النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري


النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري

تقديم :
يعد الأصل التجاري من المواضيع التي تكرست في المنظومة القانونية التجارية منذ زمن بعيد ، فبعد صدور مدونة التجارة ل 12 غشت 1913 عمل المشرع المغربي على وضع إطار قانوني للأصل التجاري حينما بدأت بوادره الأولى مع ظهير 13 صفر 1333 موافق 31 دجنبر 1914 المتعلق ببيع ورهن الأصل التجاري وتقديمه حصة في شركة ، وبعد فترة ليست بالقصيرة أصدر المشرع المغربي ظهير 24 ماي 1955 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المعدة لإستثمار الأصل التجاري سواء كان مملوك لتاجر لأو صانع أو حرفي.
وحقيقة الأمر فبالرغم من هذه التشريعات التي صدرت في تلك الفترة فالأصل التجاري لم يكن منظم بشكل دقيق ومكرس في مدونة تجارية قانونية موحدة بل ما يمكن ملاحظته تشتت الظهائر التي تشكل الإطار القانوني للأصل التجاري .
وبعد إنفتاح المغرب على السوق الأوربية والتوقيع على منظمة الكات للتجارة العالمية بادر إلى إخراج ترسانة قانونية في المجال التجاري سميت بمدونة التجارة سنة 1996.
وعند فتح دفتي هذه المدونة فنجد المشرع عالج لنا الأصل التجاري في الكتاب الثاني من خلال قسمين الأول خصصه لعناصر الأصل التجاري الادتلن 79 – 80 ، والثاني خصصه للعقود المتعلقة بالأصل التجاري من المواد 81 إلى 158 .
وأيضا في إطار إصلاح القضاء أحدثت بالمغرب محاكم تجارية تفض في النزاعات التي تدخل في المجال التجاري .
من هذا المنطلق وما دام موضوعنا متصلا بالنزاعات المتعلقة بالأصل التجاري ، سوف ننطلق من إشكال مفاده ، إلى أي حد يمكن القول بأن القضاء التجاري مختص في النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري ؟ وما علاقة هذه النزاعات بظهير 24 ماي 1955 ؟ وماذا عن واقع هذه النزاعات ؟ لكن قبل الإجابة عن هذه التساؤلات ننطلق من طرح أسئلة من قبيل ما المقصود بالأصل التجاري وما هي طبيعته القانونية ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات سوف نعالج الموضوع في النقاط التالية :
المبحث الأول : ماهية الأصل التجاري وتحديد طبيعته القانونية .
المبحث الثاني : واقع النزاعات المتعلقة بالاصل التجاري وعلاقتها بظهير 24 ماي 1955 .

المبحث الأول : ماهية الأصل التجاري وتحديد طبيعته القانونية .
سوف نحاول التطرق إلى ماهية الاصل التجاري (المطلب الأول) ، ثم ننتقا إلى تحديد الطبيعة القانونية للأصل التجاري (المطلب الثاني) .
المطلب الأول : ماهية الأصل التجاري .
سنقوم بتحديد مفهوم الاصل التجاري (الفقرة الأولى ) وتحديد طبيعته القانونية (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : تعريف الأصل التجاري .
أحجمت غالبية التشريعات المقارنة كالتشريع السويسري والفرنسي والإنجليزي والألماني والتشريع التجاري المغربي القديم عن تعريف الأصل التجاري ، لكن مسالة التعريفات متروكة للفقه والإجتهاد القضائي .[1] لكن المشرع المغربي في مدونة التجارة الجديدة وعلى خلاف اغلب التشريعات كالتشريع الفرنسي و المصري عرف المشرع المغربي الاصل التجاري في المادة 79 من مدونة التجارة بان” الاصل التجاري مال منقول معنوي يشمل جميع الاموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط تجاري او عدة انشطة تجارية”. الا انه لا يفهم من هذا التعريف ان المشرع قد حصر الاصل التجاري في ممارسة النشاط التجاري وحده، مستبعدا بذلك بقية الانشطة الاقتصادية الاخرى، بل قصد به بصفة عامة ممارسة أي نشاط من الانشطة التي يكتسب ممارستها صفة تاجر. لذلك فالاصل التجاري يعتبر مالا منقولا حتى لو باشر المالك تجارته في عقار يملكه، ويترتب عن ذلك ايضا عدم خضوعه لقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية.
