الوسائل الخاصة للبحث والتحري


الوسائل الخاصة للبحث والتحري

يتفرع من علم التحقيق الجنائي العملي علم البحث الجنائي، وهو العلم الذي يوضح الإجراءات والوسائل التي يكون الغرض منها الوقوف على السبب المجهول لوقوع الحوادث وكذا جمع الأدلة التي تثبت وقوع الجريمة وكيفية وقوعها وإجراءات جمع الدليل لضبط المتهم وتقديمه للمحاكمة، ولهذا يمكن القول:

إنه البحث عن حقيقة أمر معين أو جمع المعلومات المؤدية إلى إيضاح الحقيقة بالنسبة لهذا الأمر ويتطلب ذلك بالنسبة للبحث الجنائي أن يتم التحري بصفة سرية. إن الطبيعة الذاتية للبحث الجنائي باعتباره أحد الفنون: تتمثل في أن البحث الجنائي والذي يقوم بجمع الحقائق لهدف ذي ثلاث شعب هي:

التعرف على الجاني، والكشف عن مكانه، وتقديم الأدلة التي تؤيد اتهامه.

والبحث الجنائي في مجمله فن وإن كان العلم يشكل إحدى أدواته الثلاث، وهي جمع المعلومات واستجواب المتهمين وأخذ أقوال الشهود، واستخدام العلم وأجهزته في الوصول إلى الحقيقة إلا أن عنصر الفطنة أو الإلهام في اختيار الوسائل له أثره فيما يمكن التوصل إليه من نتائج.

وبالتالي يسهل تحري الحقيقة في الحوادث الجنائية وتحقيقاتها ويسهم في كشف أمورها.

التحريات:

لعل من أهم واجبات ومسئوليات رجال الشرطة على اختلاف درجاتهم في أي مجتمع من المجتمعات القيام بالكشف عن الجرائم المرتكبة فضلا عن عمليات المكافحة ذاتها ومنع الجرائم قبل وقوعها، ولا مراء أن عملية الكشف عن الجريمة بصفة عامة بما تضمه من مرحلتي البحث والتحري أضحت الآن بالدرجة الأولى ترتكز على الجهود التي تبذل في العمل المنظم والجهد المضني. ولاسيما أن التحريات تعتبر الدعامة الرئيسية والعمود الفقري لأعمال البحث الجنائي بصفة خاصة، والأعمال المناطة عمومًا بجهاز الشرطة من حيث مسؤولية المحافظة على الأمن واستتبابه، والمحافظة على النظام، وأعمال مكافحة الجرائم بصفة عامة.

* تعريف التحريات:

تعددت التعاريف التي تصف التحريات فقد ذهب رأي إلى تعريف أعمال التحريات بقوله أنها: ” هي تلك الأساليب والطرق والخطوات التي تمارس عادة للوصول إلى الحقيقة المراد استخلاصها في موضوع ما، أو التي تعين على وضوح مشكلة أو استجلاء غوامض واقعة معينة حدثت وإعطاء البراهين على كيفية حدوثها “.

ومن ناحية أخرى فقد ذهب رأي آخر إلى أنها:

تحقيق غير منظور تترتب عليه آثار كثيرة من الناحية العملية فيما يتعلق بإثبات الجرائم ومباشرة إجراء التحقيق، ويترتب عليها آثار أخرى تتعلق بتنفيذ القوانين التي تتولى تنفيذها أجهزة الشرطة في المجالات الجنائية. وعليه فإنه يمكن تلخيص معنى التحريات بأنها محاولة منظمة للإجابة على تساؤلا ت في قضية أو موضوع ما بطريقة موضوعية. وهي تختلف في ذلك عن المعلومات، فالمعلومات هي مجرد وقائع أو بيانات إحصائية تجمع بطريقة مجردة وقد تستعمل هذه المعلومات إما في أعمال التحريات لضبط جريمة أو الحد من وقوع الجرائم أو في رصد نشاط معين، أو كخلفية لصدور قرارات إدارية أو أي قرارات أو إجراءات أخرى بصفة عامة.

