الوساطة القضائية


الوساطة القضائية

نحو إقرار الوساطة القضائية كخيار بديل لفض المنازعات
فيصل بجــــي

لقد أثار موضوع إصلاح منظومة العدالة بالمغرب نقاشا مستفيضا، وهو ليس وليد اليوم ولا الساعة، لكنه شكل محور عدة لقاءات رسمية وأخرى غير رسمية. لكن يعتبر خطاب العرش لسنة 2008 والخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب سنة 2009، بمثابة فتح ورش الإصلاح الشامل والعميق للمنظومة القضائية. والذي تم تتويجه بإحداث الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة في 8 ماي 2012، والتي فتحت فعلا حوارا وطنيا يهدف لوضع لبنات إصلاح جوهري لا يقتصر على قطاع القضاء، وإنما يمتد بعمقه وشموليته لنظام العدالة.
يعد ورش إصلاح منظومة العدالة بالمغرب، ورشا كبيرا يتطلب تعبئة شاملة لا تقتصر على أسرة القضاء والعدالة، وإنما تشمل كافة المؤسسات والفعاليات السياسية والأكاديمية والمدنية. الأمر الذي يفرض مساهمة الجميع كل من موقعه في طرح الحلول الناجعة لتجاوز الاختلالات التي تعاني منها منظومة العدالة، وطرحها للنقاش العمومي بغرض تداولها وإغنائها. وغاية ذلك النهوض بالقضاء ونظام العدالة وتطويره لمواجهة تحديات العولمة الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق النجاعة والفعالية.
من بين أهم آليات الإصلاح؛ تطوير الطرق القضائية البديلة لتسوية المنازعات، إذ أكد جلالة الملك في خطابه بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب ذلك بقوله: ”… وبموازاة مع ذلك، يتعين تطوير الطرق القضائية البديلة كالوساطة والتحكيم والصلح…”.
من هنا يأتي اختيار موضوع هذه الدراسة، باعتباره محورا من محاور إصلاح القضاء، الذي يقتضي كذلك استثباب الأمن القضائي لضمان الجودة القضائية، وتأمين الانسجام بين القانون والقضاء، إلى جانب الاستقرار القضائي. وكذلك باعتبار أن المشرع المغربي ظل مترددا في سن قانون ينظم الوساطة القضائية، شاذا بذلك عما ذهبت إليه جل التشريعات الأجنبية كما سيأتي. غير أن هناك مؤشرات تلوح في الأفق بإفراجه عن هذه الآلية.
انطلاقا من هذه المعطيات سنحاول ملامسة جوانب الموضوع في إطار هذا البحث عبر المبحثين التاليين:
المبحث الأول: الوساطة القضائية والأنظمة المقارنة
المبحث الثاني: دواعي إقرار الوساطة القضائية بالمغرب

المبحث الأول: الوساطة القضائية والأنظمة المقارنة
لقد قام المشرع المغربي بسن القانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، ويلاحظ بداية بأنه نص فقط على نوع واحد من أنواع الوساطة وهي الوساطة الاتفاقية، غاضا بذلك الطرف عن باقي الأنواع الأخرى بالرغم من أهميتها ونجاعتها التي أثبتتها تطبيقاتها في العديد من الأنظمة المقارنة، خصوصا في الدول الأنكلوساكسونية كما سيأتي. ولذلك يمكن القول بأن المشرع لم يكن موفقا في هذا الاختيار.
هذا الأمر يدفعنا لدراسة الوساطة القضائية في الأنظمة المقارنة، من خلال العمل على تعريف الوساطة القضائية وبحث إطارها العام (المطلب الأول)، بالإضافة إلى الوقوف على تجارب بعض الأنظمة المقارنة فيما يخص ذات النوع من الوساطات (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الإطار العام للوساطة القضائية
لقد عرف المشرع المغربي الوساطة من خلال الفصل 327-56 من قانون المسطرة المدنية بأنه: ”العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد”.
لكن ما يلاحظ هو أن المشرع من خلال هذا الفصل لم يعط تعريفا دقيقا للوساطة، تاركا مهمة ذلك لأهل الفقه والقضاء. مكتفيا فقط بوضع إطارها القانوني من خلال القانون رقم 08.05.
لكن بما أن الوساطة لم تدخل حقل المنظومة القانونية إلا حديثا، فإن محاولة تعريفها عن طريق الاجتهاد القضائي لم يحن دوره بعد، لذلك فإنها شكلت موضوع محاولات فقهية لتعريفها.
اعتبر الأستاذ M.GUILLAUME HOFNUNGالوساطة ”كأسلوب لبناء وتنظيم الحياة الاجتماعية بفضل تدخل طرف ثالث، محايد، مستقل، ليست له سلطة التحكم” .
كما عرفها الأستاذ H.TOUZARDبأنها ”تعني التفاوض بين المتخاصمين بحضور طرف ثالث محايد، دوره هو تسهيل البحث عن حل للنزاع” .
وقد عرفها كذلك الأستاذ E. LEROY”بأنها كل أشكال تسوية النزاعات المتفاوض بشأنها بواسطة شخص ثالث، لا يتدخل بصفته قاضيا” .
كما حاول الفقيه BEATRICE BIOHORN- BRENNEUR تعريفها بأنها ”طريقة جديدة لفض المنازعات، تقتضي تعيين طرف محايد عن النزاع، وبرضا الطرفين لسماعهما وتقريب وجهات النظر لديهما، بغاية مساعدتهما على إيجاد حل للنزاع القائم” .
ويرى جانب آخر من الفقه، بأنها السعي لدى الأطراف المتنازعة عن طريق طرف ثالث يسمى الوسيط، من أجل تسوية النزاع الناشب بينهما، والوصول إلى اتفاق تقبل به الأطراف المتنازعة، ويقتضي ذلك أن يقدم الوسيط اقتراحات وتوصيات تقبل بها الأطراف المتنازعة .
وتبعا لذلك يمكن تعريف الوساطة بكونها ”تقنية غير قضائية لحل النزاعات بتدخل طرف ثالث (شخص أو هيئة) محايد، مستقل عن أطراف النزاع، ليست له سلطة اتخاذ القرار” .
إذن فبينما يتم حل الكثير من الخلافات عبر التفاوض المباشر بين الطرفين، فإن كثيرا من المفاوضات قد تتعثر في مراحل مختلفة، أو أن حدة النزاع لا تسمح بوجود مفاوضات بين الأطراف في بعض الأحيان، الأمر الذي يحتم الاستعانة بوسيط للمساعدة في دفع عجلة التفاوض إلى الأمام وجسر الهوة بين الطرفين.
فالوسيط هو شخص محايد، لا يملك أية سلطة لإلزام الطرفين وإجبارهما على أي شيء، لكنه يقدم مساعداته لهما معا حتى يتمكن كل منهما من تقييم مركزه القانوني والواقعي في النزاع، ليكون على بينة من المكاسب، والأضرار التي يمكن أن تكون وراء استمرار النزاع، وسلوك مسطرة التقاضي العادية .
