بحث بعنوان شرط التحكيم في العقود التجارية الدولية 


بحث بعنوان شرط التحكيم في العقود التجارية الدولية                                                                                                    المقدمــــة

يعد التحكيم أقدم وسيلة لجأ إليها الإنسان لفض ما ينشأ بينه وبين أقرانه من نزاعات، فهو معروف منذ بدء الحضارة الإنسانية فكان اللجوء إلى الإحتكام من خلال القبائل والعشائر والأفراد طريقاً معروفاً لدى العرب في الجاهلية حيث كانوا يلجأون إلى شيخ القبيلة، وعندما جاء النظام الإسلامي أقره في القران الكريم في الآية 35 من سورة البقرة ” إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ان يريد إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيرا”.

وبعد أن الأمر أصبح يتغير تدريجياً ففي الوقت الحاضر أصبح التحكيم أهم وسيلة يرغب المتعاملون في التجارة الدولية اللجوء إليها لحسم منازعاتهم، ويعود هذا التطور الهائل في نشاطات التحكيم هي رغبة المتعاملين في الأسواق الدولية في التحرر من القيود التي توجد في النظم القانونية لمختلف الدول والحرص على أن يتم حل المنازعات بأقل قدر ممكن من العلانية والنشر وإضفاء السرية عليها بحيث تتم هذه الإجراءات في أضيف نطاق والحاجة إلى التأكد من توافر تكوين مهني لدى الأشخاص الذي يناط بهم حل تلك المنازعات ذات الطابع الدولي ولهذه الأسباب لا يكاد أن يخلو عقد من عقود التجارة الدولية من شرط يصار بموجبه إتباع التحكيم عند حدوث نزاع وعمل على تنشيط التجارة الدولية.

إن إعتبارات العملية تدعو دائماً الإتفاق على التحكيم والذي يجنب أطرافه سلبيات القضاء العادي من بطء في إجراءات الدعوى وإطالة أمد التقاضي وتجنب علانية الجلسات القضاء فضلاً عن تجنب مشاكل تنازع القوانين والإقتصاد في النفقات والوقت والجهد لذا فهو يعد الوسيلة المثلى لفض ما ينشأ من منازعات.

والتحكيم بإعتباره نظام لتسوية المنازعات بين الأطراف مشروع في النظام الإسلامي ومشروع كذلك في الأنظمة المعاصرة والإتفاقيات الدولية وهي تعترف بحق الأفراد في اللجوء إليه بدلاً عن قضائها العام. وفي حقيقة الأمر أن إتفاق التحكيم يشكل القاعدة التي يرتكز عليها قضاء التحكيم لهذا إستقصر هذا البحث على الركيزة الأساسية وحجر الزاوية في التحكيم التجاري ولكونه شرط له موضوع خاص يهدف إلى تسوية المنازعات المحتملة التي يظرها العقد الأساسي.

وأن دراسة هذا الكيان القانوني لشرط التحكيم هو مسألة أساسية تظهر جوهرة عملية التحكيم من حيث أهميته وتمييزه عن المشارطة التحكيم وتكيفه وطبيعته ومدى إستقلاله عن العقد الأصلي ويعود إلى التساؤل حول إمكانية إعتبار شرط التحكيم عقد كامل قادر بذاته على تحريك إجراءات التحكيم أو حول مصير العقد الذي علق على شرط واقف النفاذ؟

ومما ذكر أن للشرط أهمية بالغة لذا أعطيت للدول تعديل ضمانات لحماية هذا الإتفاق وكان من بينها كتابة شرط التحكيم.

ورتبت على عدم كتابة هذا الشرط بطلان إتفاق التحكيم ومن ثمّ تعرضت إلى حالة سقوط إتفاق التحكيم بإنتهاء مدته.

ويثور التساؤل هنا لماذا أعطى المشرع الأردني للمحكمة إنهاء إجراءات التحكيم في حال عدم إتفاق الأطراف على المدة والطلب من المحكمة أما مد الميعاد أو إنهاء إجراءات؟ ولما يرتب إنهاء الإجراءات التحكيم في حال عدم توافر الأغلبية المطلوبة لإصدار الحكم؟.

وعليه إقتض الأمر دراسة هذه الموضوعات على ضوء التطورات التشريعة والفقهية وإجتهادات المحاكم حيث تم عرض وجهة القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي وبعض الإتفاقيات العالمية كإتفاقية نيويورك وبالإضافة إلى التشريعات الوطنية.

وإرتباطاً بما تقدم وتحقيقاً لهدف البحث سأتناول في المبحث الأول ماهية شرط التحكيم وهذا يقتضي إلى تعريف شرط التحكيم والإشارة إلى أهميته العملية وطبيعة تكيف هذا الشرط ومن ثم تحدثت في المبحث الثاني عن آثار شرط التحكيم ومنها عدم كتابة شرط التحكيم ومن تقديم الدفع بهذا الشرط ومدى إلتزام المحكمة بذلك وأخيراً ذكرت بشكل موجز مضمون مبدأ إستقلالية شرط التحكيم لما له من أهمية بالغة في التطبيق العملي.

المبحث الأول: ما هية شرط التحكيم

يتطلب تحديد ما هية شرط التحكيم، التعريف به وبمفهومه (المطلب الأول)، والتعرف على طبيعته (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم شرط التحكيم

إن دراسة مفهوم شرط التحكيم بعد أن تم الإعتراف به تقتضي الإشارة إلى الأهمية التي أدت إلى وجوده، ثم عرض تعريفاته المختلفة.
أولاً: أهمية شرط التحكيم

يُعتبر التحكيم طريقاً إستثنائياً لحل المنازعات ( ) الناشئة عن العلاقة العقدية والقانونية بين الأطراف، ويُمثل شرط التحكيم القاعدة التي يرتكز عليها نظام التحكيم والذي يُظهر إرادة الأطراف لإختيار نظام التحكيم لحل خلافاتهم.

أجازت معظم التشريعات العربية شرط التحكيم، وأطلقت عليه عدة تسميات؛ حيث سُمّي في القانون السعودي (الشرط الخاص) ( ) وفي القانون اللبنّاني (البند التحكيميّ) ( ) وفي القانون الليبي (الإتفاق التحكيميّ) ( ) وفي القانون الأردني (شرط التحكيم).

ومهما إختلفت هذه التسميات وتعددت فإنها تُعد مصطلحات مترادفة تُعبر عن الإتفاق التحكيمي.

شرط التحكيم كأحد بنود العقد يتفق الأطراف فيه على الإلتجاء إلى التحكيم كوسيلة لحل المنازعات والخلافات التي قد تنشأ بينهما حول تفسير العقد وتنفيذه.

مشارطة التحكيم: هي إتفاق منفصل عن العقد الأصلي يبرمه الأطراف بصدد نزاع قائم بالفعل بينهما على إخضاعه للتحكيم ( ).