الفقرة الثانية : عناصر الأصل التجاري* .
يشمل الاصل التجاري مجموعة عناصر معنوية واخرى مادية. وهذه المجموعة غير قابلة للتجزئة، وان تجزات فانها تفقد وصف الاصل التجاري وقد حدد المشرع المغربي في المادة 80 من مدونة التجارة العناصر الجوهرية للاصل التجاري.
_ العناصر المادية: فالعناصر المادية هي : 1- البضائع وهي السلع المعدة للبيع 2-وبعض الالات الصناعية التي يستعين بها التاجر او الصانع في اداء وظيفته كسيارة النقل وتجهيزات المقهى والات المعمل وغيرها. 3-تجهيزات الاصل التجاري من الاثاث والمفروشات التي يستعملها التاجر لتجهيز مكتبه وصالة الاستقبال: كالمقاعد و الطاولات و الهاتف و الالة الكاتبة… وتشكل تجهيزات المتجر وادواته راس المال المتحرك القابل للتحويل و التجديد.
_ العناصر المعنوية وهي على نوعين:
أ _ العناصر المعنوية العادية: وتلعب دورا مهما في تحديد القيمة المالية للاصل التجاري وهي:
– الزبناء: وهو اهم عنصر معنوي في الاصل التجاري ويقصد بالزبناء الاشخاص الذين يتكون منهم رواد الاصل التجاري الذين اعتادوا ان ياموه لقضاء حاجياتهم. كما ان عنصر الزبناء يرتبط بالاصل التجاري وينجدب اليه بفضل الخصائص التي يمتاز بها و التي تتكون في مجموعها: السمعة التجارية للمحل التي هي وليدة موقعه ونوعية الخدمات التي يقدمها.
– الاسم التجاري او العنوان التجاري: يطلق كل تاجر اسما خاصا على اصله التجاري قصد التعريف به في الوسط التجاري وبين زبنائه، ونقصد بهذا الاسم ذلك الذي يظهر عادة على واجهة المتجر وفي مطبوعات التاجر بحيث يكون عنوانه التجاري ويمضي به التاجر كافة معاملاته مع الغير، كما تجدر الاشارة هنا الى ان التاجر يملك اسمه التجاري او عنوانه بمجرد تسجيله في السجل التجاري.
– الشعار: الشعار التجاري هو الذي يميز الاصل التجاري عن غيره لذلك فهو يختلف عن الاسم التجاري من حيث انه يجب ان يكون مبتكرا ولا صلة له بالاسم المدني للتاجر عكس الاسم التجاري الذي يرجع اصله عادة الى اسم التاجر المدني، ويظهر الشعار على مطبوعات التاجر وبضائعه. كما ان الاسبقية في الاستعمال هي التي تعطي للتاجر الحق في ملكية الشعار، ويمكن للتاجر ان يتصرف في شعاره باستقلال عن عن الاصل التجاري وذلك بخلاف الحال بالنسبة للاسم التجاري.
_ حقوق الملكية الصناعية و التجارية:
+ براءة الاختراع: يقصد بها تلك الشهادة التي تمنحها لمن اخترع اختراعا جديدا يتعلق بمنتوج جديد او اكتشافه لطريقة جديدة للحصول على انتاج قديم. ويخول الاختراع لصاحبه الحق في استغلاله لمدة عشرين سنة وبعد ذلك يصبح ملكا مشاعا.
+ الرسوم و النماذج الصناعية: يقصد بها تلك المبتكرات التي تتسم بالطابع الغني تعطي للمنتوجات الصناعية رونقا وجمالا. فالرسم مجرد مخطوط اما النموذج فهو جسم له حجم معين، كقالب الاحذية واوعية العطور و المشروعات وغيرها. والرسوم و النماذج تمنح لصاحبها الحق في استغلالها وبيعها شرط ان يكون قد وقع ايداعها على الشكل المتطلب قانونا في مكتب حماية الملكية الصناعية و الفنية.