لكن تجدر الإشارة إلى أن هناك من يرى أنه يمنع على الوسيط حتى القيام بطرح حلول بديلة على الأطراف، إذ أن دوره في هذه الحالة ينقلب لدور الموفق وتنقلب العملية إلى التوفيق، لأن الأطراف هنا هم الذين يصنعون النتيجة. فوظيفة الوسيط تقتصر على تسيير وإدارة المفاوضات بين الطرفين (أو الأطراف) دون التحكيم بينهما، لأن الدور هنا يتحول إلى تحكيم. فالملاحظ إذن أن عملية الوساطة هي عملية تقنية دقيقة، وأي محاولة خارج إطارها تتحول إلى وسيلة أخرى لفض النزاعات.
وبالرغم من كون الوسيط لا يصدر أي قرار، ولا يلزم الطرفين برأيه، فإنه يملك حرية كبيرة في التوسع في مناقشة الطرفين مادام لا يتقيد بالجوانب القانونية، وأدلة الإثبات، ولكنه يناقش الوقائع والمناحي الاجتماعية والاقتصادية والإدارية، وحتى الإنسانية المرتبطة بالنزاع وأطرافه .
ينتج عن هذه الوسيلة أو الآلية نتيجة هامة من الناحية العملية؛ تتلخص في قابلية الاتفاقية الناشئة عن الوساطة للتطبيق من الأطراف بشكل تلقائي، كونهم هم الذين صنعوا القرار بمحض إرادتهم، ولم يفرض عليهم من الخارج كما هو الشأن لدى القضاء الرسمي أو التحكيم.
وبما أنه سبق في تقديمنا لهذه الدراسة أن أشرنا إلى أن المشرع المغربي سن فقط الوساطة الاتفاقية دون القضائية فإنه حري بنا أن نفرق بينها، على اعتبار أن لكل منهما نظاما خاصا.
الفرع الأول: الوساطة القضائية أو العامة
يمكن للوساطة أن تكون قضائية، وهي التي تتم تحت إشراف القضاء. ذلك أن القاضي بعد توصله بملف القضية، وبعد تحديد نقط الخلاف؛ يقوم بمباشرة إجراءات الوساطة قاضي من القضاة المكلفين بقضايا الوساطة كوسيط. وإما يطلب من الأطراف التوجه إلى أحد الوسطاء، وهذا هو المعمول به في كاليفورنيا. أو قد يصدر أمرا إلزاميا بالوساطة، كما هو الحال في فلوريدا. وقد تحيل المحكمة النزاع على وسيط محترف مسجل ضمن قائمة الوسطاء المؤهلين والمعتمدين لدى المحاكم لممارسة الوساطة. وهو بحسب الأحوال شخص طبيعي، كقاض متقاعد أو محام أو خبير ، أو مستشار قانوني، أو شخص معنوي (مؤسسة مختصة في الوساطة)، كمراكز الوساطة والتحكيم…
وتشمل الوساطة القضائية كل القضايا المدنية والجنائية والأسرية والتجارية، لكنها في الواقع العملي تهتم أكثر بالقضايا المدنية والتجارية والأسرية .
وإذا ما انتهت الوساطة بميلاد اتفاق حبي، عمل القاضي على الإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق الذي يعد بمثابة عقد لا يجوز التملص من مقتضياته.
الفرع الثاني: الوساطة الاتفاقية أو الخاصة
قد يقوم الأطراف، سواء في إطار معاملة مدنية أو تجارية، بالتنبؤ بالأخطار الممكن أن تشوب تنفيذ اتفاقاتهم، فيعمدون إلى التنصيص في صلب العقد على اعتماد الوساطة كأسلوب لحل النزاعات المستقبلية، متوخين في ذلك الاستفادة من مزاياها .
ويمكن أن تدرج الوساطة في العقد الأساسي ويسمى شرط الوساطة. ويمكن أن يلجأ إليها بعد نشوب الخلاف ويسمى عقد الوساطة. وقد يتفق عليها أثناء جريان المساطر القضائية.
من خصوصيات الوساطة الاتفاقية تأثيرها المباشر على سير المسطرة القضائية. ففي حالة إبرام اتفاق الوساطة أثناء سير دعوى قضائية أمام المحكمة، فإنه يترتب عن ذلك وبمجرد إخطار المحكمة بالاتفاق وقف المسطرة القضائية، والتصريح بعدم القبول إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلان اتفاق الوساطة، ولعل المشرع المغربي من خلال القانون رقم 08.05 قد أحسن صنعا عندما تدارك ما كان قد ذهب إليه في مشروع القانون نفسه، والذي كان يقضي بالتصريح بعدم اختصاص المحكمة إلى حين استنفاذ مسطرة الوساطة أو بطلانها، والعلة في ذلك أن عدم القبول يبقي باب التقاضي مفتوحا أمام الأطراف في حالة فشل الوساطة، علاوة على أن هذا المسلك يحترم قاعدة اختصاص القضاء كجهاز للفصل في النزاعات، بينما الوساطة تبقى بديلا موازيا للقضاء ليس إلا.
تكون الوساطة الاختيارية في القضايا المدنية والتجارية والإدارية متى تعلقت بحقوق يملك الأطراف التنازل عنها. ولا يمكن إجراء الوساطة في القضايا الآتية:
قضايا الأهلية والنسب؛
قضايا الجنسية؛
القضايا التي لا يمكن إبرام الصلح بشأنها؛
القضايا المتعلقة بالنزاعات والطعون الإنتخابية؛
القضايا المتعلقة بالنظام العام .
تجدر الإشارة إلى أن هناك وساطة أخرى تسمى الوساطة القانونية، وقد تكون هناك وساطة تشريعية عندما يكون هناك نصا قانونيا يقضي بإحالة الطرفين على الوساطة قبل المرور إلى مرحلة المحاكمة .
المطلب الثاني: الوساطة القضائية من خلال بعض التجارب المقارنة
سنحاول أن نشير إلى بعض النقاط الهامة التي ساهمت في نجاح الوساطة القضائية من خلال بعض التجارب المقارنة في فرعين، نخصص الأول للنظامين الأنكلوساكسوني واللاتيني، فيما نتطرق في الثاني لبعض الأنظمة الآسيوية والعربية.
الفرع الأول: الوساطة في النظامين الأنكلوساكسوني واللاتيني
للوقوف على تجارب بعض الدول التي تعد رائدة في فض المنازعات عبر الوسائل البديلة وخاصة الوساطة القضائية، كان من اللازم العمل على دراسة النظامين الأنكلوساكسوني واللاتيني.
الفقرة الأولى: الوساطة في النظام الأنكلوساكسوني
تستدعي هذه الدراسة البحث في التجربتين الإنجليزية والأمريكية.
