المجتمع المدني والديمقراطية .. قراءة في بعض أسس التلازم


المجتمع المدني والديمقراطية .. قراءة في بعض أسس التلازم

يتبلور المجتمع المدني كمكون لا محيد عنه من مكونات الحكامة الجيدة؛ عبر مساهمته في العديد من الأوراش والتحديات الكبرى، والقادرة على جعله رهانا مستقبليا “مصيريا”، من منظور التعامل معه كسلطة “خامسة” ناشئة. في هذا الصدد تتبلور إحدى أهم مساهماته، والمتمثلة في تدعيم أسس الفعل الديمقراطي “الرصين” وتكريس أبعاد ممارساته الفضلى، سواء أفي الدول العريقة ديمقراطيا أم تلك التي مازالت تعرف مخاضات الانتقال الديمقراطي. إنه باعتبار المجتمع المدني مملكة الحرية -وفق الفهم الجيلنري- فهو سيظل بلا شك الوعاء الأساسي لاحتضان البنيات العميقة للديمقراطية كقيمة جوهرية، وما يرتبط بها من معايير وأسس، وعلى رأسها قيمة المواطنة، التي يعمل المجتمع المدني جاهدا على الإبقاء على مكانتها السامقة في صرح القيم المدنية الرفيعة.

أولا: منطلقات مساهمة المجتمع المدني في تعزيز مفهوم الديمقراطية:

يظل مفهوم المجتمع المدني مفهوما “سياسيا” بالدرجة الأولى، ومن ثم فهو يعري عن ارتباطاته المتعددة الشبائكية مع مفاهيم أخرى من قبيل الوطن، والحرية، والدولة، والحق، والقانون، والفكرالليبرالي، والديمقراطية. في هذا الشأن يمكن القول إنه لا وجود لتجارب ديمقراطية ناجحة خارج سياقات المجتمع المدني “الحقيقي”، كما أنه يصعب بناء مجتمع مدني متقدم، في ظل وجود حكم قائم على الجور والاستبداد البسيط أو المطلق.

وعلى هذا الأساس، يعد مفهوم الديمقراطية مفهوما جوهريا ضمن انشغالات مؤسسات المجتمع المدني، وركيزة من ركائز غائياتها المرسومة في قوانينها الأساسية. هذه المؤسسات، ومنذ نشوئها الإرهاصي الأولي، أضحت تلعب الأدوار الفاعلة والريادية في عمليات التغيير الاجتماعي والتحول السياسي والتطوير الاقتصادي والنبوغ الثقافي. وهنا نجد أنه كلما تطورت أدوار مؤسسات المجتمع المدني في هذه العمليات، تميزت بمرونة وسلاسة في الاستجابة لمعطيات البنى القائمة؛ مما يؤكد مدى مساهمتها في بلورة الأسس الديمقراطية لكل تغيير محتمل على مستوى هياكل الدولة، القائمة أساسا على المأسسة، وحيث يعتد بالمجتمع المدني المتطور المؤسس على فعل الحرية والمبادرة والنزوع للعمل التطوعي في إطار مشاركة منظمة كركن أساسي في ثقافة بناء دولة المؤسسات. ومن ثم تبرز الرابطة الوطيدة بين هيئات المجتمع المدني وإواليات التحول الديمقراطي، والعلاقة المتينة بين مقولتي ‘الديمقراطية’ و”المجتمع المدني”؛ حيث إن الديمقراطية تتبلور كجملة قواعد وأسس ممارسة سلطة الحكم، والتوفر على آليات المأسسة المستمرة لفض الاختلاف سلميا وبناء التوافقات حول المسائل المتنازع فيها، وهو ما يمكن أن نجده في الأبعاد المعيارية للمجتمع المدني.

وهكذا فإن الدور الهام للمجتمع المدني في تعزيز التطور الديمقراطي وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها الأساسية؛ ينبع من طبيعة المجتمع المدني وما تقوم به منظماته في إطار المأسسة من دور ووظائف في المجتمع، لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتسيير المجتمع، وهي من ثم أفضل إطار للقيام بدورها كمدارس حقيقية للتنشئة على المواطنة والتدريب العملي على الممارسة الفعالة للديمقراطية.

