تخليق المهن المساعدة للقضاء


تخليق المهن المساعدة للقضاء

إن التخليق باعتباره رهانا إستراتيجيا عاما يجب أن يكون موضوع تفكير مجتمعي عميق، قائم على فكرة التشاركية بغاية الوصول إلى بلورة خطة وطنية شاملة ومتكاملة من أجل وضع اللبنات الأساسية لمحاربة كافة مظاهر الانحراف في السلوك الإداري والمهني للأفراد الموكول لهم القيام بمجموعة من المهام، سواء منها ما يدخل في إطار مفهوم المرفق العام، أو ما يمكن نسبته للمهن الحرة، ومن تم يمكن القول، بأن تخليق منظومة العدالة يدخل في إطار الخطة الوطنية الشاملة للتخليق و تعزيز قيم النزاهة و الشفافية .

إن الحديث عن تخليق القضاء كسلطة، لا ينفك يرتبط بالحديث عن تخليق المؤسسات المرتبطة بهذه السلطة، سواء أكانت تلك المؤسسات عبارة عن مهن حرة أو مرافق إدارية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقضاء. وفي هذا السياق يجب العمل على رصد الاختلالات التي تعانيها تلك المهن والمرافق من أجل تسهيل العملية القضائية برمتها، ولن يتم ذلك إلا من خلال الآليات المؤسساتية والتشريعية. ويمكن اعتبار مهنة المحاماة أهم مهنة حرة يمكن التركيز عليها في سياق الحديث عن التخليق، ذلك أن ارتباطها المباشر والوثيق بالسلطة القضائية يمكن أن يكون جسرا مهما يتم من خلاله التأثير الإيجابي على مختلف المهن القضائية الأخرى .
تخليق المهن القضائية الحرة : مهنة المحاماة نموذجا
إن اختصاص المحاماة بالذكر تفرضه الخصوصيات المشار إليها آنفا، لذلك فإن الحديث عن تخليق مهنة المحاماة ليس أمرا هينا، إذ أنه بالقدر الذي تظهر معه الحاجة إلى رصد مكامن الخلل والضعف في عمل وسلوك هيآت المحامين من خلال أفرادها، بقدر ما يستعصي معه حل تلك المشاكل. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن السلطة القضائية بمعناها الدستوري تنأى بنفسها عن كل التجاذبات السياسية والإيديوليوجية، فإن مهنة المحاماة عكس ذلك تعتبر موطنا خصبا لتلك التجاذبات وهو ما يصعب معه اتخاذ سبل التخليق بالقدر الذي يتم التعامل به مع السلطة القضائية .
لكن رغم ذلك، فإن توفر الإرادة السياسية الحقيقية من طرف الدولة بمفهومها الحقيقي يمكن أن يذلل الصعاب في هذا الإطار. ومن تم يمكن القول إن تلك الإرادة يجب أن تجسد على مستوى التشريعات.
إن النظر في التشريع المنظم لمهنة المحاماة بالقدر الذي يجسد الصورة المثلى للاستقلال الذي تتمتع به هذه المهنة بقدر ما يتم استغلاله من أجل الإفلات من حكم القانون، فالاعتبارات الانتخابية مثلا للهيآت المسيرة والمقررة للمحامين يمكن أن تكون مدعاة إلى الإفلات من حكم القانون على اعتبار أن تلك الانتخابات، ما هي في آخر المطاف إلا ثمرة تحالفات يمكن أن يخرق من أجلها القانون، وهو ما يشكل ضمانة تحول دون التخليق السليم للمهنة.
وتفاديا لذلك كله، يمكن القول إن إعادة النظر في مجموعة من التدابير التشريعية كفيل بالمساهمة في التخليق المنشود، ومن تلك التدابير إمكانية بل ضرورة نقل مجموعة من الصلاحيات من مؤسسة النقيب ومجلس النقابة إلى القضاء مباشرة من أجل ضمان حق الأفراد في اقتضاء حقوقهم على الوجه المطلوب وفي إطار القانون. ومثل هذا التدبير لا يعني سلب النقيب أو هيأة النقابة مهامهما واختصاصاتهما، لكن يعني ذلك أن يتم الفصل بين ما هو تأديبي عما هو جزائي، كما هو الأمر بالنسبة إلى السلطة القضائية.
وما يمكن أن يكون كذلك وسيلة فعالة في تخليق مهنة المحاماة، خضوع الوافدين الجدد لتداريب تؤهلهم لممارسة المهنة بأصولها بدل الارتكاز على المكرس واقعا، إذ أنه بالقدر الذي يتم التعويل فيه على جعل المحامي رافعة أساسية من رافعات سيادة قيم العدل والمساواة أمام القانون، بالقدر الذي يتعين أن يكون ذات المحامي نموذجا للشخص الحاصل على التكوين اللازم من أجل أداء مهامه شأنه في ذلك شأن القاضي.
