بحث قانوني و دراسة حول الحقوق المالية للمرأة و الطفل بعد الطلاق


     بحث قانوني و دراسة حول الحقوق المالية للمرأة و الطفل بعد الطلاق

الفهــــــرس 
مقدمة 1
الفصل الأول : الحقوق المالية للمرأة والطفل بعد الطلاق 10
الفرع الأول : الحقوق المالية للمطلقة 11
المبحث الأول : نفقة المعتدة وسكناها 11
المطلب الأول: النفقة خلال فترة العدة 11
الفقرة الأولى : حالات استحقاق ، وسقوط نفقة المطلقة 12
أولا : حالات الاستحقاق 12
ثانيا : حالات السقوط 14
الفقرة الثانية : تقدير نفقة المطلقة 15
أولا : معايير التقدير 16
ثانيا : حدود السلطة التقديرية للمحكمة 21
المطلب الثاني : سكنى المطلقة 25
الفقرة الأولى : الإجراءات المقررة لضمان السكنى
في فترة العدة 25
الفقرة الثانية : الإجراءات القانونية لضمان السكنى
في فترة الحضانة 27
المبحث الثاني : المتعة 28
المطلب الأول : المتعة من خلال الفقه الإسلامي 29
الفقرة الأولى : معنى المتعة ومشروعيتها 29
الفقرة الثانية : الاختلاف الفقهي في حكم المتعة 30
المطلب الثاني : المتعة في مدونة الأسرة 31
الفقرة الأولى : طبيعة المتعة : هل المتعة تعويض؟ 31
الفقرة الثانية : عناصر تقدير المتعة 32
المبحث الثالث : نصيب المطلقة في ممتلكات الأسرة 34
المطلب الأول : أحكام قسمة متاع البيت 34
المطلب الثاني : الحق في المستفاد من الثروة 36
الفرع الثاني : الحقوق المالية للطفل بعد الطلاق 41
المبحث الأول : أجرتي الحضانة والرضاع 41
المطلب الأول : أجرة الحضانة 41
الفقرة الأولى : نطاق الاستحقاق 42
الفقرة الثانية : حالات سقوط الحق في أجرة الحضانة 43
المطلب الثاني : أجرة الرضاع 44
الفقرة الأولى : حالات الاستحقاق 45
الفقرة الثانية : مقدار أجرة الرضاع 46
المبحث الثاني : سكن المحضون 47
المطلب الأول : الالتزام بالسكنى 47
المطلب الثاني : الآليات القانونية المقررة لضمان سكنى المحضون 49
المبحث الثالث : نفقة المحضون 51
المطلب الأول : مشتملات نفقة المحضون وكيفية تقديرها 51
الفقرة الأولى : مشتملات نفقة المحضون 51
الفقرة الثانية : تقدير نفقة المحضون 53
المطلب الثاني : استخلاص نفقة المحضون قضائيا 54
الفقرة الأولى : تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة 55
أولا : وسائل تنفيذ الحكم 55
ثانيا : الضمانات الكفيلة بتنفيذ الحكم 56
الفقرة الثانية : أثر الامتناع عن أداء النفقة 57
أولا : شروط قيام جريمة إهمال الأسرة 57
ثانيا : أركان جريمة إهمال الأسرة 59
الفصل الثاني : محدودية المستحقات المالية وآليات الحد من قصورها 64
الفرع الأول : محدودية المستحقات المالية في تأمين المتطلبات المعيشية 65

المبحث الأول : قصور المستحقات المالية للمطلقة عن ضمان
استمرارية المعاش 65
المطلب الأول : انعكاس طلب الإذن بالإشهاد على مستحقات المطلقة 65
المطلب الثاني : غياب مؤسسة مالية بديلة 68
المبحث الثاني : عدم استجابة المستحقات المالية للمتطلبات المعيشية
لطفل الطلاق 70
المطلب الأول: ضآلة المستحقات وغياب الضمانات الكفيلة
باستمرار النفقة 71
الفقرة الأولى : ضآلة المستحقات 71
الفقرة الثانية : غياب الضمانات الكفيلة باستمرار النفقة 74
المطلب الثاني : أثر إجراءات التبليغ والتنفيذ على المستحقات المالية 75
الفقرة الأولى : أثر إجراءات التبليغ 75
الفقرة الثانية : أثر عدم تنفيذ الأحكام 78
المبحث الثالث : تأثير نوع الطلاق على المستحقات المالية 80
المطلب الأول : تأثير نوع الطلاق على مستحقات المطلقة 80
الفقرة الأولى : الطلاق قبل البناء 81
الفقرة الثانية : الطلاق الخلعي 82

المطلب الثاني : مصير مستحقات الأطفال في ظل ارتفاع
وتيرة الطلاق الخلعي 86
الفرع الثاني : آليات الحد من قصور المستحقات المالية المترتبة عن الطلاق 88
المبحث الأول : إحداث صندوق التكافل العائلي 88
المطلب الأول : ضرورة توفير موارد مالية 89
المطلب الثاني : إقرار شروط دقيقة للاستفادة من خدمات الصندوق 93
المبحث الثاني : تقوية دور القاضي في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق 95
المطلب الأول: حجم ظاهرة الطلاق بالمغرب وأسبابها 95
الفقرة الأولى : حجم ظاهرة الطلاق بالمغرب 96
الفقرة الثانية : أسباب الطلاق 99
المطلب الثاني : توجيه تدخل القاضي في اتجاه الرقابة
على شرعية الطلاق 100
الفقرة الأولى : قياس جدوى تدخل القضاء في الطلاق 100
الفقرة الثانية : توجيه تدخل القضاء في اتجاه الرقابة
على شرعية الطلاق 102
المبحث الثالث : تفعيل الأساليب البديلة لفض المنازعات الأسرية 105
المطلب الأول: دور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح 105
المطلب الثاني : إنشاء خلية لتسوية المنازعات الأسرية 109
خاتمة 113
لائحة المراجع المعتمدة 115
الفهرس 123

مقدمـــة :

تعد الأسرة الخلية الأساس لتكوين المجتمع، ولعل هذا ما يفسر الاهتمام الكبير الذي تحظى به على كافة المستويات، خاصة من جانب توفير كافة الضمانات لحمايتها، ومن ثم حماية الأفراد المكونين لها، وبالتالي حماية المجتمع.
إلا أن هذه الخلية بات يتهددها خطر الطلاق بحدة، حيث أصبح ظاهرة تنخر المجتمعات بصفة عامة والمجتمعات العربية الإسلامية بصفة خاصة.

والطلاق حسب تعريف ابن عرفة هو صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بزوجته موجب تكررها مرتين حرمتها عليه قبل زوج .
والطلاق بهذا المعنى لا يخص الزوجين فقط وإنما تمتد آثاره إلى باقي المجتمع لأنه تقويض لبناء الأسرة من أبناء وزوجين وما يترتب عن ذلك من تبعات مادية ونفسية.
فواقعة الطلاق ليست مجرد تصرف ثنائي بل هو تصرف اجتماعي تنعكس آثاره مباشرة على المجتمع وتسيء إلى استقراره وطمأنينته ، إلا أنه مع ذلك يكون حلا في بعض الأحيان.
من هذا المنطلق، أجازت الشريعة الإسلامية الطلاق بآيات من كتاب الله وبأحاديث من السنة المطهرة ، ولكن وفق ضوابط شرعية.
قال تعالى :  الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  .
ومن أحاديثه صلى الله عليه وسلم : ” أبغض الحلال إلى الله عز وجل الطلاق” “تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش” ، وقوله عليه السلام : ” أيما امـرأة

سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ” .
وقوله تعالى : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  .

فهذه النصوص من الكتاب والسنة ، تدل على أن الطلاق وإن كان مشروعا إلا أنه لا ينبغي اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى وذلك لما يترتب عليه من هدم للأسرة دونما سبب مشروع، كما أن الزوج الذي يحتاط لعقيدته ولدينه يفكر مليا قبل توقيع الطلاق خوفا من الوقوع في المحظور الذي يحرم صاحبه من شم رائحة الجنة والاقتراب منها .
وتقليلا من آثار الطلاق عمدت الشريعة الإسلامية إلى تقييده من خلال فرض التحكيم العائلي مصداقا لقوله تعالى :  وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما .
إضافة إلى منع الطلاق خلال فترات العادة الشهرية ، وفي كل فترة طهر بمجرد وقوع المسيس فيها، مع فرض بقاء الزوجة في بيت الزوجية خلال فترة العدة، حتى تكون فترة لإعادة مراجعة النفس، وفرصة لاستئناف الحياة الزوجية من جديد ، يقول تعالى :  والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يومن بالله واليوم الآخر، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ، إن أرادوا إصلاحا ، ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف  .

كما قيد الشارع الطلاق بمجموعة من الحقوق المالية هذه الحقوق منها ما هـو خاص بالمرأة بصفتها مطلقة ومنها ما هو خاص بالأطفال بصفتهم محضونين .
والحقوق المالية هي تلك الحقوق التي يمكن تقييم محلها بالنقود وتنتج عن المعاملات المالية بين الأفراد وتنظمها قوانين الأحوال العينية أو قواعد المعاملات.
لكن وحيث أنها تتموقع ضمن حقوق الأسرة، التي تبقى في الأصل غير مالية ، وحيث إن للطلاق آثارا اجتماعية وقانونية ، فإن المقصود بالحقوق المالية في هذا الصدد تلك الالتزامات والمستحقات المالية التي تعقب إيقاع الطلاق.
هذه المستحقات التي تكون من نصيب المرأة المتزوجة والأطفال ، إذ تستفيد المرأة المطلقة من هذه المستحقات طيلة فترة العدة ، أو إلى أن تضع حملها إذا كانت حامل.
أما الأطفال أو المحضونين فيستحقون هذه الحقوق المالية، إلى حين بلوغهم سن الرشد ، أو إلى سن الخامسة والعشرين إذا كانوا يتابعون دراستهم ( فيما يتعلق بالنفقة ) أو إلى غاية زواج البنت أو توفرها على كسب ( المادة 198).

لكن وقبل الخوض في الحديث عن هذه الحقوق، تجدر الإشارة إلى أن التنظيم القانوني للطلاق عرف تعديلات مهمة من جوانب متعددة.
فبعد ما كان الطلاق حلا لعقد النكاح بإيقاع الزوج أو وكيله أو من فوض له في ذلك أو الزوجة إن ملكت هذا العقد أو القاضي وذلك حسب المادة 44 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة أصبح يمارس من طرف الزوج والزوجة كل بحسب شروطه ولكن تحت مراقبة القضاء وذلك حسب المادة 78 من مدونة الأسرة هذه المراقبة جعلت مدونة الأسرة لا تعترف بالطلاق المبني على الحلف باليمين أو الحرام وكذا المعلق على فعل شيء أو تركه المادة ( 91 و 93) بخلاف مدونة الأحوال الشخصية السابقة التي كانت تعتد بالطلاق اللفظي ( الفصل 46 ) مع تنصيصها على احترام شرعية توقيع الطلاق، وذلك بموجب ( الفصل 47 ) حيث نصت على أن القاضي يجبر الزوج
على الرجعة إذا وقع الطلاق والمرأة حائض الشيء الذي لم تكرسه مدونة الأسرة .

في الوقت الذي حرصت فيه مدونة الأسرة على ضمان الحقوق المالية للمطلقة والأطفال ، وذلك باشتراطها إيداع المستحقات في صندوق المحكمة قبل الحصول على الإذن بالإشهاد على الطلاق، هذا الأخير الذي وإن كان قد اشترطته المدونة الملغاة إلا أنه لم يتم استحضاره بالقوة اللازمة في التطبيق.
هذه المستحقات التي تشمل فيما يتعلق بالمرأة الصداق المؤخر إن وجد ونفقة المعتدة والمتعة مع تعيين مسكن لقضاء فترة العدة، أو تحديد تكاليفه في حالة تعذر ذلك إضافة إلى حقها في متاع البيت من جهاز وشوار ونصيبها في ثروة الأسرة المتراكمة أثناء الحياة الزوجية ، إن تم توثيق ذلك في عقد.
إذ كان هذا الأخير إجراءا جديدا أتت به المدونة ، وذلك في إطار ما أسمته بتدبير الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية والذي يضمن في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.
أما ما يتعلق بمستحقات الأطفال فقد حددها المشرع في أجرتي الرضاع والحضانة، وجعل تكاليف السكن مستقلة في تقديرها في النفقة.
هذه المستحقات ، عملت على تناولها من منطلق الفقه الإسلامي ومن منطلق القانون، حيث عمل المشرع على تحديد هذه المستحقات ، مع إقراره لنوع من الضمانات كوسيلة لضمان التنفيذ واستمرارية الأداء ، وإن كانت هذه الضمانات تشوبها بعض النقائص على مستوى الصياغة ، وعدم التحديد خاصة حينما يكون الأب أو الزوج عديم الدخل ، أو غير موظف.
كما رتب المشرع على امتناع الأب أو الزوج عن أداء النفقة عقوبة سالبة للحرية، وذلك من خلال مسطرة، إهمال الأسرة المنصوص عليها في المادة 480 من القانون الجنائي ، وإن كانت هذه المسطرة تبقى عديمة الجدوى في أحيان كثيرة ، خاصة حينما يكون الزوج أو الأب معسرا، مما يعطل فعالية هذه الضمانة التي تبقى في كل الأحوال محط نقاش فقهي.
وحرصا من المشرع على توفير الحماية لأطفال الطلاق، جعل تكاليف السكنى منفصلة عن النفقة ، وذلك في إطار الإستجابة لحقوق الطفل التي يسعى المغرب لتحقيقها، من منطلق توقيعه على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل والني انفتح عليها المشرع في مدونة الأسرة ، خاصة في (المادة 54).
لكن التعامل القضائي هو الذي يبين مدى نجاعة المقتضيات القانونية ، هذا الأخير يصعب في الوقت الراهن الحكم عليه نظرا لحداثة التجربة وندرة الاجتهادات القضائية ، إلا أنه وبالرغم من ذلك، يمكن الاعتماد على بعض الأحكام القضائية الصادرة عن بعض محاكم المملكة ، والتي توحي ببعض الصور وإن كانت تعلوها بعض الضبابية ، إلا أنها مع ذلك تفيد في أخذ نظرة أولية عن كيفية تعامل السادة القضاة مع تقدير المستحقات المالية هذه المستحقات التي وإن كانت عرفت بعض الارتفاع ، خاصة بالنسبة للمطلقة إلا أن هذه الميزة ما تبرح تزول أمام قصر مدة العدة، وغياب الجهة البديلة لتأمين استمرارية النفقة ، زيادة على تأثير نوع الطلاق خاصة إذا كان خلعيا .
أما بالنسبة لمستحقات الأطفال فإنها لم تعرف تغيرا ملحوظا عما كان في ظل تطبيق المدونة الملغاة، اللهم إلا ما تعلق بفصل تكاليف السكن عن باقي النفقة، الشيء الذي يجعل حقوقهم المالية ضئيلة وقاصرة عن تلبية أبسط المتطلبات المعيشية ، هذه الأخيرة التي تبقى معلقة في كثير من الأحيان على عيب في مسطرة التبليغ ، أو بطء تنفيذ أو انعدامه حتى.
الشيء الذي يفسر محدودية هذه المستحقات التي تبقى قاصرة عن تأمين المتطلبات المعيشة للمطلقة والأطفال في غياب الآليات الكفيلة بتجاوز مظاهر القصور المعبر عنها سابقا .

فالإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي ، يبقى من أهم الحلول الآنية والبراكماتية التي تفرض ضرورتها بحدة ، في الوقت الذي يحتم فيه منطق الأوليات ، توجيه تدخل القضاء في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق لرد كل طلاق بدعي لا يوافق السنة ولا يتماشى والضوابط الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة، هذان المصدران اللذان جعلا التحكيم وإصلاح ذات البين خطوطا أساسية بل قيدا، إن صح التعبير على توقيع الطلاق، حيث المرور بهما وسيلة لبلوغ غاية الحفاظ على كينونة الأسرة ومن ثم المجتمع .

ومدونة الأسرة هي الأخرى سارت على نفس النهج وحافظت على مكانة الوساطة والمصالحة كوسيلتين أساسيتين في إطار سعي المغرب الحثيث نحو ولوج ركب الطرق البديلة لفض المنازعات بصفة عامة والأسرية بصفة خاصة .
لكن الأمل معقود على تفعيل نهج هذه الأساليب حتى لا يكون مصيرها التهميش.
وفي الواقع موضوع الحقوق المالية للمرأة سبقت معالجته وإن كان في نطاق أوسع حيث شمل المرأة بصفتها زوجة ومطلقة وأرملة.
وعموما المواضيع التي تهم آثار الطلاق من حيث النفقة والحضانة والمتعة تداولها وعالجها عدة باحثين.
واختياري لهذا الموضوع لم يأت من أجل تكرار ما عولج، وإنما جاء في إطار دورة البحث العلمي التي تعد الاستمرارية سمتها الأساسية ، ثم إن الظروف التي عولجت فيها البحوث السابقة، تغيرت بفعل عوامل اقتصادية ، واجتماعية وقانونية وقضائية.
فإذا كانت الجدة والأهمية معيارين أساسيين في اختيار أي موضوع فإن موضوع بحثي، وعلى الرغم من سبق تداوله فهو يبقى موضوعا قديما جديدا، ولعل جدته تستمد أساسا من التعديلات والمستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة ، والقراءة الجديدة التي طبعت بنودها ، إضافة إلى سلسلة التعديلات التي أعقبت صدور هذه المدونة من قبيل تعديل قانون المسطرة المدنية وكذا ظهير التنظيم القضائي.
أما أهميته فأعتقد أنها تتخذ بعدين أساسيين .
بعد عملي : ويتجلى أساسا في وجود مطلقات كثيرات وأطفال طلاق يتزايد عددهم سنة بعد أخرى ، واعتبارا للمعطيات الاقتصادية للمغرب والإكراهات القضائية، فإن مصير هؤلاء يبقى مجهولا خاصة في حالة عطالة الأم أو المطلقة ، مما يجعل غياب صندوق التكافل العائلي، يساهم في تدهور الوضعية المعيشية للمطلقة وأطفال الطلاق.
الشيء الذي يجعلني أتخذ بحثي هذا منبرا للمناداة بضرورة الإسراع بإخراج هذا الصندوق إلى حيز الوجود.
مع محاولة تلمس وقع إسناد رقابة القضاء على توقيع الطلاق من حيث الحفاظ على المستحقات المالية للمطلقة والأطفال.
إضافة إلى معرفة القيمة المضافة لتخصيص الأسرة بقضاء خاص بها وذلك في إطار مسلسل التخصص القضائي الذي ينهجه المغرب، وذلك في اتجاه الطموح نحو جعل التخصص كيفي من حيث انفتاح القضاء على باقي التخصصات ذات الصلة بالقضايا الأسرية كعلم الاجتماع وعلم النفس، ومن ثم التطلع إلى تفعيل الطرق البديلة لفض المنازعات الأسرية من قبيل المصالحة والوساطة.
معلوم أيضا أن المغرب تبنى مؤخرا المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هذه الأخيرة، لا يمكن أن تنجز والأسرة مفككة ماديا ومعنويا ، وجحافل أطفال الطلاق تتزايد يوما عن يوم مع ما يعكسه ذلك من آثار وخيمة على المجتمع من تشرد وارتفاع في نسبة أطفال الشوارع والاشتغال المبكر.
فنجاح هذه المبادرة رهين بتأهيل الإنسان المغربي عبر الأسرة المغربية والتي يعتبر التقليل من نزيف الطلاق أحد معابر استمراريتها .
بعد نظري : حيث سمحت لنفسي من خلال انتمائي لوحدة الأسرة والطفولة أن أساهم في تعميق البحث حول مواضيع حساسة تمس لب المجتمع خاصة وأن مدونة الأسرة لا زالت في بدايتها ، فكانت فرصة لمحاولة حصر مجموعة من الإشكاليات ، مع محاولة الإجابة على بعضها كلما تأتى ذلك . إضافة إلى إعطاء فكرة ولو أولية عن كيفية التعامل القضائي مع تقدير المستحقات المالية معززة ببعض الأحكام القضائية.
هذه الأحكام التي يبقى الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي خير مفعل لها ، ذلك أنه قمين بضمان استمرارية المعاش للمطلقة والأطفال ولو في أدنى الحدود ، مع توجيه مراقبة القضاء في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق، وذلك في أفق التخفيف من ملفات الطلاق التي باتت تثقل رفوف أقسام قضاء الأسرة الحديثة العهد.
إلا أن الرهان الأكبر يظل متوقفا على إقرار الطرق البديلة لفض المنازعات العائلية كنهج سيمكن المجتمع المغربي من ربح التحدي ، ألا وهو استرداد الأسرة المغربية من موجة الاستلاب التي تجرفها نحو الهاوية .
ذلك أن أي حل اقتصادي مالي لن يضمن للأطفال الاستقرار النفسي إلا إذا تم في فضاء الأسرة : الضمان الاجتماعي الحقيقي للفرد والمجتمع .
لكن وبما أن الواقع لا يرتفع ، إذ تشكل قضايا الطلاق السواد الأعظم من بين الملفات الرائجة أمام أقسام قضاء الأسرة.
الأمر الذي يفرض معالجة الإشكالية التالية:
إلى أي حد تضمن المستحقات المالية المقدرة من طرف القضاء استمرارية المعاش للمرأة والطفل بعد الطلاق؟
هذه الإشكالية تتنسل منها مجموعة من الأسئلة يمكن إجمالها فيما يلي :
– ما مصير الضمانات القانونية المقررة أمام زوج غير ذي شغل أو لا دخل له؟
– أي أثر لعدم احترام آجال التبليغ ، وبطء التنفيذ على الوضعية المعيشية للمطلقة والأطفال.
– هل من علاقة بين نوع الطلاق والمستحقات المالية للمرأة والطفل؟
– هل يمكن مأسسة البعد التضامني للمجتمع في إطار مؤسسة مالية كصندوق أو بيت الزكاة كبديل لمؤسسة الزواج والأسرة؟
– هل يمكن الربط بين تطبيق مدونة الأسرة وانخفاض معدل الطلاق ( حسب إحصائيات وزارة العدل) بالمغرب؟
– هل يمكن المناداة بتقوية الشراكة المالية بين الزوجين بدل الشراكة المعنوية الروحية الانصهارية كحل للحد من نزيف الطلاق؟
هذا ما سأحاول الإجابة عنه من خلال قالب رتبت فيه أفكاري كما يلي :
الفصل الأول : الحقوق المالية للمرأة والطفل بعد الطلاق
الفصل الثاني : محدودية المستحقات المالية وآليات الحد من قصورها
الفصل الأول
الحقوق المالية للمرأة والطفل بعد الطلاق

إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، من أجل ذلك عملت الشريعة الإسلامية على التقييد من هذا الحق، حفاظا على استمرارية الأسرة، إذ قيدت إيقاع الطلاق بمجموعة من الحقوق المالية.
منها ما هو خاص بالمرأة المطلقة كنفقة المعتدة وسكناها ، والمتعة إضافة إلى الحق في متاع البيت، وما حملته المدونة من مستجد يتعلق بنصيب المرأة في الثروة المتراكمة أثناء الحياة الزوجية (الفرع الأول ) ومنها ما هو متعلق بالأطفال : أجرتي الحضانة والرضاع وسكنى المحضون ، فالنفقة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : الحقوق المالية للمطلقة .
لقد حدد الفقه الإسلامي الحقوق المالية للمطلقة في النفقة والمسكن أثناء العدة، وفي سكنى الحاضنة ، وفي حق المتعة وكذا حقها في المتاع المنزلي.
هذه الحقوق قد تحوزها المرأة كلها، وقد تقتصر على بعضها، وذلك تبعا لما إذا كان الطلاق رجعيا أو بائنا ، وحتى تستحق المطلقة كل أو بعض هذه الحقوق يجب أن يكون الطلاق ناتجا عن زواج صحيح وتم فيه الدخول، أما إذا تم قبل الدخول ، فلا تستحق تلك الحقوق لأنه لا عدة عليها.
كما أن مدونة الأسرة نصت على هذه الحقوق في مادتها 84 ، إذ حصرتها في نفقة المعتدة وسكناها ( المبحث الأول ) والمتعة ( المبحث الثاني) إضافة إلى نصيبها في متاع البيت وفي أموال وممتلكات الأسرة المتراكمة أثناء الحياة الزوجية وذلك طبقا للمادة 49 من مدونة الأسرة ( المبحث الثالث) .

المبحث الأول : نفقة المعتدة وسكناها.

يمكن تعريف النفقة بأنها كل ما يلزم الإنسان من طعام وكسوة ومسكن وغيرها من الحاجيات الأساسية .
وقبل الحديث عن سكنى المعتدة ( المطلب الثاني ) أستهل هذا المبحث بالتفصيل في مسألة النفقة خلال فترة العدة ( المطلب الأول).

المطلب الأول: النفقة خلال فترة العدة.

إن المعتدة لا تستحق النفقة دائما، إذ هناك حالات يسقط فيها هذا الحق (الفقرة الأولى) كما يبقى أمر تقديرها صعبا، لأنها مرتبطة بالواقع (الفقرة الثانية) أيما ارتباط.