أولا: التجربة الإنجليزية
إذا كانت بداية التجربة الأمريكية والبريطانية في مجال تطبيق الوساطة قد عرفت مناهضة كبيرة من طرف هيئات الدفاع، حيث اعتبرت بأن المحامي الذي يملك حق احتكار النيابة عن الأطراف أمام الإدارات وأمام القضاء، سيعرف مضايقة أشخاص آخرين كالوسطاء، الأمر الذي يعني بالمقابل وجود منافسة بينهم وبين المحامين؛ فإن الأمر لم يدم طويلا لدرجة أصبح معها نجاح الوساطة رهينا بنجاح المحامين الوسطاء ذووا الخبرة والتجربة.
من جهة أخرى فإن المحامي الإنجليزي أصبح ملزما باللجوء إلى هذه الوسيلة قبل التوجه للمحكمة، وأن يناقش مع زبنائه الإمكانيات المتوفرة في الوساطة تحت طائلة اعتباره مخلا بواجبه المهني في حالة عدم احترامه لهذا المقتضى، ولا يقبل ادعاء المحامي جهله بالوساطة. ولذلك فقد بلغ نجاح الوساطة في القضايا المدنية ببريطانيا نسبة تتراوح بين 70 و80 % .
وهنا لابد من الإشارة بأن حوالي 90 % من النزاعات في المجتمعات المتقدمة تحل عن طريق التفاوض، وأن 10 % فقط من القضايا هي التي تصل إلى المحاكم، ولا يبقى منها سوى 10 % للتقاضي أمامها ، وهو ما يلاحظ اليوم في إنجلترا، حيث إن نسبة القضايا المعروضة على القضاء، بعد العمل بالوساطة، انخفضت بنسبة 34 % .
ثانيا: تجربة الولايات المتحدة
تعتبر تجربة ولاية كاليفورنيا في اعتماد الوسائل البديلة لحل النزاعات، تجربة رائدة، إذ تمكنت من تحقيق نتائج باهرة، تتجلى في تسوية نسبة كبيرة من النزاعات المسجلة بمحاكم هذه الولاية، تصل إلى 95 % بواسطة هذه البدائل ومنها الوساطة، وفي فترة زمنية قياسية، سواء فيما يتعلق بمتوسط عمر تسوية القضايا والذي يتراوح ما بين 4 و6 أشهر، أو فيما يتعلق بعمر التجربة كلها . وقد وقع تمديدها لباقي الولايات بصيغ معدلة أحيانا. بل إن النموذج الأمريكي أصبح نموذجا يحتذى به في باقي الدول، خصوصا عندما جعل المحامي يقوم بدور الوساطة في كل الدعاوى التي تقل قيمتها عن 15 ألف دولار، حتى إذا فشلت لجأ الأطراف إلى القضاء، ليأتي دور القاضي الوسيط في مرحلة الاستئناف. أما في المرحلة الابتدائية فهناك أجهزة خارج القضاء تتولى مهمة الوساطة . وقد استفادت من هذه التجربة عدة دول منها المغرب ومصر والأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية، والباكستان وبنغلاديش إلى جانب بعض دول أمريكا اللاتينية.
إن تجربة النظام الأنكلوساكسوني هي تجربة رائدة، ساهمت في تسوية نسبة كبيرة من الخلافات المسجلة بالمحاكم . وما يمكن ملاحظته من خلال التجربة في مجال الوساطة القضائية، هو أن النظام الأنكلوساكسوني نظام يعتمد الممارسة والتجربة الفعلية والعملية دون الاكتراث للتقنين، كما أن الوساطة غير منظمة بالقوانين والقواعد الدقيقة والواضحة، عكس ماهو عليه الأمر بالنسبة للنظام اللاتيني. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن التجربة الأنكلوساكسونية تبقى من أغنى التجارب في العالم، وأثبتت ريادتها عبر العالم في هذا المجال.
الفقرة الثانية: الوساطة في النظام اللاتيني
لتتم معالجة الوساطة في النظام اللاتيني، ارتأينا الوقوف على تجارب بعض الأنظمة الرائدة في هذا المجال، كتجربة النظامين الفرنسي والبلجيكي.
أولا: التجربة الفرنسية
إلى غاية صدور قانون 8 فبراير 1995 ومرسوم تطبيقه في 26 يوليوز 1996، لم يكن للوسيط وجودا شرعيا بفرنسا. وكان قد ظهر لأول مرة سنة 1968 بعد صدور قرار عن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بباريس، بتعيين وسيط بسبب نزاع اجتماعي كبير نجم عنه احتلال معامل “سيتروين” ، الأمر الذي أدى إلى تحريك ملف الوساطة من طرف قضاة فرنسيين من بينهم الرئيس الأول لمحكمة النقض. وهي محاولات لاقت معارضة وتحفظات شديدة من جهات مختلفة، لأنها تعتبر تنازلا للقاضي عن جزء من صلاحياته في الحكم، أو نوعا من الاستقالة من أدائه لمهامه لفائدة قنوات خاصة، قد تؤدي إلى إنشاء مهنة شبه قضائية.
ثم ظهرت بعض الاجتهادات القضائية التي تؤسس للوساطة بكونها طريقة من طرق تطبيق المادة 21 من قانون المسطرة المدنية الجديد، الذي ينص في مقتضياته على أنه: “من مهام القاضي إجراء الصلح بين الأطراف”.
كل هذه التطورات أدت إلى صدور التعديل الذي طرأ على نص المادة 131 من قانون المسطرة المدنية ، والذي سيساهم من خلال مضمونه في تحقيق السرعة والفعالية والمرونة والنجاعة في تصريف القضايا، وتخفيض كلفة التقاضي. حيث أشرك الأطراف في صنع حلول لنزاعاتهم، إلى جانب تحقيقه للسلم الاجتماعي وتكريسه للعدالة التصالحية، إذ بلغت نسبة نجاح القضايا التي تم حلها بواسطة الآليات البديلة بفرنسا ومنها الوساطة 76 %، كما أن الممارسة العملية تفيد أن الوساطة كوسيلة سلمية استطاعت أن تفرض وجودها في مجال حل النزاعات، إذ بلغت نسبة نجاحها في نهاية التسعينات على مستوى الدائرة القضائية لاستئنافية باريس نسبة تزيد عن 45 % ، كما أنها استطاعت وحدها حل 20 % من القضايا بفرنسا في نهاية العشرية الأخيرة .
وعلى العموم فالوساطة ليست أمرا جديدا على الفرنسيين، حيث كانت تمارس في العهود القديمة في فرنسا بمفهوم المصالحة، وقد شاع في المثل الفرنسي أن “الصلح السيء خير من الخصومة الجيدة”.« Une mauvaise transaction veux mieux qu’un bon procès ». واستخدمت مجددا بعد الثورة الفرنسية لعام 1789، وقد أدخلت في النزاعات الأسرية بتأثير من وسطاء مقاطعة الكيبك في كندا.