+ العلامات الفارقة او علامات الصنع: توضع على بضاعة التاجر تمييزا لها عن غيرها من البضاعات المنافسة لها. وقد تكون علامة الصنع عبارة عن اسم مميز او رمز او اثار او دمغة او طابع او نقش او حروف او ارقام… وكل العلامات الاخرى التي تميزمنتوج مصنع معين او استغلال زراعي او غابوي او استخراجي او مواد تجارية. غير انه يمكن اثبات ملكية العلامة الفارقة باثبات اولوية استعمالها، وفي هذه الحالة لا يقبل الاثبات الا بالوسائل الكتابية.
– حق الكراء: حق معنوي قابل للتصرف فيه بالبيع ضمن عناصر الحق التجاري او بصفة منفردة اذ ينص الفصل 37 من ظ 24 مايو على انه” تكون الاتفاقات باطلة مهما كانت صيغتها اذا كان القصد منها منع مكتر توافرت فيه الشروط من التخلي عن عقد الكراء للغير”. اما الكراء من الباطن فان الفصل 22 يمنعه ما لم يتضمن العقد شرطا يقضي بجوازه او يوافق المكري على ذلك كتابة.
ب- العناصر المستثناة من الاصل التجاري: 1- الديون و القروض 2- الدفاتر التجارية وغيرها من المستندات الحسابية 3- العقود و الصفقات 4- العقارات .
فالاصل التجاري لا يتكون الا بعد اكتساب المؤسسة التجارية لعدد كبير من الزبناء بفضل سمعتها التجارية وهو ما يتطلب مرور بعض الوقت بعد الافتتاح.
المطلب الثاني : الطبيعة القانونية للأصل التجاري .
لتحديد الطبيعة القانوية سنتطرق إلى نظرية المجموعة الحقوقية (الفقرة الأولى) ، والمجموعة اواقعية (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : نظرية المجموعة الحقوقية .
أولا : نظرية الإعتراف للأصل التجاري بالشخصية المعنوية .
لقد أعطيت هذه النظرية للأصل التجاري الشخصية المعنوية إسوة بالشركات التجارية ، وقد عرفت الأصل التجاري بكونه منظمة أو مؤسسة إقتصادية ذات ذمة مالية مستقلة عن ذمة التاجر بعناصرها الإيجابية أو الأصول والسلبية أو الخصوم ، وبالتالي أصبح للتاجر دور ضعيف في هذه المؤسسة الإقتصادية وكنتيجة لذلك أصبح إرتباط الزبناء لهم إرتباط بالأصل التجاري كوحدة إقتصادية لا بالتاجر كمسير لهذه الوحدة كما أن دائني الأصل التجاري يعولون على الذمة التجارية للأصل التجاري لا للذمة الشخصية للتاجر .[2] ومسالة الإعتراف للأصل التجاري تترتب عنه مجموعة من النتائج :
1: للأصل التجاري إسم وعنوان يعرف به وينتقل بإنتقاله .
2: للأصل التجاري مقر تجاري خاص به .
3: للأصل التجاري جنسية خاصة به .
4: لصاحب الأصل التجاري الحق في اللجوء إلى القضاء .
5: الذمة المالية المستقلة للأصل النجاري .
6: ضمان الأصل التجاري لدائنيه الذين يملكون حق الأسبقية والأولوية على الدائنين الشخصيين .
7: نظرية المجموعة الحقوقية تعطي تفسيرا معقولا وقانونيا لتبعية الحق في الكراء والرخص وعقود الشغل للأصل التجاري وكذا لقاعدة إنتقال الإلتزامات .
8: لدائني الأصل التجاري أو الدائنون التجار الحجز على أموال الأصل دون الدائنين العاديين.[3] ثانيا : نظرية الذاتية القانونية أو الذمة القانونية المستقلة .
يعد كل من برانز وبيكر الكاتبان الألمانيان اللذان إعطيا تعريفا للأصل التجاري حينما اعتبراه مجموعة من الأموال و القيم تشكل ذاتية خاصة لا تتمتع بالشخصية المعنوية ، فبحسب هذه النظرية فالذمة المالية للأصل التجاري تتمتع بنوع من الأهلية والإستقلال القانوني الذي لا يرقى إلى درجة الإنفصال التام عن الذمة الخاصة أو الشخصية للتاجر المستثمر . فهذه النظرية إذن تقيم علاقة تبعية بين الثروة التجارية والثروة الخاصة للتاجر وتخول هذه التبعية لدائني الأصل التجاري حق الرجوع الإحتياطي على الذمة الشخصية للتاجر .[4] ثالثا : نظرية ذمة التخصيص أو تخصيص الذمة .
