تدبير الأزمات


تدبير الأزمات

تبقى مسألة تدبير الأزمات من اختصاص علم العلاقات الدولية، حيث شكلت عدد من الدول فرق عمل خاصة بتدبير الأزمات. تقوم عناصر هذه الفرق المختصة على تعقب الأسباب والعوامل التي تفرز الاضطرابات ودراستها وتمحيصها قبل تحولها إلى أشكال العنف المهدد لكيان السلطة القائمة. وقد انتبهت عدد من الدول إلى مدى حساسية هذا التخصص وأنشأت معاهد خاصة تعنى بتدبير الأزمات.

التقلبات السياسية العميقة التي عرفها المحيط الإقليمي للمغرب كانت حاضرة بقوة لدى خبراء تدبير الأزمات الدولية، حيث تمت صياغة عدد من التقارير التي كانت تتنبؤ بما ستعرفه المنطقة العربية من اضطرابات منذ سنوات وقد توصلت عدد من الحكومات العربية ومن بينها المغرب بتقارير تحذر من مغبة نشوء اضطرابات اجتماعية كبرى تعصف بمستقبل تلك الحكومات، وأوصت تلك التقارير التي تمت الاستعانة في صياغتها بتقارير استخباراتية بضرورة الشروع في إصلاحات سياسية واقتصادية من أجل وقف موجات الاحتقان التي كانت تسيطر على المواطن العربي.

عدد من الدول العربية وفي مقدمتها الحكومات التي تساقطت أنظمتها، تعاملت باستخفاف مع تلك التقارير بمبرر رفضها التدخل في شؤونها الداخلية من قبل قوى خارجية.

وقد استطاع المغرب أن يتخطى العقبات الأولى للازمات التي مرت به ويكون في طليعة الدول التي استجابات لنداءات الإصلاح التي أطلقها الفاعلون الكبار وانخرط منذ مدة في دينامية الإصلاح. ناهيك عن كون المغرب كان الدولة الوحيدة التي عرفت كيف تتعامل مع الحراك الشعبي المتماهي مع موجة التغيير التي حملها الربيع العربي متمثلة في حركة 20 فبراير حيث فهم النظام السياسي مبكرا حقيقة تداعيات سقوط نظامي تونس ومصر وتجنب قدر المستطاع إمكانية انتقال عدوى المطالبة بإسقاط النظام. وتعامل بنوع من الذكاء مع المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير.

غرفة العمليات

الجانب المباشر في التعاطي مع احتجاجات الشارع تمثل في غرفة العمليات التي أنشأتها وزارة الداخلية لمواكبة هذا الحراك، وصدرت تعليمات صارمة لقوات حفظ النظام بتفادي استعمال القوة والعنف لصدي التظاهرات  حيث كانت تلك القوات راعية لتلك التظاهرات ولم تصطدم معها وربح المغرب من هذا السلوك نقطا كثيرة وتمت الإشادة به من قبل عدد من الدول الغربية.

وفيما يتعلق بالشق السياسي فقد فتحت الدولة الباب على مصراعيه للإصلاح الديمقراطي من خلال إجراء تعديلات دستورية جوهرية وإجراء انتخابات نزيهة وشفافة أفضت إلى صعود المعارضة الإسلامية.

إلى جانب ذلك فالنظام السياسي المغربي يعي جيدا أن المشكل الاجتماعي الذي يغذي أي اضطراب كيف ما كان منطلقه هو مشكل صعب ومعقد يعود بالأساس إلى فشل السياسة التعليمة المتبعة منذ 1960 إلى بداية التسعينات من القرن الماضي. فرغم الإنفاقات الباهظة على قطاع التربية والتعليم، فان النتائج المحصل عليها لم تفلح سوى في تفريخ ألاف العاطلين سنويا من مختلف الجامعات المغربية. وهي نتائج لا تصب بالضرورة في اتجاه خلق سلم اجتماعي بقدر ما هي مؤشرات عن اضطرابات اجتماعية قادمة.

النظام السياسي وعيا منه بخطورة القنبلة الموقوتة لبطالة خريجي الجامعات سارع إلى اتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير قصد فسح المجال لإعطاء دفعة جديدة من الإصلاحات التي تروم تحقيق تنمية يكون من بين انعكاساتها على المواطن البسيط  عبر التسويق لإطلاق أوراش تنمية متعددة تستجيب لتطلعات الشارع و منح الحكومة صلاحيات من شأنها المساعدة على تدبير الأزمة.

 النموذج المغربي في تدبير الأزمات

لكل بلد سياسته الخاصة لتدبير الأزمات التي يمر منها، كما تنحو كل دولة على اختيار أفضل السبل للتغلب على الاكراهات والمشاكل التي تتخبط فيها. وتدبير الأزمات يبقى أمرا موجها بالأساس للتحكم في زمن الأزمة واستباق الأضرار الجانبية التي قد تؤثر على الأمن القومي للبلد. وهو يخضع لمنطق وأسلوب عامل الزمن الثابت وينصب موضوعه على كيفية الخروج من الأزمة بأقل الأضرار.