ثانيا: التجربة البلجيكية
فيما يخص هذه التجربة، فإن المشرع البلجيكي نص صراحة على كل من الوساطة الاتفاقية والوساطة القضائية. مع الإشارة إلى أن التشريع البلجيكي كان أكثر دقة وتفصيلا من التشريعيين المغربي والفرنسي. وتظهر من خلاله الإرادة السياسية البلجيكية لإقرار نظام الوساطة لفض المنازعات، وذلك من خلال إحداثه للجنة الوساطة الفيدرالية، مع تزويدها بالوسائل البشرية والمالية اللازمة. وهذا بدون شك سيعمل على مساعدة القضاء في حل وتسوية المنازعات مستقبلا باعتبار التجربة لازالت فتية، إذ لم يتم إصدار القانون المنظم للوساطة إلا مع بداية العام 2005.
وهكذا إذا تم الوقوف على بعض القواعد المنظمة للوساطة في الأنظمة المقارنة، يمكن القول بأن النظام اللاتيني تغلب على مقتضياته الدقة والوضوح، كما أن التجربة اللاتينية ومن خلالها التجربة الفرنسية، أثبتت كما هو الحال بالنسبة لتجربة النظام الأنكلوساكسوني؛ أن الوساطة تستطيع تحقيق السرعة والحياد والمرونة، إلى جانب الفعالية في حل النزاعات بنوع من الليونة، إضافة إلى الحفاظ على العلاقات القائمة بين طرفي النزاع، وبالتالي تكريس العدالة التصالحية.
الفرع الثاني: الوساطة في الأنظمة الآسيوية والعربية
سيتم من خلال هذا الفرع دراسة تجارب بعض الأنظمة الآسيوية والعربية الناجحة في مجال الوساطة القضائية.
الفقرة الأولى: الوساطة في الأنظمة الآسيوية
لم يكن من العدالة العمل على دراسة نجاح الوساطة القضائية في التجارب الرائدة، دون المرور من التجارب الآسيوية، وهو ما يحتم البحث في تجارب النظامين الصيني والياباني.
أولا: التجربة الصينية
تعتبر الوساطة ذات تاريخ طويل في الصين، حيث لعبت أدوارا مهمة في تسوية المنازعات في الصين القديمة. إذ أن ولادة وتطور هذه الوسيلة كان جد متأثر بالفلسفة والثقافة التقليدية الصينيين. وهو ما جعل الطريق معبدا لدى الفكر الصيني في اعتماد هذه الوسيلة لحل النزاعات لما لها من مزايا متعددة، خصوصا في حفظ العلاقات بين الأطراف المتنازعة، خلافا لو استدعى الأمر تدخل القضاء.
تقليديا لعبت الوساطة دورا هاما في الإجراءات القضائية، خصوصا في الإجراءات المدنية، ففي المرحلة الأولى يدعو القضاة إلى سلك نهج الوساطة لحل الخلافات، حسب المادة 6 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1982 ، فالمحكمة تحجز القضية التي سلكت في المرحلة الأولى الوساطة، لإيجاد حل للنزاع، ولا يسمح بسلك مسطرة التقاضي في حالة إخفاق الوساطة . كما تنص المادة 85 من “قانون الدعاوى المدنية لجمهورية الصين الشعبية” على أن المحكمة الشعبية عندما تنظر في قضية مدنية، عليها أن تقوم بالوساطة وتوضح ما هو صحيح وما هو خطأ على أساس الحقائق، ووفقا لرغبة طرفي القضية. وعلى العموم فالوساطة ممكنة دائما في جميع المساطر القضائية.
لتقريب الصورة أكثر من حيث نجاح التجربة، ففي سنة 1988 من بين 1.419.059 قضية مسجلة ومعالجة، هناك 1.107.829 قضية تم تسويتها عن طريق الوساطة، أي حوالي 71.7 % من عدد القضايا المسجلة، وفقط 213.664 قضية تمت إحالتها على المحكمة للفصل فيها، أي بنسبة 15 % من العدد الإجمالي للقضايا المسجلة. أما في سنة 1997 فإنه من بين 3.242.202 قضية مسجلة ومعالجة؛ هناك 1.651.996 قضية تمت تسويتها عن طريق الوساطة أي حوالي 51 % من عدد القضايا المسجلة، و 955.533 قضية أحيلت على المحكمة للفصل فيها .
ثانيا: التجربة اليابانية
في سنة 1922 تم العمل بقانون التوفيق أو الصلح في مجال كراء العقارات باليابان. ويعتبر هذا القانون أول مؤسس لمبدأ التوفيق، ويعمل على معالجة الخلافات المتعلقة بكراء المحلات السكنية، وقد طبق هذا النظام أولا بشكل محدود اقتصر على بعض محافظات (طوكيو) و(كيوطو)، ثم عمم على باقي التراب الوطني الياباني سنة 1941 .
هناك أيضا قوانين أخرى تشتمل على نظام التوفيق دخلت حيز التطبيق واحدا تلو الآخر، ويتعلق الأمر بـ:
قانون كراء الأراضي الزراعية سنة 1924.
قانون الأعمال التجارية سنة 1932.
القانون الاستثنائي للقروض المالية لسنة 1932 عقب الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929.
تجدر الإشارة إلى أن عدد القضايا التي تمت تسويتها عن طريق التوفيق سجلت أرقاما مهمة في المجال المدني ، إذ من بين 771.084 حادثة سير داخل مدة سنة، تم تسوية 7.604 قضية عن طريق القضاء، في حين تم تسوية 5.321 قضية بواسطة التوفيق أي بنسبة تتراوح بين 1% و0.7% هذا الرقم بالرغم من اتسامه بالضعف إلا أنه يوضح دور التوفيق في حل المنازعات في مجال حوادث السير.
في دراسة أخرى أنجزت سنة 1995، أظهرت بأنه من بين 389.344 قضية جديدة، تم تسوية 129.136 قضية منها عن طريق التوفيق أو الوساطة.
وبدون شك فهذا الرقم يعد رقما مهما في مجال حل المنازعات عن طريق التوفيق أو الوساطة، ولا ريب هذا يتماشى مع عقلية اليابانيين التي أبرزت التقليد على العمل بالتوفيق، ولأن الشعب الياباني كما هو الشأن لدى الشعب الصيني هو شعب مسالم ومنسجم، لا يفضل تسوية المنازعات عن طريق القضاء.

الفقرة الثانية: الوساطة في الأنظمة العربية
من خلال هذه الفقرة سنحاول الوقوف على تجارب بعض الدول العربية، وبالرغم من محدودية نجاحها في فض المنازعات عن طريق الوساطة القضائية، إلا أنها تبقى تجارب هامة ينبغي دراستها، وهي التجربتين الجزائرية والأردنية.