تنبع هذه النظرية من المنظومة الفرنسية حيث شكلت ردا على النظريتين ، فهذه النظرية لا تختلف عن النظرية الثانية إلا في اللفظ والمصطلح لا في المضمون والجوهر والنتائج ، ولا تعترفان معا للأصل التجاري بالشخصية المعنوية وقد إعتبرت الأصل التجاري مجموعة من الأموال والقيم ترصد أو تخصص من قبل التاجر لتحقيق غرض مشترك .[5] الفقرة الثانية : نظرية المجموعة الواقعية .
تعتبر نظرية المجموعة الواقعية نظرية فرنسية قائمة على الجمود وتقديس مبدأ وحدة الذمة التفليدي الموروث الذي يرفض حتى ذمة التخصيص رفضا يشكل عقبة تعرقل نمو الإقتصاد وإتساع المتدخلين في مجال التنمية .
وقد إعتبرت هذه النظرية الأصل التجاري مجموعة من الأموال أو العناصر المعنوية والمادية يتم تجميعها وضمها في الواقع من طرف تاجر بغية ممارسة نشاط أو عدة أنشطة تجارية ، وينبثق عن هذا المجموع الواقعي كيان ذات قيمة إقتصادية مستقلة عن العناصر الداخلة في تكوينها ، دون أن ترتقي إلى الدرجة الشخصية المعنوية أو الذمة المالية المستقلة عن ذمة التاجر المستغل للأصل التجاري ، وبالتالي ليس للأصل التجاري في نظرية المجموعة الواقعية كيان أو ذمة مستقلة .[6] المبحث الثاني : واقع النزاعات المتعلقة بالاصل التجاري وعلاقتها بظهير 24 ماي 1955 .
في هذا الإطار سوف نحاول التطرق إلى الوسائل المتاحة لفض النزاعات التجارية (المطلب الأول) ، ثم إلى علاقة النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري بظهير 24 ماي 1955 (المطلب الثاني ) .
المطلب الأول : الوسائل المتاحة لفض النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري .
في هذا الصدد سنتطرق إلى التحكيم التجاري من جهة(الفقرة الأولى) ، وإلى القضاء التجاري من جهة ثانية (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : التحكيم التجاري .
عرف الفقه التحكيم بكونه تولية وتقليد وتفويض من طرفي الخصومة لطرف ثالث ليفصل فيما تنازعاه .[7] ويحمل التحكيم أهمية بالغة لمجموع من الخصوصيات :
أولاً : السرعة في فض المنازعات لأن المحكمين عادة ما يكونون متفرغين للفصل في خصومة واحدة.
ثانياً : الاقتصاد في المصروفات : حيث ان نفقات التحكيم اقل كثيراً من نفقات رسوم المحاكم واتعاب المحاماة واجراءات التنفيذ.
ثالثاً : السرية : حيث ان ملف الخصومة بين الطرفين يبقى تحت علم المحكمين حصراً في حين جلسات التقاضي في المحاكم علنية ولا ننسى ان المحكمين يقسمون اليمين في كل قضية يتولون التحكيم فيها للمحافظة على الحياد والسرية.
رابعاً : يمتاز التحكيم ببساطة اجرائاته والحرية المتاحة الى هيئة التحكيم بحسم الخلاف غير مقيدة الا بما ينفع حسم الموضوع.
خامساً : طريقة اختيار المحكمين برضا تام من الفرقاء المتنازعون بحيث يشعر كل منهم بكامل الاطمئنان لانهم اختارو بارادتهم من يحكم بينهم.
والإطار القانوني للتحكيم نجده في القانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الإتفاقية كما زكته المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية حينما نص على أنه يمكن للأطراف الإتفاق على عرض نزاعاتهما على التحكيم وعليه فكل النزاعات التجارية يمكن عرضها على التحكيم بما في ذلك قضايا الأصل التجاري سواء تعلق الأمر برهنه أو بيعه أو تسييره الحر أو كرائه فكل النزاعات الناشئة بصدده يمكن عرضها على التحكيم .