الفقرة الأولى : حالات استحقاق ، وسقوط نفقة المطلقة.
قبل الخوض في دراسة حالات سقوط نفقة المطلقة ( ثانيا) أبدأ بعرض حالات الاستحقاق (أولا).
أولا : حالات الاستحقاق.
إذا طلق الزوج زوجته طلاقا رجعيا ، فقد اتفق الفقهاء على أن نفقتها تجب لها كاملة على مطلقها مدة العدة، سواء كانت حاملا، أو غير حامل لقيام الزوجية بينهما حكما كما قال ابن رشد المالكي : ” اتفقوا على أن للمعتدة الرجعية النفقة والسكن وكذا الحامل” .
فإذا كانت نفقة المعتدة من طلاق رجعي لا تثير أي إشكال فإن نفقة المعتدة من طلاق بائن تثير خلافا فقهيا .
إن القول ، بأن نفقة العدة بالنسبة للمطلقة طلاقا بائنا هي محل خلاف فقهي فهذا معناه هل تجب نفقة العدة للمبانة؟ .
لقد حاول الفقه الإسلامي الإجابة عن هذا السؤال معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والسنة النبوية ، حيث قال عز وجل في محكم تنزيله : يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، وقوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .
ومن السنة النبوية عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا قال : ” ليس لها سكنى ولا نفقة ” رواه أحمد ومسلم في رواية عنها قال : ” طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة ” رواه الجماعة إلا البخاري وفي رواية عنها ايضا قال : ” طلقني زوجي ثلاثا، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعتدفي أهلي ” رواه مسلم .
بيد أن اختلاف الفقهاء في فهم الآيتين السابقتين من سورة الطلاق ، تولد عنه انقسام في الآراء ، يمكن إجمالها في ثلاثة آراء أساسية :
الرأي الأول : المطلقة المبانة لها السكنى والنفقة وهو رأي تزعمه عمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما وسايرهما الأحناف .
الرأي الثاني : أنه لا سكنى لها ولا نفقة وهو رأي الحنابلة والظاهرية.
الرأي الثالث : أن المطلقة المبانة لها السكنى ولا نفقة لها وهو رأي مالك والشافعي وجماعة .
وعموما إذا كان مرد الخلاف حول نفقة عدة المبانة، عدم ثبوت الحديث، والتباين في تفسير القرآن وفهمه، فإن مدونة الأسرة أخذت برأي مالك والشافعي وذلك في فقرتها الثانية .

هذه المقتضيات التي تجعل من البث في طلبات النفقة يتم باستعجال ، مع تنفيذ الأوامر والأحكام بغض النظر عن كل طعن ، بل أكثر من ذلك، فإن الحكم الصادر في دعوى النفقة المؤقتة ينفذ قبل التسجيل وبمجرد الإدلاء بنسخة منه، الشيء الذي يفيد أن أهم خاصية للحكم القاضي بالنفقة هو شموله بالنفاذ المعجل بقوة القانون ، إذ يجب على المحكمة القضاء به في الأحكام الصادرة في قضايا النفقة ولو لم يطلبه الخصوم.

كما أن المشرع أكد على أن البث في طلبات النفقة باستعجال غير أن كلمة استعجال هناك من يفهمها على أساس أن الطلب يوجه إلى رئيس المحكمة بصفته قاضي الأمور المستعجلة فجهة توجيه الطلب بقيت محط نقاش خاصة في ظل النص القديم للفصل 149 من م.م الذي كان يتضمن عبارة على شكل استعجالي ، الشيء الذي جعل بعض الفقه والممارسين للقضاء يؤولون الأمر على أساس أن البث في القضايا المتعلقة بالنفقة يتم من طرف قضاء الموضوع لكن النظر فيه يكون على وجه سريع ، إذ أن المشرع المغربي أعطى للمتقاضين إمكانية أخرى أكثر سرعة هادفا إلى استصدار أمر ينفذ قبل التسجيل وبمجرد الإدلاء بنسخة منه ، وبعد التعديل الذي تم بموجب القانون رقم 03. 72 عوضت كلمة أو عبارة على شكل استعجالي بكلمة ” باستعجال ” إلا أنه رغم ذلك لا يمكن الحسم في الأمر ، وإنما يبقى مفتوحا وقابلا لجميع التأويلات ، خاصة وأن المشرع عاد بعد ذلك وصرح بأنه ” تنفذ الأوامر والأحكام في هذه القضايا … ” فاستعمال كلمة ” الأوامر ” و” الأحكام” دليل على أن الطلب يمكن أن يبث فيه القضاء الاستعجالي ، كما يمكن أن يبث فيه قضاء الموضوع مع إجازة الاستفادة من المسطرة الاستعجالية كقضاة المستعجلات ، كما حرص المشرع على أن يبث قاضي الموضوع في دعوى النفقة المؤقتة باعتباره أكثر إحاطة بالملف من غيره وفي أقرب وقت ممكن ليس فقط عن طريق تطبيق المسطرة الاستعجالية بل أيضا عن طريق تقييده لمدة زمنية قصيرة لا يحق له تجاوزها وهي مدة شهر من تاريخ الطلب ، وأرى أن في كل هذا ما يغني عن الالتجاء إلى رئيس المحكمة الابتدائية باعتباره قاضيا للمستعجلات .
كما تجدر الإشارة إلى أن هذه النفقة المفروضة للمطلقة ، يمكن أن تقدم بشأنها طلبات الزيادة أو التخفيض منها ولكن شريطة مرور سنة على فرضها إلا في حالة وجود ظروف استثنائية ( المادة 192) كتغير حال الزوج فقرا أو غنى أي تغيرها من اليسر إلى العسر أو العكس ويقصد بها كذلك تغيير الأسعار بشكل مفاجئ وملموس ارتفاعا أو انخفاضا. فإذا تحقق ذلك فرضت النفقة من جديد وقبل مضي السنة على فرضها .

المطلب الثاني : سكنى المطلقة.

لقد ضمنت مدونة الأسرة السكنى للمطلقة في فترة العدة (الفقرة الأولى ) كما ضمنته في فترة الحضانة ( الفقرة الثانية) وذلك عبر إجراءات قانونية.

الفقرة الأولى : الإجراءات المقررة لضمان السكنى في فترة العدة.

أوصى الله عز وجل في محكم تنزيله بضرورة تمتيع المطلقة بحق السكنى لمدة العدة وذلك مصداقا لقوله تعالى: يا أيها النبيء إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ياتين بفاحشة مبينة وقوله تعالى : أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن .
وبناء على ذلك فإن حق السكن الوارد في الآيتين عام يشمل كافة المعتدات لأنه حق لله تعالى لا يجوز للزوجين الاتفاق على خلافه إلا إذا كان هناك مبرر يقبله الشرع لذلك تجب السكنى أثناء العدة للمطلقة رجعيا وللمبانة سواء كانت ملاعنـة أو مختلعة أو مبارأة .
ولعل الحكمة من اعتبار مكوث الزوجة أو المطلقة في بيت الزوجية لقضاء عدتها حقا من حقوق الله تعالى هي الغاية التي يوفرها من حيث إمكانية استئناف العلاقة الزوجية من جديد، خاصة وأن بقاءهما متقاربين مكانيا، قد يسرع عودة المياه إلى مجاريها عن طريق الرجعة ، مما يساهم في إعادة الدفء إلى الأسرة من جديد.
إلا أنه إذا تعذر قضاء الزوجة عدتها في بيت الزوجية لأسباب وظروف استثنائية تبرر ذلك فحينئذ يمكن لها أن تقضيها في مكان آخر خارج البيت الذي كان مقررا للزوجين .
وهذا ما عملت مدونة الأسرة على تكريسه من خلال المادة 84 في فقرتها الثانية: ” تسكن الزوجة خلال العدة في بيت الزوجية ، أو للضرورة في مسكن ملائم لها للوضعية المادية للزوج ، وإذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودع كذلك ضمن المستحقات بكتابة ضبط المحكمة”.
إلا أن الإشكال الذي يثور بشأن هذه المادة هو أن المستحقات تودع قبل الإذن بالطلاق فكيف يتم التحقق من تعذر قضاء العدة ببيت الزوجية حتى يتم تقدير تكاليف السكن ضمن المستحقات والحال أن الطلاق لم يتم بعد والعدة لم يمض أجلها؟
كما نصت المادة 131 على أنه ” تعتد المطلقة والمتوفى عنها زوجها في منزل الزوجية أو في منزل آخر يخصص لها”.
وهكذا يتجلى من نص هاتين المادتين أن مسألة السكنى بالنسبة للمطلقة تطبق بشأنها أربعة حلول تستوجب الترتيب لا التخيير وهي على التوالي:
– الحالة الأولى : السكنى في بيت الزوجية الذي كانت تقيم به قبل الطلاق.
– الحالة الثانية : السكنى في محل آخر غير بيت الزوجية عند الضرورة أي عند ما يتعذر قضاء العدة في بيت الزوجية لظروف قاهرة تحول دون ذلك، وتقدير هذه الظروف يخضع لسلطة القضاء المعروض عليه الأمر.
وقد نصت المادة 84 على مقتضيات إضافية ترمي إلى صيانة حق المطلقة في هذه الحالة وذلك بضرورة أن يكون المسكن الجديد ملائما لها، ومناسبا للإمكانيات المادية للزوج .
– الحالة الثالثة : إيداع مبلغ مالي مسبقا بكتابة الضبط من طرف الزوج ، لتغطية تكاليف هذه السكنى التي تحددها المحكمة ضمن المستحقات التي ستحكم بها في إطار المادة 88 ، وذلك عند تعذر تطبيق أحد الحلين المشار إليهما في الفقرتين السابقتين ، بمعنى أن هذه الحلول الثلاثة يجب أن تطبق على وجه الترتيب ، لا علـى
وجه التخيير ، ولا يخضع اختيار أحدها لا لإرادة الزوج ولا للإرادة الزوجة المطلقة.
– الحالة الرابعة : نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 196 وتتعلق بالحالة التي يسقط فيها حق المطلقة في السكنى خلال العدة وذلك إذا انتقلت من بيت عدتها دون توفر أحد الشرطين التاليين :
– موافقة زوجها على هذا الانتقال.
– وجود عذر مقبول لدى المطلقة يبرر هذا الانتقال .
إلا أنه من الناحية العملية يصعب ، إثبات واقعة الخروج من بيت العدة بدون عذر وذلك نظرا لقصر فترة العدة وتكاليف دعوى استرجاع النفقة بعد أدائها التي يمكن للزوج أن يرفعها ضد زوجته تفوق المبلغ المؤمل استرجاعه .
هكذا إذن تستفيد المطلقة بصفتها معتدة من حقها في السكنى، كما تستفيد من نفس الحق بصفتها حاضنة.
الفقرة الثانية : الإجراءات القانونية لضمان السكنى في فترة الحضانة.
لقد أثارت سكنى الحاضنة نقاشا اجتماعيا ، إذ أصبح من العسير على المطلقة توفير مسكن خاص بها لتطلب ذلك مبالغ طائلة ، فتعددت المنازعات والأقضية التي تمثل صراعا بين الزوجين بعد الطلاق على توفير مسكن لإيواء المطلقة ومحضونها . وأمام الفراغ القانوني في هذه المسألة اختلفت أحكام المجلس الأعلى في هذا الصدد ، فبعضها مكن الزوجة والأولاد من المسكن ، وبعضها مكن الزوج وطرد الزوجة والأولاد ليواجهوا وحدهم تدبير مأوى لهم في وقت عز فيه الحصول على مسكن .
وفي الواقع سكن المطلقة له علاقة بدرجة الوعي والتربية واليسر المادي، والأوضاع الاجتماعية المؤثرة مباشرة أو بشكل غير مباشر في علاقة الرجل بامرأته المطلقة وأولاده منها والنسائيون مقتنعون أن أضعف الإيمان أن يترك الرجل مطلقته وأولاده منها في بيتهم وينسحب في سلام وهدوء ليؤسس أسرة أخرى إن شاء كما فعل المشرع التونسي.
وقد قضى المجلس الأعلى في غرفته الاجتماعية بتمكين المطلقة ومحضونيها من سكنى الحضانة ناقضا بذلك قرار ا صادرا عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء لكونه قضى بإفراغ الزوجة المطلقة من البيت الذي تأويه مع محضونيها .
أما مدونة الأسرة فقد خصصت المادة 168 للحديث عن سكنى المحضون، وحيث أن الأم تعد حاضنة لأولادها فإن المقتضيات القانونية التي تسري على سكنى المحضون هي نفسها السارية على الأم الحاضنة، من أجل ذلك سأرجئ الحديث عنها إلى القسم المتعلق بمستحقات الأطفال بعد الطلاق هذا الأخير يرتب آثارا معنوية على المرأة ، مما جعل الشارع الحكيم، ومدونة الأسرة يفرضان لها حقها في المتعة.

المبحث الثاني : المتعة.

تعددت الآراء الفقهية حول المتعة من حيث وجوبها وتقديرها ( المطلب الأول) وقد أشارت إليها مدونة الأسرة أيضا ( المطلب الثاني).

المطلب الأول : المتعة من خلال الفقه الإسلامي.

قبل استعراض آراء الفقهاء في المتعة ( الفقرة الثانية) لابد من تعريفها ومعرفة الحكمة منها وتحديد مشروعيتها (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : معنى المتعة ومشروعيتها.
المتعة هي ما يعطيه الزوج لزوجته عند الطلاق جبرا لخاطرها وتعويضا لها عما يمكن أن يلحقها من الضرر ، وقد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى :  لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أن تفرضوا لهم فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين وقوله عز وجل : يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا  .
ومن السنة ما رواه النسائي عن فاطمة بنت قيس قالت : ” طلقها أبو عمرو بن حفص البثة ثم خرج إلى اليمن ووكل بها عياش بن أبي ربيعة فأرسل إليها عياش بعض النفقة فسخطتها ، فقال لها عياش : مالك علينا نفقة ولا سكنى ، هذا رسول الله فسليه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما قال ؟ فقال لها : ليس لك نفقة ولا سكنى ولكن متاع بالمعروف واخرجي عنهم .
كما أجمع الفقهاء على مشروعيتها ففي تفسير القرطبي ” وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة” والمتعة تهدف جبر خاطر المطلقة والتخفيف عنها مما ألم بها من صدمة الطلاق.
إلا أنه وعلى الرغم من وضوح الآيات القرآنية الواردة في شأنها ، فإن الأمر لم يسلم من اختلاف الفقهاء حول حكمها.

الفقرة الثانية : الاختلاف الفقهي في حكم المتعة.
لقد تعدد آراء الفقهاء في حكم المتعة.
فذهب أبو حنيفة إلى أن المتعة تكون واجبة للمطلقة في حالة واحدة وهي عند طلاقه لها قبل الدخول وقبل تسمية الصداق ، ويرى الإمام مالك أن المتعة ليست واجبة، إنما هي مندوبة ودليله قوله تعالى :  حقا على المحسنين  ، وقوله كذلك : حقا على المتقين فدل الأمر على أن المتعة هي من قبيل الإحسان والتفضيل ، وما كان كذلك فليس بواجب ، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين .
أما الشافعية فقد جعلوا المتعة حقا لكل مطلقة باستثناء التي سمي لها صداق وطلقت قبل الدخول فلها نصف الصداق .
أما الظاهرية فيعتبرون أن المطلقة تستحق المتعة في جميع الحالات أي سواء طلقها قبل الدخول أو بعده ، سواء فرض لها صداق أو لم يفرض لأنهم أخذوا قوله تعالى :  ومتعوهن على أنه جاء على صيغة الأمر والأمر يكون دائما للوجوب .
والحاصل أن القول بوجوب المتعة لكل مطلقة مدخولا بها أو غير مدخول بها، مسمى لها أو غير مسمى لها. لعموم الآية :  وللمطلقات متاع ، فلم يخص مطلقة دون أخرى ، ولا ذكرت مدخولا بها أو غير مدخول بها، بل جاءت عامة، كما أن الأمر الوارد في قوله تعالى : ومتعوهن يقتضي الوجوب وهو مذهب جماهير العلماء، ولا حجة للمخالفين في الآية ، لأن لفظ حقا بدل على تأكيد الأمر الواجب الوارد في أول الآية ومتعوهن ، كما أن اللام للتمليك في قوله تعالى:  وللمطلقات متاع، وأيضا المخاطبون بأصول الشريعة وفروعها، كما أن الله تعالى أمر جميع العباد أن يكونوا من المحسنين ومن المتقين ، إلا من أبى .
وقد سارت مدونة الأسرة على نفس الرأي واعتبرت أن المتعة من مشتملات مستحقات الزوجة بعد الطلاق.

المطلب الثاني : المتعة في مدونة الأسرة.

إن مقاربة مسألة المتعة لا تخلو من نقاش من حيث أنها تعويض عن الطلاق وليست متعة ، ومن حيث أنها قد تكون متعة وتعويض في نفس الآن (أولا) لكن مع ذلك تبقى كيفية تقديرها على قدر من الأهمية (ثانيا).

الفقرة الأولى : طبيعة المتعة:هل المتعة تعويض ؟

لعل الحديث عن طبيعة المتعة فرضه النقاش الفقهي الواسع من حيث هل المتعة جبر لخاطر المرأة بعد الطلاق الذي يوقعه الزوج أم هي تعويض عن طلاق تعسفي.
فبالرجوع إلى المادة 84 من مدونة الأسرة، نجد أنها جعلت المتعة واجبة على الزوج ، وعلى القاضي أن يراعي عند تقديرها يسر الرجل وحال المرأة ، لكن إذا كان الطلاق تعسفيا وبدون مبرر فإن المتعة تتحول إلى تعويض يجبر الضرر الذي قد
يحصل للزوجة نتيجة هذا الطلاق الجائر .
وفي الواقع القول بأن الأمر يتعلق بتعويض يحتاج إلى وقفة ذلك أن التعويض يلزمه عنصر الخطأ كما أنه يقدر وفقا للقواعد العامة بحسب الضرر الناجم عن الخطأ أو التجاوز في حين أن تقدير المتعة يكون حسب يسر المطلق وحال المطلقة.
لذا كان على المشرع المغربي أن يفرق بين المتعة والطلاق التعسفي وأن ينص صراحة على الحكم بالتعويض عن الضرر اللاحق بالمطلقة في جميع الحالات التي يثبت فيها أن الزوج قد تعسف في استعمال حقه في الطلاق سواء كان الضرر اللاحق بالمطلقة ماديا أو معنويا كما فعلت بعض الدول العربية .
وفيما يتعلق بمدونة الأسرة، احتفظت بالمتعة، ولم تقربا للتعويض إلا أنها وضعت معايير وعناصر من أجل تقديرها.
الفقرة الثانية : عناصر تقدير المتعة.
لقد اختلف الفقهاء ولم يجمعوا على تحديد مقدار معين للمتعة .
كما أن مدونة الأسرة لم تحدد مقدارها وإنما أوكلت الأمر إلى السلطة التقديرية للمحكمة مع تقييدها بعناصر معينة نصت عليها المادة 84.
– فترة الزواج : أي المدة التي استغرقتها الحياة الزوجية بين الطرفين ويفهم من هذا أنه كلما كانت هذه المدة طويلة ، كلما كان احتمال الزيادة في مبلغ المتعة قائما.
– الوضعية المالية للزوج : وهذا يعني أنه كلما كان الزوج ميسورا كلما كانت المتعة مرتفعة وذلك مصداقا لقوله تعالى : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف …  .
– أسباب الطلاق وما إذا كانت آتية من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو منهما معا.
– مدى تعسف الزوج في توقيعه ومفهومه مع وجوب مراعاة كون الطلاق كذلك يستند إلى تبرير .
وعلى هذا الأساس فالقاضي ملزم بتقصي الأمر ومعرفة الأسباب ومدى ثراء الزوج ومساهمة الزوجة في ذلك، وحالتها الصحية إلى غير ذلك من العناصر التي تساعد على تحديد مبلغ المتعة تحديدا عادلا .
وفي الواقع إعمال المشرع لهذه المعايير فيه استجابة لمطالب الفقه المنادي بالرقي بالمتعة إلى مستوى التعويض الحقيقي خاصة وأنه راعى مدة الزوجية وعدد الأولاد والأضرار التي يمكن أن تلحق المرأة وغيرها، وأكثر من هذا فالطلاق جعل تحت مراقبة القضاء . هذه المراقبة التي تمكن القاضي عبر سلطته التقديرية من تقييم مدى تعسف الزوج في إيقاعه للطلاق فيقدر إثر ذلك المتعة المستحقة.
فالمشرع المغربي لا زال متشبثا باصطلاح المتعة، دون التعويض بالرغم من أن بعض الفقه يرى بأنه ليس هناك مانع شرعي أو قانوني من حرمان المطلقة من التعويض إلى جانب حقها في المتعة متى كان الزوج متعسفا في الطلاق .
إلا أنه ، وكما سبق توضيحه سابقا فإن التعويض يكون عن خطأ أما المتعة فهي من التبعات المالية للطلاق مهما اختلفت أسبابه ، وقبل هذا وذاك فإن مصطلح المتعة أشرف من التعويض لأن أي تعويـض لا يمكنه أن يغنـي المرأة عن زوجها وبيتـها
ووضعها الاجتماعي كما أن المتعة تغطي معنويا ما لا يستطيع التعويض تغطيته .
كما أن إيجاب التعويض عقوبة ، والعقوبة لا تكون إلا على فعل محرم فيؤخذ من إيجاب التعويض تحريم الطلاق، الذي لم تبد أسبابه للمحكمة أو للقاضي أو كان دون سبب فعلا، وهذا لم يرو عن السلف من المسلمين بل روي كثير من حادثات الطلاق عن الصحابة ومن بعدهم ولم يرو أن أحدا طالبهم بالتعليل وبيان الأسباب .
فالمحكمة تعتمد على المعايير السابقة، فتقرر مبالغ سمتها العامة الاختلاف وذلك حسب المناطق الجغرافية ، وحسب مهنة الزوج، وإن كان البعض ينادي بالرفع من قيمتها حتى تكون رادعة وزاجرة للأزواج من مغبة إيقاعهم للطلاق.
غير أن حقوق المرأة المطلقة لا تكتمل إلا إذا حصلت على نصيبها في ممتلكات الأسرة .

المبحث الثالث : نصيب المطلقة في ممتلكات الأسرة .

إن الزوجة أثناء الحياة الزوجية غالبا ما تساهم في تكوين متاع البيت عبر الجهاز أو الشوار أو شراء بعض اللوازم مما يفرض حين الانفصال أن تأخذ نصيبها من المتاع المنزلي ( المطلب الأول) كما أن مدونة الأسرة أسست لحق جديد ألا وهو نصيب الزوجة في المستفاد من ثروة الأسرة ( المطلب الثاني).

المطلب الأول : أحكام قسمة متاع البيت.

يراد بمتاع البيت في مجال العلاقة الزوجية كل ما يوجد في بيت الزوجية مما ينتفع به في الحياة من أثاث ومفروشات وأجهزة منزلية وغيرها ، سواء كان هذا المتاع من الجهاز أو الذي تأتي به الزوجة لبيت الزوجية عند زفافها أو كان من ممتلكات الزوج أو كان من أدوات منزلية جدت بعد الزفاف .
والمتاع أنواع ثلاثة :
نوع يصلح للزوج دون الزوجة كأدوات الحلاقة ، ونوع يصلح للزوجة دون الزوج كالحلي وأدوات الزينة ، ونوع يصلح لكل من الزوج والزوجة ويستعملاته معا كأواني الشاي وآلة التسجيل وغيرها فإذا كانا متفقين فلا إشكال ، وإن اختلفا تطبق قواعد الإثبات ، إلا أن كيفية تطبيقها يعتريها اختلاف بين الفقهاء .
بيد أن مدونة الأسرة فصلت في الموضوع بموجب المادة 34 ، حيث أحالت في الفقرة الثانية على القواعد العامة للإثبات في حالة النزاع بين الزوجين ، وأوضحت في الفقرة الثالثة القواعد التي يجب اتباعها في حالة عدم توفر أي منهما على بينة وهي :
القول للزوج بيمينه في المعتاد للرجال.
وللزوجة بيمينها في المعتاد للنساء.
أما المعتاد للرجال والنساء معا فيحلف كل واحد منهما ويقتسمانه ما لم يرفض أحدهما اليمين ويحلف الآخر فيحكم له .
ومتاع البيت كما سبق تعريفه يشمل ما يصطلح عليه بالجهاز أي الأثاث الذي يتم به تجهيز بيت الزوجية ، إذ أن العرف جرى على أن ما يدفعه الزوج للزوجة لا يعتبر كله صداقا في مقابلة الزواج ، وإنما هو عبارة عن مبلغ يدفعه لها لتسعين به على شراء ثيابها ، وتجهيز بيت الزوجية بما يحتاج إليه من فراش وأثاث أو ما يعبر عنه الشوار .
مما يطرح مصير ما أنت به الزوجة من جهاز وشوار في حالة انفصام عرى الزوجية بالطلاق فبالرجوع إلى مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 34 نجد أن المدونة تنص على أن كل ما أتت به الزوجة من جهاز وشوار يعتبر ملكا لها، وأن الصداق ملك للمرأة تتصرف فيه كيف شاءت ، ولا حق للزوج في أن يطالبها بأثاث أو غيره في مقابل الصداق الذي أصدقها إياه ( المادة 29).
يتضح إذن أن الزوجة غير ملزمة بأي تجهيز مما قبضته من الصداق وأن ما أتت به لا حق للزوج فيه.
والمدونة بموقفها هذا تحاول تغيير الأعراف والعادات السائدة داخل المجتمع ، هذه العادات التي تؤدي في غالب الأحيان إلى المغالاة في المهور.
غير أن هذا لا يمنع من أنه إذا وجد اتفاق على قيام الزوجة بهذا التجهيز يعمل بهذا الاتفاق طبقا للقواعد العامة للإثبات، كما يبدو أنه يؤخذ كذلك بما يجري به عرف وعادة أهل بلدهما تطبيقا للقاعدة الفقهية العادة محكمة .
هكذا إذن تستحق المطلقة أخذ حقها في متاع البيت حسب الأحكام المدرجة سابقا، بل أكثر من ذلك ذهب بعض الفقه ، وسايرته مدونة الأسرة في تخصيص حق للمطلقة في المستفاد من الثروة المتراكمة أثناء فترة الحياة الزوجية .

المطلب الثاني : الحق في المستفاد من الثروة.