أولا: التجربة الجزائرية
في إطار تطوير استراتيجية ناجعة لجهاز القضاء؛ سنت الجزائر قانون الإجراءات المدنية والإدارية 08-09 المؤرخ في 18 صفر 1429 الموافق لـ 25 فبراير 2008 المعدل والمتمم في الكتاب الخامس منه، تحت عنوان ”الطرق البديلة لحل النزاعات”، وفي الفصل الثاني من الباب الأول ”الوساطة”، ونص عليها في 12 مادة، من المادة 994 إلى المادة 1005.
وبذلك تبنى نظام الوساطة القضائية كأداة قانونية بديلة لتسوية النزاعات وتخفيف العبء على المحاكم، وزيادة رضا المتقاضين عن النظام القضائي، حيث لا يكفي لمواجهة هذه المسألة مجرد زيادة عدد القضاة. وهي عكس ما سلكه المشرع المغربي بتبنيه للوساطة الاتفاقية فقط .
ففي حالة نجاح الوساطة؛ يعد محضر الاتفاق بعد المصادقة عليه من القاضي سندا تنفيذيا، ويكتسب نفس حجية الحكم القضائي طبقا لنص المادة 600 (فقرة 8) والمادة 1004 من القانون رقم 08-09 السالف الذكر.
كما يحدد المرسوم التنفيذي 09-100 المؤرخ في 13 ربيع الأول عام 1430 الموافق لـ 10 مارس 2009 كيفيات وشروط تعيين الوسيط القضائي الذي يشتمل على 16 مادة.
ويبقى الوسيط القضائي إجراءا جديدا أقرته وزارة العدل الجزائرية في حل النزاعات بين المتنازعين في بعض القضايا منها التجارية. ويستثني هذا القانون تعيين الوسيط في قضايا قانون الأسرة، على اعتبار أن لها إجراءات خاصة بها كما سبقت الإشارة، لكن بالرغم من ذلك فإن المشرع الجزائري لم يكن موفقا بهذا التوجه في نظرنا، على اعتبار أن النزاعات الأسرية تعد أكثر المجالات حاجة لإعمال الوساطة القضائية.
وقد عملت الوزارة المذكورة على تعيين 1614 وسيطا قضائيا تم بموافقة 1520 قاضيا على حل قضاياهم عن طريق الوساطة.
ثانيا: التجربة الأردنية
تم رسميا افتتاح أول إدارة للوساطة في محكمة بداية عمان بتاريخ فاتح يونيو 2006، كخطوة أولى لاستحداث إدارات مماثلة في بقية محاكم المملكة ، وعليه فإن فكرة الوساطة الجديدة على القانون الأردني ليست كذلك على المجتمع الأردني الإسلامي العربي العشائري القبلي.
ومع بداية 2010 استحدثت وزارة العدل إدارة للوساطة القضائية لدى محكمتي بداية أربد والسلط. لتكريس العمل بهذا الأسلوب القضائي عقب النتائج المهمة التي تحققت منذ البدء بتطبيقه سنة 2006، إذ تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نسبة القضايا التي تم التوصل فيها إلى مصالحة مرضية بلغت 70% من مجمل القضايا المحالة على الإدارة.
وبموجب قانون الوساطة رقم 12 لسنة 2006 فإنه تحدث في مقر محاكم البداية في المملكة الأردنية إدارة قضائية تسمى إدارة الوساطة، تشكل من عدد من قضاة البداية والصلح يسمون قضاة وساطة .
وللإشارة فقد شكلت عدد القضايا المحالة على إدارة الوساطة لدى محكمة بداية عمان (قصر العدل) خلال السنة الأولى؛ تحديا كبيرا للمشروع التجريبي. إذ أنه خلال الإثنتا عشر شهرا الأولى تم إحالة 343 قضية (بمعدل 29 قضية شهريا).
أما في السنة الثانية فقد تم إحالة 647 قضية (بمعدل 54 قضية شهريا)، وهو ما يقارب ضعف عدد القضايا المحالة خلال السنة الأولى.
وخلال السنة الثالثة للمشروع التجريبي فقد ارتفع عدد القضايا المحالة إلى كل من محاكم الصلح ومحاكم البداية. ويظهر ذلك جليا لدى محاكم البداية، حيث قارب عدد القضايا المحالة إليها ثلاثة أضعاف العدد المحال إليها خلال السنة الأولى.
وقد بلغ العدد الإجمالي للقضايا المحالة إلى إدارة الوساطة لدى محكمة بداية عمان في قصر العدل منذ بدء برنامج الوساطة (من يونيو 2006 إلى ماي 2008) 990 قضية .
المبحث الثاني: دواعي إقرار الوساطة القضائية بالمغرب
من خلال هذا المبحث، سيتم العمل على بحث المسببات التي تدعو لإقرار الوساطة القضائية بالمغرب، ومن هذا المنطلق ستتم دراسة بعض الأسباب المتعلقة بمحدودية نجاح مسطرة الصلح في النظام القضائي (المطلب الأول)، بالإضافة إلى بعض الأسباب المرتبطة بالمنظومة القانونية والقضائية بالمغرب، إلى جانب أخرى تؤدي إلى ضعف فعالية الحلول البديلة للمنازعات (المطلب الثاني).
المطلب الأول: محدودية نجاح مسطرة الصلح في النظام القضائي
يعتبر النزاع شكلا من أشكال السلوك التنافسي بين أطرافه، فجل النزاعات لا ترمي دائما إلى تحقيق مصالح متضاربة ومتناقضة، بل هناك كثيرا منها يمكن أن يكون لأطرافها أهدافا ومصالح متكاملة ومتوافقة يسهل إيجاد حل توافقي لها. ومع ذلك يغلب طابع الفشل على محاولات الصلح التي يقوم بها القاضي، ولعل مرد ذلك لمجموعة من الأسباب التي ترجع للقانون والقضاء والدفاع، إضافة إلى الأطراف. وذلك ما سنحاول بيانه وفق ما يلــــي:
الفرع الأول: الأسباب الراجعة إلى القانون
إن الأسباب الراجعة للقانون والتي تحول دون نجاح محاولات الصلح في النظام القضائي المغربي يمكن حصرها فيما يلي :
أولا: إسناد مهمة القيام بالصلح لقاضي الحكم
تنص المقتضيات القانونية التي توجب الصلح قبل الفصل في الموضوع، على أن قاضي الحكم هو قاضي الصلح، وهذا يعد من العوامل الأساسية التي تحول دون نجاح الصلح القضائي لعدة أسباب منها:
1- اتخاذ قاضي الصلح الحيطة والحذر من الغوص في النزاعات الحقيقية بين الطرفين خوفا من اتهامه بالانحياز لأحدهما، إضافة إلى تجنبه طرح مقترحات معينة حتى لا يتهم بإبداء وجهة نظره في النزاع، عند مشاركته في البت في الخصومة بعد فشل المحاولة. الأمر الذي يجعل دور القاضي في الصلح دورا شكليا ليس إلا، ولا يتعدى طرح سؤال على الأطراف حول ما إذا كانوا يرغبون في الصلح أم لا.
