط القوة الملزمة وعدها جزءاً من مضمون العقد لابد ان تتضمن وثيقة العقد ذاتها ما يلفت انتباه المتعاقد الى هذه الشروط وما يفيد اطلاع المتعاقد عليها وعلمه بها(1)، وبخلاف ذلك يمكن ان يستنبط القاضي عدم قدرة المتعاقد على الالمام الكافي بالشروط المدرجة في مكان تالٍ لتوقيعه(2) ومن ثم اهمال هذه الشروط التي لا تمثل الا ارادة واضعها ولا يمكن ان تدخل في حيز النطاق العقدي كالشروط الواردة في عقود بيع السيارات والخاصة بتعديل احكام الضمان القانوني اعفاءً او تخفيفاً(3).

  ومع ان الاصل هو اهمال الشروط الواردة في مكان تالٍ لتوقيع المتعاقد اذا كانت شروط العقد السابقة على التوقيع لم تتضمن الاشارة الى رجوع المتعاقد اليها، الا ان هذا الاصل لا يعمل به اذا كان التعامل السابق الذي جرى بين المتعاقدين تضمن اعتماد هذه الشروط طالما لم يبد أي من المتعاقدين رغبة صريحة باستبعاد العمل بها.

الفرع الثاني

علم المتعاقد بالشروط الوارد في وثائق العقد الاضافية

  كثير ما يقع في الواقع العملي ان يوقع المتعاقد على وثيقة عقد يُشار فيها الى وثيقة اخرى تتضمن شروطاً معينة اياً كانت طبيعة هذه الوثيقة الاضافية كتالوج، مستند اعلاني، قسيمة ضمان، ملحق عقد، او ما شابه ذلك… الا ان التساؤل الذي يثار هل ان مجرد الاحالة في وثيقة العقد الاصلية الى الوثيقة المتضمنة الشروط الاحادية التحرير تكفي بحد ذاتها لاقامة قرينة على علم المتعاقد بهذه الشروط؟ ان الاجابة على ذلك تقتضي الخوض في امرين الاول: طبيعة الاحالة فيما اذا كانت صريحة ام ضمنية ومدى اثر كل منها على اضفاء القوة الملزمة للشروط الاحادية التحرير، والثاني:  معرفة وقت الاحالة الى هذه الشروط وبعبارة اخرى وقت علم المتعاقد بالشروط المحال اليها وهذا ما سنتناوله في الفقرتين الاتيتين:

اولاً: طبيعة الاحالة

  يفترض في الشرط الوارد في وثيقة العقد الاصلية والذي يوجب الاحالة على الوثيقة الاضافية المتضمنة الشروط الاحادية التحرير واضحاً وصريحاً في ان موافقة المتعاقد على هذا الشرط (أي شرط الاحالة) يعني موافقته على الشروط المحال اليها، مع بيان ماهية الوثيقة الاضافية المحال عليها حتى يمكن القول ان المتعاقد قد علم بهذه الشروط وارتضاها(1)، فلو صيغ شرط الاحالة على سبيل المثال (يعد توقيع المتعاقد على شروط العقد موافقة على نصوصه كلها) فان هذا الشرط لا يحدد صراحة ماهية الشروط المحال اليها والمراد الزام المتعاقد بها، كذلك الحال لو وجد في العقد شرط يشير الى مراجعة محامي المتعاقد – واضع الشروط- لمعرفة الشروط الاخرى، فان هذا الشرط لا يعني بالضرورة الزام المتعاقد بالشروط المحال اليها طالما لم يوجد في العقد ما يدل صراحة على عدها جزءاً من مضمونه، الا ان الامر لا يستلزم في كل الاحوال ان تكون الاحالة صريحة بل احياناً تكتفي بالاحالة الضمنية، وذلك في حالة وجود تعامل سابق بين المتعاقدين كانت تحكمه ذات الشروط المراد الاحتجاج بها، فاستمرار هذا التعامل وسكوت كل منهما دون ابداء أي تحفظ او اعتراض على الشروط المعتمدة بينهما، يعد موافقة ضمنية على تلك الشروط(1)، أو تمخضت عن هذه الشروط المحال اليها منفعةً لمصلحة من وجهت اليه او ان طبيعة المعاملة او العرف التجاري يقضي باعتماد هذه الشروط وذلك توظيفاً للقواعد العامة الواردة في التراضي في نطاق الشروط الاحادية التحرير في العقد(2).

   وبتقديرنا ان تحديد طبيعة الاحالة التي بمقتضاها يلزم المتعاقد بالشروط الاحادية التحرير فيما اذا كانت صريحة او ضمنية تتوقف على ماهية الشروط ذاتها(3) فيما اذا كانت تحقق منفعة واضعها ام منفعة الطرف الاخر او على اقل تقدير لا تسيء الى مركز هذا المتعاقد ان لم تحقق له منفعة معينة، اذ يشترط في الحالة الاولى ان تكون الاحالة صريحة حماية للمتعاقد المتلقي لهذه الشروط والا هدرت هذه الشروط لانها لا تعبر الا عن ارادة واضعها . اما في الحالة الثانية فيكفي في الاحالة ان تكون ضمنية لالزام المتعاقد بمضمونها. وتبعاً لذلك يتحدد مفهوم العلم بالعلم الفعلي(1) لا امكانية العلم في الحالة الاولى وبامكانية العلم لا بالعلم الفعلي في الحالة الثانية..