إنه عندما تتوافر لشريحة عريضة من المواطنين إمكانية المشاركة الإيجابية من خلال منظمات المجتمع المدني، وعندما تتوافر لهذه المنظمات حياة داخلية ديمقراطية تمكن الأعضاء من القيام بالأدوار الريادية على مستوى هذه المنظمات؛ تنشأ الإمكانيات المواتية لقيام مجتمع مدني “محوكم” يكون بمثابة البنية التحتية لقيام نظام ديمقراطي حقيقي على مستوى المجتمع كله. وبذلك تصبح الديمقراطية بناء من أسفل يشمل كل مكونات الشعب، والذي يصبح عبرها طرفا لا محيد عنه في معادلة الحكم. ومن ثم تترسخ الديمقراطية كنظام للحياة في تجلياتها المختلفة، وأسلوب لتسيير المجتمع بسائر مكوناته. إن الديمقراطية بهذا المعنى “الكلياني” لا تبرز كهبة أو منحة من الحكام، ولكن هي نتاج النضالات المريرة والمستميتة للشعب وما يعتمل في دواخله من تحركات حرة ومستنيرة.

هكذا يتبلور دور المجتمع المدني في بناء وترسيخ القيم الديمقراطية، وذلك من خلال نهوض مؤسسات المجتمع المدني بوظائفها الأساسية في المجتمع (الوظيفة التوجيهية والتعبوية)، والتدريب العملي على تبني أسس الممارسة الديمقراطية السليمة في الحياة الداخلية لهيئات المجتمع المدني، وجعلها قادرة على مجابهة التحديات الخارجية (الوظيفة التربوية والثقافية).

ثانيا: الوظائف الديمقراطية للمجتمع المدني:

إن المجتمع المدني من وجهة نظر الطبقات المحكومة، هو ساحة للصراع “المدني”، تتمكن من خلاله من أن ترسي أساسا هيمنة مضادة وقوة كابحة لشطط الدولة أو تعسف مؤسساتها، مما يساعدها على تنويع مجالات تأثيرها في المجتمع والدفع الإيجابي في اتجاه توسيع الهامش المتاح لها للتحرك والتأثير، وبلورة آليات ديمقراطية “رصينة” تسمح بتسوية المنازعات بشكل سلمي وفي إطار من التعايش، مع المساهمة الفعالة في تعميق عملية التطور الديمقراطي للمجتمع “الحي”. على ضوء ذلك يمكن وبنوع من المجازفة العلمية؛ تحديد خمس وظائف أساسية تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني لتحقيق دور ترسيخ الأبعاد الديمقراطية داخل المجتمعات، وهي:
وظيفة تجميع المصالح، وظيفة حسم وحل الصراعات، وظيفة زيادة الثروة وتحسين الأوضاع، وظيفة إفراز القيادات الجديدة، وأخيرا وظيفة إشاعة ثقافة مدنية ديمقراطية.

*وظيفة تجميع المصالح: حيث يتم من خلال مؤسسات المجتمع المدني بلورة مواقف اجتماعية مشتركة من القضايا والتحديات التي تواجه منتسبيها (الأعضاء والمنخرطين)، وتمكنهم من التحرك الفعال جماعيا لحل كل المشاكل التي قد تعترض سبل عملهم، مع ضمان مصالحهم على أساس هذه المواقف الجماعية. وتمارس هذه الوظيفة بشكل أساسي من خلال النقابات العمالية والغرف المهنية وجماعات رجال الأعمال أو جماعات الضغط – إذا اعتبرنا كل هذه الأشكال التنظيمية هي بمثابة مؤسسات للمجتمع المدني- وسائر المنظمات الدفاعية. إن وظيفة تجميع المصالح التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني، لا تقتصر نتائجها على العمل المباشر لهذه المؤسسات، بل تمتد إلى المجتمع ككل وبشكل شمولي، فتوفر لمواطنيه، بفئاتهم المختلفة هذه الخبرات الهامة للممارسة الديمقراطية السليمة. “فمؤسسات المجتمع المدني –كما يرى ساندل Sandal ـ كالمدارس وأماكن العمل والعبادة والتنظيمات النقابية والحركات الاجتماعية، غدت المواقع الجديدة للفعل الديمقراطي، في عالم ما بعد الحداثة المتسم بالوجود المكثف للولاءات والهويات والذوات”، مما يستلزم ضرورة قيام المجتمع المدني بوظيفة تجميع المصالح، والتي قد تتضارب، أو على الأقل تتباين، كنتيجة بَدَهية للوجود المكثف السالف الذكر.