2- إسناد مهمة الصلح لقاضي الحكم يجعل الأطراف يبدون نوعا من التحفظ، وبالتالي يمتنعون عن تقديم بعض التنازلات الكفيلة بفض نزاعهم، ومرد ذلك تخوفهم من البوح ببعض الأسرار خشية انعكاس مواقفهم وتصريحاتهم أثناء محاولة الصلح على مراكزهم القانونية أثناء المحاكمة أمام نفس قاضي الصلح المطلع على هذه الأسرار.
ثانيا: بطء المساطر وضعف فعاليتها
من أسباب إطالة أمد القضية بالمحكمة والتي تجعل المدعى عليه لا يهتم بالصلح ولا يعير له أية أهمية:
1- الإشكالات المرتبطة بإجراءات التبليغ؛
2- عدم تحديد آجال معينة لتهييء القضية للحكم؛
3- انعدام الجزاءات المادية أو الإجرائية للحد من المماطلة.
الفرع الثاني: الأسباب الراجعة إلى القاضي
كما يرى علماء الفقه الإسلامي، فإنه من المهام الرئيسية للقاضي، قطع دبر الشجار والخصام بين المتنازعين عن طريق الصلح. وعندما يسعى القاضي إلى إجراء الصلح بين المتخاصمين وينجح في ذلك؛ يكون قد جنب نفسه احتمال الوقوع في الخطأ بإصدار حكم قد لا يكون عنوان الحقيقة، وجنب الأطراف احتمال ظلم بعضهم البعض بإصدار حكم مخالف للواقع.
لكن قبول القاضي كمصالح متوقف على اطمئنان الأطراف إليه، مع ضمان أنه في حالة فشل محاولة الصلح، فإنهم لن يتضرروا بما راج أثناء تلك المحاولة من إفشاء بعض الأسرار أو الاعتراف ببعض الالتزامات أو الحقوق. وهو ما لا يتحقق في حالة إسناد مهمة الصلح لقاضي الحكم كما سبقت الإشارة إلى ذلك. غير أن الإشكال يتجلى في عدم اقتناع القاضي مسبقا بجدوى الصلح أو اقتناعه بفشلها حتى قبل أن يقدم عليها .
وفي حالة اقتناع الأطراف بأهمية الصلح واطمئنانهم للقاضي، فهنا نتساءل عن مدى قدرة وكفاءة القاضي للقيام بهذه المهمة، ومدى توفره على شروط الذكاء والفطنة والفراسة وسرعة البديهة ومهارات التواصل وقوة الإقناع وحسن الاستماع، والقدرة على طرح مقترحات الحلول. إضافة إلى التحلي بالصبر وعدم الاستسلام لليأس. فإذن يبدو أن هذه الصفات كلها صعبة أن تجتمع في جميع قضاة الصلح.
الفرع الثالث: الأسباب العائدة للأطراف
إن أهم الأسباب التي ترجع إلى الأطراف والتي تحول دون نجاح محاولة الصلح عن طريق القضاء؛ تكمن في جهل أو بالأحرى تجاهل المصالح الحقيقية من طرفهم، والتشبث بدلها بالمواقف والمشاعر وخلفيات النزاع. فحينما يتمسك الأطراف بالمصالح الحقيقية يمكن الوصول إلى حلول وبدائل ونقط مشتركة لبداية الإعداد للحل الاتفاقي، لكن عندما يتم التمسك بالمواقف وبالمشاعر يبقى الخلاف قائما، والحل الاتفاقي مستعصيا.
ومن الأمور التي تحول دون الميل إلى الصلح، مدى قوة مبدأ أفضل خيار بديل للاتفاق التفاوضي، فالطرف الذي يتوفر على أفضل خيار بديل هو الذي يعارض عادة محاولة الصلح.
فالمدعي حينما يتأكد من مركزه القانوني ويتخذ الإجراءات التحفظية اللازمة لضمان تنفيذ الحكم عند الحصول عليه، ويتيقن من الوصول إلى حقه في زمن يسير ومعقول، فلن يولي اهتماما إلى الصلح مادام مقتنعا ومتيقنا بأنه سوف يحصل على حقه عن طريق الحكم القضائي، علاوة على التعويض. الأمر الذي يشكل بالنسبة للمدعي أفضل خيار بديل للصلح، أما إذا خشي أن يخسر دعواه أو لم يرغب في فض النزاع عن طريق المحاكمة بسبب ما تتطلبه من إجراءات طويلة ومعقدة وتكاليف باهضة، أو بسبب خوفه من التشهير أو حرصه على إبقاء روابط القرابة أو الصداقة قائمة ومستمرة، أو المحافظة على العلاقات التجارية؛ فإن المدعي سيكون لا محالة مائلا إلى قبول الصلح.
أما المدعى عليه فله عدة اختيارات بديلة للحل التفاوضي والصلح، كقوة مركزه القانوني، أو كونه معسرا لا يملك ما يمكن أن يطاله التنفيذ، لاسيما إذا كان بمنأى عن تنفيذ الإكراه البدني ضده، أو حينما يخفي أمواله، كأن يفوتها صوريا للغير، غير أن أهم خيار بديل للصلح بالنسبة للمدعى عليه يمكن أن يتجلى في بطء الإجراءات، وتعقيد المساطر وغموض النصوص أحيانا، واتساع مجال السلطة التقديرية للقضاء سواء في الشكل أو في الموضوع. فكيف يميل المدعى عليه إلى الصلح إذا كان يعلم أنه سوف لن يحصل خصمه على حكم قابل للتنفيذ إلا بعد مرور سنوات عدة أحيانا ؟ وقد تستغرق مرحلة التنفيذ وحدها سنوات بسبب انتقال المحكوم عليه إلى مكان مجهول، أو بسبب حصوله على قرار بوجود صعوبة في التنفيذ أو بسبب عدم الموافقة على طلب الاستعانة بالقوة العمومية.
إن أهم ما يشجع المطعون ضده على التمادي في اللدد في الخصومة وبالتالي لا يولي اهتماما للصلح، يتجلى في المدة الطويلة التي تستغرقها مرحلة التحقيق في الدعوى وتهييئها للحكم، ويتمثل في التساهل في منح مهلة تلو الأخرى، إما للتعقيب أو لإصلاح المسطرة وتهييء حجة أو لأداء صائر الخبرة أو المعاينة…، إضافة إلى ادعاء الخصم أحيانا الزور الفرعي في الحجة المعتمدة في النزاع أو الزور الأصلي، حيث يتم وقف البت في الدعوى المدنية إلى حين الفصل في الدعوى العمومية. إلى جانب طلب المدعى عليه في مناح كثيرة مهلة لإعداد دفاعه أو للحصول على المساعدة القضائية، وقد يتخلف في الجلسة الموالية وتضطر المحكمة لإنذاره لإصلاح المسطرة، وبعد التوصل قد يحضر دفاعه ويطلب بدوره مهلة لإعداد الجواب، وقد يطلب مهلة ثانية وثالثة لسبب أو لآخر، وفي أغلب الأحوال ينال ذلك بسهولة. وإذا عارضت المحكمة يصرح بسحب النيابة ويطلب مهلة لإنهاء إجراءات سحب النيابة طالبا استدعاء الخصم شخصيا، وبعد توصله إثر تكرار توجيه الاستدعاء إليه نفس الدفاع السابق مدليا بجوابه في الشكل طالبا حفظ حقه في الجواب في الموضوع .