ثانياً: وقت علم المتعاقد بالشروط المحال اليه

         لكي يترتب على الاحالة اثرها في الزام المتعاقد بالشروط المحال اليها لابد ان يعلم المتعاقد بهذه الاحالة اثناء التعاقد، لان ذلك ما يحقق فرصة اطلاع المتعاقد عليها وعلمه بها ومن ثم القول بتعلق رضاءه للالتزام بمضمونها(2). الا ان الامر لا يكون كذلك في كل الاحوال، إذ قد يفاجئ المتعاقد بعد ابرام العقد، ان هناك شروطاً وردت في المستندات التعاقدية الاخرى لم يُحط علماً بها، كأن تكون وردت في مستند تعاقدي لم يتسلمه الموجه اليه الايجاب الا بعد ان اعطى قبوله(1). أو وردت في ملصق اعلاني في مكان تنفيذ العقد دون وجود اية اشارة له في العقد ولا ما يدل على كون المستند له قوة عقدية(2) كاعلان صاحب الفندق عن عدم مسؤوليته عن سرقة نقود النزيل او دفتر صكوكه ان لم يودعها ادارة الفندق او اعلان صاحب المرآب عن عدم مسؤوليته عما يفقد من امتعة واموال موضوعة داخل سيارة المودع في اثناء وقوفها في المرآب..فهل يمكن القول مع تحقق العلم اللاحق على ابرام العقد بالشروط المحال اليها، ان ارادة المتعاقد  قد انصرفت الى الاخذ بها، وهل من الممكن ان يعد المضي في تنفيذ العقد دون اعتراض من المتعاقد على مضمونها بمثابة قبول لها؟

  ذهب البعض الى ان السكوت وعدم الاعتراض يعد قبولاً على اساس ان القبول في الحالة يستمد من سكوته في ظروف توجب عليه الاعلان عن رفضه لها تطبيقاً للقواعد العامة(1).

   في حين ذهب اخرون الى القول ان عدم اعتبار السكوت قبولاً، وذلك لان اعتبار السكوت قبولاً من شأنه الزام المتعاقد بمالم يريد الالتزام به، بل بما يريده غيره هذا من جهة ومن جهة اخرى فان القبول تعبير عن الارادة وافصاح عما تنوي الالتزام به، وهذا التعبير اما ان يكون صريحاً او ضمنياً، فالصريح يكون باتخاذ موقف جازم في التعبير عن هذه الارادة اما بالكتابة او الاشارة او اللفظ، والضمني يستفاد من الظروف الايجابية التي تدل عليه بما لا يدع مجالاً للشك في هذه الدلالة، اما السكوت فهو عدم واولى به ان يحمل على الرفض لا على القبول في المواقف التي يترتب على القبول فيها التحمل بالتزامات او التنازل عن بعض الحقوق(2).

  وبتقديرنا ان الرجوع الى المادة 81 من القانون المدني العراقي والتي تنص : “1. لاينسب الى ساكت قول ولكن السكوت في معرض الحاجة الى البيان يعتبر قبولاً. 2.ويعتبر السكوت قبولاً بوجه خاص اذا كان هناك تعامل سابق بين المتعاقدين واتصل الايجاب بهذا التعامل او اذا تمخض الايجاب لمنفعة من وجه اليه . وكذلك سكوت المشتري بعد ان تسلم البضائع التي اشتراها قبولاً لما ورد في قائمة الثمن من شروط”(1). يمكن القول انه في غير الحالات المشار اليها في هذه المادة لا يمكن ان نعد السكوت قبولاً لاسيما وان كانت الشروط الواردة في المستندات الاخرى تسيء الى مركز المتعاقد سواء بالحد من حقوقه او الزيادة في التزاماته ومن ثم لا يمكن الاعتداد بالاحالة اللاحقة ولا يمكن الزام المتعاقد بشرط لم يرتضيه ابتداءً.

  ومما تجدر ملاحظته انه في الوقت الذي يحتج به المتعاقد بعدم العلم وقت التعاقد بالشروط المحال اليها ومن ثم اهدار قيمتها انه قد يتمسك احياناً اخرى بالشروط الواردة بالمستندات الاعلانية ويطلب تطبيقها لاسيما تلك الشروط التي تمس عناصر العقد وكان لها الاثر المباشر على رضاءه(1)، فهذه الشروط لا يمكن ان تعد الا جزءاً من مضمون العقد ولا يصح لواضع هذه الشروط ان يحتج باهدار قيمتها العقدية وانه لم يقصد الالتزام بما ورد فيها من شروط طالما انها تضمنت ما يساهم في تحديد مضمون العقد وكان لها اثرها الفاعل في رضا المتلقي.

  وبناءً على ما تقدم يمكن القول ان استبعاد الشروط المحال اليها، لا يتوقف على وقت علمه بها فحسب وانما لابد ان يرافق ذلك الخوض في طبيعة الشروط ذاتها وتحديد ما انطوت عليه من مضمون ، فقد يكون احد هذه الشروط مؤثراً في رضا المتعاقد وقد يكون اخر مضلل له او قد يكون محققاً لمنفعة من وجه اليه او قد يكون مسيئاً إلى مركزه وهكذا مما يستوجب معاملة كل حالة على حدة في ضوء ما تقضي به القواعد العامة في سلطة القاضي في تحديد مضمون العقد بتفسيره واستخلاص النية المشتركة للمتعاقدين.

المبحث الثاني

علامة القوة الملزمة للشروط الاحادية التحرير بمدى تحقق التوازن العقدي

  في مرحلة تكوين العقد قد يختل التوازن الاقتصادي للعقد، نظراً لما يحتله احد المتعاقدين من مركز قوي بحيث يتمكن من فرض شروطه على الطرف الاخر، او ان احد المتعاقدين يصبح ضحية استغلال حالة ضعف فيه كالطيش والهوى والحاجة وعدم الخبرة وضعف الادراك وقد يتحقق الغبن، نتيجة تعزيز يمارسه المتعاقد الغابن تجاه المتعاقد المغبون، وازاء الفرضين الاخرين تطبق القواعد العامة الواردة في عيوب الرضا اما ازاء الفرض الاول وهو موضوع بحثنا، فان التساؤل يثار عن دور القاضي في حماية المتعاقد من هذه الشروط واعادة التوازن العقدي في ضوء احكام القانون المدني ونعني بها القواعد الخاصة باستبعاد او تعديل الشروط التعسفية في نطاق عقد الاذعان، ومدى تطبيقها في نطاق العقود المماثلة في ظروفها لعقد الاذعان الا ان الخوض في ذلك يستوجب ابتداءً معرفة المعيار في اسباغ صفة الاذعان على العقد، لاسيما وان هذه الفكرة كانت موضع جدل فقهي تمخض عنه تعدد في الرؤى، كانت غايتها الاساسية مواكبة مستجدات الواقع العملي هذا من جهة ومن جهة اخرى نجد ان بعض التشريعات اولت المستهلك حماية خاصة ولاسيما من الشروط المجحفة بحقه، وذلك بابطالها وعدم الاحتجاج بها في مواجهة المتعاقد، ولبحث ذلك ارتأينا ان نقسم هذا المبحث الى مطلبين نتناول في الاول: تأصيل علاقة التوازن العقدي بصفة الاذعان ومدى الالتزام بالشروط الاحادية التحرير في العقد ونتحدث في الثاني عن اهمال الشروط الاحادية التحرير المسيئة الى مركز المتعاقد(1).