تتميز المشارطة عن الشرط بأنها تكون في المنازعات الواقعة فعلاً وتبين بوضوح موضوع النزاع، أما الشرط فيرد على منازعات محتملة الوقوع.

ويترتب على هذه التفرقة أن المشارطة تلزم تحديد موضوع النزاع لصحة الإتفاق لأنها تُبرم بعد قيام النزاع أما شرط التحكيم فيرد بشكل عام وبالنسبة لجميع أو بعض أنواع النزعات أو الإختلافات.
وفي المشارطة يتخلى الأطراف عن الإحتكام إلى القضاء بالنسبة للنزاع القائم أما الشرط فإنه يعبر عن إرادة الخصوم ورغبتهم في النزول عن الإلتجاء إلى القضاء وفي حسم النزاع بواسطة التحكيم.

لقد أصبح لشرط التحكيم أهمية كبيرة؛ حيث يُعتبر منبع التحكيم التجاريّ الدوليّ في معظم الأحيان وإن أكثر من (80%) من عقود التجارة الدولية تتضمن شرطاً تحكيمياً ( )، وتكمن أهمية إتفاق التحكيم بتنازل المتعاقدين عن اللجوء إلى القضاء العادي صاحب الإختصاص الأصيل وعرض نزاعهم على أشخاص معينين من قبلهم.

إن لشرط التحكيم فائدة وقائية فهو يستبعد ذلك الإختلاف والتعطيل في مسار عرض النزاع الذي قد ينجم عند إبرام مشارطة التحكيم ( ).

ثانياً: تعريف شرط التحكيم والإعتراف به

شرط التحكيم: إحدى صور الإتفاق على التحكيم ويُشكل بند يتضمن حل النزاع الذي ينشأ بسبب علاقة قانونية والذي قد يثور مستقبلاً بواسطة التحكيم بدلاً عن القضاء ( ).

ويُعّرف أيضاً: أنه إرادة الطرفين في اللجوء للتحكيم إذا حدث خلاف أو نزاع من العقد أو في مسألة معينة يمكن حلها بالتحكيم ( ).

ويُعرفه آخرون: أنه ذلك الشرط الذي يرد في العقد الأصلي مصدر الرابطة القانونية – سواءً أكان عقداً مدنياً أم تجارياً – يتفق طرفاه بموجبه على أنّ ما ينشأ من نزاع حول تفسير هذا العقد وتنفيذه يُحل عن طريق التحكيم ( ).

ومن خلال التعاريف التي ورد ذكرها يتبين أن شرط التحكيم:

هو بند من بنود عقد يتضمن إتفاق الأطراف على الفصل في أي نزاع قد يحدث مستقبلاً حول تفسير العقد أو تنفيذه؛ بطريق التحكيم، وينصب هذا البند على نزاعات مستقبلية محتملة الحدوث ولم تحدث بعد، وهذا النزاع غير محدد تفصيلاً وقت إبرامه.

وعرف القانون النموذجي ( ) UNCIRIL الفقرة الأولى من المادة السابعة تحت عنوان إتفاق التحكيم بأنه “هو إتفاق بين الطرفين على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات المحددة التي نشأت أو قد تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية محددة تعاقدية كانت أو غير تعاقدية ويجوز أن يكون الإتفاق التحيكم في صورة شرط تحكيم واردة في عقد أو في صورة إتفاق منفصل”.

وجاءت إتفاقية الأمم المتحدة عندما لجأت إلى تفادي إستعمال تعبيريّ “شرط التحكيم” و”مشارطة التحكيم” وإستُخدمت للدلالة على إندماجها في مفهوم موحد التسمية “إتفاق التحكيم”.

لذا أجازت القوانين المختلفة إتفاق التحكيم بصورة خاصة، ونظّمت شرط التحكيم والنظم اللاتينية أخذت بالتفرقة بين مشارطة التحكيم وشروطه، غير أن هذا الإعتراف التشريعي لم يكن منذ البداية، حيث أثار شرط التحكيم في فرنسا خلاف شديداً وبقي القضاء الفرنسي فترة طويلة يرفض الإعتراف بصحة شرط التحكيم وفقاً لما قررّته محكمة النقض الفرنسية في حكم شهير أصدرته في الأول من يوليو 1943 حيث أجاز فقط الإتفاق الذي يبرمه الأطراف بعد نشوء النزاع للجوء إلى التحكيم، وحيث أن اللجوء إلى التحكيم يحتاج إلى توقيع “مشارطة تحكيم” بين الأطراف بعد قيام النزاع، فإن شرط التحكيم يعد مرحلة تمهيدية سابقة لإبرام مشارطة التحكيم ( ) والمادة (1006) من القانون الفرنسي كانت توجب تحديد النزاع وتعيين المحكم في وثيقة التحكيم وإلا كان التحكيم باطلاً.

وعندما إنضمت فرنسا لبروتوكول لسنة 1923 الذي يعتد بصحة شرط التحكيم قام المشرع الفرنسي بإصدار تشريع خاص سنة 1925 أجاز بموجبه شرط التحكيم والإعتراف بصحته تم تتابعت تشريعات توسيع دائرة الأمور التي يجوز فيها الإعتراف بشرط التحكيم.( )

أما بالنسبة للفقه الإسلامي فلم يأت على ذكر شرط التحكيم وبالرجوع إلى موقع الشرط وتطبيق القواعد التي أقرها الفقه يتبين أن شرط التحكيم صحيح ولا يقع في حقل الشروط الفاسدة، إذ يقتضيه العقد ويلائمه ولو كان سابقاً للنزاع ولا يتضمن غرر أو مقامرة ولا ربا على الشيء بل إحتكاماً لإحقاق العدل وليس فيه زيادة منفعة لا يقتضيها العقد وهو شرط جرى التعامل فيه والتعارف عليه ويحقق منفعة للطرفين ( ).

أما القانون الأردني فقد أجاز الشرط وعبّر عنه: “يجوز أن يكون إتفاق التحكيم سابقاً على نشوء النزاع سواء كان مستقلاً بذاته أو ورد في عقد معين بشأن كل المنازعات أو بعضها …” ( )، وبذلك يكون المشرع الأردني قد ساوى بين الشرط والمشارطة بإيراده عبارة إتفاق التحكيم.

أما بالنسبة للقانون المصري فقد أورد في المادة العاشرة من الفقرة الثانية من قانون التحكيم ” يجوز أن يكون إتفاق التحكيم سابقاً على قيام النزاع سواء قام مستقبلاً بذاته أو في عقد معين بشأن كل أو بعض المنازعات التي قد تنشأ بين الطرفين وفي هذه الحالة يجب أن يحدد موضوع النزاع في بيان الدعوى المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة (15) ومن هذا القانون كما يجوز أن يتم اتفاق التحكيم بعد قيام النزاع ولو كانت قد أقيمت في شأنه دعوى أمام جهة قضائية وفي هذه الحالة يجب أن يحدد الإتفاق المسائل التي يشملها التحكيم وإلا كان الإتفاق باطلا” ( ).

