تعريف المجتمع المدني


           تعريف المجتمع المدني

تعريف المجتمع المدني
حدثت زيادة كبيرة في حجم ونطاق وقدرات المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم على مدى السنوات العشر الماضية، وساعد على ذلك عملية العولمة واتساع نطاق الحكم الديمقراطي، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والتكامل الاقتصادي. وكمثال توضيحي، ذكر أن عدد المنظمات غير الحكومية الدولية زاد من 6,000 منظمة في عام 1990 إلى 26,000 منظمة في عام 1999. كما أصبحت منظمات المجتمع المدني من العناصر الفاعلة الهامة في تنفيذ المساعدات الإنمائية الدولية. فقد ذكرت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن منظمات المجتمع المدني كانت توجه حوالي 11-12 بليون دولار أمريكي في شكل معونات إنمائية سنويا إلى البلدان النامية في أواخر التسعينيات. كما أصبحت منظمات المجتمع المدني عناصر فاعلة في تقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ برامج التنمية الأخرى كمكمل للعمل الحكومي، خاصة في المناطق التي يكون فيها الوجود الحكومي ضعيفا مثلما هو الحال في أوضاع ما بعد انتهاء الصراعات.
وأصبحت منظمات المجتمع المدني أيضا بمثابة قنوات هامة لتوصيل الخدمات الاجتماعية وتنفيذ مشروعات التنمية الأخرى، ولا سيما في المناطق التي يضعف فيها التواجد الحكومي، أو في حالات ما بعد انتهاء الصراعات، أو حيث تلعب خبرات المجتمع المدني وتجاربه دوراً متمماً للعمل الحكومي.
كما برز تأثير منظمات المجتمع المدني في صياغة السياسة العامة العالمية على مدى السنوات العشرين الماضية. ويتمثل هذا النشاط الديناميكي في حملات الدعوة الناجحة بشأن قضايا مثل حظر استخدام الألغام الأرضية، وإلغاء الديون، وحماية البيئة، التي حشدت آلاف المؤيدين في مختلف أنحاء العالم. ومن الأمثلة الحديثة العهد على حيوية المجتمع المدني العالمي “المنتدى الاجتماعي العالمي” الذي يعقد سنويا منذ عام 2001 في قارات مختلفة. وقد عقد المنتدى الاجتماعي العالمي الأخير في نيروبي بكينيا في يناير 2007، وجمع بين قادة حوالي 50,000 منظمة مجتمع مدني لمناقشة واقتراح بدائل أكثر إنصافا واستدامة للنماذج الحالية للعولمة الاقتصادية.
إن قطاع المجتمع المدني لا يبرز فقط كجهة فاعلة واضحة على المستوى المجتمعي في أجزاء كثيرة من العالم، لكنه يتسم كذلك بتنوع ثري في طبيعته وبنيته. ولهذا السبب، تتفاوت تعريفات المجتمع المدني بدرجة كبيرة استناداً إلى اختلاف النماذج الفكرية، والأصول التاريخية، والإطار القطري العام.
ويستخدم البنك الدولي مصطلح المجتمع المدني للإشارة إلى مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات التي لا تهدف إلى الربح. ولتلك المنظمات وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية، أو ثقافية، أو سياسية، أو علمية، أو دينية، أو خيرية. ومن ثم يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة كبيرة من المنظمات تضم: جمعيات المجتمعات المحلية، والمنظمات غير الحكومية ، والنقابات العمالية، ومجموعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات العمالية، والمؤسسات.

حول إشكاليات مفهوم المجتمع المدني
مداخلة حول ندوة المجتمع المدني، بيروت تشرين أول 2004
بقلم جميل هلال
• تقديم
• الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه
• منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق
• “المجتمع المدني” في الفكر العربي: غياب الاقتصاد والسياسة
• المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني

 تقديم :
ظهر مفهوم “المجتمع المدني” مع نشوء الدولة القومية ونمو الرأسمالية الحديثة، وتمحور، آنذاك، حول مفهوم “المجتمع البرجوازي” (كما عند هيجل وماركس). لكنه المفهوم اكتسب مدلولات جديدة مع تطور الدولة الحديثة، والتحولات في النظام الدولي، وأثيرات العولمة الاقتصادية (الرأسمالية) والثورة في الاتصالات ونظم المعلومات. واكتسب المفهوم بعدا أيديولوجيا لربطه بالحركات التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية، في عقد الثمانينات، والتي توجهت نحو تقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد والتشكيلات السياسية والحركات الاجتماعية والنقابات والاتحادات النقابية والمهنية.
وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفيتي منح المفهوم بعدا “تنمويا” من خلال منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فقد باتت هذه تنظر إلى “المجتمع المدني” باعتباره المجال الذي يتيح إشراك المواطنين في “التنمية البشرية المستدامة” بعد أن فشلت التنمية في التحقق في معظم دول العالم الثالث. وكان الدافع وراء إعطاء موقع خاص للمجتمع المدني في عملية “التنمية البشرية” تبني سياسة الخصخصة و”التكييف الهيكلي” – في إطار سيادة اقتصاد السوق – باعتبارها الأنجع للتنمية الاقتصادية. ومنح هذا بعدا جديدا لمفهوم “المجتمع المدني”. فهذه السياسية التي روجت لها المؤسسات المالية الدولية، وخطاب “اللبرالية الجديدة” ركزت على حصر دور الدولة في تهيئة بيئة قانونية وبنية تحتية ملائمة لنمو القطاع الخاص باعتباره أداة التنمية الأساسية، مع توفير حد أدنى، بالمشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، من الرعاية الاجتماعية لأفقر الفقراء (ما يعرف بشبكات الحماية الاجتماعية). ودخلت لاحقا مفردات جديدة على خطاب التنمية خصت بالأساس منظمات المجتمع المدني كالمشاركة والتمكين. لقد منح المجتمع المدني وظيفة حماية الفرد من عسف الدولة وسطوتها. أي منح بعدا واقيا وحاميا للفرد من تدخلات الدولة وتجاوزاتها.
يمكن الإشارة هنا إلى أن الحماية التي توفرها التشكيلات الارثية سواء القرابية (الحمايل والعشائر ) أو الطائفية أو المحلية للفرد من سلطة الدولة، لا تأخذ شكلا واحدا، فهي تمنح للتشكيلات القرابية القوية قدرة أكبر على تجاوز القانون والتأثير على مؤسسات الدولة عبر الواسطة والضغط والتحالف من بعض أجهزتها. كما أن هذه “الحماية” التي قد توفرها هذه التشكيلات للفرد في وجه سطوة أجهزة الدولة أو تقلبات السوق تأتي في العادة على حساب فقدان الفرد لاستقلاليته كفرد له شخصيته الاعتبارية والقانونية المستقلة، وتتعاكس مع مفهوم المواطنة بما هي مجموعة واسعة من الحقوق والواجبات تخص الفرد كفرد ذات شخصية قانونية وإنسانية مستقلة.
يمنح المجتمع المدني في أدبيات مؤسسات التنمية تولي وظيفة باتت شاغرة بعد انسحاب الدولة عن مهمة تقديم خدمات أساسية للمواطنين، بحكم عمليات الخصخصة وسياسة “التكييف البنيوي” وأيديولوجية الليبرالية الجديدة. هذا هو مصدر الحرص على استقلالية “منظمات المجتمع المدني” عن الدولة وعن القطاع الخاص باعتبارها تشكيلات لا تقوم على مبدأ الربح. وهذا هو أساس التعاطي معها كآليات لتوزيع وتخصيص موارد في المجتمع مختلفة ومستقلة عن كل من الدولة ومؤسسات اقتصاد السوق. وهو سر التركيز على دعم المنظمات غير الحكومية التي تقدم خدمات (صحية، وزراعية، وتدريبية وما شابهها)، والاهتمام بالمنظمات الدعاوية المتوجهة إلى التثقيف بالديمقراطية وحقوق الإنسان, وهو سبب إغفال منظمات المجتمع المدني المهتمة بتنظيم الناس وتأطيرهم كالأحزاب السياسية، والنقابات والحركات الاجتماعية ذات الجذور. وهو وراء اختزال المجتمع المدني إلى منظمات غير حكومية.