الفقرة الثانية : القضاء التجاري .
تختص المحاكم التجارية بالنظر في مجموع النزاعات التجارية التي تتجاوز قيمتها 20000 درهم.
ويرجع الاختصاص الترابي إلى محكمة مكان الإقامة الحقيقية أو المختار للمتقاضي، وإذا لم يكن هذا الأخير يتوفر على مسكن في المغرب وإنما على إقامة فيرجع الاختصاص إلى محكمة الإقامة.
•وتختص المحاكم التجارية بالبت في:
•الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية؛
•الدعاوى التي تنشأ ما بين التجار المتعلقة بأعمالهم التجارية؛
•الدعاوى المتعلقة بالعقود التجارية؛
•النزاعات الناشئة بين شركاء في شركة تجارية؛
•النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري؛
•النزاعات المتعلقة بصعوبات المقاولة.
هذا إذن هو مضمون المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية وعليه فقد تم إدراج النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري ضمن إختصاصات المحاكم التجارية .[8] المطلب الثاني : الأكرية التجارية موضوع إستغلال الاصل التجاري بين المحاكم الإبتدائية والمحاكم التجارية .
تضارب القضاء حول الإختصاص فيما يخص النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري هناك من ذهب إلى إسنادها للمحاكم التجارية أو الإبتدائية (الفقرة الأولى) ، ثم هناك من قام بالتوفيق بين المحاكم التجارية والمحاكم الإبتدائية (الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : الإتجاه القائل بإختصاص المحاكم التجارية أو المحاكم الإبتدائية .
أولا : المحاكم التجارية ليست مختصة بالنظر في كراء المحلات التجارية التي يكون الاصل التجاري موضوعا لإستغلاله .
ذهب في هذا الإتجاه معظم المحاكم التجارية الإبتدائية بالمملكة ومحكمة الإستئناف التجارية بفاس التي جاء في إحدى حيثيات واحد من قراراتها :
” وحيث إن المشرع وبمقتضى القانون رقم 53.96 القاضي بإحداث المحاكم التجارية وإن خول السيد رئيس المحكمة التجارية نفس الصلاحية التي كانت مسندة لرئيس المحكمة الإبتدائية بموجب قانون المسطرة المدنية إلا أنه لم يتعداها للإختصاصات التي كان يبث فيها السيد الرئيس ، ولا المحكمة بمقتضى قوانين خاصة ومنها ظهير 24 ماي 1955 علما بأن مقتضيات الظهير المذكور لا تدخل في زمرة القضايا المنصوص عليها بمدونة التجارة ودفع المستأنف بأن الأمر تعلق بالمنازعة في الأصل التجاري ، والمشرع بقانون إحداث المحاكم التجارية لم يحدد المسائل المتعلقة بالاصل التجاري دفع مردود إذ أن الأمر أصلا يتعلق بإنهاء عقد كراء تجاري وغن كان يؤول إلى إفراغ الأصل التجاري ، ثم إن المنازعات المتعلقة بالأصل التجاري وخلافا لما ورد بالمقال الإستئنافي محددة على سبيل لحصر بمدونة التجارة إذ إقتصر فيها المشرع على بيع الاصل التجاري أو تقديمه حصة في شركة أو رهنه أو التسيير الحر له دون إمكانية إدخال النزاعات الناتجة عن تطبيق مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 ” .[9] ذهب هذا الإتجاه إلى إسناد الإختصاص للمحاكم المدنية دون التجارية وفي مقابل ذلك هناك إتجاه آخر قال بإختصاص المحاكم التجارية في النزاعات الناشئة عن كراء المحلات التي يكون الأصل النجاري موضوعا لها .
ثانيا : المحاكم التجارية مختصة بقضايا كراء المحلات التي يكون الأصل النجاري موضوعا لها .