وكان القانون النموذجي أكثر وضوحاً في بيان صور شرط التحكيم “…… يجوز أن يكون إتفاق التحكيم في صورة شرط تحكيم وارد في عقد أو في صورة إتفاق منفصل”( ).

وحسمت إتفاقية نيويورك موقفها من شرط التحكيم:” تعترف كل دولة متعاقدة بالإتفاق المكتوب الذي تلتزم بموجبه الأطراف إلى اللجوء إلى التحكيم…..” ويقصد بالإتفاق المكتوب شرط التحكيم الوارد في عقد أو إتفاق التحكيم الذي وقعه الأطراف وتضمنه رسائل وبرقيات متبادلة بينهم” ( ).

ومما تقدم يبدو من خلال هذه التشريعات والقواعد الدولية إعترفت بشرط التحكيم سواء ورد في صلب العقد أو في إتفاق مستقل وساوت بين ذلك.

المطلب الثانيً: طبيعة شرط التحكيم

إن شرط التحكيم أمر عارض على العقد وهو أمر مستقبلي غير محقق الوقوع وغير مخالف للنظام العام وهو وارد على أمر جائز شرعاً وقانوناً لتسوية النزاع عن طريق التحكيم ( ) .

ولقد ساد تكييفه لفترة طويلة بأنه وعد بالتحكيم، أو وعد بالعقد يلتزم أطرافه بالقيام بعمل هذا التكييف هو وليد منذ صدور حكم من المحكمة الفرنسية التي قررت بُطلان شرط التحكيم وتعد هذه الإعتبارات تاريخية ليست قانونية ( ) وهكذا يُلاحظ أنه لا يمكن تطبيق أحكام الوعد بالتعاقد على شرط التحكيم، حيث أنه يجب في الوعد تبيان جميع المسائل الجوهرية للعقد وهذا لا يصح في شرط التحكيم لأنه أمر إحتمالي كما سبق ذكره لذا يتبين أنه من الخطأ تكييف شرط التحكيم بانه وعد بالتحكيم.

مهما كان الأمر حول تكييف شرط التحكيم فإن الأمر المؤكد أن شرط التحكيم عقد كامل ملزم لأطراف التحكيم دون الحاجة إلى إبرام المشارطة، ولا بد أن تتوافر فيه أركان العقد بشكل عام وشروطه الخاصة وهذا هو التكييف المنطقي لطبيعة شرط التحكيم، علماً بأن شرط التحكيم الوارد في العقد يعتبر مستقلاً عن باقي شروط العقد الذي إحتواه، كما سأبين لاحقاً.

المبحث الثاني: أثار شرط التحكيم

لإتفاق التحكيم عدة شروط لصحته ومن هذه الشروط أن يكون إتفاق التحكيم مكتوباً.

المطلب الأول: الأثر المترتب على كتابة شرط التحكيم

نقطة البداية في اللجوء إلى التحكيم هو وجود إتفاق تحكيم يعبر عن إرادة الأطراف فيه وسلب قضاء الدولة الإختصاص الأصيل لما لها من خطورة هذه الإتفاقات تعطي للدولة تقدير ضمانات لهذا الإتفاق ( ).

لقد إنقسم الفقه والقضاء فيما يتعلق بكتابة إتفاق التحكيم إلى إتجاهين:

الإتجاه الأول: ذهب إلى ضرورة كتابة شرط التحكيم، وأخذ هذا الإتجاه بشكلية العقود، أي أنه شرط شكلي لوجود الإتفاق على التحكيم ذاته وهو ليس لمجرد الإثبات بل شرط لصحة الإنعقاد والإثبات كالقانون الأردني، وذهبت بعض الدول إلى مدى أبعد من إقتضاء الشكلية حيث إشترطت التوقيع من كافة الأطراف على الإتفاق وأن يكون التوقيع بالإسم الثلاثي، ويمثل هذا الإتجاه الدول ذات التقاليد اللاتينية.

الإتجاه الثاني: ذهب إلى عدم ضرورة كتابة شرط التحكيم، وأخذ بمبدأ رضائية العقود، حيث أن كتابة شرط للإثبات فقط فإن العقد ينعقد بمجرد إرتباط الإيجاب بالقبول دون الحاجة إلى الكتابة لأن عقد التحكيم ليس عقد شكلي، ويمثل هذا الإتجاه الدول الإنجلوسكسونية ( ).

ويذهب الباحث إلى تأييد الإتجاه الأول وهو عدم الإعتراف بوجود إتفاق تحكيم غير مكتوب.

كما أوجبت إتفاقية نيويورك في المادة الثانية أن يكون هذا الإتفاق مكتوباً في العقد نفسه أو بالرسائل المتبادلة بين الأطراف حيث أن الكتابة ركن أساسي في هذا الإتفاق وشرطاً لصحته.

لقد إختلفت هذه التشريعات في شكل الكتابة اللازمة ما إذا كانت رسمية أو عرفية، فبعض الدول تتطلب أن تكون الكتابة رسمية كما هو في المكسيك والبرتغال وفنزويلا ( ).

كما أن هناك بعض الدول لم تتطلب الكتابة الرسمية وتكتفي بالكتابة العرفية كما هو الحال في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ( ).

وإتجهت بعض القوانين إلى الإعفاء من الكتابة كما هو الحال في المانيا، حيث أجازت التحكيم بصورة شفوية للمعاملات التجارية.

ونصت على ذلك المادة (1027) من قانون المرافعات الألماني وذكرت المادة الأولى من قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي أن الطلب يكون مصحوباً بصورة من شرط التحكيم المكتوب أو إتفاق التحكيم المنفصل ( ).

كما نص القانون المصري على أن يكون إتفاق التحكيم مكتوباً( )، ولم يشترط أن تكون الكتابة بصفة رسمية بل تركها لإرادة طرفي الإتفاق دلالة صريحة وقاطعة عليه وجعل الكتابة شرط لصحة إتفاقهم على التحكيم وليس لمجرد الإثبات ولا يجوز إثبات هذا الإتفاق بوسائل أخرى كالإقرار واليمين ( ) إلا في حالة الإدعاء بفقدانه ( ).

أما عن قانون التحكيم الأردني فيستوجب الكتابة لصحة شرط التحكيم وليس لمجرد ثبوته وأن يرد في الشروط الخاصة للعقد، وقضت محكمة التمييز الموقرة أن يكون شرط التحكيم، كما هو مستقر عليه، مكتوباً وواضحاً ( ).

وفيما يتعلق بالشكل التي ينبغي أن تكون عليه الكتابة، فقد نصت المادة العاشرة من قانون التحكيم الأردني ” يكون إتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه مستند وقعه الطرفان وإذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل وبرقيات عن طريق الفاكس أو التلكس أو غيرها من وسائل الإتصال المكتوبة والتي تعد بمثابة سجل للإتفاق ” بل أنه يشمل أيضاً قرار المحكمة بإحالة النزاع إلى التحكيم بناء على طلب الأطراف( )، ولقد جاء هذا النص متأثراً بالقانون النموذجي “Model Law” ( ).