المطلب الاول

تأصيل علاقة التوازن العقدي بصفة الإذعان ومدى الالتزام بالشروط الأحادية التحرير

  عكف الفقه القانوني على دراسة عقود الاذعان وبيان الخصائص المميزة لها، وتحديد نطاقها في التعاقد مع شركات الاحتكار للسلع والخدمات الضرورية التي لا غنى للافراد عنها، الا ان التنوع المعاصر للمنتوجات والخدمات وتعقيدها التقني ابرز عقوداً تتماثل في ظروفها مع عقد الاذعان، فبات التساؤل مُلحاً عن مدى شمول فكرة الاذعان بمفهومها التقليدي لواقع المستجدات العملية الحديثة وهذا ما حدى ببعض الفقه القانوني الى التجديد في مفهوم عقد الاذعان انطلاقاً من فكرة التوازن العقدي ، لذا سنخصص الفرع الاول لعلاقة المفهوم التقليدي لعقد الاذعان بالشروط الاحادية التحرير ، في حين نكرس الفرع الثاني بعلاقة المفهوم الحديث لعقد الاذعان بالشروط الاحادية التحرير.

الفرع الاول

علاقة المفهوم التقليدي لعقد الاذعان بالشروط الأحادية التحرير

   يكاد ينعقد اجماع الفقه القانوني على ان عقد الاذعان هو عقد يسلم فيه القابل بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل فيها مناقشة ويكون ذلك متعلق بسلعة او مرفق ضروري محل احتكار قانوني او فعلي وموضع منافسة محدودة النطاق(1)، فالقابل للعقد هنا لم يصدر قبوله بعد مناقشة ومفاوضة مع الموجب كما يحصل عادة في العقود الاخرى ، بل هو في موقفه لا يستطيع الا ان يأخذ او يدع، ولما كان في حاجة الى التعاقد على شيء لا غناء له عنه فهو مضطر الى الاذعان والقبول، فرضاؤه موجود ولكنه يكاد يكون مكرهاً عليه، على ان هذا النوع من الاكراه ليس هو المعروف في عيوب الرضا بل هو اكراه متصل بعوامل اقتصادية اكثر من اتصاله بعوامل نفسية(1).

  لذا فان عقود الاذعان لا تكون الا في دائرة معينة تحددها الخصائص الاتية:

1-تعلق العقد بسلع او مرافق تعتبر من الضروريات بالنسبة للمستهلكين او المنتفعين كالتعاقد على خدمات الكهرباء والماء والغاز والبريد والنقل بوسائطه المختلفة والتأمين بانواعه المتعددة.

2-احتكار الموجب لهذه السلع او المرافق احتكاراً قانونياً او فعلياً او على الاقل سيطرته التي تجعل المنافسة محدودة النطاق.

3-صدور الايجاب الى الناس كافة وبشروط واحدة وعلى نحو مستمر ويغلب ان يكون ذلك في صيغة مطبوعة تحتوي على شروط مفصلة لا يجوز النقاش فيها واكثرها لمصلحة الموجب فهي تارة تخفف مسؤوليته التعاقدية واخرى تشدد من مسؤولية الطرف الاخر وهي في مجموعها من التعقيد بحيث يغم فهمها على اوساط الناس(1)وذلك ما استقر عليه قضاء محكمة التمييز العراقية فقد جاء في احد قراراتها “ان عقود الاذعان يكون موضوعها سلع او مرافق ضرورية يحتكرها شخص طبيعي او معنوي يصدر ايجاباً موجهاً الى الناس كافة بشروط واحدة ولمدة غير محددة ويكون الطرف الاخر مضطراً لقبول تلك الشروط لانه في حاجة الى الشيء الذي يتعاقد عليه”(2) وهو ايضاً ما استقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية فقد جاء في احد قراراتها “خصائص عقد الاذعان وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة تعلقها بسلع او مرافق تعتبر من الضروريات ويكون فيها احتكار الموجب احتكاراً قانونياً او فعلياً وتكون سيطرته عليها من شأنها ان تجعل المنافسة فيها محدودة النطاق وان يكون صدور الايجاب منه الى الناس كافة بشروط واحدة ولمدة غير محدودة والسلع الضرورية هي التي لا غنى للناس عنها والتي لا تستقيم مصالحهم بدونها بحيث يكونون في وضع يضطرهم الى التعاقد بشأنها ولا يمكنهم رفض الشروط التي يضعها ولو كانت جائرة وشديدة”(1).

  ووفقاً للمفهوم التقليدي لعقد الاذعان اقتصر نطاق هذا العقد على حدود ضيقة لم تعد تتوائم مع ضرورات حماية المستهلك في مواجهة تجمعات الانتاج وشبكات توزيع السلع والخدمات التي اصبحت لا تتعامل الا من خلال شروطاً معدة سلفاً لايكون بوسع المستهلك لدى الرغبة في التعاقد الا قبولها دون السماح له بتعديل مضمونها او مناقشتها، وعادة ما تكون هذه الشروط محققة للمنتج اقصى انتفاع ممكن في الوقت الذي تضع عنه اكبر عدد ممكن من الالتزامات الى حد الاعفاء من المسؤولية الملقاة على عاتقة(2).