تنص المادة 49 من مدونة الأسرة على أن ” لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر، غير أنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها.
يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.
يقوم العدلان بإشعار الطرفين عند زواجهما بالأحكام السالفة الذكر .
كما تضيف هذه المادة في فقرتها الأخيرة أنه إذا لم يكن هناك اتفاق فيرجع للقواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة.
وفي الواقع هذه المادة جاءت مستجيبة للتحولات التي عرفتها الأسرة المغربية على مستوى البنية والأدوار ، إذ أن المرأة أصبحت تساهم في الدخل الاقتصادي للأسرة بشكل بين سواء في المدينة أو في البادية.
إن معالجة مدونة الأسرة لتدبير الأموال المشتركة بين الزوجين أثناء الفترة الزوجية لم يأت من فراغ ، بل إن المدونة استندت على مرتكزات الشريعة الإسلامية وكذا على الفقه الإسلامي عبر القرون ، والذي تبلور في عدة فناوي ونوازل حكم فيها القضاء عملا بقواعد الإنصاف والعدالة والقسط ، وأنه لا يجوز لمسلم أن يأكل مال وجهد وسعي الغير بالباطل .
كما أن التراث الفقهي المغربي أصل هذا الحق بما سماه بحق ” الكد والسعاية ” أو حق ” الشقا” خاصة في المناطق الجنوبية أو مناطق سوس” ويمكن أن نذكر في هذا الإطار كتاب فقه النوازل في سوس لمؤلفه الدكتور حسن العبادي ، هذا الأخير خلص بعد استعراضه للعديد من النوازل والفتاوي إلى القول : ( ويبدو أن القول الجدير بالتأييد والترجيح هو الذي يعطي للسعاية أحكام الشركة وهو الذي يتماشى والموقف الواضح في الفقه المالكي ، هذا الموقف عززه التوجه القضائي في جملة من الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم المملكة.
ففي قرار لمحكمة الاستئناف بمراكش صدر بتاريخ 3 مارس 1984 أكد على أن ” للمحكمة الاستئنافية بالخبرة لتحديد قيمة الذمة والممتلكات التي أنشئت خلال فترة الزواج للحكم بما ناب الزوجة من المستحق بواسطة حق الكد والسعاية “.
كما صدر قرار آخر لمحكمة الاستئناف بتاريخ 4 أبريل 2000 جاء فيه : ” إن الكد والسعاية من لدن المرأة سواء في البادية أو الحاضرة المعتبر للتعويض عنه هو المترتب عن عمل مكسب وافر عن الحاجيات الشخصية يصب في ثروة مادية أنشئت أثناء الحياة الزوجية”.
وفي نفس الاتجاه سار المجلس الأعلى إذ اعتبر أن ” الاستفادة التي تحصل للزوجة إذا ثبت أن ما استفاداه ناتج عن عملهما المشترك تجعل الكد والسعاية ثابتين للزوجة وتستحق بذلك نسبة من الثروة خلال الحياة الزوجية” .
استنادا إذن على ما سبق بيانه يتضح أن التراث الفقهي المغربي ومعه الموقف القضائي يؤيدان حق المرأة في أخذ نصيبها من الثروة المتراكمة أثناء الحياة الزوجية وإذا كانت مدونة الأسرة قد سايرت هذا التوجه ، وأصلته عبر تنصيصها على حق الزوجين حين إبرام عقد الزواج على إنشاء عقد مستقل يضمنان فيه كيفية استثمار أموالهما فإن هذا الاتفاق يبقى اختياري وليس إلزامي ، مما يفرض أنه في حالة عدم الاتفاق اللجوء إلى القواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين ومساهمته في تنمية أموال الأسرة ، الشيء الذي يطرح من الناحية العملية إشكالية إثبات الزوجة لمدى مساهمتها في أعباء تنمية أموال الأسرة خاصة إذا كانت هذه المساهمة غير موثقة ، أو جرى العرف والعادة على اعتبارها ” لا شيء ” أو ” بدون” كما هو الشأن بالنسبة للأعباء المنزلية مما جعل فرق الأغلبية أثناء مناقشة مشروع مدونة الأسرة تطالب بتضمين المادة 49 ” العمل المنزلي أيضا باعتباره مساهمة فعلية في تنمية موارد الأسرة إن ماديا أو معنويا لكن المدونة لم تنص عليه بشكل صريح ومباشر.
وبالرجوع إلى الواقع المعيش نجد أن نساء أمضين عمرهن في خدمة أزواجهن وبيوتهن، وحين الطلاق يخرجن كيوم ولدتهن أمهاتهن مثل المرأة في البادية والمرأة الموظفة التي تجلب المال للأسرة من عملها فحقها ثابت بواسطة القواعد العامة للإثبات .
ولهذا فإنني أعتبر إقدام المدونة على تأصيل هذا الأمر خطوة مهمة ، إلا أن الأرقام الإحصائية تفيد قلة هذه الاتفاقات ، والجدول التالي يوضح ذلك .
الدائرة الاستئنافية حالات الاتفاق على استثمار الأموال خلال الحياة الزوجية
الرباط 16
القنيطرة 40
الدار البيضاء 171
الجديدة 3
فاس 2
تازة 10
مراكش 1
ورززات 0
آسفي 1
مكناس 12
الراشيدية 15
أكادير 0
العيون 0
طنجة 0
تطوان 0
سطات 7
بني ملال 1
خريبكة 0
وجدة 32
الناظور 1
الحسيمة 0
المجموع العام 312
وفي ختام الحديث عن مستحقات المطلقة ، لا يفوتني التعريج على مؤخر الصداق كحق مالي تستحقه الزوجة بعد الطلاق ، إذا كان بعض الصداق لا زال في ذمة الزوج ، وذلك في إطار المادة 88، فهو من قبيل الديون التي للزوجة على زوجها، ومن مميزاته أنه لا يخضع للتقادم كما هو الشأن بالنسبة للديون الأخرى .
يتبين إذن أن المشرع حاول إدخال بعض التنقيحات على الحقوق المالية للمرأة المطلقة ، خاصة ما يتعلق بالمتعة مع تأسيسه لحق المرأة في المستفاد من الثروة المتراكمة أثناء الحياة الزوجية ، مضفيا عليه صفة الاختيارية .
أما نفقة المعتدة وسكناها ، فلم تعرف تغييرا مهما، وعموما تبقى إلزامية وضع المستحقات في صندوق المحكمة قبل الإذن بالإشهاد على الطلاق من أهم المقتضيات، نظرا لتعلقها المتين بالحفاظ على حقوق المرأة، وإن كان هذا الأخير يعرف بعض المشاكل في التطبيق العملي، من حيث التماطل في الإشهاد بعد الحصول على الإذن ، ومن حيث حضور الزوجة جلسة الطلاق أهو ضروري أم لا؟
وفي هذا الاتجاه تعمل وزارة العدل على تجميع هذه الإشكاليات، ومحاولة الإجابة عنها بعض استشارة الممارسين .
وبما أن الطلاق تمتد آثاره إلى غير طرفي الزواج، فإن المشرع حرص على تمتيع الأطفال بجملة من الحقوق .

الفرع الثاني : الحقوق المالية للطفل بعد الطلاق.
إن الطفل الناتج عن الطلاق حددت له مستحقات مالية من طرف المشرع المغربي، جاءت متفرقة بين مواد مدونة الأسرة.
فتشمل هذه المستحقات : أجرتي الحضانة والرضاع ( المبحث الأول) ، وسكنى المحضون ( المبحث الثاني) فنفقته (المبحث الثالث).

المبحث الأول : أجرتي الحضانة والرضاع.

الحضانة هي القيام على تربية الطفل الذي لا يستقل بأمره برعاية شؤونه من تدبير طعامه وملبسه ونومه وتنظيفه ووقايته عما يهلكه أو يضره .
وهو ما عبرت عنه كذلك المدونة في المادة 163 بقولها : ” الحضانة حفظ الولد مما قد يضره والقيام بتربيته ومصالحه ” .
وتعد الحضانة من واجبات الأبوين ما دامت علاقة الزوجية قائمة ( المادة 164) وفي حالة انفصامها بطلاق فإن أم المحضون تستحق أجرة عن حضانتها ذلك أن الحضانة هي نوع من الخدمة وعليه يمكن للحاضنة أو الحاضن أن يطلب أجرة مقابل العناية المادية والمعنوية التي تبدل لمصلحة المحضون .
لذا جعل المشرع المغربي أجرة الحضانة ومصاريفها على المكلف بنفقة المحضون ( المطلب الأول ) وهي غير أجرة الرضاعة ( المطلب الثاني ) أو النفقة.

المطلب الأول : أجرة الحضانة .

وأجرة الحضانة يؤديها المكلف بنفقة المحضون وذلك وفقا لتقدير المحكمة الذي
يأخذ بعين الاعتبار الظروف المادية والاجتماعية لكل حالة على حدة .
وحتى أتمكن من الإحاطة بجل جوانب أجرة الحضانة كمستحق أساسي لطفل الطلاق لابد من التطرق لمجال أو نطاق استحقاق هذه الأجرة في ( الفقرة الأولى) على أن أعالج في ( الفقرة الثانية) مسقطات الحق في أجرة الحضانة .

الفقرة الأولى : نطاق استحقاق أجرة الحضانة.

لقد أجمع الفقه الإسلامي على عدم استحقاق الأم لأجرة الحضانة في حالة قيام رابطة الزوجية وكذا في حالة العدة من طلاق رجعي لقيام الزواج حكما ذلك أن الزوج ملزم بالإنفاق على زوجته في الحالتين.
والمشرع المغربي سار على نفس النهج، وقرر في المادة 167 بأن الأم لا تستحق أجرة الحضانة في حالة قيام العلاقة الزوجية أو في عدة من طلاق رجعي.
وإذا انفصل الزوجان وانتقلت الحضانة إلى الأم وهي مطلقة طلاقا بائنا ولكن عدتها لم تنته بعد، فقد رأى بعض الفقه أنها لا تستحق الأجرة لأن لها على والد المحضون نفقة العدة، فلا تجمع بينها وبين أجرة الحضانة، بينما رأى البعض الآخر أنها تستحق الأجرة ، لأن الرابطة الزوجية قد انقطعت ، وللمرأة في هذه الحالة أن تأخذ نفقة العدة وأجرة الرضاع وأجرة الحضانة.
ويبدو أن هذا الرأي الأخير هو الأقرب للترجيح عملا بالمفهوم المخالف لمقتضيات الفصل 104 من المدونة السابقة والذي لا يعطيها الحق في أجرة الحضانة أثناء عدة الطلاق الرجعي . أما إذا انتهت العدة أو كان الطلاق بائنا ، فإن المطلقة تستحق أجرة الحضانة من يوم ابتدائها فعلا بخلاف الحاضنة غير الأم حيث لا تستحق تلك الأجرة، إلا من تاريخ الحكم لها بها أو الاتفاق عليها دون احتساب المدة السالفة عن ذلك .
بيد أن المشرع المغربي جعل الحضانة مأجورة في حالة انفصام الزوجية سواء كانت الحاضنة أما أو سواها ، دون توضيحه لأسس تقدير هذه الأجرة، مما يعني أن أسس تقدير النفقة الواردة في المادة 189 تبقى هي الأصل ، وينسحب تطبيقها على أجرة الحضانة كذلك .
ونظرا لخصوصية هذا المستحق فقد نادى البعض بضرورة إضافة سن المحضونين وعددهم وطبيعة الخدمات التي تقدمها لهم الحاضنة إلى بقية المعايير الأخرى ، وإن كان الأمر يتطلب في هذه الحالة الاستعانة بمساعدة اجتماعية على اعتبار أنها الكفيلة بتحديد نوعية الخدمات المقدمة للمحضون على الوجه الحقيقي والواقعي .
فإذا كانت مدونة الأسرة في مادتها 172 قررت الاستعانة بمساعدة اجتماعية في مجال سكن الحاضن وما يوفره للمحضون من الحاجيات المادية والمعنوية ، فهذا يدفعني للتطلع إلى تمديد اختصاص المساعدة الاجتماعية إلى أن تلعب دورا في تقدير أجرة الحضانة كذلك.
فإذا كان الأصل هو استحقاق الحاضن أو الحاضنة لأجرة الحضانة ، فإن هذا الحق يعرف حالات سقوط.

.

الفقرة الثانية : حالات سقوط الحق في أجرة الحضانة.

يحق للحاضنة التنازل عن حقها في أجرة الحضانة عن المدة السالفة دون اللاحقة لأنه لا يمكن التنازل إلا عن دين ثابت وحال وموجود ، كما يجوز الإبراء من الأجرة في مقابل الطلاق إذا كانت المطلقة أما للمحضون ، إذ أجاز المالكية مبدئيا الخلع مقابل إسقاط الحضانة ، ولكن إذا لم يسبب ضررا للمحضون سواء كان ماديا أو معنويا ، بينما مدونة الأسرة ركزت على الضرر المادي فقط ، وذلك بإجازتها بمفهوم المخالفة للخلع بحق من حقوق الأطفال في حالة ما إذا كانت المرأة موسرة .
وعموما فحق الحضانة يثير نقاشا من حيث هل هو مرتبط بالحاضن أم بالمحضون ؟ ذلك أن اعتباره حقا للحاضن يعطي الفرصة للمعاوضة والبيع والشراء به في الخلع ، الشيء الذي يؤثر على مصلحة المحضون التي هي أولى بالاعتبار .
كما أن زواج الأم الحاضنة هو الآخر يعفي الأب من تكاليف سكن المحضون وأجرة الحضانة ( المادة 175).
أما في حالة غياب أحد شروط الحضانة عن الحاضنة ، فإن استحقاق الأجرة يبقى قائما ، إلا إذا أثبت ولي المحضون إخلال الحاضنة بالتزامها ، هذه الأخيرة تؤجر على قيامها بإرضاع المحضون أيضا.

المطلب الثاني : أجرة الرضاع .

نظرا للفوائد الجمة لحليب الأم على صحة الرضيع ، فقد ألزم الله عز وجل الأم بإرضاع ولدها مصداقا لقوله تعالى :  والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .
مما يتضح معه أن الرضاع مفروض في الأم بالطبيعة ، وواجب في نفس الوقت في حالة الارتباط أو الافتراق ، لأنها مسؤولة أمام الله عن ولدها وتأثم إن فرطت في واجبها هذا، غير أنه في حالة انفصام عرى الزوجية بالطلاق ، فإن الأم تستحق آنئذ أجرة عن قيامها بالرضاع على اعتبار أنها تؤدي خدمة للمحضون ، لكن الفقهاء اختلفوا في وجوبه عليها من الناحية القضائية.
وللإحاطة بحق الطفل في أجرة الرضاع سأحاول معالجته من خلال معرفة حالات استحقاق أجرة الرضاع ( الفقرة الأولى) ومقدار هذه الأجرة (الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولى : حالات استحقاق أجرة الرضاع.
تنص المادة 54 من مدونة الأسرة على أن من الحقوق الواجبة على الأم، إرضاعها لأطفالها عند الاستطاعة ، مما يفيد ضمنيا أن ذلك الحق يسقط بعدم الاستطاعة إذ القاعدة أنه لا تكليف بما فوق الطاقة .
والأم تستحق أجرة الرضاع بعد انتهاء الزوجية والعدة أو في عدة الوفاة لقوله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ولا تستحقها في حالة الزوجية والعدة من طلاق رجعي.
وبالرجوع إلى الفقرة الأولى من المادة 167 من مدونة الأسرة أجد أن أجرة الحضانة ومصاريفها على المكلف بنفقة المحضون وهي غير أجرة الرضاعة والنفقة “وهذا ما أكده المشرع المغربي في المادة 201 من نفس المدونة”.
وحتى تستحق الأم هذه الأجرة يجب أن يتم الإرضاع داخل الحولين الأولين من عمر الرضيع فإن أرضعت المرأة الطفل بعد ذلك فإنها لا تستحق الأجرة ويبقى للزوجة عندئذ الحق في أجرة النفقة والحضانة في حالة استحقاقهما وذلك مصداقا لقوله تعالى:

 والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة .
أخلص من كل ما سبق إلى القول بأن الزوجة تستحق أجرة الرضاع بمجرد حصول الوفاة أو الطلاق البائن أو انتهاء العدة من الطلاق الرجعي، إن هي أرضعت طفلها داخل الحولين أما إذا كانت المرضعة غير الأم فإنها تستحق أجرة الرضاع كلما أرضعت طفلا داخل الحولين وثبت ذلك .
وقياسا على أجرة الحضانة فإن أجرة الرضاع يمكن التبرع بها، ويمكنها أن تكون في مقابل الخلع، ما دام أن كل ما صح التزامه شرعا صلح أن يكون بدلا للخلع.

الفقرة الثانية : مقدار أجرة الرضاع.
لقد ألزم المشرع المغربي أب المحضون بأداء أجرة الرضاع، دون توضيحه لكيفية تقدير هذه الأجرة ، مما يبرر استخدام القاضي أو المحكمة لسلطتها التقديرية ، ما لم يتفق الطرفان على مقدارها ، فالقاضي حال رفع النزاع إليه، وعدم وجود أجر متعارف إليه، يعمد إلى تفعيل سلطته التقديرية مراعيا في ذلك كون الأجرة ، إنما هي مقابل للالتزام بعمل خلافا لما هو عليه الأمر بالنسبة لتقدير مبلغ النفقة ،إذ أن معايير تقدير النفقة لا تصلح دائما لتقدير أجرة الرضاع، فلا يمكن مثلا اعتبار حال الزوجين كأساس، لأن المرضع قد لا تكون هي الزوجة ، كأن تكون متبرعة وفي هذه الحالة تطرح مسألة أحقية الأم بأجرة الرضاع، إذا كانت هناك متبرعة ، فالمدونة السابقة تعرضت لهذه المسألة واعتبرت أن المتبرعة أحق بالإرضاع من الأم الطالبة للأجرة إذا كان الأب ضعيفا مما يعني أن تفضيل المتبرعة مشروط بفقر الأب أما إذا كان عنيا فالأجرة تبقى من حق الأم ولو مع وجود المتبرعة.
في حين التزمت مدونة الأسرة الصمت في هذا الموضوع ولم توضح أحكام التبرع بالرضاع.
وعموما ، تبقى قضايا طلب أجرة الرضاع قليلة إن لم نقل منعدمة في الواقع العملي.
لكن مع ذلك ينبغي الاحتياط للأمر ، خاصة وأن الرضاعة اليوم أصبحت عبئا ثقيلا ، أمام تراجع الرضاعة الطبيعية وخضوع الحليب الاصطناعي للضريبة .
لكن أهمية أجرة الرضاع لن تكتمل إلا إذا توفر المحضون على سكن يأويه .

المبحث الثاني : سكنى المحضون .

لقد فصلت مدونة الأسرة سكنى المحضون عن باقي مشتملات النفقة وجعلته التزاما مستقلا (المطلب الأول) كما أقرت آليات قانونية تضمن للمحضون الحق في السكنى (المطلب الثاني).

المطلب الأول : الالتزام بالسكنى.

لقد كانت السكنى حسب المدونة الملغاة جزءا لا يتجزأ من عناصر النفقة، لكن الفقرة الأولى من المادة 189 من مدونة الأسرة نصت على أن ” النفقة تشمل الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد مع مراعاة أحكام المادة 168 … ” الذي يوضح أن المشرع المغربي لم يعد يعتبر السكنى عنصرا من عناصر النفقة، إنما هو التزام مستقل بذاته على ما أكده في القسم الخاص بالحضانة ، حيث يستفاد ضمنا من المادة 189 من المدونة .
وفي نفس السياق تنص المادة 168 من مدونة الأسرة على أنه تعتبر تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما.
يجب على الأب أن يهيئ لأولاده محلا لسكناهم ، أو أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه، مراعية في ذلك أحكام المادة 191 بعده … ” .
ولعل موقف المشرع هذا جاء كرد على الاختلاف الذي شاب الاجتهاد القضائي فيما يتعلق بإشكالية إدخال أجرة السكن في تقدير النفقة، خاصة أمام هزالة المبالغ المالية المحكوم بها والتي لا تكفي لسد الرمق ولو لمدة وجيزة.
وهكذا فيجب على محكمة الأسرة ألا تخلط بين الالتزام بالنفقة والالتزام بالسكنى إنما عليها أن تحدد في حكمها كلا منهما باستقلال عن الآخر .
وبهذا يكون المشرع المغربي، قد حذا حذو بعض التشريعات العربية، كالتشريع التونسي .
وبالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة 168 نجد أن المشرع أوجب على الأب تهييئ محل لسكن أولاده ، هذا المسكن قد يكون هو بيت الزوجية ، وقد يكون مسكن آخر، كما منحه المشرع إمكانية أداء مبلغ مالي لتغطية مصاريف السكن، والذي يتم تقديره من طرف المحكمة بناء على قناعتها وسلطتها التقديرية.
وبالتالي ، فالالتزام بالسكنى يلزم عند تقديره مراعاة ظروف الطرفين خاصة الزوج المطلق على اعتبار تحمله لأعباء مالية جديدة ، إضافة إلى المستحقات المالية لمطلقته وأبنائه .
وفي سبيل التأسيس لهذا الحق أحاطه المشرع بجملة من الضمانات القانونية.

المطلب الثاني : الآليات القانونية المقررة لضمان سكنى المحضون .

لقد فصل المشرع تكاليف سكن المحضون من حيث تقديرها عن بقية التكاليف ، وفي سبيل تفعيل هذا الحق وضمانه ألزم المشرع في الفقرة الثالثة بعدم إفراغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون (المادة 168).
فهذه الفقرة لا تثير أي إشكال إذا كان الأب هو المالك لبيت الزوجية ، لكن إذا تعلق الأمر بطرف ثالث كمالك العقار الذي به بيت الزوجية ، فإن الإشكال يثور ، إذا لم ينفذ الأب الحكم الخاص بسكنى المحضون ويكون قد أفرغ بيت الزوجية وسلم المفاتيح لمالك العقار ، هنا سنواجه باحتلال بدون سند من طرف المحضون وحاضنته.
والقضاء المغربي لم يحسم في هذا الموضوع، بل ظلت قراراته متضاربة على اعتبار أن الموضوع تتداخل فيه مصالح طرفين.
وفي هذا الإطار جاء إقرار المشرع بعدم إفراغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب الحكم الخاص بسكنى المحضون.
وربما ستثير هذه الأحكام مشاكل كثيرة فيما يخص واجبات المكري وبقاء المرأة في البيت خصوصا إذا تماطل الأب في التنفيذ أو غاب أوفر دون أداء واجباته بما في ذلك تكاليف السكنى .
ومن أجل ضمان تنفيذ الحكم من طرف الأب المحكوم عليه، أشار المشرع في
عبارات عامة من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 168 إلى أن للمحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ حكمها القاضي على الأب بالسكنى على نحو معين دون أن يبين هذه الإجراءات أو يعطي أمثلة عنها على الأقل.
وحسب بعض الفقه فإن الغرامة التهديدية بالإضافة إلى حجز مبلغها من المنبع إن كان الأب موظفا أو مستخدما أو عاملا تعد من أهم الوسائل التي يمكن اعتمادها في هذا الصدد .
وزيادة في الضمان فإن المشرع اعتبر الحكم القاضي على الأب بالسكنى أو بمقابل السكنى يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم آخر يحل محله أو يسقط حق المحضونين في النفقة ، وذلك في إطار الأحكام العامة للنفقة المنصوص عليها في المادة 191 والتي أحالت عليها الفقرة الثانية من المادة 168 إذ يكفي أن يصدر حكم واحد بالنفقة وأنه يمكن التنفيذ بواسطته بشأن النفقات التي سوف لن تؤدى مستقبلا إلى أن تسقط النفقة بالكيفية التي حددها القانون .
وتجدر الإشارة إلى أن عدم التزام الأب بتوفير سكنى المحضون لا يخضعه لجريمة إهمال الأسرة ذلك أن الفصل 480 من ق .ج يخص الممتنع عن أداء النفقة ، وحيث أن السكنى هي التزام مستقل عن النفقة ، فإن العقوبة لن تلحق الممتنع عن أداء تكاليف السكنى وذلك تطبيقا لمبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، الشيء الذي يضعف من آليات تنفيذ الالتزام بالسكنى، وذلك على خلاف الالتزام بالنفقة الذي رتب المشرع عن عدم أدائه إحالة الممتنع على جريمة إهمال الأسرة ، وذلك كضمانة أساسية للمحضون.

المبحث الثالث : نفقة المحضون.

لقد حدد المشرع عناصر النفقة ووضع معايير تقديرها ( المطلب الأول) كما أوضح في ذات الوقت أحكام استخلاص النفقة قضائيا من حيث وسائل التنفيذ ومميزات حكم النفقة وكذا أثر عدم تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول: مشمولات نفقة المحضون وكيفية تقديرها .