هل يستوعب نص المادة العاشرة وسائل الإتصال الحديثة بما فيها الرسائل الإلكترونية كصورة من صور كتابة إتفاق التحكيم كشرط أو مشارطة؟

والجواب: تفسر الكتابة في اتفاق التحكيم بمدلول واسع، حيث شملت الرسائل والبرقيات والتلكس ووسائل الإتصال المكتوبة كما فعلت إتفاقية نيويورك في نفس الوقت التي أضفت مرونة كبيرة على شكل الكتابة ولم تتطلب شكل معين ( ).

ويعتبر من وسائل الإتصال المكتوبة البريد الإلكتروني، وفي حالة الطعن بإرسالها أو عدم إرسالها يجوز للطرف المعني أن يثبت ذلك بطرق الإثبات القانونية ( )، وفيما يتعلق بمجال شكل الكتابة المطلوبة لوجود الإتفاق فإن مستخرجات الكمبيوتر كافية على الرغم من عدم توقيعها وتخضع إلى وسائل إثبات أخرى( ).

ومن الرجوع إلى العبارة الواردة في المادة العاشرة من قانون التحكيم وهي “…. وغيرها من وسائل الإتصال المكتوبة والتي تعد بمثابة سجل الإتفاق” يتضح بأنها تشمل الرسائل الإلكترونية.

ومن صور الإتفاق على التحكيم الأخرى تبادل المراسلات، ولكن إلى أي مدى يمكن تحقق هذا التبادل؟ وما الحكم في حال صدور الإيجاب الكتابي دون أن يلقى قبولاً كتابياً وهل يتم بذلك إتفاق التحكيم ؟

وأقول أنه في حال لم يقم الدليل على أن الإيجاب الكتابي لم يلاق قبولاً كتابياً فلا يعتبر أن هنالك إتفاقاً على التحكيم، وحسم القضاء ذلك في مواقف عديدة وإعتبر أن هذا التحكيم غير قائم، حيث قضت محكمة إستئناف روما أنها تتطلب أن يكون إعلان إرادة كل من الطرفين كتابياً وبالتالي فإن تأييد كتابي من جانب واحد لا يكفي في حين أن القضاء الهولندي توسع في مفهوم التبادل وأخذت محكمة روتردام أن غياب أي إعتراض على شرط التحكيم بعد تلقيه بنود العقد المقترح يعد بمثابة قبول له حسب الظروف التي أحاطت به ( ).

وهناك صورة أخرى تعد في حكم الإتفاق المكتوب وهي شرط الإحالة، حيث يكتفى بإحالة وثيقة لا تتضمن شرط التحكيم إلى وثيقة تتضمن هذا الشرط التحكيم، كالإحالة إلى أحكام عقد نموذجي أو إتفاقية دولية ( ) يوجد فيها شرط التحكيم، والقاعدة هنا هي ضرورة توفر نص يشير إشارة واضحة وصريحة إلى تبني الأطراف شرط التحكيم على إعتبار أن هذا الشرط جزء من العقد ( )، حيث تختلف عن الحالة الأولى لأنها لم تتضمن بذاتها إتفاق تحكيم ورد إتفاق التحكيم في وثيقة أخرى تمت الإحالة إليها.

هل يكفي لإعتبار الإحالة قد تمت عند الإشارة العامة للشروط النموذجية؟ وهل يشترط علم المتعاقد بوجود شرط التحكيم المحال إليه؟ وما الحكم عندما يكون هذا الشرط وارد ضمن محتويات العقد ولا يوجد أي مؤشر في الوثيقة التعاقدية؟

إن العلم بوجود شرط التحكيم بالنسبة للمراسلات والوثائق الكتابية يستوجب التحقق على وجه اليقين من إرادة الأطراف أنها تلاقت على قبول إتفاق التحكيم، وإشترطت أن تكون الإحالة واضحة بإعتبارها جزء من العقد، والإحالة تخصيص شرط التحكيم الذي تتضمنه الوثيقة المحال عليها، إذا كانت الإحالة مجرد إحالة إلى الوثيقة المذكورة إحالة عامة لنصوص دون تخصيص شرط التحكيم بغير علم المتعاقدين بوجوده في الوثيقة فإن الإحالة يكون التحكيم متفقاً عليه بين أطراف العقد ( ).

وذهبت محكمة النقض الإيطالية في حكمها إلى تأييد وجهة النظر القائلة بأن الإشارة العامة إلى عقد نموذجي لا تكفي للقول بتوافر إتفاق التحكيم ما لم يكن هناك دليل يسمح بالتأكيد من اللجوء للتحكيم وكان من بين العناصر التي تغطيها الوثيقة الكتابية المحررة بين أطراف العلاقة ( ).

هل يمكن تطبيق الإمتداد الرأسي والأمتداد الأفقي على الإحالة؟

الإمتداد الرأسي يعني مدّ شرط التحكيم من عقد أصلي إلى عقد تبعي لا يشتمل عليه أما الإمتداد الأفقي فهو مدّ شرط التحكيم الذي وافقت عليه شركة أو أكثر إلى عقود وتبعتها شركات أخرى لا تتضمن شرط التحكيم لكنها تنتمي لنفس المجموعة ( )، إن تمسك أحد الأطراف بشرط التحكيم بالتبعية هو إبرام تصرف يتعلق بالعقد والتبعية في التصرفات باطلة.

ويلاحظ أن الإرادة في التحكيم هي القانون الأساسي للأطراف لذا فإن فكرة الإمتداد تقوم على أساس إفتراض إرادة الأطراف على ذلك وهذا الإفتراض يتنافى مع أساس التحكيم.

وإن القاعدة الموحدة بالنسبة للدول الموقعة على المعاهدة تمثل من جهة حد أقصى، أي لا يجوز الإستناد إلى قانون داخلي اكثر تشدداً، ومن جهة حد أدنى لا يجوز الإعتداد بالإتفاق على التحكيم الشفوي( )، وأخيراً لا بد من أن نؤكد ضرورة مراعاة سيادة الإتفاقيات الدولية الموقع عليها عند مخالفتها للقانون الداخلي وهذا بصدد إتفاقية نيويورك والإتفاقيات الدولية هي أولى بالتطبيق ( ) ولها السمو على القانون الداخلي المحلي إلاّ ما تعارض منها مع النظام العام في الدولة التي إنضمت للمعاهدة/ الإتفاقية الدولية ويترتب على صحة هذا الإتفاق الفصل في المنازعات عن طريق التحكيم وهذا ما يظهر ويحقق رغبات الأطراف المتعاقدة.

المطلب الثاني: الأثر المترتب على عدم كتابة شرط التحكيم

بما أن إتفاق التحكيم سواء بصورة شرط أو مشارطة هو دستور التحكيم ومصدر سلطات المحكمين، ولما لهذا الشرط أهمية كبرى فإنه يتطلب مراعاة بعض الشروط الشكلية والموضوعية ومنها كتابة شرط التحكيم.