 ومن هذه الشروط: الشروط التي تؤدي الى اعفاء المنتج او الطرف المنفرد في تنظيم العقد من الالتزامات التعاقدية او الضمانات القانونية كضمان الاستحقاق وضمان العيوب الخفية كما هو الامر في عقود بيع السلع بالتقسيط(1)والشروط التي تؤدي الى الاعفاء او التخفيف من المسؤولية في حالة التخلف عن الوفاء بالالتزامات التعاقدية او التأخر في تنفيذها او تنفيذها تنفيذاً معيباً او جزئياً كما هو الحال في العقود التي تنظمها مكاتب السفر والسياحة. والشروط التي تسمح للمنتج او الطرف الذي يقوم بتنظيم العقد بتسليم سلعة او خدمة غير مطابقة للمواصفات المتفق عليها او الواردة في ملحقات العقد والوثائق المصاحبة له والشروط التي يكون من شأنها ربط السلعة او الخدمة محل التعاقد بارادة المنتج او من يقوم بتنظيم العقد(2) او الشروط التي تؤكد قبول المستهلك لجميع بنود العقد على الرغم من انه لم يعلم بها (كلها او بعضها) او لم يتمكن من الاطلاع عليها او فهم المقصود منها فهماً واضحاً وقت ابرام العقد لكونها شروط غالباً ما تكون فنية ودقيقة يصعب على غير المتخصص ادراك مفهومها ومعرفة المقصود منها وهذا ما نجده في الكاتولوجات وكراسات المواصفات والشروط(1)، فضلاً عن الشروط التي تهدف الى انقاص او تعطيل حق المستهلك في التعويض عن الاضرار التي تلحقه من جراء اخلال المنتج باي التزام من التزاماته، او منحه سلطة فسخ العقد بالارادة المنفردة(2).

 فضعف المستهلك وعدم التوازن بين مراكز المتعاقدين لم ينشأ هنا من احتكار الطرف القوي اقتصادياً للسلع والخدمات الضرورية احتكاراً قانونياً او فعلياً كما ذهب اليه الفقه التقليدي وانما من عدم قدرة المستهلك على مناقشة شروط العقد المفروضة من قبل الطرف الاخر وقلة خبراته ازاء تفوق المنتج في مجال التعاقد.

  وهنا يثار التساؤل عن ان مجرد استقلال احد اطراف العقد باعداده وفرض شروط لا تقبل المناقشة ازاءها يكفي كمعيار لتوافر صفة الاذعان بغياب ميزة الاحتكار للسلع والخدمات الضرورية؟ وهذا ما اجاب عليه الفقه الحديث وهو موضوع الفرع الاتي.

الفرع الثاني

علاقة المفهوم الحديث لعقد الإذعان بالشروط الأحادية التحرير

   دعى البعض من الفقه القانوني الى هجر الفكرة التقليدية لعقود الاذعان لتحل محلها فكرة حديثة مؤداها ان عقد الاذعان هو العقد الذي يستقل احد اطرافه قبل الابرام بتحديد مضمونه كلياً او جزئياً، وبصورة عامة مجردة، وينحصر دور الطرف المذعن في قبول هذا العقد الذي تم اعداده مسبقاً بمعرفة الطرف الاخر دون مناقشة او مفاوضة. ولا محل لاشتراط الاحتكار القانوني او الفعلي لسلعة ضرورية لاسباغ صفة الاذعان على العقد ، بل ان صفة الاذعان تتأتى من عدم قدرة المستهلك على مناقشة شروط العقد المعد مسبقاً من الطرف الاخر، وقلة خبراته في النواحي الفنية والاقتصادية والقانونية وتفوق المنتج في مجال التعاقد وتمكنه من فرض الشروط المختلفة دون مفاوضة(1). وعلى ذلك عرف الاستاذ حسام الدين الاهواني عقد الاذعان بانه “العقد الذي تم اعداده مسبقاً بمعرفة الطرف الاخر”(2) كما عرفه الاستاذ رجب عبد الاله بانه “العقد الذي يعرض فيه الموجب شروطاً تم اعدادها مسبقاً اما بواسطته او من قبل الغير ولا يقبل التفاوض فيها مع المتعاقد الاخر”(1)، وعرفه الاستاذ جاك غستان بانه “انضمام لعقد نموذج يحرره احد المتعاقدين بصورة احادية الجانب وينضم اليه المتعاقد الاخر بدون امكانية حقيقية لتعديله”(2).

 وقد برر اصحاب هذا الاتجاه التوسع في تحديد مفهوم عقد الاذعان بالاتي:

  1. حماية المستهلك هي الغاية الأساسية من تنظيم عقود الإذعان

  اصبح المستهلك اليوم بحاجة ماسة للحماية في ضوء التفاوت في الخبرة والعلم في مجال المعاملة بين الطرفين المقبلين على التعاقد، فاذا كان اهتمام المشرع والقضاء بالطرف الضعيف في عقد الاذعان نابع من الرغبة في اعادة التوازن والعمل على وجود علاقات عقدية ذات اداءات متوازنة(3)، فان هذه الغاية تجد لها نطاقاً واسعاً حالياً في ظل نماذج العقود التي بانت نتيجة حتمية لتنوع الانتاج وكثافة التوزيع(4).

   واذا كان الانتاج الضخم والتوزيع الكثيف يفرضان استعمال العقود النموذجية بشروطها، فان تنظيمها الاحادي الجانب هو المصدر الفعلي للاساءة بمبدأ التوازن العقدي، ويشكل خطراً حقيقياً على الرضا في العقد واعطاء الطابع الوهمي له، لان في هذا التنظيم ما يسمح ويكفل المنتج من وضع ماشاء من شروط تعسفية بحق الطرف الاخر.

  ومن هنا نجد ان كلا العقدين يعبر عن واقع يُفترض فيه وجود علاقة عقدية يتسم احد طرفيها بالضعف في مواجهة الطرف الاخر على نحو يبرر حاجته الى الحماية سواء أكان في نطاق عقد اذعان ام في نطاق عقد نموذجي، لذا يكون من الضروري اسباغ صفة الاذعان على العقود النموذجية، بغية شمول المستهلك فيها بالحماية التشريعية المقررة للطرف المذعن في عقود الاذعان والمتمثلة بالحد او الاعفاء من الشروط التعسفية لمصلحة المذعن وفقاً لما تقضي به العدالة(1)، وتفسير الشروط الغامضة بما لايكون ضاراً لمصلحة المذعن ولو كان دائناً(2).