دخل المجتمع المدني إلى الخطاب السياسي والفكري العربي من باب الحاجة للديمقراطية وحقوق الإنسان، أي من مدخل وضع المجتمع المدني في مواجهة الدولة (وخلق ثنائية المجتمع والدولة وعلاقة تنافر واستبعاد بينها)، وليس من مدخل إعادة تنظيم الدولة والمجتمع المدني باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للمواطنة، ولإرساء أسس الديمقراطية السياسية والاجتماعية. فإعادة تنظيم الدولة على أساس فصل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وتشريع حرية الرأي والتنظيم والتظاهر على أساس دستور يضمن الحريات المدنية أمور ضرورية لترسيخ المواطنة بما هي حقوق وواجبات. كما أن توسيع دور المجتمع المدني بما هو، بالأساس، أحزاب ونقابات وحركات اجتماعية تستند الحرية المواطن في التنظيم والدفاع عن مصالح ورؤى وانتماءات، هو المدخل لتكريس الديمقراطية كتجسيد لتعددية المصالح والرؤى في المجتمع وحق الأحزاب والقوى المختلفة في التنافس السلمي على السلطة ومن أجل التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

 الخلاف حول مضمون المجتمع المدني ووظائفه :
لكن مفهوم “المجتمع المدني” – رغم ما بات يتمتع به من رواج في الخطاب الفكري والسياسي العربي– لا يزال يمتلك معاني ودلالات مختلفة من قبل مستخدميه. فالبعض يحدده بالمنظمات والمؤسسات والهيئات التي تقام على أساس طوعي بين المواطنين خارج أطر الدولة والعائلة وعلاقات القرابة (التشكيلات القرابية أو الإرثية أو التي يشير إليها البعض بالتقليدية)/ وما خارج علاقات السوق الرأسمالي. لكن هناك من يصر على وضع التشكيلات القرابية والمحلية (و “التقليدية” بشكل عام)، أو بعض تعبيراتها، ضمن منظمات المجتمع المدني لأنها توفر بعض أشكال الحماية للفرد من بطش السلطة ومن تقلبات وقسوة السوق الرأسمالي. لذا تستثني معظم تعاريف ” المجتمع المدني” المؤسسات الاقتصادية القائمة على الربح والمتعلقة مباشرة بعمل وآليات السوق (المؤسسات الاقتصادية والمالية) من إطار المجتمع المدني خلافا للمفهوم الكلاسيكي الذي شمل العلاقات الاقتصادية ضمن المفهوم. هذا مع العلم أن المنظمات المدنية لا تستطيع أن تتجاهل اقتصاد السوق الرأسمالي ولا تأثيراته.
كما يستثني البعض الأحزاب السياسية من تشكيل المجتمع المدني لافتراض أنها تسعى للوصول إلى السلطة (الحكومة)، في حين يصر البعض الآخر على مركزية دورها في المجتمع المدني كونها لا تسعى إلى استلام السلطة فقط، بل لأنها تطرح برامج اجتماعية واقتصادية وتعليمية وغيرها، وبعضها أصغر من أن يأمل للوصول إلى السلطة بل يسعى إلى التأثير على سياسة الحكومة أو الدفاع عن مصالح وتطلعات أقليات قومية أو أثنية أو دينية أو فئات اجتماعية معينة. ولذا يستثني البعض الأحزاب الحاكمة من المجتمع المدني، ويعتبر أحزاب المعارضة من ضمنه. (وربما يكون هذا وراء اختزال الدولة في الأدبيات العربية إلى الحكومة أي إلى السلطة التنفيذية) وتجاهل، لاعتبارات عدة، السلطة التشريعية والسلطة القضائية، حتى عندما يكون لهذه وتلك درجة من الاستقلالية والتأثير.
كما ما زال جدل يدور حول ما إذا كانت التشكيلات القائمة على أساس الدين أو الطائفة أو الانتماء الأثني تشكل جزءا من المجتمع المدني أم ينبغي استثناؤها منه. فالبعض يرى أنها من صلب المجتمع المدني، باعتبارها، في أحيان كثيرة، تسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع، وتضغط على مراكز القرار، وأحيانا توجه سهامها نحو لاإنسانية السوق الرأسمالي وعجزه عن التنمية الفعلية والعادلة والمتوازنة. في حين يرفض البعض عضويتها في المجتمع المدني بحكم القيود التي تضعها على الانتماء إليها، واقترابها، في هذا المجال، من المنظمات الإرثية، ولكونها تتناقض مع مبدأ المواطنة الذي لا يقوم على الدين أو الجنس أو العرق أو الانتماء الجهوي أو الأثني.