لقد حدد المشرع المصري والأردني والقانون النموذجي للأمم المتحدة حالات بطلان إتفاق التحكيم وذكرها على سبيل الحصر -عدم الزيادة عليها أو التوسع في تفسيرها- ونص على بطلان التحكيم ” إذا لم يوجد إتفاق تحكيم….”.

ويتحقق عدم وجود إتفاق تحكيم في عدم وجود أي شكل من أشكال الإتفاق التي تحقق التراضي بين أطراف النزاع، والتراضي حسب ما ورد في تعريف العقد في القانون المدني إرتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الأخر والتوافق على إحداث أثر قانوني وينعقد ذلك العقد بمجرد إرتباط الإيجاب بالقبول مع مراعاة أحكام القانون لإنعقاده ( ).

وينعدم إتفاق التحكيم في حالة عدم تحقق التراضي بين الأطراف مثل أن يصدر الإيجاب ويقابل بالرفض أو أن يتمسك أحد الأطراف بشرط التحكيم على الرغم من عدم توقيع الأخير على العقد الذي يتضمن شرط التحكيم ( ) أو عندما يحيل العقد إلى عقد نموذجي دون أن يعلم المدعى عليه أن هذه الوثيقة تنطوي على شرط تحكيم ( ) أو تستند هيئة التحكيم إلى إتفاق تحكيم شفوي، حيث يجب أن تكون الإحالة إلى التحكيم من طرفي النزاع وأن يحرر بها صك التحكيم ( ).

إن التراضي يتحقق بتلاقي إرادة الطرفين على اللجوء إلى التحكيم لحل النزاع ويجب أن تكون هذه الإرادة حرة خالية من عيوب الرضا كالغلط والإكراه والتدليس وأن تتجه إلى إحداث أثر قانوني وهو فض المنازعات عن طريق التحكيم بدلاً عن القضاء.

فإذا صدر قرار المحكمين دون وجود إتفاق تحكيم من البداية، فيكون القرار باطلاً وعلى المحكمة المختصة إبطال قرار المحكمين.

لقد إتفقت التشريعات على ضرورة كتابة إتفاق التحكيم بإعتبار الكتابة ركناً أساس من أركانه عدم كتابتة البطلان، وأشير هنا إلى المادة (10) من قانون التحكيم الأردني رقم (31) لسنة 2001 حيث أوجبت أن يكون إتفاق التحكيم مكتوباً وإلاّ كان باطلاً.

أولاً: سقوط إتفاق التحكيم (شرط أو مشارطة):

ويقصد بالسقوط هو إلغاء جميع إجراءاتها بما في ذلك صحيفة إفتتاحها فتعتبر كأن لم تكن وتزول كافة الآثار التي نشأت عنها وتعود العلاقة بين الخصوم إلى ما كانت عليه قبل البدء بالتحكيم ولا يترتب على هذا السقوط أي مساس بأصل الحق ( ) أي تعاد رفع الدعوى نفسها إلى المحكمة المختصة.

أي إذا إنقضت المهلة المحددة إتفاقاً أو قانوناً لإصدار القرار ولم يتفق الطرفان على تمديدها صراحة أو ضمناً فإن الإتفاق على التحكيم يسقط وفقاً للقانون الأردني والمصري ونصت عليه المادة (37) من قانون التحكيم الأردني “أ – على هيئة التحكيم إصدار الحكم المنهي للخصومة كلها خلال الميعاد الذي إتفق عليه الطرفان فإن لم يوجد إتفاق وجب أن يصدر الحكم خلال إثنى عشر شهر من تاريخ بدء إجراءات التحكيم وفي جميع الأحوال يجوز أن تعود هيئة التحكيم مد الميعاد على ألا تزيد فترة المد على ستة أشهر ما لم يتفق الطرفان على مدة تزيد على ذلك ب- واذا لم يصدر حكم التحكيم خلال الميعاد المشار اليه في الفقرة (أ) من هذه المادة جاز لاي من طرفي التحكيم ان يطلب من رئيس المحكمة المختصة، ان يصدر امراُ لتحديد موعد اضافي او اكثر او بانهاء اجراءات التحكيم فاذا صدر القرار بانهاء تلك الاجراءات يكون لاي من الطرفين رفع دعواه الى المحكمة المختصة اصلاُ بنظرها” ويلاحظ أن مدة الميعاد أمر لا يتصل بالنظام العام ويملك الخصوم تحدده بشكل مبدئي وعلى هيئة التحكيم إحترام إرادة الطرفين وإصدار الحكم في الموعد المحدد إتفاقاً وفي حال عدم الإتفاق حددها القانون بإثنى عشر شهراً وفي حين أعطى المشرع الأردني لهيئة التحكيم تمديد هذه المدة على ألا تزيد عن ستة أشهر.

أما عن المشرع السعودي فقد نظم مهلة التحكيم حيث نص في المادة التاسعة من نظام التحكيم ” يجب الحكم في النزاع في الميعاد المحدد في وثيقة التحكيم ما لم يتفق على تحديده وإذا لم يحدد الخصوم في وثيقة التحكيم أجلاً للحكم وجب على المحكمين أن يصدر حكمهم خلال (90) يوماً من تاريخ صدور القرار بإعتماد وثيقة التحكيم وإلا جاز لمن يشاء من الخصوم رفع الأثر إلى الجهة المختصة أصلاً بنظر النزاع لتقرير ما النظر في الموضوع أو مد الميعاد لفترة أخرى”.

وفي المادة (15) ” يجوز للمحكمين بالإغلبية التي يصدر بها الحكم وبقرار مسبب مد الميعاد للحكم لظروف تتعلق بموضوع النزاع”.

وبالمقارنة بين موقف المشرع الأردني والمصري والسعودي أرى بأن المشرع السعودي كان موفقاً أكثر في حال عدم إتفاق الأطراف على المدة الشرط وتجاوز هيئة التحكيم هذه المدة أعطى للخصم رفع الأمر للجهة المختصة للنظر في موضوع النزاع أو مد الميعاد في حين أعطى كل من المشرع الأردني والمصري للخصم رفع الأمر للمحكمة المختصة لمد الميعاد أو إنهاء إجراءات التحكيم وبهذا يسقط إتفاق التحكيم ويعتبر كأن لم يكن وتنتهي جميع الإجراءات التي قام بها المحكم ترفع هذه القضايا أمام المحكمة من جديد للفصل في النزاع وهذا يتعارض مع ميزات التحكيم وفيه إضاعه للجهد المبذول في التحكيم والوقت الذي إستغرقه هذا التحكيم وإضاعة للنفقات التي قد تكبدها أطراف الدعوى ونفقات الخبراء عند البدء من جديد في إجراءات الدعوى.