ذهب في هدا الإتجاه محكمة الإستئناف التجارية بمراكش التي إستندت إلى الصياغة العامة التي وردت بها الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم لمنح الإختصاص للمحاكم التجارية [10]وجاء في أحد قراراتها :
” إن لفظة النزاعات الواردة في الفقرة المذكورة جاءت شاملة لجميع النزاعات سواء تعلق الأمر بالعقود المنصبة على الأصل التجاري أو المنازعات الرامية إلى رفض أو تجديد العقود في إطار ظهير 24 ماي 1955 أو غيرها من المنازعات الأخرى وسواء تعلق الأمر بنزاع حول الأصل التجاري برمته أو أحد عناصره إذ أن مناط إختصاص المحاكم التجارية هو وجود نزاع يتعلق بالأصل التجاري بصرف النظر عن كون العقد مدنيا أو تجاريا ” .
وفي نفس الإتجاه ورد في قرار آخر لنفس المحكمة ما يلي :
” وحيث إنه بالرجوع إلى الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من القانون95.53 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية يتضح بأنه تسند الإختصاص للمحاكم التجارية للبث في النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية ، وما دام رئيس المحكمة التجارية يمارس الإختصاصات المسندة إليه بنصوص خاصة والتي لها إرتباط بالنزاعات المتعلقة بالأصول التجارية بوصفه جزء من هذه المحكمة ، فإنه يكون مختصا للبث في مراجعة الوجيبة الكرائية في إطار ظهير 5 يناير 1953 بإعتبار أن مراجعة هذه الوجيبة من شانها التأثير في قيمة الأصل التجاري إيجابيا أو سلبيا ، وبإعتبار أن الحق في الكراء يعتبر عنصرا أساسيا في تكون الأصل التجاري ” .
الفقرة الثانية : التوفيق بين الإتجاهين .
حاول هذا الإتجاه المزج بين الإتجاهين السابقين أي أن الإختصاص في كراء المحلات التي يكون موضوعها للأصل التجاري ممنوح للمحاكم المدنية والمحاكم التجارية .
يتأسس هذا الإتجاه على طبيعة عقد الكراء ، فإن كان تجاريا وأبرمه طرفان تاجران ، فإن الإختصاص منوط بالمحاكم أما إذا لم يكن العقد ذا طبيعة تجارية ولم يبرمه أطراف يكتسبون صفة التاجر فالبث يعود للمحاكم الإبتدائية .
وتأكيدا على هذين الموقفين نورد بعض الحيثيات التي جاءت في بعض الأحكام ، فقد ورد في قرار صادر عن محكمة الإستئناف التجارية بالدارالبيضاء بتاريخ 25 -06 1998 :
“إن عقد الكراء لم يذكر ضمن العقود التجارية المنظمة بمقتضى مدونة التجارة ، يضاف إلى ذلك أنه لا يعتبر عملا تجاريا بالطبيعة إلا إذا أبرم بين تاجرين وهي الحالة التي تكون من إختصاص المحاكم التجارية تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثانية من المادة الخامسة …” .
ومما ورد في حكم إستعجالي عن رئيس المحكمة الإبتدائية بالرباط بتاريخ 24 -06-1998 : ” حيث إن الطلب يرمي إلى إجراء محاولة الصلح المنصوص عليها في الفصل 27 من ظهير 24 ماي 1955 ، وحيث يمارس رئيس المحكمة التجارية الإختصاصات المسندة إلى رئيس المحكمة الإبتدائية بموجب قانون المسطرة المدنية وكذا الإختصاصات المخولة له في المادة التجارية ، وحيث تختص المحاكم التجارية بحسب إختصاصها النوعي بالنظر في لدعاوي المتعلقة بالعقود التجارية والتي تنشأ بين التجار والمتعلقة بأعمالهم التجارية والمتعلقة بالأوراق التجارية والناشئة بين شركاء في شركة تجارية والمتعلقة بالأصول التجارية ، وحيث إن طلب إجراء الصلح في إطار الفصل 27 من ظهير 24 ماي 1955 يهم النزاع بخصوص المحل المعد للتجارة الشيء الذي يخرج عن الإختصاص بشأن محاولة الصلح يرجع حسب مقتضيات ظهير 24 ماي 1955 إلى السيد رئيس المحكمة الإبتدائية بوصفه قاضي الصلح ، مما يتعين معه التصريح بعدم الإختصاص النوعي لقاضي المستعجلات بالمحكمة التجارية ” .