*وظيفة حسم وحل الصراعات: حيث يتم من خلال مؤسسات المجتمع المدني البحث الجدي والمسؤول عن الحلول الممكنة لمجمل النزاعات والصراعات والتعارضات، التي يمكن أن تنشأ داخلها أو خارجها، وذلك عبر التوسل بالطرق الودية والوسائل الرضائية والمناهج التوافقية، دون التفكير في اللجوء “الكوربوراتي” الصارم إلى الدولة وأجهزتها البيروقراطية “الجامدة”. ومن ثم تلعب وظيفة حسم وحل الصراعات وديا داخل أو عبر مؤسسات المجتمع المدني دورا هاما في تهيئة المجتمع لممارسة الديمقراطية السياسية “المرنة” و”السلسة”، وجوهرها إدارة الصراع والمنافسة بوسائل سلمية.

*زيادة الثروة وتحسين الأوضاع: بمعنى القدرة على توفير الفرص لممارسة نشاط يؤدي إلى زيادة الدخل من خلال هذه المؤسسات نفسها. وقد أثبتت العديد من الدراسات الميدانية، التي تم إجراؤها على صعيد المسارات التنموية، خاصة في الدول الثالثية، أن تمتع المواطنين بأوضاع اقتصادية جيدة، وقدرتهم الفائقة على تأمين مستوى دخل مناسب ومريح لهم ولأسرهم؛ يساعدهم على ممارسة النشاط السياسي والاهتمام بالقضايا العامة للمجتمع. وعلى العكس من ذلك فإن سوء الأحوال الاقتصادية يشغل الناس بالبحث عن لقمة العيش، فلا يتوافر لهم الوقت الكافي للمشاركة السياسية، مما يعطل التطور الديمقراطي للمجتمع، نظرا لانصراف الناس عن الاهتمام بقضايا المجتمع العامة والمشاركة في حلها.

*إفراز القيادات الجديدة: يتطور المجتمع وتنضج حركته بقدر ما يتوافر له من قيادات مؤهلة تتسم بالكفاءة المطلوبة للسير به إلى الأمام باستمرار. فلكي يواصل المجتمع تقدمه فإنه يبقى في حاجة ماسة ودائمة لإعداد قيادات جديدة من الأجيال المتلاحقة، في إطار البحث الحثيث والمتواصل عن أسس التنمية المستدامة. إن تكوين القيادات الجديدة بهذا المفهوم يبدأ من داخل مؤسسات المجتمع المدني وبنياتها الهيكلية المتعددة، من المكتب المسير أو مجلس الإدارة، حيث تعتبر مؤسسات المجتمع المدني الكنز الثمين الذي لا ينضب معينه للقيادات الصاعدة، ومصدرا حقيقيا ومتجددا لضخ الدماء الجديدة في شرايين التدبير المجتمعي المتصف بالحكامة الرشيدة. وبذلك تساهم مؤسسات المجتمع المدني “مجتمعة” في دفع التطور الديمقراطي بالمجتمع وإنجاحه؛ من خلال ممارستها لوظيفة إفراز القيادات بشكل مرن ومتواصل.