ومن ناحية أخرى في القانون السعودي عندما جعل مد الميعاد من قبل المحكمين بالإغلبية وبقرار مسبب وهذا يتمثل لعدم إستغلال هيئة التحكيم من خلال قيامها بالتمديد المستمر بهدف إطالة أمد النزاع لإنشغالها بقضايا أخرى أو جني أتعاب إضافية مما يتعارض مع ميزات التحكيم المتمثلة بالسرعة في حسم المنازعات والبساطة وقله النفقات أما في القانون الأردني والمصري جعل لهيئة التحكيم مد الميعاد لستة أشهر دون أن يشترط الأغلبية أو صدورها بقرار مسبب.

والقانون النموذجي لم يرتب البطلان في الحالة المستندة إلى تجاوز هيئة التحكيم لفترة إصدار القرار ويترتب على إنقضاء الخصومة بمضي المدة زوالها بكل ما إتخذ من إجراءات دون أن يؤثر على موضوع الدعوى والمطالبة بها من جديد.

وأن القصد من نظام السقوط بالنسبة للخصومة القضائية هو الحيلولة دون تراكم القضايا أمام المحاكم على نحو يمكن أن يربك مهمتها في تحقيق العدالة وهذا الإعتبار لا وجود له بالنسبة للتحكيم ( )

ثانياً: إنهاء إجراءات التحكيم

نصت المادة (44) من قانون التحكيم الأردني :

” أ – تنتهي اجراءات التحكيم في أي من الحالات التالية :

1- صدور الحكم المنهي للخصومة كلها.

2- صدور امر بانهاء اجراءات التحكيم وفقا لاحكام الفقرة (أ) من المادة(33) من هذا القانون.

3- اذا اتفق الطرفان على انهاء التحكيم .

4- اذا ترك المدعي خصومة التحكيم ما لم تقرر هيئة التحكيم، بناء على طلب المدعى عليه ، ان له مصلحة جدية في استمرار الاجراءات حتى يحسم النزاع.

5- اذا رات هيئة التحكيم لاي سبب اخر عدم جدوى استمرار التحكيم او استحالته.

6- عدم توفر الاغلبية المطلوبة لاصدار حكم التحكيم.

ب- مع مراعاة احكام المواد(45) (46) (47) من هذا القانون تنتهي مهمة هيئة التحكيم بانتهاء اجراءات التحكيم”.

نصت المادة (48) من القانون المصري على:

“1- تنتهي إجراءات التحكيم بصدور الحكم المنهي للخصومة كلها أو بصدور أمر بإنهاء إجراءات التحكيم وفقاً للفقرة الثانية من المادة(45) من هذا القانون كما تنتهي أيضاً بصدور قرار من هيئة التحكيم بإنهاء الإجراءات في الأحوال الآتية:

أ- إذا إتفق الطرفان على إنهاء التحكيم.

ب- إذا ترك المدعى خصومة التحكيم ما لم تقرر هيئة التحكيم بناءً على طلب المدعى عليه أن له مصلحة جدية في إستمرار الإجراءات حتى يحسم النزاع.

ج- إذا رأت هيئة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى إستمرار إجراءات التحكيم أو إستحالته.

2- مع مراعاة أحكام المواد49و50و51من هذا القانون تنتهي مهمة هيئة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم.

يلاحظ أن القانون الأردني بينّ الحالات التي تنتهي فيها إجراءات التحكيم ومن بينها عدم توافر الأغلبية المطلوبة لإصدار حكم التحكيم وفي حال عدم تلاقي الإغلبية على رأي واحد هل يعقل أن ينتهي التحكيم بمجرد إختلاف أراء المحكمين؟ وما مصير إتفاق الأطراف على التحكيم؟.

جعل القانون الأردني مصير هذا الإتفاق لاغياً حيث كان من الأفضل أن يعمل على توسيع هيئة التحكيم بدلاً من إنهائه وذلك إحتراماً لإرادة الأطراف التي إتجهت إلى إختيار هذا النظام للإستفادة من ميزاته.

المطلب الثالث: الدفع بشرط التحكيم

عندما يخل أحد الطرفين بإلتزامه بالتحكيم ويرفع دعواه إلى القضاء بشأن النزاع المتفق عليه يحق للطرف الأخر أن يدفع هذه الدعوى بسبق الإتفاق على التحكيم وأن يطلب من المحكمة رد الدعوى لوجود إتفاق على التحكيم.

ويثور التساؤل هنا حول المرحلة التي يمكن الدفع بالتحكيم من خلالها؟ وهل تمتنع المحكمة من تلقاء نفسها عن نظر النزاع إعمالاً لمقتضى إتفاق التحكيم؟ وما هو طبيعة هذا الدفع؟

وبذلك يتطلب تقسيم هذا المطلب إلى فرعين:

أولاً: وقت تقديم الدفع بشرط التحكيم ومدى إلتزام المحكمة بهذا الدفع

إعترفت غالبية التشريعات الحديثة بمبدأ عدم إختصاص القضاء بالنظر في منازعة محل التحكيم ( ).

ويجب على المدعى عليه أن يتمسك بشرط التحكيم قبل الدخول في اساس الدعوى ويُعتبر سكوت المدعى عليه عن إثارة الدفع وتقديم دفاعه الموضوعي تنازلاً منه عن حقه في عدم الإلتجاء إلى القضاء ويعّبر عن إرادة ضمنية في قبول إقالة هذا الإلتزام ( ).

وقررت محكمة التمييز أنه “إذا أجاب المدعى عليه على اساس الدعوى في لائحته الجوابية قبل أن يطلب من المحكمة إصدار أمر بتوقيف الإجراءات لوجود إتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم فلا يقبل منه طلب توقيف الإجراءات المقدم بعد ذلك” ( ).

ومما يتبين من قرار محكمة التمييز أنها إعتبرت تقديم المدعى عليه لائحته الجوابية يعد تنازلاً منه عن حقه ولا يٌقبل منه التمسك بشرط التحكيم إلاّ إذا قدّم الطلب لرد الدعوى لوجود إتفاق على التحكيم مع لائحته الجوابية.

ويعتبر مثول المدعى عليه أمام القضاء دون إثارة الدفع بعدم إختصاص القضاء قبولاً لإختصاص القضاء ( ).

وهكذا كان موقف المشرع الأردني في المادة (12) من قانون التحكيم الأردني عندما نص “على المحكمة التي يرفع إليها نزاع يوجد بشأنه إتفاق تحكيم أن تحكم برد الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبول الدخول في أساس الدعوى” وكان موقف المشرع المصري مماثلاً للمشرع الأردني في نص المادة (13/1) وتبنت هذا المبدأ أيضاً معاهدة نيويورك 1958 المادة (11) الفقرة (3) حيث نصت ” على محكمة الدولة المتعاقدة التي يطرح أمامها نزاع حول موضوع كان محل إتفاق من الأطراف بالمعنى الوارد في هذه المادة أن تحيل الخصوم بناء على طلب أحدهم إلى التحكيم وذلك ما لم يتبين للمحكمة أن هذا الإتفاق باطل ولا أثر له أو غير قابل للتطبيق” ولم تنص قواعد لجنة الأمم المتحدة unction على هذه المسألة وتركها لقانون المحكمة التي يلجأ إليها أطراف العقد ( ).