اهمية التحريات وجديتها

تستهدف التحريات كشف الحقيقة فيما تختص به الشرطة باعتبارها جهازًا إداريًا تفرض عليه القوانين اختصاصات معينة، وإما أن تستهدف المعاونة في التحقيق وجمع الأدلة، وعليه فإن هناك مبادئ قانونية استقرت عليها أحكام النقض ومنها:

  • تبدو حدية التحريات في استنادها على الدلائل الكافية التي · تعتبرها كثير من القوانين معيارًا للقبض على الأشخاص فمجرد البلاغ دون القيام بإجراء التحريات والتثبت من الحقيقة لا يسوغ القبض على الأشخاص.
  • بالنسبة لإجراء التفتي ش حيث يجب لصحته في بعض الأمور أن · يصدر بناء على قرائن أو إمارات قوية تفيد في كشف الحقيقة لذا يجب أن تقدر جدية التحريات قبل إصدار إذن التفتيش. وليس من الضروري لاعتبار التحريات جدية وكافية أن ينتهي الأمر بإثبات ما تستهدفه التحريات من وقائع، فجدية التحريات، وكفايتها موضوع مستقل في تقديره عن نتيجتها
  • ويجوز اعتبار التحريات الكافية وجدية إذا كان أساسها ما أبلغ به الضابط شفاهة من شخص يثق فيه ويعتمد على إرشاداته، ما دامت سلطة التحقيق رأت في ذلك من الجدية ومبلغ الدلالة ما يبرر اقتناعها وتصرفها على هذا الأساس فالمهم هو علم رجل الأمن التي قدمها لسلطات التحقيق أيًا كانت وسيلته في العلم بها اكتفاء هذه السلطة بجديتها وما بها من دلائل وإمارات.
  • وحتى تكون التحريات سليمة ومنتجة لآثارها من حيث الجدية واستخلاص الأدلة يجب أن تمارس ضمن حدود الواجب وإطار الاختصاص. إن جدية التحريات و كفايتها من الأمور الضرورية التي ينبغي العمل على تثبتها، والتأكد منها خلال جمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالجريمة ويلزم لذلك أن تكون هذه التحريات على درجة كبيرة من الدقة في تحديد الأمور المطلوب التحري بشأنها وتعيينها بالتفصيل، وبيان كافة الملاحظات الخاصة بها بشكل جدي وبمنأى عن كل شائبة قد تعرض إجراءات التحريات وآثارها للبطلان.

كيفية اجراء التحريات واستخدامها

هناك مبادئ كثيرة يمكن أن تتخذ أساسًا لتنظيم التحريات حتى يصبح لها كيان موثوق به يعتمد عليه في جميع الظروف، كون أن للتحريات أهمية كبرى فيما يترتب عليها من آثار تتعلق بالحقوق والحريات والإثبات، ومن تلك المبادئ أو النقاط الأساسية التي يجب أن تكون موضع الاهتمام ما يأتي:

أولا: دعامتها التحريات وهما:

أ – التقاط الأخبار وجمع المعلومات عن طريق ما يردده الناس وتكون مهمة رجل البحث نقل تلك الأخبار واستخلاص ما يوافق تقديره ومدى اقتناعه به.

ب – الملاحظة أو المراقبة أو المشاهدة، التي قد يكون رجل البحث بني عليها رأيه طبقًا لما يسمعه أو يراه أو يحس به مباشرة دون الرجوع إلى أقوال الغير ولكل من هاتين الدعامتين أصول وقواعد فنية عند العمل بموجبها أو بإحداها حتى تسلم التحريات من الخطأ.

ولمقابلة الناس للحصول على الحقائق منهم أساليب خاصة، فقد تكون المقابلة بقصد الحصول على المعلومات ذاته ا. وقد تكون بقصد معرفة ميول واتجاهات واعتقادات الشخص ذاته.

ولهذا ينبغي عند ابتداء المقابلة من توطيد علاقات طيبة بالشخص المطلوب منه إبداء المعلوما ت، ومساعدته في الإحساس بالراحة والاطمئنان، ومحاولة معاونته في اجتياز مشكلة من المشكلات، أو بتقديم خدمة له، والإنصات إليه دون مقاطعة، وتجنب السخرية منه أو تسفيه معلوماته، ودراسة ميوله وانفعالاته في أداء الحديث.