التباين والاختلاف في تحديد تخوم ومكونات المجتمع المدني يعود، في جانب منه، إلى اعتماد مفهوم ذي بعد واحد معزول عن سياق محدد تاريخيا ومجتمعيا. كما يعود إلى الخلط بين ما تقوم به مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني من وظائف مختلفة، وتباين هياكلها الداخلية (المتنوعة كذلك)، وبين شروط قيامها واستدامتها. ومن هنا فالتعريف القانوني الذي يصنف منظمات المجتمع المدني باعتبارها منظمات خيرية وتعمل للصالح العام قد يستثني تشكيلات هامة كالأحزاب السياسية التي تخضع في تكوينها وأهدافها وعضويتها، عادة، لاعتبارات وشروط معينة وقد تجد نفسها، في ظروف معينة، مضطرة للعمل السري. كما يستثني النقابات والاتحادات التي تخضع في أهدافها وشروط عضويتها لاعتبارات مختلفة عن الأحزاب وعن المنظمات الأهلية الخيرية والدعاوية والتنموية والثقافية والرياضية.
ويواجه التعريف الذي يركز فقط على الجانب الاختياري أو التطوعي في العضوية نفس الإشكالية. فمنظمات المجتمع المدني تتباين كثيرا من حيث درجة انفتاح عضويتها؛ فبعضها كالنوادي الخاصة يشترط رسوم اشتراك واهتمامات معينة، وبعضها كمؤسسات البحث والجامعات والمعاهد الأهلية يشترط مؤهلات أكاديمية وعلمية وتخصصية معينة، وتفرغ للعمل المدفوع الأجر. وتضع النقابات المهنية شروطا للعضوية وتحصرها في مجموعات وفئات مهنية. وتتطلب الأحزاب عادة الموافقة على برنامج الحزب ونظامه الداخلي. وهناك روابط كالجمعيات والروابط والمؤسسات الدينية أو الطائفية التي تعمل وفق رؤية دينية محددة في مجال التنمية وحقوق الإنسان، وهناك الجمعيات الخيرية والإغاثية التي تعتمد، إلى هذا الحد أو ذاك، على العمل التطوعي لكن تشمل عددا من المتفرغين والموظفين. باختصار ليست التطوعية غير المقيدة هي السمة الغالبة لعدد غير قليل من منظمات “المجتمع المدني” التي تضع شروطا على عضويتها. ومن هنا فإن التعاطي مع المجتمع المدني وكأنه جسم قائم بذاته أو مترابط أو موحد يقود إلى استنتاجات وتصورات خاطئة.
المجتمع المدني هو تشييد فكري يجمع بين تضامنيات شديدة التباين (من حيث الأهداف والقاعدة الاجتماعية وشكل التنظيم ومصادر التمويل) التي تقام خارج مؤسسات الدولة والسوق والروابط الإرثية. والسؤال هو هل هذا المفهوم يشكل أداة تحليلية مفيدة رغم الخلاف على ما يدخل في مكوناتها؟

 منظمات المجتمع المدني والتمايز عن الدولة والسوق :
هناك ما يميز منظمات المجتمع المدني عن مؤسسات الدولة أو مؤسسات اقتصاد السوق (شركات، مصانع، ورش، بنوك، مطاعم، مشاريع خدماتية مختلفة، وما شابه). ولعل أبرز ما يميز المنظمات المدنية عن الدولة والسوق يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. وهي علاقة تفترض امتلاك هذه المنظمات ليس مجرد درجة عالية من الاستقلالية في إدارة شؤونها وفي صياغة خططها ونشاطاتها وفي محرك علاقتها مع الجمهور (فهذه الاستقلالية قد تكون متوفرة في مؤسسات القطاعين الخاص والعام)، بل تتمايز في شكل ومضمون العلاقة التي تقيمها مع جمهورها. ولا تتعامل معه من موقع العلاقة بين المؤسسة والفرد وفق إجراءات وقوانين وقواعد مقننة (كما يفترض أن تتعامل معه الدولة). بل تتعامل معه بالأساس كجمهور مكون من فئات متباينة المصالح والاهتمامات والاحتياجات والتكوين (من حيث الجنس والعمر)، من موقع تمثيل هذه المصالح ، ومن موقع الحرص على إشراك الجمهور في تنظيم نفسه وفي الدفاع عن حقوقه الجمهور ورعاية احتياجاته الخاصة..