كما نص صراحةً في قانون أصول المحاكمات المدنية على وقت تقديم الدفع بشرط التحكيم “للخصم قبل التعرض لموضوع الدعوى أن يطلب من المحكمة إصدار الحكم في الدفوع التالية…. ب- وجود شرط التحكيم” ( ).

ومما تقدم يتبين أنه يجب على المدعى عليه أن يتمسك بشرط التحكيم قبل الدخول في موضوع الدعوى وعدم تقديمه هذا الدفع قبل الدخول في أساس الدعوى يسقط حقه فيه.

وأن هذا الأثر السالب للإتفاق الذي يحرم الأطراف من الإلتجاء إلى القضاء هو إلتزام لا يتعلق بالنظام العام ( ) وبالتالي لا تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها بل يجب أن يتمسك بها أحد الخصوم.

وهذا ما تواترت عليه أحكام محكمة التمييز الأردنية ومحكمة النقض المصرية ( ) بأن “اللجوء إلى التحكيم لفض المنازعات طريق إستثنائي لا يتعلق بالنظام العام ويجوز النزول عنه صراحة أو ضمناً ويسقط الحق فيه بعد الدخول بأساس الدعوى وهذا الأثر لا يتنافى مع حق الرقابة القضائية اللاحقة على قرار التحكيم”.

ثانياً: طبيعة الدفع بالتحكيم

لقد ثار خلاف فقهي حول تحديد طبيعة الدفع بشرط التحكيم هل هو دفع بعدم الإختصاص أم دفع بعدم القبول أم دفع ببطلان المطالبة القضائية؟

إتجهت محكمة النقض الفرنسية إلى أن هذا الدفع يتعلق بعدم الإختصاص النوعي، وأن عدم إختصاص المحكمة يتعلق بالنظام العام فيكون للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.

في حين أن المحاكم الأردنية ذهبت إلى أن هذا الأمر يتعلق بنوع من عدم الإختصاص لا يتعلق بالنظام العام وأن على الخصم أن يبدي هذا الدفع قبل الدخول في الموضوع وإلا إعتبر قابلاً لإختصاص المحكمة ( ).

والإنتقاد الموجه لهذا الرأي أن شرط التحكيم لا ينزع إختصاص المحكمة وإنما يمنعها من سماع الدعوى ما دام الشرط قائماً وأن هذا الإتفاق يعّبر عن تنازل الخصم عن الإلتجاء إلى القضاء حمايةُ لحقه والدفع بعدم الإختصاص يتعلق بالنظام العام ولا يجوز التنازل عنه ( ).

وذهب جانب أخر على أن الدفع بعدم القبول يستهدف إقامة مانع مؤقت من سماع الدعوى أمام القضاء وبهذا المانع تقيّد حق الطرفين في الإلتجاء إلى القضاء وتصبح هذه الدعوى غير مقبولة أمام القضاء ما دام المانع من قبولها موجود.

وكان الإنتقاد الموجه إلى هذا الرأي أن الدفع بعدم القبول هو من الدفوع الموضوعية التي يجوز إبداؤها في أي حالة تكون عليها الدعوى وهذا لا ينسجم مع الدفع بشرط التحكيم الذي يجب إبداؤه قبل الدخول في الموضوع ( ).

وفي حين ذهب البعض على أنه دفع ببطلان المطالبة القضائية تأسيسا”ً على عدم قابلية الطلبات التي تتضمنها صحيفة الدعوى لأن تكون محلاً لهذه المطالبة ونزولاً على مقتضى شرط التحكيم، ولكنه لم يسلم من النقد فإن الدفع ببطلان صحيفة الدعوى يتعين أن يكون له سبب راجع إلى هذه الصحيفة ذاتها لا إلى أمر خارج عنها كما هو الحال في شرط التحكيم ثم أن الإتفاق على التحكيم قد لا يتحقق إلا بعد رفع الدعوى ( ).

وهكذا على الرغم من ذلك هناك تشابه في عناصر النظام القانوني الذي لا يخضع له الدفع وأن هذا الخلاف حول الصيغة التي يصاغ بها أو حول الإصطلاح فهذا إختلاف شكلي.

إن القانون الأردني لم يحدد طبيعة الدفع بشرط التحكيم لكن ذهب البعض إلى القول بأن الدفع بعدم القبول يتم تقديمه قبل الدخول في أساس الدعوى وهو حالة إستثنائية من حالات الدفوع بعدم القبول التي يجوز تقديمها في جميع أدوار المحاكمة ( ).

وتواترت إجتهادات القضاء حول إعتباره دفع بعدم قبول الدعوى حيث جاء “أن الرأي الراجح الذي إتجه إليه الفقه والقضاء هو أن الدفع بالإعتداد بشرط التحكيم هو دفع بعدم قبول الدعوى” ( ) .

ويترتب على هذا الدفع في حال صحته الحكم برد الدعوى ووقف إجراءاتها وإحالتها إلى التحكيم، وبعض القوانين تخول المحكمة سلطة فحص إتفاق التحكيم للتأكد من صحته أو بطلانه فإذا أثبت لديها أنه باطل إحتفظت المحكمة بحق النظر في النزاع ( ).

وبموجب قانون التحكيم الأردني الساري المفعول يتوجب على المحكمة أن تحكم برد الدعوى( ).

المطلب الرابع: مبدأ إستقلالية إتفاق التحكيم

إن إستقلالية إتفاقية التحكيم عن العقد الأصلي لا يعني أن يكون محلاً لرضاء أو قبول مستقل عن الرضا والقبول بشأن العقد الأصلي وهذا المبدأ لا يعني أن شرط التحكيم لا يمكنه أن يلقى ذات المصير الذي يلقاه العقد الأصلي وإنما يتمتع الشرط بكيان قائم بذاته ومستقل عن شروط وقواعد وأحكام العقد الأصلي ويهدف إلى تسوية المنازعات المحتملة وبذلك إن حل المنازعات يشكل محل الشرط فضلاً عن الوظيفة القانونية للشرط.

ويثور التساؤل هنا إذا ثار نزاع حول صحة العقد الأصلي في حالة بطلانه أو فسخه ما مصير شرط التحكيم؟ وهل إذا أبطل العقد الأصلي يبطل معه شرط التحكيم في العقد المذكور؟ وفي حالة فسخ العقد الأصلي هل يزول شرط التحكيم؟

إن أول وأهم الآثار المترتبة على مبدأ إستقلالية شرط التحكيم هو عدم إرتباط مصير إتفاق التحكيم بمصير العقد الأصلي، حيث أن بطلان كل من العقد الأصلي أو شرط التحكيم لا يؤثر على صحة الآخر، فعندما يكون العقد الأساسي مشوباً بالبطلان يبقى الشرط التحكيمي قائماً إلا أن هناك ظروف إستثنائية خاصة قد تبرر الخروج على مبدأ الإستقلالية، وإذا أبطل العقد الأصلي يمكن عندها التمسك بصحة شرط التحكيم والسير في إجراءات التحكيم وحسم النزاع من قبل المحكم بالفصل في مسألة إختصاصه وليس من المحكمة ( ).