تشتمل نفقة المحضون على عناصر أساسية ( الفقرة الأولى) ويعتمد القاضي في تقديرها على معايير أساسية ( الفقرة الثانية) .
الفقرة الأولى : مشتملات نفقة المحضون .
المشتملات تعني عناصر النفقة ـ أو قائمة الحاجيات الضرورية لمستحق النفقة ، وبناء على المادة 189 فإن النفقة تشمل الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات والتعليم للأولاد.
وعليه فقد اشتملت هذه المادة على ما يلزم لضمان العيش السليم للمحضون ، لكن إكراهات الواقع تضرب بهذه العناصر عرض الحائط على اعتبار أن الدخل الفردي ضعيف جدا مما قد يؤثر على القوة الشرائية فتتأثر بالتالي قدرة الآباء على توفير الغذاء والكساء لأولادهم.
كما تم التنصيص على حق الأولاد في التعليم وما يتطلب ذلك من مصاريف ، فالتعليم يعتبر غذاء روحيا للأبناء والأساس الذي يعول عليه لتوسيع مدارك الطفل والخروج به من قوقعة الجهل.
من خلال هذه المشتملات يتضح أنه لم تأت على سبيل الحصر ، وإنما فقط على سبيل المثال ودليل ذلك إقحامه لعبارة ” وما يعتبر من الضروريات .
ومقارنة مع المدونة الملغاة ، نجد أن مدونة الأسرة أضافت الحق في العلاج أو
التطبيب باعتباره من أهم الضروريات وذلك في إطار انفتاحها على مقتضيات الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل.
والنفقة مستقلة عن أجرة الحضانة وعن أجرة الرضاع وذلك بموجب المادة 167 وهي واجبة على الأب نحو أولاده إلى حين بلوغهم سن الرشد وإتمام الخامسة والعشرين بالنسبة لمن يتابع دراسته.
وفي كل الأحوال لا تسقط نفقة البنت إلا بتوفرها على الكسب أو بوجوب نفقتها على زوجها ويستمر إنفاق الأب على أولاده المصابين بإعاقة والعاجزين عن الكسب (المادة 198).
من خلال هذه المادة يتضح أن المشرع قام بتحديد السن الأقصى التي تنتهي عندها النفقة وهي سن الخامسة والعشرين في حالة متابعة الطفل لدراسته وإلا فإن النفقة تتوقف عند سن الرشد القانوني مستثنيا في ذلك البنت ، على اعتبار أن نفقتها لا تنتهي إلا بإثبات أنها تتوفر على الكسب ، أو بوجوب نفقتها على زوجها ، بدخوله بها دخولا صحيحا ، كما أبقى المشرع على نفقة الأولاد المصابين بإعاقة بدنية أو ذهنية والعاجزين عن الكسب في ذمة الأب .
بيد أن الأب إذا كان معسرا لا تجب عليه نفقة الأولاد وإنما تجب على الأم إذا كانت موسرة وقد تم النص على هذه القاعدة بموجب المادة 199 من مدونة الأسرة “إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق على أولاده وكانت الأم موسرة ، وجبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب “.
هكذا إذن وحتى تلتزم الأم بالنفقة على أولادها لابد من تحقق شرط عجز الأب عن الإنفاق وإثباته العسر ويمكن للأم أن تثبت خلاف ذلك.

.

كما يجب أن تكون الأم موسرة ، ويمكنها إثبات العكس للتخلص من هذا الالتزام وللأب أن يثبت خلاف ذلك ، ومع ذلك يبقى التأكد من عجز الأب أهو كلي أم جزئي مشروطا ليتم تطبيق التزام الأم بالإنفاق .

أما في حالة كون المحضون معاقا، فإن النفقة تكون من نصيب الوالدين باتفاق الفقهاء وقد تجب على الأم إن كان الأب معسرا، والأم أولى بالحضانة من غيرها، وإن كان الأبوان معوزين والأم غير قادرة على الحضانة فالدولة العصرية أحق بالرعاية والإنفاق .
فإذا كانت عناصر النفقة واضحة ولا تثير أي إشكال فإن تقديرها على العكس من ذلك يصادف بعض المشاكل على اعتبار أنها تبقى مسألة واقع .

الفقرة الثانية : تقدير نفقة المحضون.
إن تقدير النفقة يبقى مسألة واقع، تتحكم فيها السلطة التقديرية لقضاء الموضوع وذلك بناء على مجموعة من العناصر ، هذه العناصر التي تكون بمثابة أسباب التعليل التي يتوجب على القاضي توضيحها عند كل حكم وإلا اعتبر الحكم ناقص التعليل وتعرض بذلك إلى النقض .
وإذا كانت المدونة السابقة ، فصلت بين معايير تقدير نفقة الزوجة والأبناء ، فإن مدونة الأسرة الحالية اعتمدت على مبدأ الوحدة في معايير التقدير وذلك بناء على الفصل 189 حيث جاءت الصياغة شاملة للزوجة والأبناء ، وهذا يتماشى وفلسفة المدونة القائمة على تحقيق الوحدة بين أفراد الأسرة، ولعل هذا هو سبب تسميتها بمدونة الأسرة .
ونظرا لأن التفصيل في معايير تقدير النفقة حين تم الحديث عنه في الشق المتعلق بالمطلقة فلن أكرر ما قيل، اللهم ما يتعلق بمراعاة الوضعية المعيشية والتعليمية التي كان عليها الأطفال قبل الطلاق والتي يمكن اعتبارها معيارا جديدا ينضاف إلى باقي المعايير السابقة.
فالحديث عن الوضعية والمعيشية والتعليمية التي كان عليها الطفل قبل الطلاق يحيل مباشرة على التفريق بين الطفل المنحدر من أسرة ميسورة وذلك المنحدرة من أسرة متوسطة أو فقيرة ، ذلك أن حاجيات الأول تختلف عن حاجيات الثاني فكم من طفل كان يتابع دراسته في المدارس الخاصة، وتخلى عنها بعد الطلاق ، وذلك لتكلفتها الباهضة خاصة إذا كان هناك أكثر من طفل، وفي مستويات مختلفة .
ولعل ما يزيد الأمر صعوبة ، العراقيل التي تحول دون تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة.

المطلب الثاني : استخلاص نفقة المحضون قضائيا.

إن استخلاص نفقة المحضون عن طريق القضاء ، يتم التقاضي فيه عادة من طرف الحاضنة ، إلا أنه لم يتم التعرض من طرف المشرع إلى الحالة التي يكون فيها القاصر المستحق للنفقة مضطرا لمقاضاة أبيه الملزم بالنفقة، بيد أن القضاء المغربي أجاز للأبناء القاصرين العاجزين عن الكسب توجيه الدعوى مباشرة ضد أبيهم لمطالبته بالنفقة عليهم، وتمكينهم من مستلزمات متابعة دراستهم ما داموا في السن المخولة لهم حق النفقة، ولم يقبل دفع الأب بعدم أهلية أبنائه القصر لرفعهم دعوى النفقة هذه ضده دون وليهم الذي هو الأب نفسه ، فمنح الطفل أهلية التقاضي يحقق مصلحته اعتمادا على قاعدة جلب المنفعة ،هذه المصلحة لن تكتمل إلا بعد ما يأخذ الحكم القضائي طريقه نحو التنفيذ ( الفقرة الأولى ) ونظرا للصبغة العيشية للنفقة فقد رتب المشرع جزاء على الممتنع عن أدائها ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى : تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة.
أقر المشرع وسائل لتنفيذ الحكم(أولا) ومتعه بضمانات أساسية (ثانيا .

أولا – وسائل تنفيذ الحكم:
في الواقع الحديث عن تنفيذ الأحكام يكون منطقيا إذا تعلق الأمر بقواعد الشكل وليس بقواعد الموضوع، لكن المدونة الجديدة درجت على إقحام قواعد الشكل في مواقع كثيرة ، وإن كان هذا الأمر ثار حوله نقاش كبير، إلا أنني أعتقد أن المشرع ، نحا هذا المنحى لإيمانه بأهمية قضايا الأسرة عامة، وبمعاشها خاصة ، هادفا من وراء ذلك تسريع المسطرة، لكن مع ذلك تبقى المسطرة المدنية هي صاحبة الاختصاص . فقد نصت المادة 191 من مدونة الأسرة على أنه ” تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة … على أموال المحكوم عليه أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه وتقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة … “.
فمن خلال هذا الفصل يتضح أن الاقتطاع من منبع الريع أو الأجر يعد وسيلة من وسائل تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة، كما أوضح الدليل العملي لمدونة الأسرة بأن أحكام المادة 191 تبرز ما يجب أن تكتسيه الأحكام الصادرة بالنفقة من طابع خاص ، نظرا للدور المعيشي للنفقة وما تقتضيه من طابع الاستعجال، فقد نصت على الدور الأساسي للمحكمة في تحديد وسائل تنفيذ الحكم الصادر عنها بالنفقة وبتكاليف السكن على أموال المحكوم عليه، منقولا كان أو عقارا أو الأمر باقتطاع قدر النفقة من منبع
الريع كمبالغ الكراء أو الأجر الذي يتقاضاه الملزم من الدولة أو المقاولة .
وزيادة في تفعيل هذا الفصل يعتمد القضاء الغرامة التهديدية كوسيلة ضغط على الأب من أجل أداء النفقة.
إلا أن المشكل يصبح أكثر خطورة على مصلحة الطفل، إذا كان الأب ليس له أجر إما بسبب عمله الحر أو بسبب البطالة، فالحقيقة المحكمة تعدم الوسيلة في مثل هذه الحالات لكن في الحالة العادية، متع المشرع النفقة بضمانات من أجل دوام استمرارها.

ثانيا – الضمانات الكفيلة بتنفيذ الحكم :
جاء في الدليل العملي لمدونة الأسرة أنه ولتوفير الضمانات الكفيلة التي تسمح بتنفيذ الحكم حتى يبقى أداء النفقة مستمرا يتعين على المحكمة أن تحدد تلك الضمانات ما أمكنها ذلك، وضمانا لاستمرار أداء النفقة أو درءا لانقطاع أسباب العيش عن مستحقيها ، وتخفيفا عنه من أعباء ما تقتضيه المطالبة بها كل مرة من إجراءات ومصاريف ، نصت المادة 191 على أن الحكم الصادر بتقرير النفقة يبقى ساري المفعول إلى أن يصدر حكم يحل محله بتعديله بالرفع أو بالتخفيض منها أو بسقوط حق المحكوم له في النفقة.
هذا ناهيك عن تمتيع الحكم الصادر بالنفقة بالحصانة لمدة سنة ، حيث لا تقبل مراجعة النفقة إلا بعد مرور سنة ، إلا في ظروف استثنائية ، إذ قرر المشرع من خلال المادة 192 من مدونة الأسرة أنه ” لا يقبل طلب الزيادة في النفقة المتفق عليها أو المقرر قضائيا أو التخفيض منها قبل مضي سنة إلا في ظروف استثنائية”.
مما يكون معه الأصل عدم مراجعة النفقة خلال سنة والاستثناء هو المراجعة ، طالما توفرت الشروط الاستثنائية كظهور نفقات طارئة كبيرة لها طابع الديمومة أو إصابة المحضون بمرض مزمن أو بعاهة دائمة أو انقطاع كسب الأب بكيفية مفاجئة .
وإذا كان من حق الأم طلب الزيادة، فإنه وبالمثل يمكن للأب طلب التخفيض إذا كانت النفقة المقررة تفوق قدراته المالية.
كما أن المشرع وزيادة في ضمان تنفيذ الحكم القاضي بالنفقة متعه بالنفاذ المعجل وذلك بموجب الفصل 179 مكرر من المسطرة المدنية، حيث تبث المحكمة في القضية بشكل استعجالي، وفي حالة تأخر البث في القضية لأكثر من شهر، يحكم القاضي بنفقة مؤقتة، طبعا بعد التأكد من صحة الطلب وصحة الحجج المدلى بها.
وفي كلتا الحالتين، ينفذ الحكم تنفيذا معجلا، قبل تسجيله وبمجرد الإدلاء بنسخة منه.
ونظرا للطابع المعيشي للنفقة، فقد أقحمها المشرع ضمن الديون التي لا تقبل الحجز لدى الغير .

الفقرة الثانية : أثر الامتناع عن أداء النفقة.
لقد اعتبر المشرع المغربي الممتنع عن أداء النفقة مرتكبا لجريمة إهمال الأسرة وذلك طبقا للفصل 480 من القانون الجنائي ، فما هي شروط قيام هذه الجريمة (أولا) وما هي أركانها(ثانيا) .

أ ولا – شروط قيام جريمة إهمال الأسرة: 
بعدما أشار المشرع المغربي في الفصل 479 من القانون الجنائي إلى الأحكام الخاصة بجريمة إهمال الأسرة والعقوبة المخصصة لها، أوضح في الفصل 480 من نفس القانون إلى أنه ، ” يعاقب بنفس العقوبة من صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة إلى زوجه أو أحد أصوله أو فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد.
وفي حالة العود الحكم بعقوبة الحبس حتما، والنفقة التي يحددها القاضي تكون واجبة الأداء في المحل المستحق لها ما لم ينص الحكم على خلاف ذلك”.
من خلال قراءة هذا النص يتضح أن تطبيق مقتضياته يتطلب توفر شرطين أساسيين :

1 – وجود أساس شرعي عائلي للالتزام بالنفقة : 
فقد حصر المشرع المستحقين للنفقة في الزوج أو الأصول أو الفروع ، والنفقة المقصودة هنا هي النفقة التي ترتكز على التزام قانوني ناتج عن علاقة أسروية (علاقة زوجية أو قرابة) مما يقصي الالتزام التعاقدي أو الوصية.
كما أن التزام الأب الطبيعي اتجاه ابنه بأداء النفقة، لا يدخل في دائرة جريمة إهمال الأسرة ، وذلك لأن العلاقة بينهما لا ترتكز على أساس النسب الشرعي .
لكن مستجدات مدونة الأسرة توسع من دائرة الالتزام القانوني ، أو على الأقل المادة 156 تدعو إلى التأمل في سبب آخر من أسباب النفقة ، ألا وهي فترة الخطوبة التي تم فيها حمل وتوفرت الشروط المنصوص عليها وتعذر توثيق عقد الزواج .
وتجدر الإشارة إلى أن الأم يمكن أن تتابع هي الأخرى بجريمة إهمال الأسرة طالما أن الأسرة ، أصبحت تحت رعاية الزوجين وأن المرأة أو الزوجة تكون ملزمة بالإنفاق في حالة إعسار الزوج ، وعموما فالفصل 480 لا يقصي هذه الحالة إذ أن الخطاب جاء على صيغة ” من صر عليه ” ومن تكون للعاقل من الرجال والنساء.

2 – صدور حكم قضائي نهائي أو مؤقت : 
انطلاقا من الفصل 480 من ق ج يتضح أن المشرع المغربي اشترط ضرورة وجود حكم قابل للتنفيذ أو مشمولا بالنفاذ المعجل كأساس للمتابعة بالإهمال.
هذا الحكم ينبغي أن يلاحظ إمساك المدين أو أن يقضي عليه بأداء النفقة .
فإذا توفرت هذه الشروط ، تقوم جريمة إهمال الأسرة والتي تتمثل في عدم تنفيذ الحكم القضائي بأداء النفقة في وقتها المحدد، مع توفر النية الجريمة المتمثلة في الإمساك العمدي.

ثانيا – أركان جريمة إهمال الأسرة : 
لا سبيل لقيام جريمة إهمال الأسرة إلا بامتناع الملزم بالنفقة عن أداء ما ثبت بذمته اتجاه المحضون(1) مع توفر القصد الجنائي أي النية العمدية للإضرار بالمحضون(2).

1 – الامتناع عن أداء النفقة : 
بعد صدور الحكم القاضي بالنفقة ، وتوصل الملزم بالنفقة به أي علمه بفحواه، فإذا امتثل سقطت الجريمة ، وإذا امتنع فالمحكوم له لا يجد بدا من الالتجاء إلى رفع شكوى إلى النيابة العامة متهما الممتنع بإهمال الأسرة ويتحقق فعل الامتناع بعد مضي آخر لحظة من الفترة المحددة للقيام بالعمل الذي وقع عنه الامتناع ، وهي 15 يوما من استجواب ضابط الشرطة القضائية الذي أحيل إليه أمر استجواب وأما في حالة هروب المدين أو عدم معرفة محل إقامته ، يتم التنصيص على ذلك في محضر، وتجري المتابعة دون التفات إلى ذلك .
وفي الواقع منح الملزم بالنفقة مدة 15 يوما، تبقى قليلة مقارنة ببعض التشريعات العربية التي اعتمدت آجالا أطول من المشرع المغربي لان الهدف في الحقيقة ليس هو تثبيت الجريمة على الملزم بقدر ما هو تمكين المحضون من مستحقاته المالية ، وهذا لم يتأتى إلا باعتماد بعض المرونة في التعامل مع مثل هذه القضايا ذات الطابع المعيشي .
هكذا إذن إذا أقدم الملزم بالأداء قبل مضي 15 يوما ولو بلحظة فإن الجريمة لا تتحقق كما أنه لو انتهت المدة وقام بعد ذلك بالأداء فإن الجريمة تتحقق رغم هذا الأداء ، وإن كنت أحبذ لو أن المشرع المغربي نحا نفس منحى المشرع الليبي إذ اعتبر أنه وفي جميع الأحوال إذا أدى المحكوم عليه ما تخلد في ذمته أو قدم كفيلا يقبله صاحب الشأن فلا تنفذ العقوبة . فطالما أدى ما بذمته حتى ولو مرت المدة فما الجدوى من سجنه ، خاصة وأن السياسة الجنائية في المغرب تروم التقليل من العقوبات الحبسية لصالح العدالة التفاوضية ، إضافة إلى أن هذا الملزم يبقى أب أولئك الأطفال ورب الأسرة رغم كل شيء ، فحبذا لم يتم استخدام السلطة التقديرية للمحكمة في اتجاه التخفيف من العقوبة الحبسية لصالح الغرامة ، إذا كانت نازلة الحال تقتضي ذلك بحيث يتم التعامل مع كل حالة على حدة ، وذلك حفاظا على الروابط الأسرية ، لكن الفقرة الثانية من الفصل 480 من ق ج تحد من هذه السلطة ، إذ تفرض على القاضي الجنائي الحكم بالعقوبة الحبسية في حالة العود.
أعتقد أن إعمال العقوبات الحبسية في قضايا الأسرة يهدم ولا يبني مع أن الأمر قد يبدو للبعض على أنه تجسيد لحماية الأسرة ، فحسب الأب أو الملزم بصفة عامة لن يفيد الأبناء في شيء وحتى الزوجة ، بل كل ما في الأمر أن المسألة يطبعها البعد الانتقامي لا أقل ولا أكثر ، لأن الأب الذي لا يلزمه وازعه وواجبه المقدس لن يلزمه شيء آخر .
وإن كان الأمر يحتاج إلى بعض التدقيق فالأب الذي لا عمل له أو معسر، فلا فائدة من حبسه بل على العكس تمتيعه بحريته أضمن على الأقل البحث عن عمل.
أما الموسر الممتنع فيمكن بعد استنفاد إمكانية الحجز على ممتلكاته ، لم لا يتم اللجوء إلى سحب رخصة السياقة أو جواز السفر أو أية وثيقة مهمة كوسيلة ضغط عليه من أجل الإذعان لتنفيذ الحكم .
بقي أن أشير إلى أن المشرع في الفصل 480 لم يحدد ما إذا كان الأداء يجب أن يكون كليا أو جزئيا .
وإن كان هناك من يعتبر أن الأداء الجزئي هو أداء مشوب بخلل خاصة إذا كان مصحوبا بنية إجرامية يقصد منها عدم تنفيذ الحكم بالشكل المطلوب ، أو بعث المبلغ إلى عنوان مجهول أو كتابة اسم المنفذ له خطئا في الحوالة البريدية ، هادفا من وراء ذلك الأضرار بالمنفذ له ، وبالتالي فلابد من توفر القصد الجنائي.

2 – القصد الجنائي :
انطلاقا من الفصل 480 من ق ج نجد أن المشرع يخاطب الزوج المتابع “وأمسك عمدا عن دفعها في موعدها المحدد” ، مما يفيد ضرورة توفر شرط الإمساك العمدي للقول بتوفر النية الجرمية عند الممتنع ، ذلك أن هذه الجريمة لا يمكن أن تتحقق على سبيل الخطأ، وإنما يجب أن يكون امتناعه إراديا، حيث أكد المجلس الأعلى في قراره عدد 2588/6 أنه ” يكون عديم الأساس القانوني الحكم الذي يقضي بإدانة الزوج من أجل جنحة إهمال الأسرة دون أن تبين الصفة الإرادية لعدم الأداء ودون وجود أي عائق ” .
على ضوء ما سبق يتحقق القصد الجنائي ، إذا تم إخبار الزوج بالحكم القاضي بالنفقة ولم يمتثل ، أي انصرفت إرادته إلى التملص منه بعدم الأداء ولكن شريطة توفر الملاءة المالية ، أما إذا كان عدم انصياعه راجعا لعسره وعدم قدرته على الوفاء فآنئذ ينتفي القصد الجنائي ويمكن للمحكمة منح الملزم بالنفقة مدة أخرى للتمكن من تأمين المبلغ المطلوب ولكن شريطة أن تتحقق المحكمة من عنصر الإعسار .
بيد أن الواقع يعكس توجه آخر للنيابة العامة ، إذ يتم التوقف عند حرفية النص، فتتم متابعة الموسر والمعسر على حد سواء ، مما يهدد الأمل في استقرار الروابط الأسرية.
هذا ويجدر التأكيد على أن مقابل التمدرس هو الآخر يندرج ضمن الحقوق المالية للطفل ، على اعتبار أن التعليم عنصر من عناصر النفقة ( المادة 189) كما أكدت عليه (المادة 54) أيضا إذ اعتبرت التعليم والتكوين من ضمن الحقوق التي للأطفال على أبويهم .
وبالتالي فمقابل التمدرس تسري عليه جميع أحكام النفقة التي سبق الحديث عنها طبعا هذا في حالة الطفل العادي ، أما إذا كان مصابا بإعاقة فتنضاف إلى باقي الحقوق المذكورة في ( المادة 54 ) الحق في الرعاية الخاصة بحالته ولا سيما التعليم والتأهيل المناسبان لإعاقته قصد تسهيل إدماجه في المجتمع .
وعموما ، فالحقوق المالية للطفل بعد الطلاق تبقى واحدة من بين مجموعة حقوق تعتبر الدولة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال وضمان حقوقهم ورعايتها طبقا للقانون .
كما أوكل للنيابة العامة مهمة السهر على مراقبة تنفيذ الأحكام وذلك حسب الفقرة الأخيرة من (المادة 54) وهذا يدل على مدى وعي الدولة بصفتها دولة الحق على أهمية الطفولة وبالتالي فهي تسعى نحو توفير أعلى مقومات الرعاية والحماية لها حتى تكون معاول بناء لا معاول هدم .
إلا أن الممارسة العملية تفرز أحكاما تتسم فيها المستحقات بالمحدودية والقصور عن تلبية المتطلبات المعيشية للمرأة المطلقة والطفل ، والتي لا ترجع إلى الممارسة القضائية فحسب، بل هي مرتبطة أشد الارتباط بالظرفية الاقتصادية العامة للبلاد وبالضبط بالقوة الشرائية للمواطن المغربي.

الفصل الثاني 
محدودية المستحقات المالية وآليات الحد من قصورها

حرصا من المشرع على حماية الأسرة المغربية من التفكك ، عمل على حمل الطلاق تحت مراقبة القضاء، بحيث لا يمكن للزوج الإشهاد على الطلاق إلا بعد الحصول على الإذن ، هذا الأخير لا يمكن الحصول عليه إلا بعد وضع المستحقات المالية للمرأة والأطفال في صندوق المحكمة ، وذلك بغية ضمان حقوق المطلقة بعد ما كانت في الماضي لا تعرف حتى متى طلقت ، وإن كانت هذه الخطوة تبقى ناقصة ، على اعتبار قصر الآجال بالنسبة للمطلقة ، وغياب الجهة المالية البديلة لمؤسسة الزواج، وقصور المبالغ المالية المرصودة للأطفال عن ضمان المستوى المعيشي اللائق .
الشيء الذي يجعل هذه المستحقات تتسم بالمحدودية ، مما يجعل البحث عن آليات تجاوز تلك المحدودية منطقيا ، سواء من الناحية المالية الصرفة بالدعوة إلى الإسراع بإخراج صندوق التكافل العائلي إلى حيز الوجود أو من حيث السعي إلى توجيه تدخل القضاء في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق ليبقى الحل الأساس هو ضمان استمرارية لأسرة عبر تفعيل الأساليب البديلة لفض المنازعات العائلية . وهذا ما سأحاول بلورته من خلال الفرعين التاليين :
الفرع الأول : محدودية المستحقات المالية في تأمين المتطلبات المعيشية .
الفرع الثاني : آليات الحد من قصور المستحقات المالية المترتبة عن الطلاق.

الفرع الأول : محدودية المستحقات المالية في تأمين المتطلبات المعيشية
إن المرأة المطلقة لا تستفيد من الآثار المالية للطلاق إلا خلال فترة العدة، مما تكون معه مدة الاستفادة قصيرة ، فمهما كانت المبالغ المحكوم لما لها مرتفعة فإنها لا تدوم ، الشيء الذي يطرح مسألة تأمين حياتها المعيشية بعد انتهاء فترة العدة ، بحدة (المبحث الأول) ، ويزداد الأمر صعوبة إذا كان لها أطفال ، خاصة وأن مستحقات هؤلاء هي الأخرى تعرف تذبذبا وضعفا في كثير من الحالات ، مما يؤثر على مستواهم المعيشي ( المبحث الثاني).
بيد أن الأمر يصبح أكثر تعقيدا، إذا كان الطلاق خلعيا، حيث تضطر المرأة إلى التنازل عن مستحقاتها، والأنكى من ذلك أنها تفرط حتى في حقوق أطفالها ( المبحث الثالث) في بعض الأحيان.

المبحث الأول: قصور المستحقات المالية للمطلقة عن ضمان استمرارية المعاش.

انطلاقا من دراسة مجموعة من الملفات بكل من محكمة قضاء الأسرة بفاس وسطات اتضح لي أن المستحقات المالية المحكوم بها لصالح المطلقة تعرف ارتفاعا ملحوظا ( المطلب الأول ) لكن هذه الميزة سرعان ما نتبدى أمام قصر مدة العدة وغياب مؤسسة مالية بديلة عن مؤسسة الزواح ( المطلب الثاني) .

المطلب الأول : انعكاس طلب الإذن بالإشهاد على الطلاق على مستحقات المطلقة.