أما ملاحظة أو مراقبة الأشخاص أو الأماكن فلها و سائلها في التتبع والتعقب والاستعداد لتغير المواقف أو مواجهة المفاجئات أو التخفي والتنكر.

ثانيًا/ تقارير التحريات:

إن التقارير والمذكرات التي تكتب فيها التحريات لا يجوز أن تقتصر على خلاصة التحريات أو ما هو مستنتج بل تشمل التسلسل الزمني وجميع البيانات والم لاحظات التي يمكن الحصول عليها مع ردها إلى مصادرها الأصلية ثم مصادرها الوسطية حسب الأحوال، وبصرف النظر عما يشوب البيانات من تناقض أو عدم تناسق فإن التحريات ( تحقيق غير منظور ) يجب أن يتضمن كل ما يقال بلا حذف ثم تأتي المرحلة الثانية للتحريات وهي مرحلة استعراض البيانات كلها معًا واستخلاص نتيجتها نفسيًا وإيجابيًا ولا يجوز أن يترك هذا الاستخلاص لرجل الشرطة دون مراجعة ومراقبة رؤسائه لأن استخلاص النتائج من الأمور التقديرية التي لا يجور لرجل الشرطة التفرد به دون مراجعة أو تعقيب وينبغي في الموضوعات الهامة أن يوكل ال تحري في الموضوع  الواحد إلى أكثر من رجل بحث على ألا يعلم أحدهم بما يقوم به

الآخرون من تحريات، حيث تصبح تحرياتهم في النهاية بمثابة شهادات من زوايا مختلفة يستخلص منها الرئيس الحقيقة مستندًا إلى الأدلة والوقائع المتوفرة. إن أصدق أنواع التحريات هي التي تجمع في أوقات متباعدة بعضها عن بعض وفي مناسبات مختلفة وعلى أيدي رجال بحث مختلفين، فإذا ما سجلت في أوقاتها بطريقة يتعذر العبث بمحتوياتها انتفى معها القول باصطناعها أو سوء القصد من إجراءها إذ لا يجوز لرجل الشرطة أن يفشي أسرار التحريات أو حرية تقدير المناسبات لهذا ا لإفشاء، إن ذلك من شأنه أن يعرض المصلحة العامة للخطر أو مصلحة رجال البحث أنفسهم أو مرشديهم للأضرار البالغة.

التخطيط في التحريات

لما كانت أي عملية لا يمكن السير فيها، أو الوصول لهدفها إلا عن طريق تخطيط مسبق يتوائم مع نوعية تلك العملية، فإن عملية التحريات تحتاج إلى تخطيط مسبق لأدائها، وسلسلة من الإجراءات يمكن السير بمقتضاها أو على هداها للوصول إلى النتائج والمعلومات التي تساعد على استخلاص الحقائق والأدلة المطلوبة أو وضوح الرؤية بالنسبة للقضية أو موضوع أو شخص ما، فمن أهم ما يميز التحريات السليمة ثلاثة أمور:

  • أن تخضع التحريات في تناول موضوع بحثًا أو المشكلة   المطروحة أمامها بخطوات وإجراءات محددة.
  • أن تكون متأصلة وحقيقية، لا وهمية أو صورية، ومستخلصة استخلاصًا سائغًا من الأصول الثابتة.
  • أن تقوم التحريات على الفكرة الموضوعية أي البحث حول كل  نقطة لبيان الوقائع المتسلس لة بطريقة مجردة بعيدة عن التأثر بالمزاج، أو الثقافة الشخصية أو الانطباع الذاتي الذي يؤثر في القائم بالتحريات فيجعله يتعلق بأفكار و آراء معينة عن المشكلة ككل قبل البدء في بحثها، لأن ذلك قد يكون مبنيًا للخطأ في الوصول إلى النتائج الصحيحة.