  1. فكرة الاحتكارفكرة غير منضبطة لا تصلح كمعيار للعلاقة بين طرف قوي وطرف ضعيف.

  ان فكرة الاحتكار نفسها فكرة نسبية تختلف من شخص الى اخر اذ قد يحتاج احد الاشخاص الى السلعة او الخدمة محل العقد اكثر من غيره وهذا ما يدفعه الى قبول بنود العقد كما وضعها الشخص الذي يقدم هذه السلعة او تلك الخدمة الضرورية، فهنا يعد هذا العقد بالنسبة له عقد اذعان، في حين انه ربما لا يعد كذلك بالنسبة لشخص اخر ليس في ظروفه نفسها وليس مضطراً الى السلعة محل العقد. ولعل الواقع العملي الذي افرز عقود الاذعان هو الذي دفع الفقه والقضاء الى تطلب الاحتكار نظراً لان معظم هذه العقود كانت تتعلق بسلع او خدمات احتكارية(1). الا ان الواقع العملي حالياً لا يرتبط بعقود تتعلق بسلع وخدمات احتكارية بقدر ارتباطه بعقود يتحدد مضمونها كلياً او جزئياً بصورة مجردة وعامة قبل الفترة العقدية يقبلها المستهلك دون مناقشة مما يلزم القول انه لا محل لاشتراط توافر الاحتكار القانوني او الفعلي لسلعة او خدمة ضرورية كمعيار للعلاقة بين طرف قوي اقتصادياً وطرف ضعيف، كما لا يصح ان يقدر عدم التساوي بالنظر الى موقف الاطراف خارج العلاقة العقدية بينهما. وعلى ذلك فان ضعف الطرف المذعن لا ينشأ من احتكار السلعة او الخدمة الضرورية، وانما من مجرد ان اعداد شروط العقد قد تم مسبقاً بواسطة الطرف الاخر الذي يقوم بتحديد الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقد بالصورة التي تحقق مصلحته ولا يقبل المناقشة في شروطها، فيتمثل ضعف الطرف المذعن من انه يقوم بعملية منفردة لم يفكر ولم يعد نفسه لها مقدماً عند طلبه الحصول على السلعة او الخدمة ويتمثل قوة الطرف الاخر في انه محترف او منتج يقوم بعملية متكررة ومتشابهة ويكتسب من تخصصه خبرة تمكنه وضع شروط العقد وتعديله بما يحقق مصلحته. والمذعن اذ يلجأ الى التعاقد مع الطرف الاخر فانه يتعاقد معه بسبب تخصص الاخير وخبرته لا بسبب احتكاره لسلعة او خدمة ضرورية، فعدم التوازن يرجع هنا الى ذات العلاقة العقدية كونها بين مستهلك يقوم بعملية منفردة ومحترف او منتج متخصص يقوم بعمليات متكررة ولا يرجع الى فكرة الاحتكار وهي فكرة خارجة عن اطار العلاقة العقدية(1).

  ومن هنا تبدو العلاقة وثيقة –في الفقه الحديث- بين مدى تحقق التوازن العقدي ومدى الزام التعاقد بالشروط الاحادية التحرير فاذا كان نطاق حماية المستهلك يتحدد ابتداءاً بحمايته من الشروط التي لا يعلم بها وكما وضحناه في المبحث الاول فان ذلك يعد قاصراً عن شمول كل الحالات المقررة للحماية، فما اهمية العلم بالشروط الواضحة، ان كانت هذه الشروط مسيئة الى مركز القابل بها من دون مناقشة او مساومة وهذا ما يوجب حماية المستهلك منها، وذلك بتعديلها او الاعفاء منها بما يعيد التوازن في العلاقة العقدية. واذا كان ذلك يطبق متى ما كانت الشروط التعسفية واضحة فان الحماية تشمل الشروط التعسفية الغامضة اذ يتوجب على القاضي تفسيرها بما لا يكون ضاراً بمصلحة المُذعن بها ولو كان دائناً وبذلك تشمل الحماية جميع العقود التي تتفاوت فيها مراكز الاطراف المتعاقدة بواضح شروطها وغامضها.

المطلب الثاني

اهمال الشروط الاحادية التحرير المسيئة الى مركز المتعاقد

         لمعرفة مدى انطباق ما خلص اليه الفقه الحديث من الاعفاء او التعديل في الشروط الاحادية التحرير التي يختل بوجودها التوازن العقدي، مع ان العقد بحسب المفهوم التقليدي لا يعد عقد اذعان بحد ذاته، مع النصوص القانونية الواردة في نطاق القانون المدني هذا من جهة، ومعرفة دور المشرع في حماية المستهلك من هذه الشروط بالنص صراحة على ابطالها في بعض القوانين الخاصة بالمستهلك، من جهة اخرى، سنكرس لذلك الفرعين الاتيين.

الفرع الاول

في القانون المدني

         عالج المشرع العراقي عقد الاذعان في المادة 167 من القانون المدني، وبالرجوع الى الفقرة الاولى من هذه المادة نجد ان فكرة الاذعان تتحد في هذه الفقرة حصراً حيث نصت على ان: “القبول في عقد الاذعان ينحصر في مجرد التسليم بمشروع عقد ذي نظام مقرر يضعه الموجب ولا يقبل فيه مناقشة” ويتضح بجلاء من نص هذه الفقرة ان المشرع تتطلب لاسباغ صفة الاذعان على أي عقد امرين لا ثالث لهما:

الاول/ قيام احد المتعاقدين أي الموجب بوضع شروط العقد وعرضها على المتعاقد الاخر أي الموجه اليه.

والثاني/ عدم قبول الموجب مناقشة هذه الشروط من الطرف الاخر الذي اما ان يقبل بها جملة

او يرفضها جملة، فاذا قبل بها انعقد العقد وعد عندئذ من قبيل عقد الاذعان.

  ومن الملفت للنظر اننا لم نجد في هذه الفقرة ما دأب عليه الفقه والقضاء من تطلب توافر الاحتكار القانوني او الفعلي للسلع او الخدمات الضرورية لاسباغ صفة الاذعان على العقد اضافة الى الشروط الاخرى.