إذن من هذه السلوكات التي تشير إلى الاستخفاف بالقانون وبالمحكمة، فأكيد أن المدعى عليه لن يفكر في الصلح مادام يتفنن في ممارسة مثل هذه الممارسات.
مما سبق يمكن استنتاج نتيجة هامة، تتعلق بالأطراف لعدم الأخذ بالصلح كوسيلة لفض النزاع. غير أن هذه النتيجة تبقى رهينة بإشراف القضاء على هذه الآلية. لكن إذا سلك الأطراف آلية أخرى أكثر فعالية وهي الوساطة الاتفاقية، وذلك لتواجدها خارج الغطاء القضائي والذي ربما يتخوف منه الكثير، فهذا يعطينا نتائج إيجابية، باعتبار مميزاتها، وهي أن دور هذه الآلية محدود أيضا في حل النزاعات، ليس في قدرتها على حل المنازعات، ولكن في محدودية الإقبال عليها.
المطلب الثاني: مسببات مرتبطة بالمنظومة القانونية لفض المنازعات
سيتم تناول هذا المطلب من خلال فرعين، نطرح في الأول بعض الأسباب الراجعة للمنظومة القانونية والقضائية، على أن نناقش في الثاني إشكالية ضعف فعالية الحلول البديلة للمنازعات، وهو ما يدعو للعمل على إقرار الوساطة القضائية بالمغرب، قصد الحد من طول أمد بعض المنازعات في إطار التقاضي.

الفرع الأول: أسباب راجعة للمنظومة القانونية والقضائية
هناك العديد من الأسباب منها الراجعة للقانون ومنها العائدة للواقع، والتي تؤدي إلى توجيه انتقادات للقضاء، وبالتالي المناداة بالعمل على إقرار الوساطة القضائية بالمغرب لتجاوزها، وليس المقصود منها الإنقاص من أهميته، بل هي نابعة من كون اعتباره أحد ركائز الدولة ولاسيما بعد الارتقاء به إلى مصاف السلط من خلال إقرار دستور 2011 بذلك، ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
1- طول المسطرة من حيث الآجال والمدد والطعون، واستلزام وسائل إثبات محددة بعينها في العديد من أنواع الدعاوى، مما قد يؤدي إلى تعقيد المشكل، بل وضياع الحقوق أحيانا؛
2- كثرة القضايا المعروضة على القضاء، بل تضخمها وتنوع مواضيعها بشكل كبير ودقيق، مما يجعل القضاء عاجزا أحيانا عن مسايرة تطور عدد القضايا، مما يؤدي إلى بطء البت في القضايا. ويمكن الإشارة إلى هذا التضخم برسم سنة 2011 بشكل مقتضب فيما يلي :
عدد القضايا الرائجة أمام المحاكم وصل إلى 3.372.054 قضية.
لم يبلغ عدد القضايا المحكومة سوى 2.456.469 قضية بنسبة بلغت 72,82%.
تخلف أمام محاكم الموضوع 915.305 قضية أي بنسبة 27,15% من القضايا الرائجة.
نسبة الأحكام التي تبقى من غير تنفيذ 20%. مع وجود صعوبات تنفيذية ضد الإدارات العمومية وشركات التأمين.
3- الصعوبة، التي يتواجد فيها القاضي حاليا، من حيث التغطية المعرفية الدقيقة لعدد هائل من القوانين في مجالات مختلفة مع كون مصطلح القانون له مفهوم شاسع، إذ يشمل النصوص التشريعية والتنظيمية والاتفاقيات الدولية، إضافة إلى الاجتهادات القضائية المكرسة؛
4- ما أصبح يفرضه الوضع الراهن على القاضي، من إيلاء الاهتمام للقوانين الأجنبية التي تزداد أهمية معرفتها، بازدياد حجم القضايا المدرجة في إطار تنازع القوانين، التي أصبح لسلطان الإرادة دورا متناميا في تحديد القانون المختص والقانون المختار ليس من اللازم أن يكون لدولة معينة، بل قد يكون – خاصة في العقود التجارية الدولية – قانونا لا يرتبط بدولة ما، أي قانون عبر الدول تتحدد إلزاميته من إرادة الأطراف وليس انطلاقا من القاعدة القانونية، وهذا القانون في تطور دؤوب في تجاوب مع التطور الذي تعرفه التجارة الدولية، بل إن هذا القانون يعد ثورة حتى على مفهوم القاعدة القانونية التقليدية .
5- صعوبة الفصل في النزاعات المرفوعة إلى المحاكم في آجال معقولة؛
6- مساهمته في توتر العلاقات بين المتنازعين، خصوصا عندما يكون الأطراف ذووا علاقات أسرية أو اجتماعية؛
7- ارتفاع تكاليف التقاضي، مما يجعل مرفق القضاء مرفقا باهض الثمن، بدءا بالرسوم والمصاريف القضائية، وانتهاءا بأتعاب المحامين والخبراء والمفوضين القضائيين، إضافة إلى المحكمين إن اقتضى الحال؛
8- صعوبة مسايرة التطورات المتسارعة في بعض الميادين، خصوصا بعد الثورة المعلوماتية والتكنولوجية، مما يفسر ضعف قدرته على الاستجابة لبعض الحاجيات الملحة للمتقاضين؛
9- تشعب قانون الشكل وإغراقه المتقاضين في متاهاته بدل حله للنزاع ، مما يرتب ضياع الوقت والمصاريف، إضافة إلى تعدد القوانين الموضوعية وما يلحقها من تعديلات. مما يترتب عنه تداخلات واختلافات وتباينات أحيانا، قد توقع المختصين من القضاة والمحامين ذووا التجربة الكبيرة في التباسات، فبالأحرى على المتقاضي العادي؛
10- التأخير في تنفيذ بعض الأحكام والقرارات، وافتقار مسطرته للفعالية والسرعة أحيانا؛
11- ضعف في توفير البنايات والتجهيزات الحديثة الكفيلة بمواجهة تزايد عدد القضايا بالمحاكم، وما يصحبها من إيجاد الأطر المؤهلة الكافية .
غير أن كل هذه الانتقادات لا تعني إفلاس القضاء، لكن التطورات السريعة التي تعرفها المنظومة الاقتصادية والاجتماعية، تؤدي إلى ظهور قضايا جديدة ومتعددة أمامه، والذي مافتئ يحاول مضاعفة أدائه، ليطلع بأدوار ووظائف حديثة لمواجهة تحديات العولمة.