إن معايير اختيار مهنة المحاماة يجب أن تتصدر الاهتمام، إذ أن القدرة على الممارسة المهنية يجب أن ينطلق من المؤهلات العلمية التي يتمتع بها الأفراد المترشحون، وفي هذا الصدد يجب التفكير ، بالإضافة إلى العامل الأخلاقي، في رفع قيمة الشهادات المطلوبة لولوج مهنة المحاماة زيادة على ضرورة التركيز على عامل اللغات الأجنبية من أجل ضمان نوع من التنافسية العالية للمهنة على المستوى الدولي.
وإذا كان معلوما أن الوافد الجديد على مهنة المحاماة قد يعتبر نفسه في دوامة اجتماعية واقتصادية تؤهله بقوة إلى أن يكون أداة من أدوات الفساد في الوسط القضائي، فإن الدولة يجب أن تتدخل من أجل ضمان حقوق هذه الفئة خاصة خلال المراحل الأولى لولوج المهنة، ويمكن اقتراح هذا التدخل من خلال مجموعة من الآليات على رأسها :
التكوين العلمي والعملي
في هذا السياق، يمكن اعتبار المعهد العالي للقضاء فضاء للتكوين الذي يجب أن يخضع له المحامون المتمرنون، إذ لابد من أن يتوفر المحامي الوافد الجديد على القدر العلمي الذي يؤهله لأداء مهمته على الوجه المطلوب مع إمكانية رصد مظاهر الخلل في سلوك المحامي أثناء التكوين من أجل معالجتها حتى تتماشى مع أعراف المهنة و تقاليدها.
كما يجب أن يخضع المحامون الرسميون إلى تطوير مستمر لقدراتهم المعرفية يجعلهم قادرين على مواكبة الاجتهادات القضائية والتشريعات الحديثة بالشكل الذي يسهل عليهم سبل الاندماج الأمثل في واقع العدالة كما يؤسس له الدستور الجديد. و من أجل ذلك واعتبارا لأن المحامي جزء من أسرة القضاء، فإن التعاون الممكن تصوره بين هيئات المحامين والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يمكن أن يكون أداة فعالة في رصد الاختلالات التي تعرفها الساحة القضائية والتي يمكن الاسترشاد بها من أجل تخطي مكامن الضعف والقصور في أداء المحامي لرسالته والقاضي لمهمته على السواء.
المستوى المالي
إن الدولة ملزمة بضرورة إعادة النظر في مجموعة من التدابير المالية منها ما هو مرتبط بالمحامي الجديد، كأن تفرد له راتبا معينا يستحقه بشروط من أجل تسهيل ولوجه للمهنة، أو بالنسبة إلى المصاريف اللازمة للمساعدة القضائية، ذلك أن الأخيرة تعتبر وسيلة فاعلة تفرضها مجموعة من القوانين والتشريعات لفائدة الفئات المعوزة من أجل تيسير ولوجها لمرفق العدالة، وبالتالي فإن تشجيع المحامي على القيام بمهامه على أكمل وجه يفترض توفير الحد الأدنى من المقابل الذي يتعين أن يوازي مستوى الجهد الذي يبذله في مقابل ما يسديه للمواطن من خدمات .
المستوى الحقوقي
يمكن القول، إن التجربة دلت على وجود علاقة غير متكافئة بين المحامي وموكليه، الشيء الذي أفقد الثقة في مجال العدالة من طرف المواطنين، ولذلك فإن أية علاقة تعاقدية بين المحامي وموكله يجب أن تخضع لحكم القانون، وفي هذا السياق، يتعين أن تسن تشريعات وقواعد قانونية قادرة على تحديد المسؤولية الملقاة على طرفي العلاقة من أجل ضمان القدر الأدنى من الشفافية والنزاهة في تدبير الاختلاف بين طرفي الوكالة.
تلك بعض الآليات والمعايير التي يتعين أخذها بعين الاعتبار عند وضع أي مخطط لتخليق منظومة العدالة في أفق عصرنة وتحديث المنظومة وجعلها في مستوى المقتضيات الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب .
*عضو المجلس الأعلى للقضاء
وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...