ونعتقد أن هذا التضارب في المواقف ما كان ليحصل ويتارجح لو تم التميز بين كرء الاصل التجاري كعناصر منقوقلة ومعنوية مخصصة لممارسة نشاط تجاري ، وبين كراء المحل الذي يستغل ويسير فيه الأصل .[11] ومن كل ما سبق يمكن القول بأن الإتجاه القائل بإختصاص المحاكم الإبتدائية هو الأقرب إلى الصواب لعدة أسباب ، فمن خلال تسمية ظهير 24 ماي 1955 وفصله الأول أن الأمر لا يتعلق بكراء الأصل التجاري وإنما بكراء العقار الذي يستغل فيه ومن ثم ينبغي التمييز بين كراء الأصل التجاري الخاضع لمدونة التجارة ، وبين كراء العقار أو المحل المعد للإستعمال التجاري الذي يخضع للقانون المدني .

خاتمة :
يمكن القول بأن موضوع النزاعات المتعلقة بالأصل التجاري مازالت مسألة متناثرة بين المحاكم العادية والمحاكم التجارية فبغض النظر عن المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية التي تشكل حجر الزاوية في هذا الموضوع إلى أن تطبيقها على المستوى العملي شكل تضارب بين مختلف المحاكم لدى نسعة من المشرع المغربي أن يدخل تعديلات في هذا المجال لنرفع كل اللبس في هذا الإطار ونتنب التضاربات القضائية التي قد تشوه النص القانوني من خلال تضاربها هذا .

المراجع:
_ د. أحمد شكري السباعي ، الوسيط في الاصل التجاري ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى 2007 مطبعة المعارف الجديدة الرباط ، .
_ د.عبد الكريم الطالب ، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية ، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش ، الطبعة الخامسة 2009 .
_ د. أحمد بقالي ، حجز ورهن وبيع الاصل التجاري بين مدونة التجارة وقانون المسطرة المدنية ومدونة تحصيل الديون العمومية ، مجلة القانون المغربي ، العدد 2 – 2002 .
_ د.خالد محمد القاضي ، موسوعة التحكيم التجاري الدولي ، الطبعة الأولى 2002 ، دار الشروق القاهرة .
_ مقال بالأنترنيث ، النزاعات المتعلقة بالاصول التجارية وعلاقتها بتطبيق ظهير 24.5.1955 ـ إعداد عبدالعزيز المتوكل محام متمرن بالرباط ، بتاريخ 26-05-2011 – ساعة 12 أنظر : droitcivil.over-blog.com
[1] د. أحمد بقالي ، حجز ورهن وبيع الاصل التجاري بين مدونة التجارة وقانون المسطرة المدنية ومدونة تحصيل الديون العمومية ، مجلة القانون المغربي ، العدد 2 – 2002 ، الصفحة 11 .
* مقال بالأنترنيث ، النزاعات المتعلقة بالاصول التجارية وعلاقتها بتطبيق ظهير 24.5.1955 ـ إعداد عبدالعزيز المتوكل محام متمرن بالرباط ، بتاريخ 26-05-2011 – ساعة 12 أنظر : droitcivil.over-blog.com
[2] د. أحمد شكري السباعي ن الوسيط في الاصل التجاري ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى 2007 مطبعة المعارف الجديدة الرباط ، الصفحة 97 .
[3] د. أحمد شكري السباعي نفس المرجع الصفحة 98 .
[4] د.أحمد شكري السباعي ، مرجع سابق الصفحة 99 .
[5] د.أحمد شكري السباعي ، مرجع سابق الصفحة 101.
[6] د.أحمد شكري السباعي ، مرجع سابق الصفحة 104.
[7] د.خالد محمد القاضي ، موسوعة التحكيم التجاري الدولي ، الطبعة الأولى 2002 ، دار الشروق القاهرة ، الصفحة 82 .
[8] راجع المادة الخامسة من قانون إحداث المحاكم التجارية .
[9] د.عبد الكريم الطالب ، الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية ، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش ، الطبعة الخامسة 2009 ، الصفحة 40 .
[10] د .عبدالكريم الطالب نفس المرجع ، الصفحة 40 .
[11] د.عبدالكريم الطالب ، المرجع السابق الصفحة 43 .

إعداد:ذ/هشام العباسي

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...