*إشاعة ثقافة مدنية ديمقراطية: من أهم الوظائف التي تقوم بها مؤسسات المجتمع المدني اشاعة ثقافة مدنية ترسي في المجتمع احترام قيم النزوع للفعل التطوعي الجاد والعمل الجماعي المتضافر، وقبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخر، وإدارة الخلاف بوسائل سلمية في ضوء قيم التسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي، مع الالتزام بالمحاسبة العامة والشفافية، وما يترتب على هذا كله من تأكيد قيم المبادرة الذاتية وثقافة بناء المؤسسات… وهذه القيم هي في مجملها قيم الديمقراطية الحقة. على هذا الأساس فإن إشاعة الثقافة المدنية التي تمكن لهذه القيم في المجتمع تعد خطوة هامة وحاسمة على درب التطور الديمقراطي للمجتمع، حيث يستحيل بناء مجتمع مدني دون توافر صيغة سلمية لإدارة الاختلاف والتنافس والصراع؛ طبقا لقواعد متفق عليها بين جميع الأطراف، كما يستحيل بناء مجتمع مدني دون الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان، خاصة حرية الاعتقاد والرأي والتعبير والتجميع والتنظيم. ومن ثم فإن دور المجتمع المدني في إشاعة الثقافة المدنية بهذا المفهوم هو تطوير ودعم للتحول الديمقراطي في الوقت نفسه.

هكذا تعتبر مؤسسات المجتمع المدني الإطار الأمثل لتربية المواطنين على تَمَثُل القيم الديمقراطية في حياتهم اليومية، وتدريبهم عمليا على الممارسة الديمقراطية، وإكسابهم خبرة هذه الممارسة من خلال النشاط اليومي لهذه المؤسسات، خاصة أنها تضم في عضويتها عشرات الملايين من المواطنين الذين اجتذبتهم إلى عضويتها، لما تقوم به من دور في الدفاع عن مصالحهم أو تقديم خدمات لهم أو تحسين أحوالهم المعيشية.

وتلعب مؤسسات المجتمع المدني على ضوء ذلك دورها الريادي في التحفيز الإيجابي على الممارسة الديمقراطية السليمة، من خلال شحذ المزيد من الهمم وحثها على ضبط العلاقات الداخلية القائمة في عوالم كل مؤسسة، حيث نجد أنه كلما تمكنت مؤسسات المجتمع المدني من أن تصبح أكثر ديمقراطية في حياتها الداخلية غدت بشكل تلقائي أقدر على المساهمة الفعالة في تطوير وتجذير الممارسة الديمقراطية للمجتمع برمته، وذات قدرة فائقة على إكساب أعضائها الثقافة الديمقراطية اللازمة لبلورة طموحاتهم وتطلعاتهم، مهما اختلفت مشاربهم أو حتى نزوعاتهم الجوانية العميقة. حيث إنه في عمق التربة الخصبة للمجتمع المدني الحقيقي تنمو الديمقراطية كمفهوم وممارسة، وتتشعب قيمها، وفي “صلبه – حسب رأي جان كوهن – تظهر الحركات الديمقراطية، والتي يظل هدفها المحوري هو المجتمع المدني، وذلك عبر محاولة جعل مؤسساته أكثر مساواة وأكثر ديمقراطية… إنها تسمح أيضا، بأن تكون النقاشات داخل المجال العمومي أكثر غنى وكثافة”.

كما نجد من جهة أخرى أن مؤسسات المجتمع المدني لا تستطيع أن تقوم بدورها المأمول منها بفعالية في بناء الديمقراطية في بعض المجتمعات؛ التي يمكن القول إنها تعيش في ظل ما يمكن تسميته بـ”الديمقراطيات المتثائبة”، والتي ما زالت ترزح تحت نير الاستبداد وتمركز السلطة في يد فئات “أوليغارشية” محدودة ومتحكمة، وأيضا من ضعف شديد ونقص بين في المشاركة الشعبية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد انعكست هذه الأوضاع على مؤسسات المجتمع المدني سلبيا، حيث يوجد العديد من القيود التي تحول دون تطور مؤسسات المجتمع المدني وتحولها بالفعل إلى مؤسسات ديمقراطية قادرة على الإسهام في البناء الديمقراطي في المجتمع. هنا تتحمل القوى الديمقراطية “الحية” العمل على تقوية المجتمع المدني وتحريره من القيود التي تحد من حركته وتأثيره، والسير في الوقت نفسه على طريق التطور الديمقراطي، وأي نجاح تحرزه القوى الديمقراطية عموما في إحدى المهمتين سوف يؤثر إيجابيا في الأخرى، وسيساعد بالتالي على مضاعفة الآثار المترتبة على النتائج المحققة.