ويشرّع استقلالية المنظمات المدنية في إدارة شؤونها الداخلية وصياغة برامجها وخطط عملها القوانين مشرّعة. وهذه القوانين تحددها موازين قوى اجتماعية وسياسية، وتتأثر بعوامل إقليمية ودولية. ويحدد مضمونها وتطبيقاتها كقوانين حامية للحريات العامة ديمقراطية النظام السياسي، والقوة التفاوضية لمنظمات المجتمع المدني الرئيسة، والتي تحددها فعالية واتساع القاعدة الجماهيرية لهذه المنظمات وطبيعة العلاقة التي تقيمها معها (قدرتها التعبوية). فبعض منظمات المجتمع المدني – في مجال العمل السياسي الحزبي، على سبيل المثال – قد يحظر عليه النشاط العلني. وفي هذه الحالة يتحدد تأثير مثل هذه المنظمات وفعاليتها بمدى تأييدها ودعمها من الجمهور، ودرجة القمع الذي تتعرض له من السلطة المركزية أو السلطة المهيمنة (وطنية كانت أم أجنبية). ومن الواضح أن قدرة منظمات المجتمع المدني على التواصل والتجدد مرتبطة، من بين عوامل أخرى، بقدرتها على تلبية حاجات وتطلعات اجتماعية وبقدرتها على تمثيل مصالح فئات اجتماعية ودورها التعبوي والتنظيمي.كما تتصل بقدرتها على حشد الموارد الضرورية لمواصلة وتوسيع نشاطها. ويمكن القول أن منظمات المجتمع المدني تستمد مبرر وجودها وشرعيتها، بالأساس،من علاقتها الخاصة بجمهورها وعلاقته بها، وشكل هذه العلاقة التي قد تستند إلى ما توفره من خدمات مادية أو تأهيلية، أو إلى قدراتها التنظيمية والتعبوية في الدفاع عن حقوق ومصالح هذا الجمهور، وإلى فعالية نشاطها السياسي أو الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي.
من هنا يمكن القول أن ما يميز، وإن بشكل عام جدا، منظمات المجتمع المدني، بتنوعها الشديد، عن مؤسسات الدولة (التنفيذية والتشريعية والقضائية) يتمحور حول طبيعة نشاطها، وما يفرزه من أنماط تنظيمية متنوعة. فالعلاقة بين المواطن والدولة الوطنية العصرية هي علاقة تعاقدية، مقننة، عادة، في دستور أو قوانين أساسية، تتجسد في واجبات محددة (دفع ضرائب، خدمة وطنية، احترام القانون…). كما تتجسد في حقوق (حق التنظيم والتعبير عن الرأي والمعتقد، والوصول إلى خدمات أساسية، الخ).
وتتمايز علاقات المنظمات المدنية مع الجمهور عن علاقته بالمؤسسات الاقتصادية والمالية المرتبطة بآليات السوق الرأسمالي والقائمة على الربح وإنتاج سلع وخدمات مختلفة موجهة للسوق، فهذه المؤسسات (مؤسسات القطاع الخاص) تتعامل معه كمستهلك أو كموظف أو أجير، أو في أحسن الأحوال كمستثمر. فمحرك عمل وهدف منظمات المجتمع المدني ليس الربح أو تطوير آليات السوق الرأسمالي. فهو محرك يتحدد وفق تنوع منظمات المجتمع المدني (عمل الخير، الإغاثة، التنمية، التأهيل، التنوير، الرعاية، التضامن الاجتماعي، التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي …). أي أن مجالات منظمات المجتمع المدني هي تلك المجالات التي لا تخضع لإدارة وتوجيه مؤسسات الدولة وتنظيمها، وتعتمد إدارات مستقلة يخضع دورها وأشخاصها وبرامجها وخططها، نظريا على الأقل، لموافقة وتوجهات ومساءلة الأعضاء والجمهور المعني. كما لا تخضع نشاطاتها لاعتبارات وآليات السوق، وإن كانت غير معزولة عنه. ولعل هذا الاعتبار كان وراء اعتبار المجتمع المدني، عند مفكرين مثل غرامشي، المجال الذي يجري فيه الصراع على الهيمنة القائمة على الاقتناع وليس على السيطرة.