  وهذا المفهوم الذي حددته الفقرة الاولى من المادة 167 هو ما يتفق تماماً مع ما اتجه اليه الفقه الحديث في تحديد مفهوم عقد الاذعان.

  لذا ولانعدام السند القانوني لما تتطلبه الفقه والقضاء من وجوب احتكار السلع او الخدمات في نطاق عقد الاذعان ، اننا ندعو الى اعادة النظر في تحديد مفهوم عقد الاذعان والتوسع في نطاقه.

  وتبني المفهوم الواسع بهذا الشأن ولاسيما من وجهة نظر القضاء بقصد بسط الحماية القانونية للطرف المذعن على المستهلك الذي بات بأمس الحاجة الى هذه الحماية امام التطور العلمي والتكنولوجي الذي ساعد على وجود انتاج متدفق من السلع والخدمات واتسام المعاملات وخاصة التعاقدية بالسرعة الفائقة والتي لا تدع مجالاً للمناقشة والتفاوض بصددها مما يجد المستهلك نفسه امام عقد اذعان من الناحية الواقعية.

  هذا فضلاً عن انه اذا كان الواقع العملي هو ما حدى بالفقه والقضاء الى اشتراط الاحتكار في عقود الاذعان لاسيما العقود المبرمة بشأن خدمات الماء والكهرباء والنقل والوقود.. الامر الذي ادى الى ارتباط فكرة الاذعان بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تحيط التعاقد مما جعلها فكرة اقتصادية اكثر منها قانونية فان المفروض ربط هذه الفكرة بالنصوص القانونية ولاسيما ان هذه النصوص جاءت صريحة وواضحة في تحديد ماهية عقد الاذعان ونطاقه لا بل انها تستوعب التوسع الحاصل في حاجات المستهلك وتوفر له السبل الكفيلة للحماية(1)، اذا ما فسرنا هذه النصوص بما ينسجم مع غاياتها التشريعية بعيداً عن التقيد والتمسك بشروط لا اساس قانوني لها.

  واذا كان ما قدمناه هو موقف المشرع العراقي في المادة 167 من القانون المدني، فإننا نجد عين الموقف التشريعي في المادة 100 من القانون المدني المصري.

  اما عن موقف المشرع الفرنسي في القانون المدني فانه خلا من نص يحدد فكرة عقود الاذعان او نص يعمد الى اضفاء حماية تشريعية على الطرف الضعيف فيها، الا ان الجدل الفقهي الذي ثار حول طبيعة هذه العقود والذي اشعل جذوته الفقيه (سالي) حدا بالمشرع الفرنسي ان يتدخل بنصوص خاصة لمعالجة اهم عقود الاذعان، كعقد التأمين وعقد النقل وعقد العمل(1) هذا من جهة ومن جهة اخرى نلاحظ ان القضاء اوجد حلولاً مناسبة لحماية المُذعن منها مراعاة العدالة وحسن النية في تفسير الشروط التعسفية(2) .

الفرع الثاني

في القوانين الخاصة بالمستهلك

  سنتناول في هذا الفرع موقف كل من قانون الاستهلاك الفرنسي وقانون حماية المستهلك المصري ومشروع قانون حماية المستهلك العراقي. وفي الفقرات الاتية:

اولاً: قانون الاستهلاك الفرنسي ذي الرقم 93/ 949 في 26/ تموز/ 1993

في الوقت الذي خلت فيه القوانين المدنية من وضع ضوابط لمواجهة الشروط الاحادية التحرير في العقود ولاسيما المجحفة منها بحق المتعاقد المتلقي لهذه الشروط وضعت قوانين الاستهلاك الصادرة في العديد من الدول قواعد توجه وتنظم استخدام هذه الشروط ومنها قانون الاستهلاك الفرنسي (1) ذي الرقم 93/ 649 في 1993.

إذ تناول المشرع الفرنسي في الفصل الثاني من الجزء الثالث من الكتاب الاول من هذا القانون الشروط التعسفية موضحاً في الفرع الاول حماية المستهلك من الشروط التعسفيةم(132/ ف1) وفي الفرع الثاني لجنة مواجهة الشروط التعسفية م (132 ف2 ف5) وبمراجعة نص هذه المادة(1) يمكن ان نوضح اوجه حماية المستهلك من الشروط الاحادية التحرير بالاتي:

1-تحديد نطاق الشروط التعسفية في العقود التي تبرم بين المهنين وغير المهنين(1)، وتحديد معناها بوجه عام بالشروط التي يكون من شأنها اخلال التوازن بين حقوق والتزامات الاطراف المتعاقدة.

2-ابطال الشروط التعسفية اذ تعد كانها غير مكتوبة اصلاً في العقد مع بقاء العقد صحيحاً وهذا ما يحقق اقصى فائدة للمستهلك ويطبق هذا الحكم على كافة العقود (المبرمة بين المهنين وغير المهنيين) اياً كان نوعها او مستندها، وخاصة على طلبات الشراء والفواتير وشهادات الضمان وايصالات او قسائم التسليم والتذاكر، التي تتضمن شروطاً او تحيل الى شروط عامة سبق اعدادها.

3-يكون لمجلس الدولة الفرنسي اصدار مرسوم بعد اخذ رأي لجنة مواجهة الشروط التعسفية المشار اليها (في المادة 132/ 2) وتبعاً لطبيعة السلع والخدمات لمنع او تخفيف او تعديل الشروط المتعلقة بتحديد الثمن والوفاء به او بمكونات الشيء او تسلمه او وثيقة المخاطر ونطاق المسؤوليات والضمانات، او شروط تنفيذ او تجديد العقود، وذلك عندما تكون الشروط مفروضة على المستهلكين او غير المهنيين بسبب سوء استغلاله لنفوذه الاقتصادي بما يخوله مزايا مفرطة.

4-تحديد الشروط التعسفية عن طريق القائمة الملحقة بقانون الاستهلاك على سبيل المثال لا سبيل الحصر ومما تجدر ملاحظته ان المادة 132/1 تعترف ضمناً بدور القضاء باستبعاد الشروط التعسفية لان استبعاد الشروط التعسفية عن طريق التنظيم اللائحي لم يرد الا على سبيل المثال وذكر النماذج للشروط التي تعد تعسفية، فيكون بذلك للقضاء ان يحدد ان شرطاً ما يعد تعسفياً حتى مع عدم وجود مرسوم يمنع هذا الشرط وهذا ما يتحقق معه حماية المستهلك.