وإجمالا لا يمكن أن ينمو المجتمع المدني وتنضج مؤسساته في ظل مناخ غير ديمقراطي، وهناك ارتباط قوي بين تطور المجتمع المدني والانتقال إلى الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات.

ثالثا: رهانات مساهمة المجتمع المدني في الديمقراطية:

إنه إذا كان الرهان على المجتمع المدني يتوطد تأسيسا وتطورا على قيمة جوهرية وهي الديمقراطية؛ فإن هاته الأخيرة لا يمكن أن تقوم لها قائمة أو تكون لها دلالة؛ إلا إذا تحولت إلى لب اشتغال القوى المدنية نفسها، علاوة على جعل المجتمع في حد ذاته موضوعا “قيميا” للديمقراطية، كمعيار أساسي ومدخل ضروري لتحويل المجتمع إلى رافد من روافد التشبع بالوعي المدني، وجعله إطارا مناسبا لاحتضان مؤسسات المجتمع المدني، والرفع من إواليات وظائفيتها. إنها الديمقراطية الشاملة للمجتمع والدولة والمجتمع المدني، والمتشبعة بالعمق المدني على مستوى الآليات والغائيات، وهو ما سينجم عنه بالضرورة خلق فضاءات عمومية حقيقية، وقيم مدنية فعلية تقف سدا مانعا ضد ثقافة التسلط أو التحكم الممتد في النسيج المدني ومؤسسات الدولة، وكذا العقل “الجمعي” للمجتمع وواقعه المعيش.

إن الديمقراطية بذلك تتبلور كمدخل لا محيد عنه لانكشاف المجتمع المدني الحقيقي، الشيء الذي لم يتحقق بعد –على الأقل في السياق العربي حتى في ظل رجات الربيع العربي-، فما زال هذا المجتمع يعاني من كوابح عدة، ما فتئت تعرقل انتقاليته نحو الديمقراطية الفعلية، وهو ما يتضح في تمظهرات مختلفة من قبيل:

– الانصهار الواعي واللاواعي في ثقافة موروثة، مستلبة ومتسلطة، سلبية وقاصرة.

– ضعف أو هشاشة الرصيد الديمقراطي في أغلب المجالات، رغم بعض جرعات الإصلاح المرصودة هنا وهناك.

– هيمنة ثقافة التسييس المفرط والمبالغ فيه على ممارسات أغلب القوى المدنية، وهو ما يجعلها الآن متراوحة بين الهم السياسي والرهان المدني، دون وعي جدي بالمخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذه الهيمنة “القهرية” و”المفروضة”.