يمكن النظر إلى منظمات المجتمع المدني (والأهلي) من منظور وظائفي. أي من حيث ما قد توفره من حماية إزاء تعسف أو تجاوزات السلطة المركزية، وكذلك إزاء ما تفرزه آليات السوق الرأسمالي من استثناء ولامساواة وتهميش. لكن من وظائف منظمات المجتمع المدني أن توفر الحماية للفرد ضد عسف أو قمع أو تجاوزات بعضها البعض بما في ذلك تعسف المنظمات الأرثية (العشائرية والطائفية والمحلية). وتجدر الإشارة هنا أن من وظائف الدولة الديمقراطية توفير الحماية للمواطن من تجاوزات لحقوقه قد تقوم بعض منظمات المجتمع المدني أو الأهلي.
برز الاهتمام بالمنظمات المدنية باعتبارها وسائط للتنمية في العقدين الأخيرين. وترافق ظهور هذه توجه المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية (البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ..) نحو الخصخصة، والتكييف الهيكلي وتقليص دور الدولة الاقتصادي في إطار تهيئة المناخ ا لنمو القطاع الخاص، وتقليص خدمات الدولة الاجتماعية للمواطنين. ومن هنا بات ينظر إلى المنظمات الأهلية كوسائط للتنمية المحلية وتولي وظائف “دولة الرعاية”في مجال توفير خدمات أساسية للمواطنين. وتم تسويغ هذا التوجه عبر مقولة أن حرية تشكيل منظمات مدنية هي صلب حقوق الإنسان. واعتبار أن هذا الحق يتجسد في تشكيل الروابط والمنظمات والمؤسسات الهادفة إلى تحسين مستويات المعيشة، والمطالبة بتنفيذ برامج وخطط وقوانين معينة، والدفاع عن مصالح وحقوق الفئات الاجتماعية المختلفة. ومن هنا فكرة مشاركة الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ( القطاعات الثلاثة) في عمليات التنمية. ونجد في هذه التوجهات تفسير الاهتمام الدولي (الغربي الحكومي والمدني المحلي) في تشجيع وتمويل العديد من المنظمات غير الحكومية في دول العالم الثالث، بما فيها العالم العربي، باعتبارها أقل عرضة للفساد والهدر من المؤسسات الحكومية وأقدر على الضغط على هذه ومراقبتها. ويترتب على التمويل الخارجي لقطاع من المنظمات المدنية تساؤلات تتعلق بتأثير “أجندا” الجهات المانحة على برامج المنظمات المدنية المستقبلة، كما على قدرتها على إدامة نفسها، وعلى التمتع باستقلالية برنامجية ومالية.
 “المجتمع المدني” في الفكر العربي : غياب الاقتصاد والسياسة
يهيمن على الأدبيات العربية المتداولة حاليا، موقفا قوامه أن المجتمع المدني هو شرط قيام نظم ديمقراطية وضمانة ترسخ الحريات السياسية والحقوق المدنية وتجسيدها. لكن هذا الرأي ينضوي على تبسيط مضلل للعلاقة لكل من الدولة والمجتمع المدني. فهو يقفز عن حقيقة أن لا مضمون للمجتمع المدني بدون حضور الدولة. وهو يختزل الدولة إلى الحكومة (السلطة التنفيذية)، متجاهلا (غياب أو حضور) كل من السلطتين التشريعية والقضائية. كما ينظر للدولة كجسم متجانس وموحد دون توترات وصراعات وتباينات. كما ينظر إلى المجتمع كجسم موحد وتناسق الوظائف والمهام دون توترات وصراعات وانقسامات.
وهي رؤية تتجاهل التنوع الشديد في منظمات المجتمع المدني من حيث وظائفها والفئات الاجتماعية التي تتوجه إليها أو تسعى لتمثيلها أو لتنظيمها، ومن حيث مصادر تمويلها، وفلسفتها ، وبنيتها الداخلية، وظروف نشأتها. كما تميل هذه الرؤية إلى وضع المنظمات المدنية خارج المجتمع عبر النظر إليها كأجسام تقدم خدمات أو تتولى نشاطات تنموية أو خيرية أو تقوم بتنظيم وتأطير جمهور معين أو تمارس نشاطات دفاعية وإعلامية من فوق أو من جانب أو خلف المجتمع. أي أنها لا تنظر إلى المنظمات المدنية كجزء من تشكيلة مجتمعية بتكويناتها الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية، وباعتبار هذه التشكيلة تقييم في فضاءات سياسية-اقتصادية إقليمية ودولية لها استحقاقاتها وتفاعلاتها وتناقضاتها.