5-تحديد دور لجنة مواجهة الشروط التعسفية بالاتي:

أ-اعداد مشروعات لقرارات ادارية موضوعها تنظيم او منع او تقييد الشروط التعسفية في العقود النموذجية م (132/2).

ب-التوصية بالغاء او تعديل البنود التي تتضمن شروطاً تعسفية م(132/4).

جـ-اعداد تقرير سنوي عن نشاطها متضمناً اقتراحات بتعديلات تشريعية او اللوائح الخاصة بتنظيم الشروط التعسفية (132/5).

وبهذا يكون المشرع الفرنسي قد اوضح منطقة في بيان التعسف بادراج قائمة بالشروط التي تعد تعسفية بطبيعتها، اما الشروط التي تعد تعسفية بحكم تطبيقها فقد اوكلها الى لجنة مواجهة الشروط التعسفية التي تصدر بين اونة واخرى قرارات تحوي على الشروط التي تعد تعسفية بحكم متغيرات الواقع العملي.

ثانياً: قانون حماية المستهلك المصري ذي الرقم 67 لسنة 2006

         نص المشرع المصري في المادة العاشرة من قانون حماية المستهلك المصري على انه: “يقع باطلاً كل شرط يرد في عقد او وثيقة او مستند او غير ذلك مما يتعلق بالتعاقد مع مستهلك، اذا كان من شأن هذا الشرط اعفاء مورد السلعة او مقدم الخدمة(1) من أي من التزاماته الواردة بهذا القانون”.

         وبناءً على النص المتقدم يبدو لاول وهلة ان المشرع المصري قد قصر الحماية على ابطال الشروط التي تعفي او تحد من التزامات مورد السلعة او مقدم الخدمة، في حين ان الحماية لا تقتصر على ابطال هذه الشروط فقط وانما تمتد الى تلك الشروط التي تنقص او تحد من حقوق المستهلك الاساسية وذلك ما يستفاد من نص المادة الثانية من هذا القانون(1). وبذلك لا يمكن ان يلزم المستهلك باي شرط يخل بحقوقه او ينقص او يحد من التزامات المورد او مقدم السلعة، حتى وان كان هذا الشرط واضحاً ومن هنا تبدو اهمية القوانين الخاصة في حماية المستهلك(1) اذ طبقاً للقواعد العامة في التفسير، يكون من غير المقبول اهمال الشروط الواضحة واستبعادها –فيما عدا عقود الاذعان- طالما لم يقم الدليل على خلافها وهذا غالباً ما يكون من الصعب إثباته، اذ لم نقل ان ذلك من غير الممكن.

ثالثاً:مشروع قانون حماية المستهلك العراقي الصادر في 28/ ايار/ 2009

   تضمن مشروع قانون حماية المستهلك العراقي سبعة فصول كان اولها في التعاريف والاهداف ونطاق السريان وثانيهما في مجلس حماية المستهلك وثالثهما في حقوق المستهلك ورابعهما في واجبات المجهز والمعلن وخامسها في المحظورات وسادسها في العقوبات وكان اخرها وهو الفصل السابع في الاحكام العامة. ولم نلمس في طيات هذا المشروع ما يشير الى استبعاد او تعديل الشروط المجحفة بحق المستهلك والتي تواتر العمل على ادراجها في العقود ولاسيما تلك المعفية من الضمان او المحددة لنطاق المسؤولية، مما يعني اخضاع هذه الشروط للقواعد العامة في القانون المدني ومن هنا تبدو اهمية التوسع في مفهوم عقد الاذعان طبقاً للقانون المدني العراقي لشمول المستهلك بالحماية الخاصة في عقود الاذعان لاسيما باعطاء القضاء سلطة استبعاد او تعديل الشروط التعسفية.

  في الوقت الذي نتمنى فيه على المشرع العراقي ان ينظم هذا النوع من الشروط واعطاء القضاء سلطة تقدير الشروط التعسفية وامكانية تعديلها او الغائها بما يعيد التوازن العقدي في العقود التي يستقل بها احد اطرافها في صياغة مشروع العقد او فرض شروطه على الطرف الاخر مع ضرورة النص على تفسير الشك لمصلحة الطرف الضعيف ولو كان دائناً وذلك حسماً للاجتهادات الفقهية والقضائية في جواز مد الحماية المفروضة في نطاق عقد الاذعان على العقود التي تتفاوت فيها مراكز المتعاقدين من عدمه.

الخاتمة

بخاتمة البحث خلصنا إلى جملة من النتائج نجملها بالاتي:

1-أضحت ظاهرة انتشار العقود التي تتفاوت فيها المراكز بين المتعاقدين تنأى بالتراضي عن معناه الحقيقي في النظم القانونية، إذ بات من المألوف فرض الطرف المتمتع بالقوة التعاقدية، شروطه المحررة سلفاً والتي لا يملك إزاءها المتعاقد الأخر من الناحية العملية فرصة المناقشة او المفاوضة أو تعديل مضمونها هذا من جهة ومن جهة أخرى، أصبحت هذه العقود في الوقت ذاته سبباً للإجحاف بحق الطرف الأقل خبرة وذلك لتضمينها شروطاً تحد من حقوقه او ضماناته او تزيد من اعباءه والتزاماته او بالعكس تزيد من حقوق واضعها وتوفر له السبل الكفيلة في الزيادة من ضماناته او الحد من نطاق التزاماته التي يفرضها العقد المبرم بينهما.