كل ذلك، يعري عن مأزق حقيقي تعيشه الحركة المدنية منذ نشأتها ومع مسارات تطورها، إذ كثيرا ما أضحت قابعة في ردهات “السياسي”، مع ما يعرضها ذلك من انتقادات لاذعة ومستمرة خاصة بشأن استقلاليتها الفعلية والفعالة. إن جوهر المشكل على هذا الصعيد- إذا تبنينا المنظور التحليلي للمقاربة السلوكية المركز على دراسة النشاط السياسي عوض دراسة البناءات الشكلية وعلى رأسها المؤسسات- يكمن أساسا في التنظيمات السياسية وليس الفعل السياسي في حد ذاته، “فالمجتمع المدني-كما يؤكد عزمي بشارة- الذي يكون بلا سياسة أو يكون خارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض”. حيث إنه لا وجود لمجتمع مدني قوي من دون سياسة ديمقراطية قوية يمتح وباستمرار من قيمها السامية، كما أن التخلف السياسي قد يكون منبعا -صريحا أو ضمنيا- لأعطاب التراجع التنظيمي والاندحار المؤسساتي داخل جسم المجتمع المدني على وجه الخصوص. في هذا السياق، تمثل الحداثة السياسية، باعتبارها عملية عقلانية، مشروعا طموحا لكل القوى “الحية”، من أحزاب سياسية ومجتمع مدني ودولة ونخبة مثقفة، وهو المشروع الذي يشكل في نهاية المطاف المدخل الحقيقي للتحول الشامل، وظهور المؤسسات “المحوكمة”، ومنها المجتمع المدني ذاته، والذي قد ينخرط في الفعل السياسي دون إرادوية “جامدة/جامحة” ،الشيء الذي يمكنه، وببراعة، من التوفيق بين المثالية السياسية Idéalisme politique والممارسة العملية في قلب المجتمع الذي ينغرس “طوعا” في كيانه.

هنا، تنبثق الديمقراطية كنظام منفتح على كيفيات متعددة من الممارسات الأخرى، مثلما هي منفتحة على فضاءات متشعبة وعلى المستقبل في استشرافيته المطلقة، مع تبلور المجتمع المدني كنظير للديمقراطية في المجال السياسي (كما يرى كوردون وايت Gordon White). على هذا الأساس ترى الديمقراطية في المجتمع المدني لب كينونتها “السياسية” وعصب وجودها الحيوي. فالديمقراطية كمفهوم تبحث اليوم، كما فعلت بالأمس، عن سند ميتافيزيقي لها، لتجده في إطار علاقتها العضوية بمفهوم آخر يعد مفهوما “مخيفا”-حسب تعبير الباحثة سوليداد لويزا S.loaeza- هو مفهوم المجتمع المدني. وحسب خالد الناصري يتبلور
هذا السند الميتافيزيقي من خلال ترجمة مؤسساتية تفسر في وجود القوى المضادة، وهي الصحافة الحرة والمسؤولة، والأحزاب السياسية، وجمعيات ومنتديات المجتمع المدني، وقوة الرأي العام اليقظ، والنقابات، إلى غيرها من المؤسسات التي تهيكل المجتمع وتضغط على السلطة. وفي تلك الحركية المؤسساتية إبراز لجدلية السلطة والحرية التي تقوم عليها الممارسة الديمقراطية.

ومن ثم تتجلى الديمقراطية –وفق فهم عبد الله ساعف- كمشاركة واسعة للجميع في سير الحياة العامة، بما تعنيه من مشاركة سياسية واقتصادية ومشاركة في كل المستويات وكل الحريات، بما فيها من حرية الرأي والتعبير والانتماء والكتابة والصحافة وتكوين الجمعيات. إن تلازم الفعل المدني هنا مع الممارسة الديمقراطية، هو نتاج تمازج حقيقي بين نمطين من الديمقراطية –وفق تصور كاستانيو وتوريبيو Castaño and
Toribio ” : الديمقراطية التمثيلية حيث تنحصر وظائف المجتمع المدني في البحث عن أسس شرعنة طريقة تدبير المنتخبين أو الوقوف في وجه هذه الطريقة، والديمقراطية التشاركية، التي تسهر على جعل الدولة في استعداد تام لتحفيز برامج التربية المدنية وتشجيعها والتربية على الديمقراطية، أو بشكل عام تأسيس ثقافة مواطنة حقيقية وتقوية المجتمع المدني”.

فالديمقراطية هنا، بمعناها الشمولي، هي انصهار للنمطين معا، مع ما يحيلان عليه من مشاركة وحريات وحقوق وسيادة القانون وتوفير شروط التعددية الحقيقية والتعايش السلمي، وغيرها من القيم التي تتماهى فيها مع قيم المجتمع المدني.