الفرع الثاني: ضعف فعالية الحلول البديلة للمنازعات
عدم النجاح أو نسبيته لا يقتصر على الوساطة، بل يشمل مجموعة من الآليات الأخرى لفض المنازعات، ويمكن إدراج بعضها فيما يلي :
ميل بعض المتنازعين ووكلائهم إلى اللجوء للمحاكم والإصرار على اللدد في الخصام، وإثقال كاهل الخصم بالمصاريف القضائية؛
لجوء العديد من المتنازعين إلى رفع دعاوى كيدية؛
لجوء العديد من المتنازعين كذلك إلى ممارسة طرق الطعن بكيفية تعسفية، وإثارة صعوبات واقعية وقانونية في التنفيذ بهدف كسب الوقت؛
انخفاض تكلفة التقاضي، إضافة إلى الإعفاء منها في بعض الحالات، كالمساعدة القضائية في القضايا الاجتماعية لبعض الفئات من المستخدمين الذين يتقاضون أجورا مرتفعة؛
استغلال بعض الثغرات القانونية من طرف بعض المحامين، سواء في قوانين الشكل أو قوانين الموضوع، الشيء الذي يغرق المحاكم بمزيد من الأعداد من القضايا البسيطة والمفتعلة أحيانا، والتي تشغل الجهاز القضائي عن تأدية رسالته والتفرغ للقضايا الكبرى والهامة؛
ضعف الوعي وانعدامه أحيانا بأهمية الوسائل البديلة لدى مجموعة من المتقاضين المتعلمين، وانتشار الأمية في أوساط الفئة العريضة المتبقية؛
عدم مساهمة أغلبية مساعدي القضاء في نشر وإشاعة ثقافة الحلول البديلة باللجوء إليها، أو على الأقل طلب أو عرض ذلك على الطرف الآخر.

خاتمـــة
لقد اتضح من خلال دراسة بعض التشريعات المقارنة مدى إدراجها للوساطة القضائية والعمل بها، وخاصة في ظل طغيان أزمة العدالة. فكان اللجوء إليها بهدف تخفيف الضغط على المحاكم من الكم الهائل المفترض للفصل فيها، فكانت الوساطة القضائية من أهم الوسائل البديلة التي اتخذتها هذه الأنظمة في إطار سياساتها القضائية.
وبالرغم من أن هناك أنظمة وخاصة التي تنتمي للمدرسة الأنكلوساكسونية لم تنظم الوساطة قانونا، إلا أنها نجحت من خلال الممارسة الميدانية والتطبيقية في مأسستها، بينما تفصلت أخرى في تنظيمها كبلجيكا وبولندا. في حين اكتفت أخرى بوضع معايير لها فقط تاركة المجال للساحة العملية لبلورته، كما هو الشأن بالنسبة لرومانيا التي سنت تشريعا مفصلا لكن دون تقنين للإجراءات. وهذه التدابير لا يمكن إنكار نجاحها وأهميتها على درب إعمال الوسائل البديلة لحل النزاعات كبديل لسلك مساطر التقاضي الرسمي.
كما أن مسببات إقرار الوساطة القضائية بالمغرب تدعو المشرع أكثر من أي وقت مضى، للعمل على إخراج هذه الوسيلة للوجود، لننتقل بذلك من العدالة المفروضة إلى العدالة القابلة للمفاوضة.

لائحــة المراجـع المعتمدة
*******

أولا: المراجع باللغة العربية
1- الكتب
بنسالم أوديجا، “الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات”، “الوساطة كوسيلة من الوسائل البديلة لفض المنازعات”، رسالة منشورة، مطبعة دار القلم– الرباط، الطبعة الأولى 2009.
محمد جمال الدين زكي، “قانون العمل”، الطبعة الثانية، 1983، بدون دار النشر.
2- الأطروحات والرسائل
سميرة الكاملي: “مؤسسة الوسيط- دراسة مقارنة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الدار البيضاء، جامعة الحسن الثاني- عين الشق، السنة الجامعية 2003-2004.
3- المجلات والدوريات
الحسن بيهي، “الوساطة الاتفاقية، في ضوء مشروع قانون 08.05 القاضي بنسخ وتعويض الباب الثامن بالقسم الخامس من قانون المسطرة المدنية”، مجلة محاكمة، العدد 1، شتنبر 2006.
فاطمة الزهراء بن محمود: “المصالحة والوساطة والتحكيم في النزاعات الشغلية”، مجلة القضاء والتشريع، العدد 4، السنة 44، أبريل 2002.
محمد بن الماحي، “نظام الوساطة وحماية المستهلك المغربي”، مجلة محاكم المغربية، عدد 110 شتنبر- أكتوبر 2007، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.
محمد سلام:
– “الطرق البديلة لحل النزاعات، التجربة الأمريكية كنموذج”، مجلة القصر، العدد 6، شتنبر 2003، مطبعة النجاح الجديدة.
– “دور الطرق البديلة لحل النزاعات في إصلاح القضاء وتأهيله لمواجهة تحديات العولمة”، مجلة الملحق القضائي، العدد 37، مطبعة دار السلام بالرباط، (بدون سنة النشر).
4- الندوات والأيام الدراسية
التقرير المرحلي حول تقدم برنامج الوساطة المرتبط بالمحاكم في الأردن، السنة الثانية: حزيران 2007- أيار 2008، قدم لـ USAID أيلول 2008، من طرف جمعية القضاة والمحامين الأمريكيين، في إطار مبادرة سيادة القانون، شعبة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تم إعداد هذا التقرير بواسطة كل من جمعية القضاة والمحامين الأمريكيين والقاضي محمد الناصر مدير قسم دعم الحلول البديلة بوزارة العدل الأردنية.
الحسن بويقين، “أسباب عدم نجاح مسطرة الصلح في النظام القضائي المغربي والوسائل الكفيلة بتفعيل هذه المسطرة”، مداخلة في أشغال الندوة العلمية التي نظمتها شعبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و5 أبريل 2003 تحت عنوان: “الطرق البديلة لتسوية المنازعات”، وزارة العدل، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2 – مارس 2004، الطبعة الأولى.
محمد سلام، “الطرق البديلة لحل النزاعات، التجربة الأمريكية كنموذج”، مداخلة مقدمة في إطار أشغال ندوة علمية نظمتها شعبة القانون الخاص، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و5 أبريل 2003 تحت عنوان “الطرق البديلة لتسوية المنازعات”، وزارة العدل، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2 – مارس 2004، الطبعة الأولى.
محمد ناصر المتيوي مشكوري، مداخلة لتقديم التقرير التمهيدي لأشغال الندوة العلمية التي نظمتها شعبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس، بشراكة مع وزارة العدل وهيئة المحامين بفاس يومي 4 و5 أبريل 2003 تحت عنوان: “الطرق البديلة لتسوية المنازعات”، وزارة العدل، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2 – مارس 2004، الطبعة الأولى.
5- الجرائد والصحف
جريدة الدستور الأردنية، عدد 12/01/2010.


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...