2-ان الزام الطرف الضعيف بالشروط التي يفرضها الطرف القوي يستوجب علمه بها لان بغير ذلك لايمكن القول ان ارادة المتعاقد قد انصرفت الى الاخذ بها وعدها جزءاً من مضمون العقد، الا ان مسألة العلم بالشروط الأحادية التحرير لا تكون ميسرة في كل الأحوال، فاذا كان يفترض علم المتعاقد بها متى ما كانت هذه الشروط واضحة بمضمونها وغير مسيئة الى مركز المتعاقد بآثارها وواردة في وثيقة العقد الاصلية ذاتها، فان هذا العلم لا يفترض متى ما كانت هذه الشروط مصاغة بطريقة يصعب فهمها وإدراك مضمونها، فهنا ينهض دور القاضي ويتسع في استخلاص مدى انصراف ارادة المتعاقد الى الالتزام بها من عدمه، ويكون بوسعه اهمالها لعدم تعلق ارادة المتعاقد بها –حتى وان كانت صحيحة بذاتها- او ابطالها ان كانت مخالفة للقواعد القانونية الامرة، اما ان كانت هذه الشروط واردة في وثائق العقد الاخرى ، فلا يمكن ايضاً القول ان علم المتعاقد قد تحقق بها بحسب الاصل مالم يتضمن العقد ما يفيد عدها جزءاً منه وذلك بالإحالة إليها صراحة في العقد ذاته مع بيان ماهية الوثيقة الواردة فيها هذه الشروط بحيث تتحقق فرصة الاطلاع عليها، الا اننا وجدنا انه من الممكن ان تكون الاحالة الى هذه الشروط بصورة ضمنية في حالة وجود تعامل سابق بين المتعاقدين تحكمه ذات الشروط المراد الاحتجاج بها، او تمخضت هذه الشروط لمنفعة من وجهت اليه او كانت طبيعة هذه المعاملة او العرف تقضي باعتماد هذه الشروط.

3-ان من غير الصحيح القول ان حماية المتعاقد الضعيف تتحقق في كل الاحوال باستبعاد او ابطال الشروط الاحادية التحرير، بل بالعكس ان هذه الحماية في بعض الاحيان لا تتحقق الا باعمال هذه الشروط وخاصة في نطاق العقود التي يُستحث فيها المستهلك على التعاقد، اذ يلجأ المنتج او البائع الى جذب المستهلك بشروطه، التي تمس عناصر العقد ويكون لها الاثر المباشر على رضاءه ، كسعر المنتج او المبيع او مواصفاته، او الضمانات المقدمة من قبله وما شابه ذلك ….، فهذه الشروط لا يمكن ان تعد الا جزءاً من مضمون العقد ولا يصح لواضع هذه الشروط ان يحتج فيما بعد باهدار قيمتها العقدية، لانه لم يقصد الالتزام بما ورد فيها من شروط وانما كانت غايته منها الاعلان او الترويج.. طالما انها تضمنت ما يساهم في تحديد مضمون العقد وكان لها اثرها الفاعل في رضاء المتلقي هذا من جهة ومنعاً للتضليل بالمستهلك او التغرير به باية وسيلة كانت من جهة اخرى وذلك ما حرصت عليه القوانين الخاصة بالمستهلك وحمايته.

4-قصور المفهوم التقليدي لعقد الاذعان عن مواكبة وتلبية مستجدات التطور العلمي والتكنولوجي في اطار الانتاج المتدفق للسلع والخدمات، والذي فرض التعاقد وفق شروط لا يقبل الموجب فيها منافشة او مفاوضة. مما ندعو معه الى نبذ التشدد في تحديد مفهوم عقد الاذعان ولاسيما ما يتعلق بضرورة احتكار الطرف المذعن اليه للسلع والخدمات الضرورية احتكاراً قانونية او فعلياً، لان ضعف المستهلك وعدم التوازن العقدي والتكافؤ في الاداءات العقدية، لا ينشأ من الاحتكار القانوني او الفعلي وانما من عدم قدرة المستهلك على مناقشة شروط العقد وقلة خبراته في النواحي الاقتصادية والفنية والقانونية، وتفوق المنتج او المذعن اليه في مجال التعاقد، وتمكنه من فرض الشروط المختلفة التي غالباً ما تكون تعسفية. مما يتوجب معه ضرورة تبني الاتجاه الواسع في تحديد مفهوم عقد الاذعان بانه: عقد يقوم احد اطرافه بتنظيمه مسبقاً ينضم اليه الطرف الاخر دون مناقشة شروطه، بغية شمول المستهلك بالحماية التشريعية للطرف المذعن في نطاق عقود الاذعان، ولاسيما ما يتعلق بالحد او الاعفاء من الشروط التعسفية لمصلحة المستهلك وفقاً لما تقضي به العدالة ، وتفسير الشروط الغامضة بما لا تكون ضاراً بمصلحة المستهلك ولو كان دائناً. لاسيما وان القانون المدني العراقي شأنه شأن القوانين المدنية الاخرى تطلب لاسباغ صفة الاذعان على العقد انفراد احد المتعاقدين بوضع شروط العقد،وقبول الطرف الاخر لشروط هذا العقد دون مناقشة . اما عن الاحتكار القانوني او الفعلي للسلع او الخدمات فان امر تطلبه لا يعود الى التشريع وانما الى ما دأب عليه الفقه والقضاء تبعاً للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي احاطت بنشأة عقود الاذعان. لذا يكون من المناسب بل من الضروري تحرر القضاء من القيود المشددة التي تبناها في تحديد مفهوم عقد الاذعان طالما ان ذلك يخلو من سند تشريعي.

   هذا فضلاً عن ضرورة نص المشرع العراقي في مشروع قانون حماية المستهلك والذي لم يتضمن اية اشارة الى هذا النوع من الشروط في العقود التي تتفاوت فيها المراكز التعاقدية او كما يطلق عليها عقود الاستهلاك على منح القضاء سلطات واسعة يستطيع بموجبها ان يحد من انتشار الشروط التعسفية سواء كان باستبعادها او تعديلها، واعتماد نظام القوائم المحددة لما يعد تعسفياً من الشروط، وهو النظام الذي استقرت عليه التشريعات المعاصرة في حماية المستهلك مع تخويل لجان خاصة بمتابعة متغيرات الواقع العملي ومستجداته التي تدعو الى عد شروط معينة تعسفية عن طريق اعداد المقترحات واللوائح اللازمة لذلك.

bibliotdroit.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية خـــــطــــــة الـبـحـــــــث مـقـدمــــــة. المـبحث الأول: تحديد مفهوم ...