وهنا، يتبلور الاعتقاد الراسخ بأن الديمقراطية لا يمكن أن تنشأ إلا في رحم دولة قوية، ولا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا في ظل دولة ليبرالية تتوطد على التقيد الصارم باحترام القانون وسيادة المؤسسات الدستورية. وهنا، نستحضر الأصوات التي ارتفعت في بعض بلدان أوروبا الغربية، رافعة شعار ” قليل من الدولة وكثير من المجتمع المدني”، لتنفجر بعد ذلك جملة من التحديات والإكراهات؛ من قبيل القضايا الأمنية، والبطالة، ومشاكل الهجرة والأمن الإنساني، وظهور حركات اليمين المتطرف، لتؤكد عن هشاشة هذا الشعار وتعري عن عدم جدواه، ولتعصف به في نهاية المطاف، واتضح أنه لا مفر من وجود دولة قوية، ولكن بشرط أن تستند في قراراتها وقوانينها إلى إرادة تمثيلية شعبية حقيقية. والشيء نفسه يمكن التأكيد عليه بالنسبة للمجتمع المدني الذي تستوجب ديناميته وتطوره التمكين المستمر للدولة له من إطار قانوني-سياسي “مرن” و”سلس”. وهنا نستحضر أهمية هذا البعد في التصور الهيغلي للعلاقة الترابطية المفروض قيامها بين الدولة والمجتمع المدني، من حيث اعتباره أن “الدولة شرط مسبق لوجود المجتمع المدني”.

أما في البلدان النامية بصفة عامة، والبلدان العربية بصفة أخص؛ فقد استغلت السلطة القائمة في كثير من هذه البلدان طغيان القضايا الأمنية في الأعوام الأخيرة من القرن العشرين والبدايات الأولى من القرن الواحد والعشرين، للرفع من درجات التدجين والتهميش للمجتمع المدني، وإلجام الأصوات المنادية بالحريات والديمقراطية، وهو المعطى الذي ما فتئ يعرف تحولا جذريا مع الحراك العربي، والذي أضفى نقلة نوعية على مستوى إضفاء الأجواء الديمقراطية “السليمة” على ممارسات المجتمع المدني. من جهة أخرى، لا بديل عن وجود دولة قوية، ولكن يشترط أن تكون دولة ليبرالية ديمقراطية غير استبدادية. وهكذا نستطيع في العالم العربي رفع شعار ” كثير من الدولة وكثير من المجتمع المدني معا”.

إنه إذا كان نجاح الديمقراطية مرتبطا أشد الارتباط بجهود الدولة والمجتمع المدني في إطار متداخل ومتماه؛ فإنه مع ذلك يشترط الارتكان إلى شروط عديدة، من قبيل دولة مستقرة ومجتمع مدني فاعل، وهو ما فتئت تفتقر إليه دول العالم الثالث عموما، والتي مازالت في غالبيتها تتسم بصفات تشكل في حد ذاتها عوائق حقيقية أمام انبثاق أو على الأقل نمو المجتمع المدني الفاعل والفعال، ومنها العيش تحت ظل ما يسمى بمرحلة ما قبل الدولة، بمكوناتها القبلية والعشائرية والطائفية .

وعندما نعود إلى علاقة المجتمع المدني بالدولة؛ يمكن القول إنه لا يمكن رفع الشعار المطروح في بعض البلدان الأوروبية “دولة أقل، ومجتمع مدني أكثر”، كما أنه ليس من الواقعية رفع شعار “دولة أضعف ومجتمع مدني أقوى”، ولكننا نستطيع أن نرفع شعار “كثير من الدولة ، وكثير من المجتمع المدني معا”، لكن بشرط أن تكون دولة ليبرالية ديمقراطية. كما أن الحديث عن “كثير” من الدولة لا يعني إطلاقا “كثيرا من السلطة”، كما يفهم ذلك – وفي إطار تبريري/ تسويغي- المحتكرون للسلطة والدولة معا .