وهناك قاعدة في العلوم السياسية تشدد على أن الظواهر الاجتماعية لا تفرز بالضرورة نفس النتائج السياسية في مجالات مختلفة. هذا ما يفسر الفروق الجوهرية بين حالة المغرب وما حصل في تونس ومصر.

فالمغرب انخرط تحت ضغط خارجي وداخلي في موجة الإصلاح مند سنوات وتفاعل نظامه السياسي مع مطالب الإصلاح في حين التجاوب مع مطالب الإصلاح لم تحدث في مصر وتونس وتم رفضها بدعوى رفض التدخل في الشأن الداخلي للبلد.

كما ان المغرب تناغم مع أصوات أجراس الدول الكبرى، وتم فسح الباب منذ سنوات أمام تناوب الأجيال وتم تطوير شكل الحكم بالمغرب. كما تم تبني أساليب جديدة في التدبير ألاستباقي للأزمات. هذا التدبير تم الشروع فيه مند فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني الذي أشراك المعارضة اليسارية في الحكم،  وتم خلق نوع من الانفتاح السياسي وإدخال مفهوم الحكامة الأمنية وحقوق الإنسان ضمن المواد الأساسية التي تدرس في معاهد تكوين رجال الأمن والشرطة، كما تم في نفس الفترة إبعاد مجموعة من الوجوه الأمنية التي تبت تورطها في ما سمي بسنوات الرصاص، وتم خلق هيئة الإنصاف والمصالحة التي قامت بمصالحة جزء من النخبة السياسية مع ماضيها.

رصيد تدبير الأزمة

النظام المغربي لديه تجربة طويلة في إدارة الأزمات، ولديه رصيد من التجارب في ممارسة الحكم. وهو نظام يختلف عن باقي الأنظمة التي أطيح بها، التي لم تراكم نفس التجارب في التحكم في المشهد السياسي. ادن فهناك تخطيط ووضع المقاربات والسيناريوهات لمواجهتها قبل حدوثها في الواقع.

وهناك عد مكونات تقوم عليه مقاربة تدبير الأزمات بالمغرب في مقدمتها اللعب على عامل ربح الوقت وإطالة عمر الأزمة ما أمكن.

لقد تم التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية والمطالب السياسية بنوع من الاستباقية، وكان هنالك حرص على تفادي استعمال العنف أو المواجهة الأمنية مع المسيرات التي كانت تدعو إليها حركة 20 فبراير.

ويمكن القول أن جوهر التدبير الذي تم اعتماده طيلة سنة من الاحتجاجات قام بشكل أساسي على العمل على فك الارتباط ما بين طبيعة الاحتجاجات وبين محركيها وهو الأمر الذي لم تفلح فيه الأنظمة العربية المطاح بها.

جانب آخر مهم في عملية تدبير أزمة احتجاجات المحاكية للربيع العربي، يتعلق  بعملية تنفيس الاحتقان التي قام بها النظام السياسي المغربي من خلال العمل على تقليص من حدة منسوب الاحتقان الذي كان موجودا من خلال الاستجابة لعدد من المطالب في مقدمتها الزيادة في أجور الموظفين وإطلاق سراح عدد من المعتقلين في إطار ماسي بالسلفية الجهادية، والقيام بتعديلات دستورية والسماح بصعود الإسلاميين للحكومة. ويمكن القول أن هذا السيناريو تم اعتماده أيضا بداية التسعينات في عهد الملك الراحل الحسن الثاني فقط الذي تغري هو رأس الحكومة ففي عهد الحسن الثاني كان رأس الحكومة هو عبد الرحمان اليوسفي بصفته لزعيم المعارضة في

تلك الفترة ونفس الشيء تكرر مع عبد الإله ابن كيران الذي تم السماح له بترؤس الحكومة مع الحفاظ على المناصب الحساسة.

أهمية المعلومة

الجوهر الأساسي الذي تقوم عليه مسالة تدبير الأزمات بالمغرب هو قيامها على عنصر المعلومة. فالنظام المغربي يلعب على المعلومة بشكل كبير من خلال التقارير التي تجمع بشكل يومي والصادرة عن مختلف الأجهزة الأمنية، هذه المعلومات تساعد في فهم طبيعة الأشياء التي تحدث في المجتمع وتقدم صورة تقريبية لما يعرفه المشهد السياسي. وعملية جمع المعلومات لا تقتصر على جهاز أمني معين بل تشارك فيها مختلف الأجهزة الأمنية. المعلومات المتوفر عليها تسمح للنظام المغربي بتسجيل تفوق على باقي المكونات السياسية التي لا تعوزها تلك المعلومات وتسمح بالمقابل للنظام السياسي بتدبير مجاله السياسي بكل طمأنينة وهامش خطأ ضئيل.

aljarida24.ma


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...