مراحل التحريات

تمر التحريات بعدة مراحل تبعًا للمشكلة المطروحة وتتمثل في التالي:

  • تحديد أبعاد المشكلة التي تنصرف لها التحريات ( القضية –الموضوع – الشخص ) محل التحريات.
  • استعراض الخطوات أو النقاط في المشكلة التي تتناولها التحريات وتحديد هذه الخطوات والنقاط.
  • تحديد ومعرفة كم ونوع البيانات اللازمة لتحقيق الغرض من التحريات.
  • تصور وتحديد المصادر المختلفة لجمع المعلومات في المشكلة موضوع البحث.
  • اختيار وتحديد الوسائل المقبولة والملائمة لجمع هذه المعلومات
  • ترتيب وتحليل البيانات والمعلومات التي تم الوصول إليها تمهيدًا لاستخلاص الحقائق أو الأدلة المطلوبة.

ولاستعراض كل مرحلة من المراحل يمكن القول:

أولا: بالنسبة إلى تحديد أبعاد المشكلة التي تتعرض لها التحريات:

يقتضي الأمر تحديد طبيعة ما تناولته التحريا ت. هل هي قضية جنائية وقعت أو ظاهرة إجرامية ينتظر منها وقوع جرائم معينة أو موضوع معين أو شخص ما، ويتم ذلك عادة بإجراء معاينة دقيقة لمسرح الحادث في حالة حدوث الوقائع الجنائية أو بدراسة الموضوع محل التحريات من زواياه المختلفة والرجوع للمعلومات السابقة عنه أو التعرف على الشخص المراد جمع المعلومات عنه ومعرفة أية خلفيات عن حياته وتصرفاته، إذ أن من شأن ذلك أن يحدد الأبعاد التي ستشملها التحريات، وتقدير مدى الجهود اللازمة للوصول إلى النتائج المطلوبة.

ثانيًا: تحليل المشكلة :

ويقتضي ذلك تشريح المشكلة أو تجزئتها إلى نقاط لكي يشمل البحث كل نقطة على حدة بحيث يكون لكل نقطة أو خطوة ارتباط معين بنقطة أخرى تسبقها مما يحقق في النهاية تكاملا في هيكل التحريات بالنسبة للمشكلة ككل.

ثالثًا: تحديد البيانات اللازمة:

والمقصود هنا، وضع تصور وتحديد البيانات الكافية أو اللازمة لكل نقطة من نقاط البحث بالنسبة للغرض التي تجري من أجله التحريات.  كأن تجمع بيانات عن المترد دين على أحد المنازل ارتكبت فيه واقعة جنائية فيجب أن تكون هذه البيانات كافية وتتناول جميع نشاط هؤلاء المترددين وعلاقاتهم بحيث يغطي الغرض الذي من أجله تجري التحريات حتى ولو كانت لا تتعلق مباشرة بالهدف النهائي للبحث في الواقعة والتي يجب استيفاء البيانات في كل نقطة على حده ومن مجموع هذه البيانات ومن استبعاد ما لا قد يهم في خطوات البحث وبهذا يمكن الوصول بسهولة إلى النتيجة المرجوة.

رابعًا: تحديد المصادر:

إن تصور وتحديد المصادر المختلفة لجمع المعلومات سواء كانت هذه المصادر في سجلات أو ملفات أو بيانات في أجهزة الشرطة أو جهات حكومية أو مكاتب أهليه أو كانت معلومات من أفراد الجمهور أو من فئات أخرى.

خامسًا: اختيار وسائل جمع البيانات:

أي الوسائل التي يمكن أن تعطي أكبر قدر من الفاعلية بالنسبة للمصدر الذي ستتعامل معه سواء كانت هذه الوسائل ستعتمد على المهارات الشخصية في جمع المعلومات.. أو على الأجهزة العلمية كما هو الحال في التعامل مع الآثار أو الأشياء المادية في القضايا الجنائية.

سادسًا: تحليل البيانات والمعلومات:

وهو تقدير المعلومات واستخلاص حقائق ونتائج منها بحيث تكون صورة أكبر وضوحًا إلى الحد الذي يمكن بمقتضاه سلامة تقدير الأشياء التي حدثت أو المتوقعة. ويعتبر تحليل المعلومات من أهم المراحل التي تسير فيها عملية التحريات فهي بمثابة تنويع لهذه المراحل والوصول إلى المعاني أو النتائج التي سارت من أجلها التحريات لتحقيق الهدف منها

http://almerja.com/reading.php?idm=101960

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...