بعدما كانت في السابق مستحقات المرأة المطلقة تعرف نكوصا مستمرا بسبب قلة المبالغ المرصودة ، وبسبب عدم إلزام الزوج المطلق بإيداع تلك المبالغ قبل الإذن بالطلاق تفادي المشرع هذه الثغرة ، وجعل إيداع المستحقات في صندوق المحكمة شرطا أساسيا للإذن بتوثيق الطلاق، وذلك بموجب المادة 87 من مدونة الأسرة والتي تنص في فقرتها الأولى على أنه : بمجرد إيداع الزوج المبلغ المطلوب منه ، تأذن له المحكمة بتوثيق الطلاق لدى العدلين داخل دائرة نفوذ نفس المحكمة .
ولعل المشرع بهذا المقتضى هدف إلى حماية حقوق المطلقة ، التي كانت في السابق لا تدري متى طلقت ، فبالأحرى الحصول على مستحقاتها ، وحتى لا يبقى كلامي مجردا ، سأعززه بدراسة قمت بها، من خلال مجموعة من الملفات الرائجة أمام كل من محكمة قضاء الأسرة بفاس وسطات ، وذلك منذ بداية دخول المدونة حيز التنفيذ في شهر فبراير 2004، وصنفتها في الجدول التالي :
المحكمة المتعة
الحد الأدنى ـ الحد الأقصى نفقة العدة
الحد الأدنى – الحد الأقصى أجرة السكن
الحد الأدنى ـ الحد الأقصى
فاس 3000— 25000 1200 — 7000 1500 — 4000
سطات 500000— 1500000 120000 — 300000 120000 — 300000
طبعا هذه الأحكام تبقى غير نهائية ، لكن وحيث إن مدونة الأسرة لا زالت في بدايتها إذ لم يمر على دخولها حيز التنفيذ سوى سنتين كما أن الأحكام لا زالت ابتدائية إلا أنها ومع ذلك تعطي فكرة أولية عن كيفية تقدير المستحقات وإلى أي حد يراعي القاضي المعايير المحددة من طرف المشرع (المادة 189) ؟
إن القراءة الأولية لهذه المبالغ ، توحي بتحسن ، إذا ما تم استحضار المبالغ التي كانت تقدر في إطار مدونة الأحوال الشخصية الملغاة .
فهذه المبالغ يعتمد في تحديدها على معيار يسر الزوج ومدى تعسفه في إيقاع الطلاق ، فمجمل الأحكام التي اطلعت عليها تكون فيها الزوجة متمسكة بالعلاقة الزوجية إلى أبعد الحدود، إلا أن الزوج يكون مصرا على الطلاق ، باسباب لا تستشف منها الجدية أو الخطورة التي يمكن أن تعرقل مسيرة الحياة الزوجية، هذا طبعا حسب تصريحات الأزواج المدلى بها في متن الأحكام ، فكثيرا من الأزواج سؤسسون طلبهم على خروج الزوجة من البيت دون إذن أو بتمسك الزوجة بزيارة أهلها ورفض الزوج.
ولعل هذه الأسباب هي التي تدفع القضاة إلى الرفع من المبالغ المستحقة حتى تشكل وسيلة ردع لثني الزوج عن إيقاع الطلاق، وفي هذا استجابة إلى مطلب الفقه الذي طالما نادى بجعل المتعة مثلا وسيلة من وسائل الردع.
وبالرجوع إلى الجدول التوضيحي يتبين أن هناك فرق شاسع بين المبالغ المحكوم بها بمحكمة قضاء الأسرة بفاس وتلك المحكوم بها بسطات ، ولعل هذا يرجع إلى يسر الزوج بالدرجة الأولى حيث أن معظم ساكنة سطات عمال بالخارج وخاصة بالديار الإيطالية . إذ يصل دخل أحد الأزواج من ضمن الملفات المدروسة إلى (234676.57 درهم) .
وعليه يمكن القول بأن المبالغ المحكوم بها تبين بما لا يدع مجالا للشك بأنها أصبحت وسيلة من وسائل عقاب الزوج على إيقاعه الطلاق ، بل يمكن القول بأن هذه المبالغ تعد ضريبة الطلاق ، خاصة وأن جل الأحكام التي اطلعت عليها تكون المرأة فيها متشبثة باستمرار العلاقة الزوجية، في حين يدفع الزوج باستحالة العشرة ، إما لكثرة المشاكل أو لعدم التفاهم ، أو لتدخل أهل الزوجة في حياتهما أو خروج الزوجة بغير إذن زوجها … مع أن هذه المشاكل تبقى عادية خاصة في السنوات الأولى للزواج ، مما يعدم مبرر إيقاع الطلاق اللهم إذا كان الأمر يتعلق بالجوانب النفسية.
لكن ، وعلى ارتفاع هذه المبالغ ، فإنها تبقى قاصرة عن تحقيق حاجيات ومتطلبات المطلقة خاصة وأن مدة العدة قصيرة ، مما يفرض طرح السؤال التالي من أين تعيش المطلقة بعد انتهاء مدة العدة؟
إن الإجابة الواقعية على هذا السؤال تفضي إلى اقتراح إنشاء مؤسسة مالية أو جهة احتياطية بديلة لمؤسسة الزواج التي تبقى في الأصل المعيل الأساسي للزوجة خاصة إذا لم تكن عاملة ، وحيث تم الطلاق فلا يمكن مطالبة الزوج بأكثر مما فرضه الشرع والقانون . ليبقى العبء مطروحا على المرأة فتسلك إحدى طرقين إما الخروج إلى العمل، أو ركوب قطار الرذيلة والدعارة ،

المطلب الثاني : غياب مؤسسة مالية بديلة.

إن مؤسسة الزواج لا تهدف فقط إلى تلبية الرغبات الغريزية للإنسان، وضمان استمرار النوع البشري ، ولكنها في نفس الآن تحقق الهدف الوظيفي والاقتصادي والحيائي لأفراد الأسرة، على اعتبار أن الزواج مؤسسة طبيعية وشرعية لتكوين الأسرة هذه الأخيرة التي كانت تعد المؤسسة الأصيلة للضمان الاجتماعي، والمولد الأساسي له، أصبحت اليوم هدف أنظمته ، بعد ما كانت سببا له ، ذلك أن تنامي النزعة الفردية ، وتراجع الوازع الديني لصالح طغيان المادية جعل البعد التضامني للأسرة يأفل فالمطلقة في ظل هذا الوضع تكون قد فقدت حماية أسرتها التي كانت الضمان لها في الأصل ، ويزداد الأمر صعوبة إذا كان لها أطفال.
إن المطلقة اليوم فقدت الأمن الاجتماعي وأصبحت تتحمل وحدها آثار مؤسسة اجتماعية ذات وظيفة اقتصادية وثقافية ودينية ألا وهي مؤسسة الزواج ، إن طلاقها أثر ناجم عن هذه المؤسسة ، وهذا واقع اجتماعي لا يجب أن يجني المجتمع مغانمه دون مغارمه .
فالزواج يبقى بالنسبة للمرأة المؤمن الاقتصادي لها ولأبنائها ، وانحلال هذه المؤسسة يعني غياب المعيل، خاصة إذا كانت الزوجة غير عاملة، فمثل هذه المرأة إذا لم تجد أسرتها لتحتمي بها، فهي غالبا ما تلجأ إلى نهج طريق البحث عن عمل لتغطية حاجياتها المعيشة ، إن هي وجدته ، نظرا لتطلب بعض الأعمال شروط معينة ، قد لا تتوفر فيها مما يدفع الكثير من المطلقات إلى سلوك الطريق السهل (التسول ، الشعوذة، الدعارة ، البغاء …).
خاصة وأن صندوق التكافل العائلي لم يفعل لحد الآن ، مما يجعل المرأة المطلقة وأطفالها سواء إذا كان هذا الزوج معسرا ، ويكون جزاؤه الإكراه البدني، وهنا لا تستفيد الزوجة شيئا ، أو إذا كان موسرا فإنه يماطل في أداء واجب النفقة ، وهذا ما قد يجعل بعض النساء يمتهن مهنا غير شريفة لإنقاذ أنفسهن وأولادهن ، وقد يلجأ بعضهن إلى تشغيل أطفالهن وهم في سن التمدرس .
وحتى لو كانت عاملة، وأجرها لا يتعدى الحد الأدنى للأجور، فالمستحقات وعلى الرغم من ارتفاعها ، إلا أنها لا تضمن لها استمرارية المعاش، وفي هذا الإطار ذهبت بعض التشريعات العربية كتونس ، إلى تمتيع المطلقة بإمكانية الاختيار بين التعويض على شكل رأس مال وبين جراية عمرية ، هذه الجراية تقبل المراجعة إما ارتفاعا أو انخفاضا ، بحسب ما يطرأ من متغيرات وتستمر إلى أن تتوفى المفارقة أو يتغير وضعها الاجتماعي بزواج جديد أو بحصولها على ما تكون معه في غنى عن هذه الجراية وفي حالة وفاة الزوج تصبح دينا على التركة .
والمشرع التونسي يقصد من وراء هذا المقتضى ، ضمان الحق للمرأة المطلقة في مواصلة حياتها في ظروف مادية تماثل أو تقارب نمط العيش الذي اعتادت عليـه
خلال فترة الزوجية، بما أن هذه الأخيرة لم تنقض لا بطلب منها ولا بخطئها .
وإذا كانت هذه المقتضيات غربية المنشأ، والطبع، حيث تم استيفاؤها من التشريع الأوربي، وذلك في إطار ثورة الحداثة التي عرفتها وتعرفها تونس في اتجاه العلمانية.
ونظرا لأن المغرب بلد إسلامي ، يستقي أحكامه من روح الشريعة الإسلامية ، فإن مثل هذا التوجه يتعارض مع الأحكام الإسلامية فيما يتعلق بحقوق المطلقة التي يتحملها الزوج أثناء فترة العدة، فعلى المجتمع أن يتحمل الباقي في إطار التكافل والتضامن عبر مؤسسات مالية كالوقف ، أو منح قروض صغرى ومتوسطة دون فوائد لتحفيز المطلقات على القيام بمشاريع تحقق لهن الاكتفاء الذاتي من الحاجيات والمتطلبات.
إن مثل هذه المؤسسات إضافة إلى صندوق الزكاة والذي سيأتي الحديث عنه ضمن الفرع الثاني من هذا الفصل ، لهو الكفيل ، والبديل لمؤسسة الزواج التي بدأ يدب فيها الوهن، وأصبحت تتراجع لصالح مؤسسات دخيلة لا شرعية لها.

المبحث الثاني: عدم استجابة المستحقات المالية للمتطلبات المعيشية لطفل الطلاق .

إن النظرة الشمولية للمستحقات المالية لأطفال الطلاق حتى الآن لم تفرز تحسنا كبيرا عما كان عليه الوضع في ظل المدونة الملغاة، فالضآلة لا زالت هي السمة العامة، إضافة إلى غياب ضمانات قانونية كفيلة باستمرار النفقة ( المطلب الأول) دون إغفال أثر الجوانب المسطرية من حيث التبليغ والتنفيذ، وما تسببه من عرقلة في استفادة الأطفال من مستحقاتهم ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول : ضآلة المستحقات وغياب الضمانات الكفيلة باستمرار النفقة .

إن ما يزيد مسألة ضآلة المستحقات سوءا ( الفقرة الأولى ) غياب الضمانات الكفيلة باستمرار النفقة ( الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى : ضآلة المستحقات .
من خلال دراستي لمجموعة من الملفات بقسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية بفاس حيث بلغ مجموع الملفات المدروسة 25 ملفا، توصلت إلى النتائج التالية:

قسم قضاء الأسرة بفاس عدد أطفال طلاق المجموعة المدروسة النفقة
الحد الأدنى ـ الحد الأقصى أجرة الحضانة
الحد الأدنى ـ الحد الأقصى تكاليف سكنى المحضون
الحد الأدنى ـ الحد الأقصى
43 200 — 1000 50—300 درهم 200 — 1300 درهم
إن قراءة هذه المعطيات ، توحي بداية بارتفاع عدد أطفال الطلاق ، فإذا كانت 25 حالة طلاق تخلف 43 طفلا، فلنا أن نتصوركم سيكون العدد إذا كان الأمر يتعلق بـ 6159 حالة طلاق مسجلة بقسم قضاء الأسرة بفاس وحدها حكم منها 3887 منذ بداية دخول المدونة حيز التطبيق طبعا مع إضافة مخلف ما قبل دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ.
فبالرجوع إلى المعطيات السالفة الذكر يتضح أن مبالغ النفقة لا زالت هزيلة فماذا ستلبي 200 درهم من حاجيات في حالتنا هذه، خاصة وأن الكثير من القضاة يحكمون لأمهات بنفقة شهرية لا تربو عن 400 درهم للطفل الواحد، فما عساها تغطي هذه النفقة الهزيلة ، علما أن مصاريف الأبناء واحتياجاتهم بالخصوص تسير كلفتها في خط تصاعدي ، وماذا تستطيع أن تحقق 50 درهم كأجرة حضانة أو حتى 100 أو 200 درهم، يمكن للبعض أن يجيب على هذا الوضع بأنه بإمكان الأم رفع طلب الزيادة في النفقة طبعا بعد مرور سنة، أو إذا حلت ظروف استثنائية تبرر ذلك، حيث يلقى على عاتق الأم عبء إثبات تغير الوضعية المادية للزوج وإلا لا يستجاب لطلبها كما هو الحال في حكم صدر عن ابتدائية فاس : ” حيث لم تدل المدعية بما يثبت تحسن في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمدعى عليه وبذلك يبقى طلبها بهذا الخصوص غير مؤسس كما يجب ومآله الإلغاء” .
لكن مع ذلك توجد أحكام تستجيب لطلب الزيادة ، بل أكثر من ذلك أحكام تقضي بتحويل التعويضات العائلية لصالح الأم كما هو الشأن في حكم صادر عن قضاء الأسرة بفاس ، حيث جاء في منطوق الحكم: الرفع من النفقة المحكوم بها للبنت … وذلك بجعله 350 درهم عوض 300 درهم ابتداء من تاريخ الطلب مع الأداء مع النفاذ المعجل.
وبأدائه لها واجب السكني بحساب شهري قدره 300 درهم ابتداءا من تاريخ الطلب والحكم بتحويل التعويضات العائلية الخاصة بالبنت .. لحساب الأم ابتداء من تاريخ الطلب وباقتطاع هذه المبالغ المحكوم بها من منبع راتب المدعى عليه بين يدي الآمر بالصرف … “.
إن هذا الحكم وعلى الرغم من ضعف مبلغ 350 درهم كواجب نفقة إلا أنه يبقى مع ذلك إيجابيا لأنه خطا خطوة مهمة ، إذ اعتبر التعويضات العائلية من حق أم المحضون ، فطالما أن حضانتها موكولة لأمها، وحيث أن الغرم بالغنم إذ أن الأب يستفيد من تلك التعويضات لأنه يقوم برعايتها ، وبما أن أمر رعايتها أصبح موكولا للأم فالأم هي الأولى بهذه التعويضات ، أتمنى أن يحذو السادة القضاة حذو هذا الحكم، طبعا في حالة توفر هذه التعويضات ، ذلك أن فئة قليلة من المغاربة هي التي تستفيد من خدمات الضمان الاجتماعي .
أما بخصوص حق السكنى فإن أغلب الأحكام تعمل على تقدير تكاليف السكنى باستقلال عن النفقة وأجرة الحضانة وذلك حسب المادة 168 ، وإن كانت في الواقع تلك المبالغ لا تستطيع اكتراء غرفة ، فبالأحرى شقة تضمن للطفل العيش الكريم في احترام تام لأبسط الحقوق المتطلبة ، خاصة والكل يعرف حجم المضاربات العقارية ، والأثمنة الباهضة التي يعرفها سوف العقار، فأين كل هذا من حق الطفل في السكن، وفي الترفيه المضمون له بموجب اتفاقية حقوق الطفل الأممية .
كما يعمد السادة القضاة في بعض الأحيان إلى تعيين محل سكنى بناء على طلب الأب، لكن الإشكال يطرح في حالة ما إذا كان هذا المحل ليس في ملك الأب ، إذ في هذه الحالة ، يمكن أن يواجه المحضون وحاضنه باحتلال بدون سند، خاصة إذا لم يؤد الوجيبة الكرائية لمالك العقار عن المدة التي سيقطن خلالها المحضون.
وعموما فإن أغلب الأحكام تميل إلى تحديد تكاليف السكنى ، وإن كانت هذه التكاليف تبقى في أغلبها الأعم قاصرة عن توفير المأوى والمسكن اللائق بالعيش الكريم، مما يجعل الأطفال يتكدسون في غرفة واحدة، خاصة إذا كان عددهم يتجاوز الثلاث وكانوا من جنسين مختلفين ، الشيء الذي يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه من حيث وقوع السلوكات الشاذة كزنا المحارم ، فأين هي وصايا النبي صلى الله عليه وسلم من حيث التفريق في المضاجع !!!.
كما أن الدراسات الاجتماعية ، تفيد أن أغلب أطفال الطلاق يصبحون عرضة للضياع والتشرد وأكثر قابلية للإنحراف ، إضافة إلى خروجهم المبكر لسوق الشغل حتى يتمكنوا من ضمان لقمة العيش أمام حالة اليتم الحكمي الواقعي الذي يعيشونه في حياة آبائهم.
من أجل ذلك ، حاولت مدونة الأسرة ، توفير ضمانات تكفل استمرار النفقة ، إلا أن هذه الضمانات تبقى غائبة.

الفقرة الثانية: غياب الضمانات الكفيلة باستمرار النفقة.
لقد نصت مدونة الأسرة في المادة 168 في فقرتها الأخيرة على أنه على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ هذا الحكم من قبل الأب المحكوم عليه “. كما نص المشرع في المادة (191) ” … وتقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة”.
إلا أن هذه الضمانات تبقى غير واضحة وغير محددة، وإنما يبقى على المحكمة البحث عن الوضعية المادية للملزم بالنفقة، وذلك عن طريق استقصائها عن كل ما يمكن أن يفيد في معرفة الوضعية المادية لكل حالة على حدة.
لكن أغلب السادة القضاة يعمدون إلى اعتماد تقنية الاقتطاع من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه الملزم بالنفقة، كما ذهب بعض الفقه إلى تطبيق الغرامة التهديدية كوسيلة ضغط من أجل إلزام الأب بالاستمرار في الأداء. لكن الأمر يصعب حينما يتعلق الأمر بالملزم غير الموظف أو غير الأجير حيث يصعب إيجاد ضمانة لتمكين الأطفال من مستحقاتهم، إذ يتم اللجوء إلى مسطرة إهمال الأسرة التي لا تعطي أكلها في غالب الأحيان ، إذ ما الفائدة التي تجنيها المطلقة ومحضونيها من سجن الزوج ، وإذا أضيف إلى هذا تعسف الزوج أحيانا ، إذ يرفض الأداء ويعمل كل ما في وسعه من أجل عدم تمكين المطلقة ومحضونيها من نفقتهم ، حيث يلتجئ إلى الطرق الملتوية كالرشوة والتحايل عن طريق تغيير العنوان مما يجعل التبليغ لا يتم ومن ثم تبقى نفقة الأطفال معلقة ، وتزداد تعليقا إلى أجل غير مسمى إذا كان الأب عاطل أو معدم ، ليس لديه ما يحجز ، ولا دخل له ، فهنا تطرح مسألة الضمانات بحدة، فمن سيضمن للطفل لقمة عيشه، أثناء فترة التقاضي وبعدها.
أعتقد، أن غموض المشرع في هذا الجانب يعمق المشكل أكثر، مما يفرض وبحدة الإسراع بإخراج صندوق التكافل العائلي إلى حيز الوجود ، لأنه في الحقيقة هو الضامن الأساسي القمين بتوفير أو باستمرارية أداء النفقة في الحالات التي أشرت إليها سابقا، وسيأتي الحديث عن هذا الصندوق في الفرع الثاني من هذا الفصل.
وعموما ، غياب الضمانات الكفيلة باستمرار النفقة، ليس هو الوحيد الذي يحد من
فعالية المستحقات المالية لأطفال الطلاق ، وإنما للجوانب المسطرية بالغ الأثر ، من حيث التبليغ وكذا تنفيذ الأحكام.
المطلب الثاني : أثر إجراءات التبليغ والتنفيذ على مستحقات الأطفال.
قبل التطرق إلى الجانب المتعلق بتنفيذ الأحكام ( الفقرة الثانية ) لابد من الحديث عن أثر إجراءات التبليغ ( الفقرة الأولى ).
الفقرة الأولى : أثر إجراءات التبليغ .
حرصا من المشرع على الإسراع بتوفير النفقة التي لها طابع معيشي لمستحقها في الوقت المناسب نص على وجوب البث في قضاياها داخل أجل أقصاه شهر ( المادة 190) حتى تحقق الغاية المتوخاة منها.
لكن هذه الميزة تبقى معطلة واقعيا ، نظرا لإمكانية تمسك ذي المصلحة بالآجال المحددة قانونا للاستدعاء والمنصوص عليها في الفصلين 40 و 41 من قانون المسطرة المدنية ، والتي قد يترتب عن مخالفتها البطلان.
وعليه يبقى إقرار المبدأ قانونا وحده لا يكفي ذلك أن تفعيله يقتضي توفير الوسائل المادية والبشرية لتحقيقه ، الشيء الذي لم يتحقق بعد، إذ أن مشكل التبليغات يبقى دائما العائق في التسريع بالبت في القضايا ، نتيجة التأخير في تبليغ الاستدعاءات الراجع أساسا إلى قلة الأعوان المكلفين بذلك ، والاعتماد على رجال السلطة مما يخل بجودة التبليغ .
هذا ناهيك عن بعض السلوكات اللاأخلاقية التي يقوم بها بعض الأعوان ، كابتزاز المطلقات عن طريق اشتراط بعضهم لنسب مئوية من مجموع المستحقات المحكوم بها كشرط لقيامهم بالتبليغ .
ينضاف إلى هذا المشكل شساعة الرقعة الترابية التابعة للنفوذ الترابي للمحكمة مما يجعل مهمة العون صعبة ، خاصة أمام كثرة العناوين وتشابهها ويزداد الأمر استفحالا إذا كان التبليغ خارج المنطقة الحضرية ، هذا دون إغفال بعض السلوكات التي يقوم بها الأعوان مثل طلبهم من المبلغ إليه عدم التوقيع على الطي التبليغي وذلك حتى يتمكن في المستقبل من الطعن فيه .
إن هذه العوامل مجتمعة تجعل إجراءات التبليغ مشوبة بالخلل في أغلب الأحيان، مما يضرب في الصميم خاصية السرعة التي يجب أن تتسم بها مثل هذه القضايا نظرا لطابعها المعيشي الاستعجالي إضافة إلى هزالة الأجور التي يتقاضاها الأعوان القضائيون ، والتي تلقي بظلالها أيضا على مشكل التبليغات.
ولعل وزارة العدل بدأت تفكر في إصلاح هذه المؤسسة ، حيث صرح وزير العدل في مجلس المستشارين في إحدى جلسات الأسئلة الشفوية ليوم 11 دجنبر 2005 أن هناك مشروع قانون جديد سيعدل القانون الحالي ، حيث تم تغيير اسم الأعوان القضائيين بالمفوضين القضائيين ، كما تم الرفع من أجورهم مع تعزيز دور النيابة العامة من حيث تشديد المراقبة.
وفي انتظار خروج هذا القانون إلى حيز التنفيذ ، يبقى عدم التبليغ معضلة تعاني منها قضايا النفقة ، إلا إذا حرص صاحب الملف بنفسه على سير الإجراءات الأمر الذي لا يتسنى للعموم نظرا لاعتبارات متعددة.
ومن أجل التسريع بالبث في طلبات النفقة ينص الفصل 179 مكرر ق.م.م. على
أنه : ” … ريثما يصدر الحكم في موضوع دعوى النفقة للقاضي أن يحكم بنفقة مؤقتة لمستحقها في ظرف شهر من تاريخ طلبها مع اعتبار صحة الطلب والحجج التي يمكن الاعتماد عليها وينفذ هذا الحكم قبل التسجيل وبمجرد الإدلاء بنسخة منه”.
إلا أن هذا الفصل لا يساير المادة 190 من مدونة الأسرة التي حددت أجلا أقصاه شهر واحد للبث في قضايا النفقة ، فيما أعطى الفصل 179 مكرر للقاضي إمكانية الحكم بنفقة مؤقتة لمستحقها في ظرف شهر من تاريخ طلبها في انتظار الحكم في موضوع دعوى النفقة والحكم بالنفقة المؤقتة بدوره يطرح تساؤلا حول ما إذا كان يصدر تلقائيا من طرف المحكمة بعد تأكدها من خلال معطيات الملف أن الإجراءات المسطرية لا تسعفها في البث في الدعوى داخل الأجل المحدد أم أن الأمر يقتضي تقديم طلب تلك النفقة من طرف مستحقيها، إلا أن صراحة النص تجيب على هذا التساؤل ، حيث أن القاضي يحكم بها بناء على الطلب المقدم من طرف مستحقيها في ظرف شهر من تاريخ طلبها، وتكون مستحقة اعتمادا على صحة الطلب، أي الدعوى بإثبات شرطها وقبولها والحجج التي يمكن الاعتماد عليها .
هكذا إذن تعرقل الإجراءات التبليغية وتعطل مفعول الطابع الاستعجالي للنفقة ، وتجعل مفهوم الطبيعة المعيشية للنفقة في مهب الريح.
لكن بطء الإجراءات التبليغية وعدم فعاليتها في أحيان كثيرة ليس هو الوحيد المؤثر على مستحقات الأطفال ، وإنما تنضاف إليها أيضا الصعوبات التي يعرفها تنفيذ الأحكام.