وهنا إذا كان من مؤشرات ذلك على الصعيد العربي، إعادة إيجاد العلائق الضرورية بالفكر الديمقراطي الحديث من الناحية النظرية/ العملية وإعادة بث الروح –عربيا– في مبادئ الديمقراطية وما يدور في فلكها؛ فإن من محفزات ذلك أيضا في السياق السياسي وجوب تخلي الحركات “التثويرية” عن آليات الاستيلاء “العنيف”على السلطة، وجنوحها إلى تبني قنوات الخيار السياسي السلمي والديمقراطي، وعلى رأسها الانتخابات، التي تبرز كأسلوب راق ومسؤول لممارسة وتداول السلطة. كما أن من محفزاته العمل على الرفع المستمر من مختلف الأدوار التثقيفية لمؤسسات المجتمع المدني، والتي تجسد في الوقت الراهن حاملة مشعل التغيير وعلى سائر الأصعدة.

ومن هذا المنطلق يلاحظ الدارسون والمراقبون أن تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي يرجع أساسا إلى غياب أو توقف نمو المجتمع المدني، وما يستتبعه من تعزيز القيم الديمقراطية وازدهار ثقافة مدنية ديمقراطية توجه سلوك المواطنين في المجتمع وتهيئهم للمشاركة في الصراع السياسي وفق هذه القيم. ويمر الوطن العربي حاليا -خاصة بعد رجات ما سمي بالربيع العربي- بعمليتي بناء المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوقت نفسه، والصلة بين العمليتين قوية، بل إنها أقرب إلى أن تجعلهما عملية واحدة من حيث الجوهر. ففي الوقت الذي تنمو فيه التكوينات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة وتتبلور؛ فإنها تخلق معها تنظيمات مجتمعها المدني التي تسعى بدورها إلى توسيع دعائم المشاركة في الحكم، كما يؤكد ذلك سعد الدين إبراهيم.

رغم كل ما سلف يمكن القول إن إرساء أسس المجتمع المدني “الحقيقي” والفعال لا يمثل بالضرورة حلا سحريا لكل المعوقات والكوابح التي ترزح تحت نيرها سائر البلدان العربية، حيث يظل من اللازم أيضا السير، وبخطى حثيثة، نحو درب الديمقراطية، بما يجسده هذا الدرب من عزم أكيد على المواءمة الإيجابية مع مستجدات العصر الراهن، ومنها إكراهات اللحاق بركب التقدم والتنمية.

على هذا الأساس نجد هناك تلازما بين الديمقراطية والتنمية. هذه الأخيرة أصبحت مظهرا من مظاهر العالم الحديث، وسواء أسبقت الديمقراطية أم التنمية؛ فإن التنمية لا تعيش بدون ديمقراطية. والديمقراطية تسعى إلى أن تكون التنمية أولى إنجازاتها، وذلك لأن الديمقراطية لم تعد نظاما سياسيا هيكليا فحسب؛ ولكنها ارتبطت في مظهرها السياسي بالديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، والتي أضحت تعطي للديمقراطية السياسية مفهومها الحقيقي. من هذا التلازم النظري والعملي يتضح أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية السياسية وجهان لعملة واحدة.

كما تتبلور من منطلق هذا التلازم، مختلف الروابط التي يمكن أن تجمع بين الديمقراطية كوعاء حقيقيي للتنمية وبين مؤسسات المجتمع المدني كقنوات تشاركية لصياغة وإنجاز وتقييم المشاريع التنموية، مما يعري عن انبثاق شرعية جديدة، يمكن تسميتها بالشرعية “التشاركية”.

هذه الشرعية سيتم تأكيدها عبر إضفاء مفهوم الحكامة ومساراته التنموية لجرعات جديدة على معطى الديمقراطية، القائم على إشراك كل مكونات الحكامة، من الدولة والمؤسسات التابعة لها، والقطاع الخاص والفاعلين الأساسيين فيه، والمجتمع المدني والمنظمات المشتغلة في دواليبه، والمواطن باعتباره حجر الزاوية في الصيرورة التنموية، الشيء الذي شكل مع هذه الشرعية الرائدة تحولا حقيقيا من ديمقراطية تمثيلية إلى ديمقراطية تشاركية “صاعدة”.

إعداد:ذ/محمد البكوري

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...