في حالة إذا كان العقد صحيحاً والشرط باطلاً لا يمكن اللجوء إلى التحكيم وعند بطلان الشرط التحكيمي يقوم الطرفين باللجوء إلى القضاء الوطني لحل النزاع، ويستمر المحكم في إجراءات التحكيم كونه مختصاً في الموضوع وإن جرى الطعن بصحة العقد في المحاكم أو الطعن بصحة الشرط هذا الموضوع لا يوقف الإجراءات الخاصة بالتحكيم ( ).

حيث ذهبت محكمة النقض الفرنسية في حكم لها إلى ربط مصير شرط التحكيم بمصير العقد الذي تضمنه ( ).

ولكن ما أهمية إستقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي الذي أُبرم التحكيم بشأنه إذا بطل أو فسخ هذا العقد أو إنتهى؟

عند بطلان العقد أو فسخه لا يكفي لتسوية موقف الطرفين، تبقى الحقوق والإلتزامات قائمة عند القيام برفع دعوى إلى القضاء العادي إذا وجد شرط تحكيم فإنه يظل معمولاً به ولا يلحقه البطلان أو الفسخ نتيجة لمبدأ إستقلالية تصفية مراكز الإطراف ( ).

موقف القانون الأردني من مبدأ الإستقلالية لم يكن منذ البداية، حيث لم يشر قانون التحكيم الملغي لسنة1953 إلى مبدأ إستقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي وهكذا يصبح شرط التحكيم تابعاً للعقد الأصلي وجوداً وعدماً، والقانون المدني أخذ بنظرية إنتقاص العقد على أنه “إذا كان العقد في شق منه باطلاً بطل العقد كله إلا إذا كانت حصة كل شق معينة فإنه يبطل في الشق الباطل ويصح في الشق الصحيح” ولكن أحسن المشرع في القانون التحكيم الجديد لسنة 2001 بإيراده حكم المادة 22 “يعد شرط التحكيم إتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته” وبذلك ذهب المشرع إلى حماية الشرط التحكيمي وجعله مستقلاً عن العقد الأصلي.

وذهب القانون المصري لسنة 1994 إلى الأخذ بمبدأ الإستقلالية في المادة 32 التي تنص “يعبتر شرط التحكيم إتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان الشرط صحيحاً في ذاته.

أما في إتفاقية نيويورك لسنة 1958 والقضاء الأمريكي والإجتهاد الفرنسي فقد تم تبني نظرية إستقلالية الشرط التحكيمي رغم أن نص إتفاقية نيويورك فشل في تبنيها صراحة ( ).

والقانون النموذجي تبنى نظرية إستقلالية الشرط التحكيمي عن العقد الأصلي من خلال نص المادة السادسة عشر ” حيث ينظر إلى شرط التحكيم الذي يشكل جزءاً من عقد كما لو كان إتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى وأي قرار يصدر عن هيئة التحكيم ببطلان العقد لا يترتب عليه بحكم القانون بطلان شرط التحكيم.

الخاتمة

أصبح التحكيم ظاهرة مسلماً بها في ميزان التجارة الدولية وهذا الذي أدى إلى وجود شرط التحكيم في العقود التجارية الدولية إذا حظي بإهتمام الإتفاقيات الدولية إلى جانب التشريعات الوطنية إذ أن شرط التحكيم هو القاعدة التي يستند عليها النظام القضائي الخاص والسبيل المفضل لحل المنازعات الخاصة الدولية بالتحكيم.

ومع إنتشار التجارة الإلكترونية الدولية والمحلية والتي أصبحت تعتمد أساساً على وسائل الإتصال الحديثة الذي ينطبق على التوسعة في مفهوم الكتابة ولما كان شرط التحكيم دستور التحكيم ومصدر سلطات المحكمين والحائل دون إختصاص القضاء بالنزاع موضوع التحكيم.

من حيث إعطاء هيئة التحكيم تمديد المدة:

وبعد دراسة هذا البحث أقترح تعديل مايلي:

تعديل المادة (37) من قانون التحكيم الأردني رقم (31) لسنة 2001:

النص الأصلي النص المقترح
أ – على هيئة التحكيم اصدار الحكم المنهي للخصومة كلها خلال الموعد الذي اتفق عليه الطرفان فان لم يوجد اتفاق وجب ان يصدر الحكم خلال اثني عشر شهرا من تاريخ بدء الاجراءات التحكيم وفي جميع الاحوال يجوز ان تقرر هيئة التحكيم وفي جميع الاحوال يجوز ان تقرر هيئة التحكيم تمديد هذه المدة على الا تزيد على ستة اشهر ما لم يتفق الطرفان على مدة تزيد على ذلك.

ب- واذا لم يصدر حكم التحكيم خلال الميعاد المشار اليه في الفقرة (أ) من هذه المادة جاز لاي من طرفي التحكيم ان يطلب من رئيس المحكمة المختصة، ان يصدر امراُ لتحديد موعد اضافي او اكثر او بانهاء اجراءات التحكيم فاذا صدر القرار بانهاء تلك الاجراءات يكون لاي من الطرفين رفع دعواه الى المحكمة المختصة اصلاُ بنظرها.
أ – على هيئة التحكيم اصدار الحكم المنهي للخصومة كلها خلال الموعد الذي اتفق عليه الطرفان فان لم يوجد اتفاق وجب ان يصدر الحكم خلال اثني عشر شهرا من تاريخ بدء الاجراءات التحكيم وفي جميع الاحوال يجوز ان تقرر هيئة التحكيم وفي جميع الاحوال يجوز ان تقرر هيئة التحكيم تمديد هذه المدة بقرار مسبب ولظروف تتعلق بموضوع النزاع.

ب- يجب الحكم في النزاع في الميعاد المحدد في وثيقة التحكيم ما لم يتفق على تمديده، وإذا لم يحدد الخصوم في وثيقة التحكيم أجلاً للحكم وجب على المحكمين أن يصدروا حكمهم خلال تسعين يوماً من تاريخ صدور القرار باعتماد وثيقة التحكيم، وإلا جاز لمن شاء من الخصوم رفع الأمر إلى الجهة المختصة أصلاً بنظر النزاع لتقرر إما النظر في الموضوع، أو مد الميعاد لفترة أخرى.                       blogspot.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية

بحث حول : مفهوم وخصائص وتمييز القاعدة القانونية خـــــطــــــة الـبـحـــــــث مـقـدمــــــة. المـبحث الأول: تحديد مفهوم ...