الفقرة الثانية : أثر عدم تنفيذ الأحكام.
يجب على عون التنفيذ ( العون القضائي) أن يبلغ إلى طرف المحكوم عليه، الحكم المكلف بتنفيذه ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه (الفصل 440 من المسطرة المدنية ) .
وحيث أن قضايا النفقة مشمولة بالنفاذ المعجل ، فإن هذا يعطي ضمانة أكثر للإسراع بالتنفيذ ، إلا أن الواقع يعكس خلاف ذلك.
فمن خلال إحصائيات حصلت عليها من قسم التنفيذ بالمحكمة الابتدائية بفاس ، وجدت أنه خلال سنة 2005، وفيما يتعلق بالنفقة من أصل 1624 ملف نفذ 891 ملف وبقي 733 ملف لم ينفذ.
أما ما يتعلق بأجرة الحضانة فخلال نفس السنة 2005 ، نفذ 25 ملف من أصل 34 أي بقي 9 ملفات.
ومن خلال اللقاء الذي أجريته مع السيد السقاط ، أوضح لي بأن الملفات التي لم تعرف طريقها نحو التنفيذ تعود بالأساس إلى إكراهات واقعية من قبيل فرار الزوج، أو عدم وجود ما يحجز حين التنفيذ، حيث يواجه العون بكون المنفذ عليه لا دخل له ، أو لا منقول عنده أو لا عقار بملكه ، في هذه الحالة يطبق في حق الزوج الإكراه البدني من خلال سلوك مسطرة إهمال الأسرة وإما أن الزوج يتعسف ، ويرفض الإذعان لسلطة التنفيذ ، وهنا يتم الدخول في حلقة مفرغة ، حيث يركن الزوج إلى الطرق الملتوية وغير المشروعة، والمحاكم تعج بمثل هذه الحالات ، وهنا تطرح العدالة في الميزان ، ذلك أن عدم تنفيذ الأحكام موت بطيء للعدالة، وتنقيص من قيمة الأحكام ، ومس بمصداقية القضاء.
فإذا كان التنفيذ بشكله المجرد لا يكفي ، فبالأحرى عدم التنفيذ ، ذلك أن البطء في التنفيذ يشبه عدم التنفيذ من حيث أثره على نفسية المتقاضي وخلخلة الثقة في الأحكام وفي القضاء .
فمجموعة من الأحكام تكون جاهزة إلا أن هناك نقص على مستوى الجهاز المكلف بالتنفيذ ، مما يعرقل استفادة الطرف المتضرر في الأسرة من هذه الأحكام .
الشيء الذي يجعل إشكالية التنفيذ محكا حقيقيا ، ذلك أن محاولة الإجابة تقتضي وبالضرورة استحضار مؤسسة قاضي التنفيذ كحـل ، فهل توجد في المغرب هـذه
المؤسسة ، بكل ما تحمله كلمة مؤسسة من معنى.
في الواقع المغرب فكر في هذه المؤسسة ، إلا أن تفكيره وقف عند خطوة إيعاز هذه المهمة إلى رئيس المحكمة هذا الأخير ونظرا لكثرة انشغالاته يعمد إلى تعيين قاضي التنفيذ من بين قضاة الهيئة ، فبقيت هذه المؤسسة مجمدة في الواقع ، وموجودة في الأوراق.
إن مؤسسة قاضي التنفيذ هي بمثابة محكمة مصغرة لها آلياتها ، ووسائل عملها التي توظفها في اتجاه تحقيق الغاية من الحكم ، حيث يتخذ القاضي المكلف بالتنفيذ جميع الإجراءات والخطوات اللازمة لأجل تحقيق ذلك بما فيها الانتقال إلى عين المكان، والمتابعة الدقيقة لأعوان التنفيذ ، بحيث لا يقوم هؤلاء بأي إجراء إلا بعد استشارة قاضي التنفيذ ، وذلك في إطار ربط مؤسسة الأعوان القضائيين بقاضي التنفيذ إشرافا ومراقبة ، كما يجب خلق نصوص تشريعية ، تتأكد بمقتضاها المساعدة الفعلية للنيابة العامة ، وذلك بغية تحقيق التنفيذ القضائي في أقرب الآجال مع منح قاضي التنفيذ سلطة الجزاء المدني ( الغرامة التهديدية القطعية والتعويض) ، كما تجدر الإشارة إلى أن الاستعانة بالخبرة في مجال تقدير النفقة قد يعرقل الطابع الاستعجالي لمثل هذه القضايا ذات الطابع المعيشي الشيء الذي دفع بعض الفقه إلى المناداة بإحداث شعبة بالمعهد الوطني للدراسات القضائية لتدريب الخبراء على الجوانب القانونية والتقنية الواجب الاطلاع إليها إضافة إلى إحداث قاضي الخبرة ، كما هو معمول به في الأنظمة القضائية المقارنة وذلك بهدف إضفاء نوع من الديناميكية على الأحكام القضائية، وذلك في اتجاه التنفيذ ، عله يخفف من وطأة النقص والهزالة التي تتسم بها المستحقات المالية لأطفال الطلاق ، هؤلاء الذين يدفعون ثمن أبغض الحلال إلى الله إلى جانب أمهم خاصة إذا كان الطلاق خلعيا.

المبحث الثالث : تأثير نوع الطلاق على المستحقات المالية.

إن مستحقات المطلقة تختلف حسب ما إذا كان الطلاق رجعيا ، أو بائنا أو خلعيا، أو قبل البناء، الشيء الذي ينعكس لا محالة على متطلباتها المعيشية ( المطلب الأول ) كما أن الأطفال جزء لا يتجزأ من آثار الطلاق، إذ تهتز مستحقاتهم ووضعيتهم المعيشية خاصة أمام ارتفاع وتيرة الطلاق الخلعي ( المبحث الثاني).

المطلب الأول : تأثير نوع الطلاق على المستحقات المالية للمطلقة .

ولعل من أكثر أنواع الطلاق تأثيرا على المستحقات المالية للمطلقة الطلاق قبل البناء ( الفقرة الأولى) والطلاق الخلعي ( الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى : الطلاق قبل البناء.
إن المطلقة قبل الدخول لا تستحق إلا نصف الصداق المسمى أو المتعة عند عدم التسمية ، وذلك مصداقا لقوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ، وهذا ما أكدته مدونة الأسرة أيضا في ( المادة 32 ) ” تستحق الزوجة نصف الصداق المسمى إذا وقع الطلاق قبل البناء .
وحسب مذهب الإمام مالك ومذهب الشافعي فإن المقصود بالمسيس في الآية الوطء بعد العقد، وبالتالي فمجرد الاختلاء بالزوجة لا يوجب لها الصداق إلا إذا صاحبه مس أي وطء .
لكن باستقراء التحولات التي عرفها المجتمع، من حيث تغير مجموعة من القيم والأعراف الاجتماعية ، يلاحظ أن اللقاء بين طرفي العلاقة الزوجية الموقوفة التنفيذ إن صح التعبير، تأخذ أشكالا متعددة ، خاصة أمام موجة التحرر والانفتاح التي أصبحت تعرفها المجتمعات الإسلامية .
فهل يمكن اعتبار بعد كل هذا، المسيس بمفهومه الضيق المنحصر في الوطء فقط أم تجاوز هذا المفهوم إلى أشياء أخرى كالقبلة ، والشعور الذي ينتاب الزوج وهو يرى زوجته بجانبه ، على اعتبار أن هذا يعتبر بمثابة نوع من أنواع الاستمتاع خاصة إذا لم يكن هناك مبرر أو سبب مشروع للطلاق قبل الدخول ، وحتى إن كان هناك سبب فقد يرجع إلى الزوج من حيث الاستعداد والتهييئ لبيت الزوجية . وفي هذا الإطار يعتبر المذهب الحنفي أن الصداق يجب بالخلوة ولو لم يقع فيها مس ، أفلم يكن حريا بالمدونة الأخذ بهذا الرأي خاصة وأنها عرفت انفتاحا على باقي المذاهب في مواضع مختلفة ، وذلك أخذا بمبدأ اختلاف أمتي رحمة خاصة وأن نسبة الطلاق قبل البناء تعرف تصاعدا مهما والجدول التالي يبين ذلك .
المدينة الدار البيضاء فاس القنيطرة طنجة وجدة الناظور
عدد حالات الطلاق قبل البناء 462 162 302 533 434 340
إن مثل هذه الإحصائيات ، تدعو إلى التفكير ، والتأمل في مفهوم المسيس، خاصة أمام ضعف الوازع الديني لكثير من الناس في أيامنا هذه ، أفلا يجب معاملتهم بنقيض قصدهم ، وبقدر ما أحدثوا من فجور على قول عمر بن عبد العزيز ، لأن كثرة اللقاءات ، قد تجعل الزوج ينال من زوجته ما يريد دون وطء . يقول تعالى : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ، فالوطء أصل واللمس والنظرة والقبلة والكلام كلها بعض من ذلك الأصل .
هذا من جهة ، أما من جهة أخرى فإن طلاقها قبل الدخول يكون قد فوت عليها فرصة الزواج ممن قد يكون أفضل منه، ويضيق إن لم نقل يعدم أمامها فرصة الزواج من جديد ، نظرا لأن المجتمع لا يرحم المطلقة بعد الدخول ، فما بالك بتلك غير المدخول بها.
نظرا إذن لكل هذه المعطيات ، وفي ظل هذه التحولات فإن وضعية المطلقة قبل البناء ، تدعو إلى عميق تفكير، وإلى دفع عجلة الاجتهاد في هذا الاتجاه.

الفقرة الثانية : الطلاق الخلعي .
تنص المادة 115 من مدونة الأسرة على أنه ” للزوجين أن يتراضيا على الطلاق بالخلع طبقا لأحكام المادة 114 أعلاه ” ، فمن خلال هذه المادة يتضح أن عنصر التراضي بين الطرفين حاضر بشكل قوي الشيء الذي يكسبه صفة العقد، إذ أن التراضي هو قوام العقد، حيث تهدف من خلاله الزوجة الخلاص من زوجية لم تعد ترغب فيها نظير بدل تدفعه إلى زوجها ، فهو طلاق يشترك فيه الزوجان ولا يتم من جانب واحد .
وحتى يقع الخلع صحيحا يجب أن يكون رضا الزوجة قد تم عن بينة واختيار ، وعليه فإذا استعمل الزوج بعض الأساليب التي تدفع الزوجة مرغمة للإقبال على طلب طلاق الخلع منه، وقع الطلاق بائنا دون التزام هذه الزوجة ببدل الخلع ، وذلك مصداقا لقوله تعالى :  يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، وهذا ما أكدته أيضا المادة 117 من مدونة الأسرة حيث نصت على أنه للزوجة استرجاع ما خالعت به إذا أثبتت أن خلعها كان نتيجة إكراه أو إضرار الزوج بها وينفذ الطلاق في جميع الأحوال .
بيد أن الإشكال يطرح بحدة في مسألة العوض الذي يقع به الخلع من حيث طبيعته ذلك أن (المادة 118 ) من مدونة الأسرة تنص على أن كل ما صح الالتزام به شرعا صلح أن يكون بدلا في الخلع دون تعسف ولا مغالاة .
لكن مرآة الواقع تعكس صورة أخرى ذلك أن الطلاق الخلعي يحتل الرتبة الأولى في قائمة أنواع الطلاق، وذلك بما مجموعه 11.999 حالة طلاق خلعي وذلك من 5 فبراير 2004 إلى غاية 31 يناير 2005 والجدول التالي يبين توزيع الطلاق الخلعي حسب دوائر محاكم الاستئناف بالمغرب .
دوائر الاستئناف عدد الحالات
الرباط 1566
القنيطرة 905
الدار البيضاء 1813
الجديدة 346
فاس 432
تازة 250
مراكش 797
ورزازات 222
آسفي 325
مكناس 1021
الرشيدية 491
أكادير 901
العيون 57
طنجة 669
تطوان 258
سطات 176
بني ملال 400
خريبكة 313
وجدة 628
الناظور 375
الحسيمة 54
المجموع العام 11999
إن الأرقام الموضحة أعلاه، تبرز أن الطلاق الخلعي يزداد استفحالا ، ويمكن تبرير ارتفاع معدله في اعتقادي ببخس كلفته بالنسبة للزوج، ذلك أن الزوجة لا تكلفه شيئا فهي تتنازل له عن كل شيء مقابل الحصول على حريتها، خاصة إذا استعصى عليها إثبات الضرر، وفي ظل المدونة الحالية لوحظ بالتزامن مع الطلاق الخلعي ارتفاع نسبة التطليق للشقاق وذلك في حالة عدم استجابة الزوج لطلب الخلع ( المادة 120) .
هكذا إذن تلجأ معظم النساء إلى المخالعة بنفقتهن ومستحقاتهن بالرغم من أن المشرع يشترط عدم حصول التعسف والمغالاة ( م 118) ودون إكراه ( المادة 117) وفي الواقع بعض السادة القضاة يحرصون على مراعاة هذه الجوانب ويتحققون من عدم وجود أي عيب من عيوب الإرادة كالإكراه أو الضغط من طرف الزوج وغالبا ما يرفضون تنازل الزوجة عن حقوقها، ويلزمون الزوج بوضع المستحقات في صندوق المحكمة ، إلا أن هذه الممارسة تبقى محدودة في بعض الحالات وفي المحاكم التي لا تعرف زخما من الملفات والقضايا ، أما المحاكم الاستثنائية كالبيضاء وفاس والرباط فإن الملفات التي اطلعت عليها خاصة بمدينة فاس تنطق عن حالها ، حيث تصرح الزوجة بتنازلها عن حقوقها كاملة من أجل الحصول على الطلاق.
فحسب الإحصائيات السابقة يمكن القول بأن أزيد من 11.000 امرأة مطلقة بدون مستحقات ، فإذا كنت قد عالجت في المبحث الأول من هذا الفرع قصر الأجل وتأثيره على ضمان استمرارية النفقة والمتطلبات المعيشية للمطلقة ، فكيف ستكون والحالة هذه أوضاع هؤلاء المطلقات المعيشية الشيء الذي يطرح مسألة البعد الأخلاقي لطلاق الخلع وبحدة ، ذلك أن الغاية التي شرع من أجلها طلاق الخلع والمتمثلة أساسا في رغبة الملحة التي تكون للزوجة في الطلاق والزوج يكون متشبثا بالحياة الزوجية فتقدم إلى الزوج مقابلا للطلاق كعوض عن المهر وسائر النفقات الأخرى ، أما السلوكات المستشرية الآن فهي بعيدة كل البعد عن هذه الغاية ، حيث يتمنع الزوج من إيقاع الطلاق كوسيلة ضغط لدفع الزوجة لافتداء نفسها بمبلغ من المال أو بنفقتها بل أكثر من ذلك هناك فئة من الأزواج يحترفون هذه الممارسة ، ولعل هذا ما يفسر هذه الوتيرة المرتفعة ، وفي المقابل بدأت النساء تتوجهن إلى التطليق للشقاق ( المادة 120).
وأمام استفحال هذه الظاهرة ، يصبح التساؤل عن مصير مستحقات الأطفال واردا بحدة.

المطلب الثاني: مصير مستحقات الأطفال في ظل ارتفاع وتيرة الطلاق الخلعي.

حسب الفقه المالكي فإن بدل الخلع يمكن أن يكون النفقة أو أجرة الرضاع أو أجرة الحضانة ، بينما تنص المادة 119 من مدونة الأسرة على أنه ” لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة “.
يستخلص من هذا المقتضى التشريعي أن الزوجة يمكنها أن تخالع بالمستحقات المالية العائدة لأولادها كالنفقة وأجرة الرضاع والحضانة وكذا الحق في السكنى أو تكاليفها طالما هي موسرة ، أما إذا كانت معسرة فلا يجوز لها القيام بذلك.
وهكذا إذا أعسرت الأم المختلعة بنفقة أطفالها ، وجبت النفقة على أبيهم دون مساس بحقه في الرجوع عليها ( الفقرة الثانية من المادة 119) .
وبذلك فالمدونة تحرص على ألا تكون حقوق الطفل موضع مساومة بين الزوجين وإن كان في الواقع هذا الأمر يثير إشكالية كبرى تتعلق بنسبية العقود في التشريع المغربي ، على اعتبار أن الخلع هو عقد تراضي بين الزوجين، والأطفال ليسوا أطرافا في العقد إلا أنه مع ذلك فالمشرع يجعل أثر العقد يمتد بالنسبة للغير في حالة ما إذا كانت الأم موسرة ، والتي تعد من بين الحالات الاستثنائية في التشريع المغربي ومع ذلك فإن الفقه الإسلامي ومعه مدونة الأسرة قد كفلا للأطفال حقوقهم في حالة إعسار الأم، وذلك حفاظا على المصلحة الفضلى للطفل.
وهذا ما يكرسه بعض السادة القضاة، حيث يعملون على الحفاظ على مستحقات الأطفال ولو كان الطلاق خلعيا، كما هو الشأن في حكم صدر عن ابتدائية سطات أقر باستحقاق المحضونة شيماء لمبلغ 400.00 درهم شهريا عن واجب نفقة البنت شيماء ومبلغ 300.00 درهم شهريا عن واجب سكنى البنت ومبلغ 50 درهم عن واجب أجرتها مع إشفاع الحكم بالنفاذ المعجل ,
لكن مثل هذه الأحكام تبقى استثنائية ، نظرا لأن معظم الأمهات ، تنقل مصاريف التقاضي كاهلهن من أتعاب المحامي ، ومصاريف التبليغ فيلجأن إلى ركوب أقصر الطرق ألا وهي التنازل عن كل شيء مقابل موافقة الزوج على إيقاع الطلاق، وهذا ما تأكد لي من خلال شهادة بعض موظفي محكمة قضاء الأسرة بفاس ، حيث يكون هاجس الأم الوحيد هو الحصول على حريتها .
وبالمقابل هناك نوعية من النساء ، بسبب الجهل وقلة المعرفة لا يحسن الدفاع عن حقوقهن ، وحقوق أبنائهن إذا لا يثرن ما تعرضن له من ضغوط وإكراهات فيكون مصير الأطفال مع كامل الأسف الضياع والتشرد وفي أحسن الحالات ، الاشتغال المبكر، مما يدعو إلا دق ناقوس الخطر خاصة وأن نسبة الطلاق الخلعي ترتفع يوما عن يوم ، حيث باتت تلجأ إليه النساء المغربيات في السنوات الأخيرة بنسب مرتفعة تصل إلى 60 % من نسب الطلاق الموقع سنويا مما يحول الخلاص من قبضة الزوج إلى ابتزاز واضح تتنازل في ظله الزوجة عن كافة حقوقها وأحيانا عن حقوق أبنائها أيضا .
استنادا على ما تم توضيحه، يتبين أن المستحقات المالية المقررة للمطلقة والأطفال تبقى المحدودية سمتها العامة ، نظرا لعدم قدرتها على ضمان استمرارية المعاش بالنسبة للمطلقة على الرغم من الارتفاع الملحوظ في المستحقات المرصودة لها وكذا لغياب مؤسسة مالية بديلة عن مؤسسة الزواج .
في حين تظل مستحقات الأطفال تتراوح بين الضآلة والهزالة خاصة أمام غياب ضمانات حقيقية كفيلة بتأمين المتطلبات المعيشية للطفل ذو الأب غير الموظف أو عديم الدخل .
لكن الأمر يصبح أكثر خطورة أما استفحال الطلاق الخلعي خاصة وباقي أنواع الطلاقي الأخرى عامة ، الشيء الذي يؤثر لا محالة على المستحقات المالية ، مما يفرض إيجاد آليات للحد من هذا القصور .

الفرع الثاني : آليات الحد من قصور المستحقات المالية المترتبة عن الطلاق .
إن المعالجة الموضوعية لقصور المستحقات المالية للمطلقة والأطفال تفرض تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المدى البعيد وإحداث صندوق التكافل العائلي في المدى القريب ( المبحث الأول ) حتى يستوعب الطلبات الملحة والمتراكمة منذ مدة، مع الحرص والسهر على تقوية تدخل القضاء في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق ( المبحث الثاني ) حتى يكون توقيع الطلاق مبنيا على جلب مصلحة لا مفسدة، ليبقى تفعيل الأساليب البديلة لفض المنازعات الأسرية وسيلة أساسية لضمان استمرار مؤسسة الأسرة ( المبحث الثالث) .

المبحث الأول : إحداث صندوق التكافل العائلي.

إن الدعوة إلى إحداث صندوق التكافل العائلي تصبح ضرورة ملحة أمام تزايد عدد أطفال الطلاق الناتج عن استفحال ظاهرة الطلاق بوجه عام، مما يطرح وبحدة ضرورة توفير موارد مالية ( المطلب الأول ) ، لكن فعالية هذا الصندوق رهينة بدقة شروط الاستفادة منه وحسن تسييره وتدبيره ( المطلب الثاني) .

المطلب الأول : ضرورة توفير موارد مالية.

إن الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل لسنة 2002 تبين أن هناك طفل واحد على الأقل يذهب ضحية بالنسبة لـ21% من حالات الطلاق، وتأتي الزيجات التي انتهت وأثمرت طفلين في الدرجة الثانية بـ 7,60 % من مجموع الحالات التي تم رصدها في حين تمثل حالات الطلاق التي حدثت في أسر تضم ستة أبناء فما فوق 1,83 % وتحدث أغلبها في الوسط القروي .
لأجل ذلك، كانت الحكومة قد أقدمت على تبني مشروع قانون يتم بموجبه إحداث صندوق لصرف نفقات أطفال الطلاق ، حيث حددت المادة السابعة من هذا المشروع الموارد المالية للصندوق، إذ تم إجمالها في منحة سنوية تخصص من ميزانية الدولة وكذا المبالغ المستخلصة على سبيل الدين من الآباء مع غرامة التأخير ، ذلك أن هذا الصندوق إنما يحل محل المحكوم له في الرجوع على المحكوم عليه بالمبلغ الذي أداه عنه مضافا إليه المصاريف والغرامة التأخيرية والتي تحددها المادة التاسعة في 10% من مجموع المبلغ المؤدى ابتداء من تاريخ أداء الصندوق للنفقة المحكوم بها .
إضافة إلى نسبة معينة من الثلث الذي تستحقه الأوقاف عن كل حبس مما يفسر أهمية الأحباس والأوقاف كمؤسسات تتصدى لإقامة نوع من التكافل والتضامن داخل المجتمع الواحد.
ذلك أن الوقف كان يخصص بيوتا لفئات معينة من المجتمع كالمطلقات والأرامل يعشن فيها إلى حين زواجهن من جديد أو وفاتهن ، وقد أشاد العاهل الراحل الحســن

الثاني في إحدى خطبه بهذه المؤسسة الدينية ذات المنافع الاجتماعية الكبرى .
من هذا المنطلق ، تتضح أهمية تشجيع الوقف ، وذلك بشتى المحفزات.
وإلى جانب الأوقاف والأحباس ، هناك الزكاة باعتبارها واجبا دينيا يروم إشاعة روح التكافل والتضامن داخل المجتمع ، حيث تصبح حلا أكيدا نظرا لوظيفتها التمويلية القائمة على إعادة توزيع الدخل ومساعدة المعدمين وذوي العاهات والأمراض المزمنة والعاجزين عن العمل وذلك حسب سلم يراعي شدة الاحتياج ، ويقدر الحاجيات تقديرا دقيقا.
وفي هذا الإطار هناك حساب خاص في القانون المالي ينص على صندوق الزكاة، وقد ظل هذا الحساب مفرغا عبارة عن مجرد شيء للتذكير … فقد آن الأوان بدون شك وبلادنا تتجه نحو هذا الطابع الاجتماعي الذي يطمح إليه صاحب الجلالة ، والذي يقيم أسسه على أسس منطقية قانونية ومعقولة ، وأسس مجمع عليها، لابد من اكتشاف جميع الأدوات التي تمكن من تحقيق الأهداف المرجوة ، على أساس أن الدور الذي ينبغي أن تلعبه الزكاة هو ملء ثغرات النظام الجبائي المغربي في تأدية الوظيفة الاجتماعية وذلك من أجل أ، يصبح التعاون الاجتماعي والصحي بالنسبة لأغلبية فئات السكان المغاربة أداة جوهرية توازي التأمين الاجتماعي .
إن تجميع أنصبة الزكاة وضخها في صندوق الضمان العائلي كفيل بتنمية موارده المالية، ومن ثم ضمان تغطية نفقات أكبر عدد ممكن من المستفيدين خاصة الأطفال منهم .
وبالرجوع إلى مشروع القانون نجد أن الهبات والوصايا تشكل هي الأخرى موردا تمويليا لهذا الصندوق الذي لم تكتب له الحياة لحد الآن في الوقت الذي نجد فيه دولا في نفس المستوى الاقتصادي والاجتماعي، نظمت هذه المؤسسة منذ بداية التسعينات كتونس مثلا .
ففي الوقت الذي ينادي فيه الفقه في تونس بتوسيع صلاحيات صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق وذلك عبر تدخل الصندوق ، وتسديده لكل ما يحكم به لفائدة المرأة والأطفال ولو خلال قيام العلاقة الزوجية والمطالبة بتحديد الإجراءات الممكن اتباعها في حالة رفض الصندوق الأداء بدون مبرر ، مع الدعوة إلى تحديد الجهة المختصة بالنظر في النزاعات المترتبة عن ذلك يبقى مشروع القانون المغربي حبيس الأمانة العامة للحكومة من جهة ورهين النقاشات والدراسات والآراء المترددة من جهة أخرى.
ذلك أن وزير العدل عبر في إحدى الجلسات العمومية للأسئلة الشفوية بمجلس النواب بأن صندوق التكافل العائلي رهن الدراسة ، على اعتبار أن البعض يعتبر مشجعا على تفاحش معدل الطلاق، مما يعطل ويعرقل صدور مثل هذا القانون إلـى حيز الوجود، الشيء الذي يتنافى ودعوة جلالة الملك محمد السادس إلى ضـرورة

الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي ، وذلك على اعتبار أنه يبقى وسيلة من بين أخرى تساهم في تنمية المجتمع والتقليص من المشاكل المادية التي يعيشها ولو بشكل جزئي ، نظرا لأن أطفال الطلاق ليسوا المستفيد الوحيد من خدمات هذا الصندوق ، فهناك اليتامى وهناك أطفال لا قدرة لآبائهم على الإنفاق عليهم .
كما أن الدعوة إلى إحداث هذا الصندوق مجمع عليها من طرف الممارسين ورجال الفقه والقانون ، ففي تصريح للسيدة زهور الحر قبل صدور مدونة الأسرة أكدت فيه “على أن مشكل أداء النفقة بالنسبة للمرأة المطلقة وأطفالها، هو أكثر القضايا التي تروج أمام المحاكم ، فبعد سلوك مسطرة التقاضي والحصول على حكم بالنفقة، تصادف المطلقة عقبة التنفيذ للحصول على المبالغ المحكوم بها والتي تشكل المورد الوحيد لإطعام أطفالها، إذ يعمد الزوج إلى كل وسائل التنصل والإفلات من الأداء مما قد يؤدي إلى تشرد وجنوح هؤلاء الأطفال ولجوئهم إلى الشارع وإقرار صندوق لأداء هذه النفقة كان مطلبا أساسيا لحل هذه الإشكالية ، وأكيد أنه سيساهم في تحسين وضعية أطفال الطلاق الذين أصبحوا مصدر قلق في المجتمع لما يعانونه من إهمال وتهميش .
وعموما ، وللرد على من يشكك في فعالية هذا الصندوق ، أقول بأن ارتفاع معدلات وحالات الطلاق لها أسباب متعددة ومتشعبة ، أما القول بأن وجود صندوق التكافل العائلي فيه تشجيع على الطلاق ، يحتاج في نظري إلى مزيد تدقيق ، وحتى ولو فرضنا أن هذا الأمر صحيح فإن وضع شروط دقيقة وصارمة للمستفيدين من خدمات هذا الصندوق كفيل بتفنيد هذا الطرح.
المطلب الثاني : إقرار شروط الاستفادة من خدمات الصندوق.
لقد جاء المشرع موضحا لطبيعة المستفيدين من خدماته حيث أجملهم في الأطفال الذين حكم لهم بالنفقة إلى غاية بلوغ سن الرشد القانوني لكنني آمل أن يتم تحديد تاريخ انقضاء صرف المستحقات إلى سن 25 سنة في حالة متابعة الدراسة، وذلك كحد أقصى.
وعلى خلاف المشرع التونسي الذي اشترط إثبات امتناع المدين ، سلوك مسطرة إهمال العيال التزم المشرع المغربي الصمت حيال هذا الأمر، مما يطرح جريمة إهمال الأسرة على المحك، خاصة في شقها المتعلق بالامتناع عن أداء النفقة في وقتها المحدد.
فهل ستبقى هذه المسطرة متبعة خاصة وأن الصندوق سيحل محل الأب أم ستصبح العلاقة بين الصندوق والأب، وذلك في إطار رجوع الصندوق على الأب من أجل استخلاص ديونه أم أن المشرع سيحتاط للأمر ويحاكي نظيره التونسي.
كما أن المشروع أقصى أطفال المرأة العاملة، والتي لا يقل دخلها عن الحد الأدنى للأجور من الاستفادة ـ وإن كان الحد الأدنى للأجور لا يغني ولا يسمن من جوع، خاصة إذا كان هناك أكثر من ثلاث أطفال إلا أنه وإعمالا لمنطق الأولويات ، فإن الأطفال اليتامى لآباء أحياء هم أشد حاجة من أبناء الأم العاملة ، فما لا يدرك كله، لا يترك جله .
لكن ما سوف يزيد الأمر صعوبة ، من حيث التطبيق الواقعي هو التحايل على هذه الشروط خاصة وأن الممارسة القضائية لحد الآن أفرزت مجموعة من إشكاليات تعتري تطبيق المدونة ، ففيما يتعلق بإذن الطلاق مثلا، فالزوج يلجأ إلى المحكمة ويقدم طلب الإذن بالطلاق ، وحينما يحصل عليه يجعله رهن إشارته متى أراد أن يطلق.
فتحت ضغط الحاجة والفقر يمكن للزوجين ادعاء الطلاق ورفع طلب النفقة من طرف الأم، ومن ثم الحصول على مساعدة الصندوق ، ومعاودة استئناف الحياة الزوجية من جديد ، فيحيد الصندوق عن وظيفته الأساسية.
طبعا يبقى هذا مجرد افتراض أو احتمال ، أو حتى سيناريو من بين سيناريوهات عديدة يمكن أن تحدث ، لأن التحايل ضريبة أي قانون ، لكن هذا لا يمنع من ضرورة تفكير المشرع في أسوأ الاحتمالات ، والتصدي لها بوضع شروط دقيقة ، من قبيل نهج أسلوب القضاء المتتبع المواكب عن طريق التوظيف الجيد لمؤسسة المساعدة الاجتماعية وذلك حتى يحقق هذا الصندوق الهدف المتوخى منه، خاصة بالنسبة للأزواج عديمي الدخل ، وفي هذا الخضم لم لا يتم التفكير في تحويل هذا الصندوق إلى شركة تقوم باستغلال الأموال المتواجدة وتوظيفها حتى تعود عليها بالربح الذي يضمن له الاستمرارية في أداء النفقات، وهذا لن يتأتى إلا عن طريق التسيير والتدبير الجيد لموارده البشرية والمادية.
وفي هذا الإطار صرح وزير العدل بأن الوزير الأول كلف خلية وزارية بتعميق التفكير في كيفية إحداث مؤسسة مؤهلة بمواجهة كل ما يكلف الصندوق من تحملات وأن تقييما عمليا للوضعية بعد تطبيق مدونة الأسرة كان ضروريا قبل الإقدام على وضع نظام هذا الصندوق وتحديد مجال تدخلاته حتى نضمن له البقاء والاستمرار، ويكون عاملا من عوامل استقرار الأسرة لا حافزا للتشجيع على تفككها وانحلالها .
وبناء على أن الأصل هو حسن النية ، فإنني أتمنى أن لا تطول مهلة التفكير أكثر من الوقت الذي مضى ، وأن تسرع الخلية الوزارية في إعطاء الجواب الإيجابي وذلك حتى تضمن المطلقة وأولادها معاشهم اليومي .
هذا المعاش الذي يمكن أن تساهم في ضمانه بعض الأسرة الميسورة الحال في المغرب ، وذلك عبر نظام الكفالة الذي اقترحه البعض كحل لعدم قدرة الزوج على تحمل نفقة أبنائه وعجز المطلقة عن ذلك ، خاصة وأن مفهوم الطفل المهمل قد يشمل طفل الطلاق أيضا لأنه يندرج ضمن فئة من عجز أبواه عن رعايته ، والعجز والحالة هذه يحمل على معنى العجز المادي . كما يندرج أيضا ضمن فئة الأيتام لأن اليتم لا يعني دائما اليتم الواقعي أي من فقد أباه ، وإنما قد يكون يتما حكميا راجعا إلى غياب الأب المادي والمعنوي في نفس الآن .
إلا أن هذا لا يغني عن ضرورة التفكير في كيفية الحد من أصل الداء ألا وهو الطلاق ، وفي هذا الخضم يمكن تقوية دور القضاء في اتجاه الرقابة على شرعيته، نظرا لغياب الثقافة الدينية الشرعية عند كثير من الأزواج .
المبحث الثاني : تقوية دور القاضي في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق .
لقد أصبح الطلاق ظاهرة تتزايد معدلاتها بشكل اطرادي الشيء الذي أصبح يهدد في العمق الأسرة كمكون أساسي للمجتمع ( المطلب الأول) مما جعل البعض ينادي بضرورة الحد منه عن طريق إيلاء زمامه إلى القضاء.
لكن المناداة بالحد منه تبقى فكرة غير محسوبة النتائج ذلك أنه حق مشروع بالكتاب والسنة شريطة احترام الضوابط الشرعية لإيقاعه ، من هنا تطرح فكرة توجيه رقابة القاضي إلى شرعية إيقاع الطلاق ( المطلب الثاني ) أي هل احترم الزوج أثناء نطقه بالطلاق الضوابط الشرعية أم لا ، علها تكون وسيلة فعالة للتخفيف من هذه الظاهرة التي تنخر مقومات المجتمع المسلم يوما عن يوم .

المطلب الأول : حجم ظاهرة الطلاق بالمغرب .

لا يمكن حصر أسباب الطلاق ، نظرا لتداخل الذاتي والموضوعي فيه ( الفقرة الثانية) لكن حجمه يمكن حصره ( الفقرة الأولى ) .

الفقرة الأولى : حجم ظاهرة الطلاق بالمغرب وأسبابها.
حسب تصريح السيد وزير العدل ، فإن نسبة الطلاق المسجلة بمختلف محاكم المملكة خلال الفترة الممتدة بين تاريخ صدور المدونة و31/1/2005 بلغت ما مجموعه 26914 وحتى يتوضح الأمر أكثر سأعرض لحالات الطلاق ابتداء من سنة 1990 .

Tableau ??????????????

فمن خلال هذا الجدول يتضح أن حالات الطلاق تعرف تذبذبا من سنة إلى أخرى لتبقى سنة 1992 السنة التي عرفت أكبر عدد حالات الطلاق 58.480 وسنة 2005 – 2004 السنة التي عرفت أقل نسبة طلاق بـ 22914 حالة.
لكن الحكم بتراجع نسبة الطلاق ، يبقى سابقا لأوانه ذلك أن نسبة البث في ملفات الطلاق تبقى بطيئة نوعا ما ، والنموذج التالي من مدينة الدار البيضاء يبين ذلك ( لمدة ثلاثة أشهر فقط من 21/10/2004 إلى 18/02/2005)
التاريخ المخلف المسجل المحكوم الرائج
من 30/11/2004 إلى 21/10/2004 920 913 140 1963
دجنبر 2004 1693 606 542 1715
يناير 2005 1757 555 497 1815
المجموع 4367 2074 1179 5259
وهذا يبين أن نسبة البث في ملفات الطلاق سواء ما تراكم من قبل أو ما سجل حديثا نسبة ضعيفة لا تستطيع أن تواكب الطلب حيث كان متوسط المحكوم من الطلاق شهريا هو 393 فكيف يمكن أن نحكم بنسبة معينة للتراجع في حالات يمكن أن تعود إلى عدم القدرة على البث في القضايا المعروضة؟ .
نفس الشيء بالنسبة لمدينة فاس حيث أن عدد ملفات الطلاق منذ 2004/1/12 إلى 30/12/2005 بلغت 6159 ملفا مسجلا حكم منها 3887 فقط يعني بقي 2272 ملفا غير محكوم.
نفس الأمر بالنسبة لمحكمة قضاء الأسرة بسطات حيث يبلغ عدد ملفات الطلاق المسجلة من 2004 إلى 2005 : 1041 ملف حكم منها 728 ملف .
لقد سقت هذه النماذج للتدليل على أن القول بتراجع نسبة الطلاق بين 27 % و 72 % يحتاج إلى مزيد من التروي والوقت خاصة وأن المدونة لم يمض على تطبيقها سوى سنتين ، مما يجعل الربط بينها وبين انخفاض نسبة الطلاق صعب التأكيد.
وعموما ، ومن خلال بحثي الميداني في محكمة مدينة فاس وسطات لاحظت كثرة حالات الطلاق خاصة الطلاق الرجعي والخلعي وتزايد إقبال النساء على التطليق للشقاق .

الفقرة الثانية : أسباب الطلاق.
إن انفصام عرى الزوجية بالطلاق يأتي نتيجة أسباب متداخلة يتفاعل فيما الذاتي والموضوعي ، بل أحيانا تكون التفاهة والاستخفاف بالعلاقة الزوجية ، وانعدام الصبر هي المتحكم في وقوع الطلاق ، لكن وحسب الملفات التي اطلعت عليها وجدت أن الأسباب تتراوح بين عدم التفاهم، واستحالة العشرة ، والخروج من البيت بدون إذن الزوج …
فمثل هذه الأسباب وعلى عموميتها لا تبرر وقوع الطلاق، ولعل هذا ما يجعل مهمة القاضي صعبة ، لأن هذه الأسباب قد تكون قطعة طافية فوق سطح الماء من جبل جليدي يغوص في الأعماق، ذلك أن الأسباب النفسية المرتبطة بشعور الزوج المعني بالأمر كالفتور في العلاقة الجنسية ، والجفاء في المعاملة ، يستحيل نقل وقائعها إلى مجلس القاضي ، الشيء الذي يتطلب حنكة وخبرة القاضي لتلمس مثل هذه الأسباب ولم لا حضور أخصائي نفساني ومساعدة اجتماعية.
وفي أحيان كثيرة يكون الزواج نفسه هو السبب الرئيسي في حدوث الطلاق ذلك أن مؤسسة الزواج لم تعد تلك المؤسسة القائمة على مبدأ التكافؤ الاجتماعي والتناغم العاطفي وعلاقة الحب والقرابة ، بل أصبح خاضعا لتحولات القيم التي يتعرض لها المجتمع بتدافق قوي وسريع ، حيث سيطرت النزعة المادية على روح الجماعة وتحول الزواج من علاقة حميمية إلى علاقة تفاوضية تجارية !! .

الشيء الذي يفرض وبإلحاح إعادة النظر في مؤسسة الزواج ، من خلال التعريف بها وبماهيتها والغاية منها ، وسبل نجاحها ، وهذا لن يتسنى إلا بإشراك أئمة المساجد والدعاة ، والجمعيات المهتمة بالموضوع ، وكل فعاليات المجتمع المدني.
إن إعادة الاعتبار لمؤسسة الزواج، بكل ما تحمله كلمة مؤسسة من معنى هو القمين بالتقليل من حدة الطلاق وجعله استثناء لا قاعدة بعد ما أثبتت تقنية منح الإذن بالطلاق من طرف القاضي عدم فعاليتها ، إلا أن هذا لا يعني إلغاء تدخل القاضي، بل على العكس تدخله سيضفي إيجابية أكثر خاصة إذا وجه إلى الرقابة على شرعية الطلاق .

المطلب الثاني : توجيه تدخل القاضي في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق .

لقد عرفت المدونة الطلاق بأنه حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء ، وطبقا لأحكام هذه المدونة .
حيث أصبح على كل من يريد إيقاع الطلاق طلب الإذن من المحكمة ، من أجل الإشهاد عليه من طرف عدلين منتصبين للإشهاد ..
الشيء الذي يفرض معرفة الجدوى من تدخل القاضي في أمر الطلاق (الفقرة الأولى) ومن ثم الطموح نحو توجيه تدخل القاضي في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق ( الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : قياس جدوى تدخل القضاء في أمور الطلاق .
كما سبقت الإشارة إلى ذلك كثرت في السنين الأخيرة الأصوات المنادية بجعل الطلاق في يد القضاء وذلك بدعوى إساءة استعمال الزوج لهذا الحق ، إلا أن هذا لا يعني إلغاء هذا الحق ، ذلك أن كل قانون في هذه الدنيا مهما كانت درجة إتقانه وجودته يساء استعماله من طرف البعض ، فهل هذا يعني إلغاء ذلك القانون لمجرد أن فئة أساءت استعماله، وهنا أتذكر قول الأستاذ مصطفى السباعي : ” إن كل نظام في الدنيا يساء استعماله ، وكل صاحب سلطة ، لابد أن يتجاوزها ، إذا كان سيء الخلق، ضعيف الوازع الديني، ومع ذلك فلا يخطر بالبال أن تلغى الأنظمة الصالحة ، لأن بعض الناس يسيئون استعمالها ، إن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة ضمير المسلم، واستقامته ومراقبته لربه وقد سلك لذلك سبلا متعددة … والدليل على ذلك أن الطلاق عندنا لا يقع في البيئات المتدينة تدينا صحيحا ، صادقا ، إلا نادرا على أن كل نظام أو كل قانون في الدنيا، لابد أن تنشأ عند تطبيقه بعض الأضرار لبعض الأفراد، ومقياس صلاح النظام أو فساده ، هو نفعه لأكبر قدر من الناس أو إساءته إليهم .
أما وقد بعد الناس عن الدين وقل فيهم وازعه ، ولم تعد تلك الرقابة الدينية تعمل عملها ، فإنه لم يعد هناك بد من تدخل القضاء ، إذ ما الفرق بين سفيه يبذر أمواله فيحجر عليه القاضي، وبين شخص يسيء التصرف في زواجه وطلاقه؟ بل أيهما أشد خطرا على المجتمع المال أم الأسرة ؟ .
لكن السؤال الملح هنا : هو أن الطلاق غالبا ما يكون نتاج خصومة أو سوء تفاهم المهم أنه يحدث في ظروف انفعالية ، والمغرب بلد مسلم ، والمغاربة مسلمون يعلمون بأن الزوج هو من يوقع الطلاق، فهب أن زوجا نطق بصيغة الطلاق في ظروف ما وهو غير حاصل على إذن الطلاق ، فما مصير ذلك الطلاق ، ما مصير تلك الأسرة أمام صفوف منح الأذونات الطويلة ! ولعل ما يزيد الأمر استفحالا وخطورة هو عدم اعتداد المدونة بالطلاق اللفظي . هنا يقع التعارض بين الطلاق بمفهومه الديني والطلاق بمفهومه القانوني القضائي.
وفي هذا الإطار يقول الدكتور المدغري : ” هل يظن عاقل أن هذا الزوج الذي أراد الطلاق ورفضه القاضي ، سيطمئن إلى زوجته ، ويحسن معاشرتها ، ويثق فيها ويحبها … بل هل سيعتبرها زوجة شرعية ، بعد أن أوقع طلاقا شرعيا ونطق به ، ثم رفضه القاضي ” .
هذا ناهيك عن الإشكالات القانونية التي يثيرها منح الإذن ، ذلك أن عددا من الأزواج يحصلون على الإذن ولا يقومون بالإشهاد على الطلاق داخل الأجل ، مما يجعل العدول يرفضون الإشهاد به ، الأمر الذي يتطلب إثبات العذر القاهر الذي حال دون الإشهاد على الطلاق. أو لا يحضر إلى الجلسة ، أو لا يودع المستحقات في صندوق المحكمة كما هو مفروض عليه في المادة 83 ، حيث يعتبر متراجعا عن طلب الطلاق.
في الواقع إن مراقبة القضاء لإيقاع الطلاق، لا يجب أن تتخذ طابعا إداريا فالأذون والرخص لا تمنحها إلا السلطات الإدارية ، أما الطلاق فيبقى أمر شخصي تلفه ظروف نفسية شخصية ، وبينية لأنه ليس هناك سبب محدد للطلاق وبالتالي فتدخل القضاء يجب أن يتم في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق .
الفقرة الثانية : توجيه تدخل القضاء في اتجاه الرقابة على شرعية الطلاق.
لقد قرن الله تعالى توقيع الطلاق بتوفر ضوابط شرعية أساسية ، يقول تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان مما يعني تفريق الطلاق وعدم إرداف الطلقة أثناء العدة، ذلك أن الشريعة لم تكن للإضرار بالناس ولا للتضييق عليهم ولا لإيقاعهم في الحرج ، فلا حرج في الدين ولا ضرر ولا ضرار وهذه قواعد يتحتم الأخذ بها .
وقوله تعالى :  وبعولتهن أحق بردهن فيها إشارة إلى أحكام الرجعة، كما وضح عز وجل أحكام العدة :  لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أن تفرضوا لهن فريضة ثم قوله تعالى :  يا أيها النبيء إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ذلك أن العدة فوائدها جمة إذا مورست بالطريقة الشرعية من حيث بقاء الزوجة واعتدادها في بيت الزوجية ، إذ تكون فرصة لمراجعة النفس ، وتفهم أخطاء بعضهما البعض، حتى إذا عادت الحياة الزوجية من جديد عملا على تجنبها .
ومن السنة النبوية حديث ابن عمر ” أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ثم تطهر فإن بدا له فليطلقها قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء” .
والحكمة من جعل الطلاق محرما في فترة الحيض، ترجع بالأساس إلى أن هذه الفترة لا يقرب فيها الزوج زوجته وبالتالي يشوب العلاقة الزوجية نوع من الفتور والنفور اللذان قد يكونان هما السبب في إيقاع الطلاق، وحيث أن فترة الحيض عارض يزول بعد مرور أيام معدودة ، والإسلام لا يعتد إلا بالطلاق المؤسس على حاجة أو سبب تستحيل معه العشرة جاء التحريم في فترة الحيض.
وعليه فالطلاق المشروع، هو ذلك الموافق للسنة أي الطلاق الذي يتم والزوجة طاهر من الحيض والنفاس، وأن لا يجامعها في ذلك الطهر، وأن تكون طلقة ، واحدة لا أكثر وأن لا يردف تلك الطلقة بطلاق آخر أثناء العدة ، حتى لا يكون طلاقا بدعيا أي مخالفا للسنة، وإذا حدث وطلق الزوج زوجته وهي حائض فإنه يلزم بأن يراجعها ما دامت لم تنقض عدتها ، ثم يمسكها إلى أن تطهر من الحيض الذي طلقها أثناءه ، ثم تحيض ثم تطهر ، تم إن شاء طلقها قبل أن يمسها ، وإن شاء أمسكها فإن امتنع من رجعتها ارتجعها القاضي عنه .
فطالما أن الوازع الديني تراجع فينا، وتطبيقا لقول عمر بن عبد العزيز ، تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور ، فالأولى أن نعوض الجانب الذي أنقص من صلاحية الزوج في إيقاعه للطلاق، وهو الجانب الديني الشرعي ، ولتوكل هذه المهمة للقاضي ، بحيث يتولى قاضي الأسرة مراقبة شرعية الطلاق ، بحيث لا يوثق الطلاق إلا بعد التأكد من أنه وافق الضوابط الشرعية، وأنه ليس بطلاق بدعي .
وحتى يتسنى للقاضي ذلك، لا بأس من استفسار الزوجين عن كيفية وقوع الطلاق حتى يتمكن من معرفة مدى سنيته، ولم لا يتم طلب مساعدة الأطباء في هذا المجال حتى إذا ثبت للقاضي شرعية الطلاق أمر بتوثيقه بعد استفراغ الوسع في محاولة رأب الصدع من أجل عودة الحياة الزوجية لما كانت عليه، وإذا لم تثبت تلك الشرعية رد الطلاق.
إن التعامل مع الطلاق على أساس أنه باب ضيقة لا يعبر منها إلا الأزواج المتوفرة فيهم المواصفات الشرعية المطلوبة ، سيجعله استثناء لا قاعدة ، وسيوقع الطلاق حيث يجب أن يوقع أي حيث تكون المصلحة.
هذه الأخيرة لا يمكن تحقيقها إلا بالحفاظ على كينونة الأسرة والتي يعد تفعيل الأساليب البديلة لفض المنازعات الأسرية إحدى وسائل حمايتها.

المبحث الثالث : تفعيل الأساليب البديلة لفض المنازعات الأسرية .

إن تأمين العيش الكريم، القائم على تحقيق التوازن المادي والمعنوي للمرأة والأطفال رهين باستمرارية الأسرة وذلك من خلال التأكيد على دور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح (المطلب الأول) إلى جانب خلق خلية على صعيد كل محكمة أسرة لتسوية الخلافات الأسرية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: دور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح.

إن الحديث عن الصلح لا يخلو من أهمية، على اعتبار مزاياه المختلفة والمتمثلة أساسا في تخفيف العبء عن القضاء، وعن المتقاضين من حيث طول الإجراءات وتعقيداتها ومن حيث التكاليف الباهضة التي قد لا يتحملها كل الناس.
هذا ناهيك عن النتيجة التي لا تكون مضمونة دائما نظرا لبشرية القاضي من جهة، ولوسائل بثه في النزاع المعتمدة أساسا على الوثائق والمستندات المقدمة والتي قد يقع فيها تحايل من جهة أخرى.
ولعل ما يضفي على الصلح قيمة مضافة هو تحقيقه للعدالة بمعناها الحقيقي، والتي لا يصل إليها القاضي في جل الحالات، الشيء الذي يسمح بنشر السلم الاجتماعي وإشاعة الأمن والسلام بين أفراد المجتمع .
لأجل كل هذه الأهداف السامية، حث القرآن الكريم، على الأمر بالصلح ورغب فيه في الكثير من الآيات كقوله تعالى :  وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما  . وقوله:  إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما .
من هذا المنطلق تبدو، فائدة الصلح الكبرى كوسيلة أساسية لرأب الصدع داخل الأسرة، والتي تعتبر اللبنة والنواة الأساسية لبناء أي مجتمع، ومن ثم فإعمال وسيلة الصلح يحول دون نشر الأسرار والخلافات الزوجية، بل حصرها في دائرة ضيقة تقتصر على من يهمهم الأمر، وهذا فيه بارقة أمل لإعادة استئناف الحياة من جديد.
وفي هذا الخضم، نصت مدونة الأسرة في مادتها 82 على أنه ” للمحكمة أن تقوم بكل الإجراءات، بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا لإصلاح ذات البين، وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل ن ثلاثين يوما”.
فالقراءة الأولية لهذه المادة، تفيد بأن المحكمة ليست ملزمة ولا مجبرة على انتداب الحكمين أو مجلس العائلة لإصلاح ذات البين وذلك واضح من خلال عبارة ” للمحكمة” بمعنى أن لها الحرية والاختيار في حين كان الأرجح أن تكون العبارة مبتدئة بكلمة يجب ” أو على المحكمة “، كما أن هذه المادة لم تحصر الإجراءات التي يمكن القيام بها لإصلاح ذات البين وإنما جاءت على سبيل المثال ولأدل على ذلك عبارة ” أو من تراه مؤهلا” وفي هذا الإطار يمكن طرح الوساطة كأسلوب حيوي ومؤثر في عملية الصلح.
والوساطة يمكن تعريفها بأنها : “المساعي التي يقوم بها شخص محايد بين أطراف النزاع ومحاميهم من أجل الوصول إلى حل ودي لهذا النزاع ” .
فالوسيط هو شخص محايد ولا يملك أية سلطة لإلزام الطرفين وإجبارهما على أي شيء ولكنه يقدم مساعدته لهما معا حتى يتمكن كل منهما من تقييم مركزه القانوني الواقعي في النزاع، ويكون على بينة من المكاسب والأضرار التي يمكن أن تكون وراء

استمرار النزاع وسلوك مسطرة التقاضي العادية .

والوساطة تقوم على مشاركة الأطراف أنفسهم في ابتكار الحلول لنزاعاتهم ، مما يجعلهم مطمئنين إليها، كما تعمل على الحفاظ على العلاقات العائلية والاجتماعية والإنسانية بين الأطراف .
وفي هذا الإطار تعمل وزارة العدل في اتجاه تعزيز دور الوساطة أكثر في مدونة الأسرة، حيث تم تنظيم ندوة حول مدونة الأسرة ودور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح، حيث تدارس كيفية تفعيل هذه المسطرة في ضوء آليات الوساطة الأسرية معتمدين في ذلك تجربة بعض الدول الغربية ، وهذا يدخل في توجه عام يروم التأسيس لتبني نهج الأساليب البديلة لحل المنازعات في جميع الميادين .
فاستنادا على هذه الحركية ، يمكن للوساطة أن تحقق ما لم يستطع القضاء النظامي بشكله التقليدي تحقيقه ،ولكن شريطة إشراك جميع المتدخلين بما في ذلك المحامون والخبراء والأعوان القضائيون وضباط وأعوان الشرطة القضائية وذلك من خلال إصلاح القوانين المنظمة لعملهم ، بحيث يصبح المحامي شريكا وفاعلا في عملية الوساطة من خلال تقديم النصح للموكل وعدم مجاراته في مساطر لا طائل من ورائها .
إلا أن ما يجري الآن في محاكم أو أقسام قضاء الأسرة ، هو أن عملية الصلح يقوم بها السادة القضاة ، وكما هو معلوم فتكوين السادة القضاة قانوني بالدرجة الأولى في حين أن القضايا التي يعالجونها ذات أبعاد اجتماعية ونفسية متشعبة مما يفرض وبإلحاح تدخل أخصائيين في هذا المجال.
وهنا تطرح مسألة تأهيل القضاء الأسري ، عن طريق تكوين قضاته وتطعيمه بذوي التخصص في علم الاجتماع وعلم النفس ، حيث تتم عملية الصلح في حضورهم وتنحصر مهمة القاضي في التأشير على ما وصلوا إليه ، إضافة إلى فرض إجبارية حضور المساعدة الاجتماعية في جلسات الصلح ،وهذا لن يتأتى إلا بتوفير العدد الكافي من المساعدات مع الاهتمام بوضعيتهن المادية ،وظروف عملهن ،ولعل هذا ما أكد عليه الخطاب الملكي الذي تم إلقاؤه أمام البرلمان أثناء افتتاحه للدورة التشريعية لسنة 2004 – 2003 حيث جاء فيه :” إنه مهما تضمنت المدونة من عناصر الإصلاح فإن تفعيلها يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال لا سيما وقد تبين من خلال تطبيق المدونة الحالية أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بنودها ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل ماديا وبشريا ومعنويا لتوفير كل شروط العدل والإنصاف مع السرعة في البث في القضايا والتعجيل بتنفيذها “.
إن تأهيل القضاء الأسري يقتضي ضرورة إدماج علم الاجتماع وعلم النفس ضمن مواد استكمال التكوين ، الشيء الذي يمكن القاضي من التمكن من مفاتيح كيفية علاج المشاكل المجتمعية التي تعرض عليه، وذلك بغية تحقيق هدف لم شتات كل أسرة تعيش التمزق والتفكك ، مع تقوية تدخل النيابة العامة في القضايا الأسرية عبر تزويد أقسام قضاء الأسرة بالموارد البشرية الكافية .
وفي انتظار استكمال حلقة التكوين هذه، ، لماذا لا يتم التأسي بالمشرع المصري الذي أقدم على خلق لجنة لتسوية المنازعات الأسرية تتكون من أخصائي اجتماعي وآخر نفسي تكون مهمتها التوفيق والصلح بين الزوجين وديا قبل المنازعة القضائية ، فإن تمت تسوية النزاع بالصلح حرر محضر بذلك فإن فشلت جهود اللجنة حرر محضر يوقع من أطراف النزاع ويرسل إلى محكمة الأسرة . يمكن البعض الرد على هذا التساؤل بالقول أن المشرع المغربي نص على دور مجلس العائلة في هذا المضمار، إلا أن الواقع يعكس خلاف ذلك ، إذ أن هذا المجلس لم يفعل مذ تم التصريح بنشأته نظرا للصعوبات الهيكلية التي تكتنفه، مما يقتضي التطلع إلى إنشاء خلية لتسوية المنازعات الأسرية .

المطلب الثاني : إنشاء خلية لتسوية المنازعات الأسرية .

لقد أصبحت الأسرة أكثر من أي وقت مضى معرضة إلى هزات داخلية تزعزع استقرارها وتوازن العلاقات بين أفرادها ،وحرصا من الله عز وجل على دوام واستمرار هذه الأسرة حث على إصلاح ذات البين والتأليف بين القلوب المتخاصمة ، وذلك عن طريق الحكمين مصداقا لقوله تعالى :  وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا  .
ذلك أن وجود حكمين من أهل الزوجين يفيد في إعادة تآلفهما نظرا لمعرفتهما بطبائعهما وميزاجيتهما وفي هذا يقول ابن رشد ” وأجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا من أهل الزوجين أحدهما من قبل الزوج والآخر من قبل المرأة إلا أن لا يوجد في أهلهما من لا يصلح لذلك فيرسل من غيرهما ” ، فالأهل والأقارب أقدر على تقريب الهوة بين الطرفين ونفسية الزوجين ترتاح إليهما ، مما يسهل عملية الصلح إن كانت هناك إرادة لدى الزوجين.
ولعل هذا ما أخذت به مدونة الأسرة في المادة 82 حين سمحت للقاضي بانتداب حكمين لإصلاح ذات البين ، لكن في حالة تعثر مهمة الحكمين وعدم توصلهما إلى حل أمكن للمحكمة الاستعانة بمجلس العائلة وذلك بموجب الفقرة الثانية من (المادة 82).
وذلك نظرا لأهميته في الحفاظ على الروابط الأسرية ، حيث يضم المجلس إلى جانب القاضي بصفته رئيسا كلا من الأب والأم أو الوصي أو المقدم.كما يضم أربعة أعضاء بالتساوي بين جهة الأب وجهة الأم يمثلون الأقارب والأصهار وإذا ما تعذر توفرهم من الجهتين أمكن اختيارهم من جهة واحدة.
ويراعى في اختيار أعضاء هذا المجلس شروط أساسية من جملتها علاقتهم بالأسرة ومؤهلاتهم ومدى استعدادهم للعناية بشؤونها وحرصهم على مصلحتها( المادة 2) مع إمكانية تغيير أي عضو من أعضاء المجلس عند الاقتضاء ( المادة 3).
لكن مع كل هذا تبقى مهمة مجلس العائلة استشارية فقط حيث يقوم بإبداء الرأي حول ما يناط له من اختصاصات .

إلا أن الملاحظ أن هذا المجلس لم يفعل لحد الآن ولم يشكل للقيام بما أنيط له حسب ما نص عليه المرسوم المنظم له ، إذ أن الممارسة العملية تفيد بأن جلسات الصلح لا تحضرها هذه المؤسسة ،وأن القاضي لا يبذل أي مجهود في سبيل تشكيل هذه الهيأة ، كما لم يسبق لقضاة التوثيق ، أن شكلوا مجلس العائلة الذي تم إحداثه بمقتضى التعديل الذي أدخله المشرع على مدونة الأحوال الشخصية بتاريخ 10 شتنبر 1993 وكرسته حاليا مدونة الأسرة .
وحتى عند تشكيله ، فإن الهدف المنشود من ورائه لا يتحقق ،نتيجة تنافر أفراد الأسرتين وتعصب كل طرف لرأيه ،ويزداد الأمر تعقيدا إذا كان سبب النزاع هـو

الخلاف بين أهل الزوج وأهل الزوجة ، فيتعذر التقاؤهما فبالأحرى توصلهما إلى حل أو توافق .
كما وجدت نفس الرأي عند ممارسي القضاء ، إذ أكدوا لي بأن مجلس العائلة بالطريقة التي تصورها المشرع لا يمكن أن تفعل نظرا لعدم وجود الأرضية الخصبة التي تتيح له طرح ثماره، ذلك أن الذهنية لا زالت لم تتغير، وقابلية الحوار لا تتوفر لدى كل المتخاصمين ،هذا إضافة إلى أن أقارب الزوجين كثيرا ما يشحنان النزاع، بدل العمل على الصلح ،الشيء الذي يجعل مستقبل هذا المجلس شبه ماضيه لأنه ولد ميتا .
وفي هذا الإطار أخبرني السيد خالد كتاري بأن الكاتب العام لوزارة العدل الأستاذ ليديدي طرح فكرة في أحد الاجتماعات تقوم على أساس تكوين خلية بدائرة كل محكمة قضاء الأسرة ، تضم بين أعضائها أشخاصا مشهودا لهم بالثقة والوقار والتقوى كأئمة المساجد وبعض الوعاظ تعمل على تسوية الخلافات الرائجة بين الزوجين، وذلك بنية التخفيف من حدة الشروخ التي أصابت الأسرة المغربية ، ويمكن الاستعانة بمساعدات اجتماعيات وأطباء نفسانيين لما لهم من حنكة ودراية بالواقع الاجتماعي. وهذه الفكرة هي في الواقع مستوحاة من التراث المغربي الأصيل ، حيث كان الناس خاصة في البوادي يلجأون إلى علماء الدين وأئمة المسـاجد ومـدارس علوم الديـن لا في أمور دينهم فحسـب ولكن حتى فيمـا يتعلـق

بمعاملاتهم الدنيوية وما يشوبها من نزاع ، وكانوا يرضون ويسلمون بما أفتى به الإمام أو العالم، نظرا لقوة الوازع الديني لديهم ، وهو ما زالت تحتفظ به بعض المناطق في يومنا هذا خاصة في القرى والبوادي حيث يقوم إمام المسجد أو”الفقيه “بالصلح بين المتخاصمين ، والعمل على إرجاع الزوجة إلى بيت الزوجية، في حالة نشوب نزاع بين الزوجين وهذا ما أكده لي أيضا السيد خالد كتاري ، حيث وقف على هذا الواقع أيام كان يمارس مهامه بمدينة تادلة.
فلماذا إذن لا نكرس هذا التراث الجميل، وهو نابع من أعرافنا وتقاليدنا مما يوفر له سبل النجاح الأكيد .
يتضح إذن أن تأهيل القضاء عبر انفتاحه على باقي التخصصات كأخصائيي علم الاجتماع وعلم النفس ، ونهج أسلوب الطرق البديلة لفض المنازعات الأسرية تبقى ناقصة إذا لم تتخذ بعدها الثالث ألا وهو البعد المالي عن طريق الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي كأولوية لتقديم الإسعافات الأولية للمتضررين الحاليين .

خـاتمـــــــة

إن الحديث عن تأمين مستوى معيشي ملائم للمرأة والطفل بعد الطلاق ، هو حديث يتعدى ويتجاوز النطاق القانوني والقضائي إلى مجال أوسع يرتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية كفضاء عام تدور في فلكه باقي الجوانب .
ذلك أنه مهما كان النص القانوني محكم الصياغة وجيد، وكانت طرق تطبيقه على المستوى القضائي سليمة، فإن تنفيذه هو المقياس والميزان الذي توزن به مصداقية الأحكام ، والقرارات القضائية .
والتنفيذ يرتبط بمدى قوة القدرة الشرائية للمواطن في المرتبة الأولى، وبقوة الجهاز التنفيذي الساهر عليه، هذا من حيث ما هو كائن .
أما من حيث ما ينبغي أن يكون، فهو مرتبط أشد الارتباط بإعادة الاعتبار إلى مؤسسة الزواج ، عن طريق توعية المقبلين على الزواج بمعايير اختيار الشريك الآخر والتي يجب أن يكون مقومها الأساسي هو الدين.
ذلك أن الرهان معقود على الموارد البشرية ، إذ هي الثروة الحقيقية لكل بلد، والأسرة هي المنجم الحقيقي الذي يجب استغلاله للحصول على معادن نفيسة تدر الربح الوفير على المجتمع.
بيد أن هذا المنجم بدأ ينضب معينه نظرا لسوء الاستغلال الذي يتعرض له.
فالأسرة اليوم أصبحت قشة في مهب الريح، تكالبت عليها المحن والنوائب ، نظرا لهشاشة محتواها، فصارت الأسرة في معظم الحالات شكلا بدون مضمون .
ولعل السبب وراء ذلك ، يعود إلى الاستخفاف بمؤسسة الأسرة، وتداعيات انحلالها على المجتمع الناتج أساسا عن ضعف الوازع الديني ، هذه العبارة التي نبخسها ، ونختصره في الجانب التعبدي ، ناسين أو متناسين أن الدين المعاملة، وأن من استقامت عبادته استقامت معاملته.
فلو أن كل زوج وكل زوجة استحضرا مراقبة الله لهما في كل كبيرة وصغيرة ما ضاع حق أبدا ، ولو تمثل كل واحد منا أنه إنما يتعامل مع الله عز وجل ما فسدت معاملة قط.
قد يقول قائل إن مثل هذا الكلام ، إنما هو ضرب من الموعظة والنصح المثالي، ولا يمت للواقع بصلة .
لهؤلاء أقول بأن الواقع عليه أن يوافق الدين، لا العكس وإن ما صلحت أحوال أمم من قبلنا ، إلا بتقوى الله، وباتخاذهم الدنيا معبرا للآخرة.

” ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ”
سورة البقرة ، الآية 258
تم بحمد الله

لائحة المراجع المعتمدة

المراجع بالعربية :
المصــــادر :
– القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ، الجزء الثالث,
– الكاساني : بدائع الصنائع ، الجزء الثاني .
– النسائي : كتاب السنن ، الجزء السادس.
– ابن حزم : المحلى ، الجزء العاشر.
– ابن جزي : القوانين الفهية.
– ابن رشد ( الحفيد ) : بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
– شمس الدين السرخيسي : المبسوط ، الجزء السادس.
– مالك : المدونة الكبرى ، الجزء الخامس.
– محمد الشوكاني : نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
– وهبة الزحيلي : الفقه الإسلامي وأدلته ، الجزء السابع.
النصوص القانونية :
– مدونة الأسرة
– المسطرة المدنية
– القانون الجنائي
– مجلة الأحوال الشخصية التونسية
– الدليل العملي لمدونة الأسرة
الكتـب :
– أحمد الخمليشي : التعليق على قانون الأحوال الشخصية ، الجزء الثاني ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، الطبعة الثالثة ، 1994.
– أحمد اجوييد : شرح القانون الجنائي الخاص ، الجزء الثاني ، مكتبة المعارف الجامعية ، فاس 1999 ـ 2000.
– أحمد السنهوري : الوسيط في شرح القانون المدني ، الجزء الثاني .
– إدريس الفاخوري : الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية وفق أخر التعديلات ، دار النشر الجسور وجدة ، الطبعة السادسة ، 1999 – 2000
– خالد بنيس : مدونة الأحوال الشخصية الولادة ونتائجها مع قضاء الحالة المدنية، بابل للطباعة ، الرباط 1989.
– رشيد مشقاقة : قاضي التنفيذ ، مكتبة دار السلام ، الطبعة الأولى 2000 .
– رشيد مشقاقة : في رحاب القضاء والقانون قراءات في مدونة الأسرة الجديدة الطبعة الأولى ، مكتبة السلام ، الرباط 2005م.
– سعيد أزكيك : إهمال الأسرة في التشريع المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ، 1986 ، مطبعة الهلال العربية ، طبعة 1992.
– عبد الكريم شهبون : شرح مدونة الأحوال الشخصية ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، 1987.
– عبد الله بن الطاهر السوسي : مدونة الأسرة في إطار المذهب المالكي وأدلته ، الكتاب الأول ، الزواج ، مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الأولى ، 2005 م,
– عبد الرحمن الصابوني : مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية ، بحث مقارن ، الجزء الأول ، مطبعة جامعة دمشق 1962.
– عبد الكبير العلوي المدغري : المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير ، مطبعة فضالة ، المحمدية ، الطبعة الأولى ، 1999.
– عبد اللطيف هداية الله : القضاء المستعجل في القانون المغربي ، مطبعة النجاح الجديد، الدار البيضاء 1998.
– محمد ابن معجوز المزغراني : أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الخصية ، الجزء الأول والثاني ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، طبعة 1994.
– محمد الأزهر : شرح مدونة الأسرة أحكام الزواج ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، طبعة 2004.
– محمد الشافعي : أحكام الاسرة في ضوء مدونة الأحوال الشخصية ، دار وليلي للطباعة والنشر ، طبعة ثالثة 1998.
– مصطفى السباعي : المرأة بين الفقه والقانون ، المكتبة الإسلامية ، بيروت ، الطبعة السادسة.
– مصطفى شلبي : أحكام الأسرة في الإسلام دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية ، بيروت 1977.
– محمد الكشبور : أحكام الحضانة ، دارسة في الفقه المالكي وفي مدونة الأسرة ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، 2004.
– محمد الشافعي : قانون الأسرة المغربي بين الثبات والتطور ، مطبعة الوراقة الوطنية، مراكش الطبعة الأولى لسنة 2004.
– محمد سمارة : أحكام وآثار الزوجية شرح مقارن لقانون الأحوال الشخصية ، الدار العلمية للنشر والتوزيع الأردن الطبعة الأولى لسنة 2002.
– مدونة الأسرة في مجلس النواب منشورات مجلس النواب الفترة التشريعية 2002 – 2007 السنة التشريعية 2003 – 2004 .

الأطروحات والرسائل الجامعية :
– الطاهر كركري : الصلح بين أفراد الأسرة في الفقه الإسلامي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا ، كلية الشريعة 1995 – 1996.
– سعيد يوسف البستاني : علاقة الضمان الاجتماعي بنظم الأسرة والأحوال الخصية ، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص ، جامعة محمد الخامس، الرباط 1983.
– عبد المجيد اغميجة : موقف المجلس الأعلى من ثنائية الفقه والقانون في مسائل الأحوال الشخصية ، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص ، كلية الحقوق ، الرباط 1999 – 2000.
– عبد السلام الشمانتي : الحقوق المالية للمرأة المتزوجة رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ، كلية الحقوق ، الرباط 1988 – 1989.
– عبد الجليل جمال : أحكام الحضانة وفق مدونة الأحوال الخصية والاجتهاد القضائي بحث نهاية التمرين بالمعهد الوطني للدراسات القضائية 1996 – 1997.
– عطوش علي محي الدين عدنان : النفقة في التشريع المغربي بين النظرية والتطبيق بحث نهاية التدريب بالمعهد الوطني للدراسات القضائية لسنة 1996.
– فضيلة وهبي : وضعية الأطفال بعد انفصام الرابطة الزوجية في الفقه الإسلامي والقانون المغربي ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة ، كلية الشريعة ، 2001 – 2002.
– محمد بودلاحة : وضعية المرأة في تقنيات الأحوال الخصية لدول المغرب العربي أطروحة لنيل الدكتوراه في الشريعة 1999 – 2000.
– محمد الشرقاوي ونور الدين أولاد عبد الرحمن : إشكالية الإثبات في النفقة رسالة نهاية التدريب بالمعهد الوطني للدراسات القضائية بالرباط ، 2001 – 2003.
– محمد بشيري :مناقشة المطالب النسائية الهادفة إلى تفسير مدونة الأحوال الشخصية أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص ، كلية الحقوق ، جامعة الحسن الثاني ، الدار البيضاء 1994 – 1995.
– محمد صادق : تقدير نفقة الزوجة فقها تشريعا وقضاء ، بحث نهاية التمرين بالمعهد الوطني للدراسات القضائية 1998 – 1999.
– محمد جلال : أحكام الحضانة في التشريع المغربي : دراسة فقهية قضائية ، بحث نهاية التمرين بالمعهد الوطني للدراسات القضائية 94 – 1996.
– محمد الجرموني : دور قاضي التوثيق في حماية الأسرة المغربية ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص كلية الحقوق بفاس، 2002 – 2003.
– نور الدين أسلاو ” ضوابط إيقاع الطلاق رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا ، كلية الشريعة ، 2001 – 2002.
– هند احدارتي : الطلاق أسبابه وطرق معالجتها ، رسالة نهاية التدريب في المعهد الوطني للدراسات القضائية 2000 – 2002 .
– وفاء بناني : غياب الأب وآثاره على الأسرة بحث نهاية التمرين بالمعهد الوطني للدراسات القضائية 1992 – 1994.
المقالات والأبحاث القانونية :
– أحمد السراج : أطفال الطلاق وآثار فسخ العلاقة الزوجية على الأبناء ، مجلة الملحق القضائي ، عدد 32 لسنة 1997.
– أحمد السراج : الطرق البديلة لحل النزاعات ، مجلة الملحق القضائي ، عدد 37 سنة 2004.
– أمجاط محمد الصغير : أسس تقدير نفقة الزوجة ، مجلة الملحق القضائي العدد 21 لسنة 1991.
– بلحساني الحسني : مبدأ التعويض عن الطلاق التعسفي في الفقه الإسلامي ومدونة الأحوال الخصية ، مجلة الميادين عدد 3 لسنة 1988.
– خديجة العلمي : دور القضاء في مدونة الأسرة ، مجلة المعيار عدد 32.
– رجاء ناجي مكاوي : التوجه القضائي في مجال نفقة الأبناء : المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد عدد مزدوج 32/31 لسنة 1991 .
– سعد الجرندي : تقييم تجربة الأعوان القضائيين من خلال ابتدائية فاس ، مجلة المعيار عدد 28 لسنة 2002.
– عبد الرحمن حدو : إهمال الأسرة في التشريع المغربي ، مجلة الميادين ، عدد 3 لسنة 1988 .
– عبد الله بودهرين : من أجل نظام إسلامي للتكافل الاجتماعي عن طريق الزكاة ، مجلة المحاكم المغربية ، عدد 30 لسنة 1984 .
– عبد الله الحمومي : افتتاحية مجلة المعيار عدد 32.
– عبد الواحد بنمسعود : حقوق الطفل في مدونة الأسرة والاتفاقات الدولية مجلة المحكمة، عدد 32.
– عبد الواحد بنمسعود: حقوق الطفل في مدونة الأسرة والاتفاقات الدولية مجلة المحكمة، عدد 4/2004.
– فدوى الوالي وخديجة أبو مهدي : تجربة الأعوان القضائيين بفاس بحث، إجازة في القانون الخاص 1998 – 1999.
– محمد السعيد بن سلام حول تطبيق التعديل الوارد في الفصل 179 من قانون المسطرة المدنية مجلة المحامي ، عدد 12 لسنة 1988.
– محمد أكديد: حقوق المطلقة في مدونة الأسرة ، مجلة كتابة الضبط ، عدد 13/2005.
– محمود حسن : التجربة التونسية في مادة الأحوال الشخصية المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية ، عدد خاص باليوم الدراسي حول الأسرة المغربية في الفقه المالكي والقانون الوضعي ، عدد 5 لسنة 2004 .
– محمد الكشبور : البعد الأخلاقي لطلاق الخلع، المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية عدد خاص ، القانون والأخلاق ، عدد 46 لسنة 2002 .
– محمد نجاري : بعض الإشكالات العملية التي تطرحها مدونة الأسرة على المستوى التطبيقي ، مجلة المحكمة ، عدد 4 لسنة 2004 .
– خطاب السيد محمد بوزبع وزير العدل في الجلسة الافتتاحية لأشغال اليوم الدراسي بمناسبة مرور سنة على صدور مدونة الأسرة منشور بمجلة ، قضاء الأسرة العدد الأول لسنة 2005.
أهـم النـدوات :
– الأيام الدراسية التي نظمت حول مدونة الأسرة بمدينة مراكش من 23 إلى 26 فبراير 2004، والمنشورة من طرف وزارة العدل في كتاب دراسات قانونية لمدونة الأسرة.
– الأيام الدراسية حول الإشكاليات العملية في مجال قضاء الأسرة والحلول الملائمة لها، إفران أيام 4 و 5 أكتوبر و20 و 21 دجنبر 2004 .
– الزكاة وانعكاساتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي منشور ضمن سلسلة ندوات ومناظرات رقم 3 منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ، مطبعة النجاح الجديدة ، البيضاء ، طبعة أولى لسنة 1994.
– التقرير السنوي حول تطبيق مدونة الأسرة الصادر عن مركز الإعلام والرصد للنساء المغربيات 2004 /2005.
الجرائــد:
– التجديد عدد 1336 بتاريخ 7 فبراير 2006.
– الأحداث المغربية ، عدد 2193 بتاريخ 29 يناير 2005
– الاتحاد الاشتراكي ، عدد 8043 بتاريخ 16 شتنبر 2005.
– الاتحاد الاشتراكي ، عدد 8036 بتاريخ 8 شتنبر 2005.
– العلم ، عدد 12741 بتاريخ 10 يوليوز 1985.
مراجع للأحكام والقرارات القضائية :
– مجلة قضاء المجلس الأعلى ، عدد 25 لسنة 1980
– مجلة قضاء المجلس الأعلى ، عدد 57 ـ 58 لسنة 2001
– مجلة المحاكم المغربية ، عدد 64 و 65 لسنة.

mohamah.net


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

  العنف الأسري ضد الأطفال

                          العنف الأسري ...