كما تميل مثل هذه الرؤية للمجتمع المدني إلى إختزال وتنميط علاقاته بالدولة. وهي علاقات تأخذ، في الواقع، أشكالا متنوعة ومتغيرة ومعقدة في معظم الأحيان. ويسري هذا الميل للتنميط التبسيطي على علاقة منظمات المجتمع المدني مع بعضها البعض. وهذه علاقات تتنوع في العادة لتشمل التنسيق أو التنافس أو الصراع وفق نشاطها وفلسفتها لدورها ومصادر تمويلها وتكوين وحجم قاعدتها الاجتماعية.
تختزل معالجة علاقة الدولة بمنظمات المجتمع المدني، إلى علاقاتها بما يعرّف بـ “المنظمات غير الحكومية”، مما يستثني، أو يساوي في الدور، منظمات “مجتمع مدني” أخرى ذات أهمية خاصة لمفهوم المواطنة كالأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الشعبية والمهنية والحركات الاجتماعية الأخرى، بالإضافة إلى الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى والغرف التجارية والصناعية والجامعات والمعاهد العليا. أي أن منطلق بحث العلاقة يستدعي إدراك تنوع منظمات المجتمع المدني، وأبعاد هذا التنوع على العلاقة مع السلطة المركزية. كما يتطلب إدراك التغير الذي تدخله الدولة على الحقل السياسي الوطني في مجال المؤسسات الرسمية و الإدارات العامة والأجهزة الأمنية والعسكرية، والنظام القضائي والتشريعي. وما تفعله هذه من تحولات في البنية الاقتصادية للمجتمع، ليس فقط من حيث أنها (أي الدولة) تشغل نسب متفاوتة (وعالية في معظم الدول العربية)، من القوى العاملة، بل وكذلك من حيث فعلها في الاقتصاد الوطني وبنيته، من حيث حجم ودور وسمات القطاع الخاص. أي أن الدولة القومية أو الحديثة لها وقع تراكمي على تشكل البنية الطبقية والاجتماعية، ولهذه تأثيرها على تكوين المجتمع المدني (أحزاب، نقابات، غرف تجارية وصناعية، منظمات خيرية) وكثافته.
كما أن بنية الاقتصاد الوطني وموقعه في شبكة العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية له تأثيراته القوية على منظمات المجتمع المدني وكثافة حضورها ومجالات هذا الحضور والمصالح التي تمثلها المنظمات المدنية ومراكز القوى التي تستند إليها وموازينها، وأشكال الصراع و التفاوض التي تجري بين هذه لتحديد قوانين اللعب في الحقل السياسي، وبالتالي شكل نظام الحكم. والعلاقة بين مراكز القوى في المجتمع وموازينها هي التي تحدد، في المحصلة، ديمقراطية أو لاديمقراطية النظام السياسي، وليس عدد المنظمات المدنية أو مجموع ما تقوم به من وظائف.

 المواطنة بين الدولة والمجتمع المدني :
من العبث البحث عن مفهوم واحد قادر على حصر تنوع منظمات “المجتمع المدني” في شكل أو وظيفة أو نمط واحد. فهذه تعمل في مجالات مختلفة وتحمل رؤى متباينة لدورها، وتعتمد وسائل عمل وعلاقات مع الجمهور (وهو جمهور متنوع من حيث المصالح والاحتياجات والمطامح والرؤى المجتمعية) وهيكليات ومصادر تمويل شديدة التنوع. ولذا فإن أية محاولة لاختزال منظمات المجتمع المدني لنمط واحد أو تلبيسها رؤية موحدة أو تصور أسلوب عمل واحد لها، سيكون مصيرها تبديد المكون الأساسي لما يُعرّف بالمجتمع المدني، باعتباره الحقل الذي تتمثل فيه وتنافس وتتعايش تعبيرات ورؤى اجتماعية وفكرية وسياسية متعددة ومتباينة، وأحيانا متناقضة أو متعارضة، بحكم التكوين المعقد والمركب والمتباين لتشكيلية الاجتماعية-الاقتصادية والسياسية لأي مجتمع إنساني، بما فيها مجتمعاتنا العربية المتباينة في تكوين أنظمة الحكمة فيها وفي تركيبتها السياسية والاجتماعية، وبنيتها الاقتصادية وحجم ومصادر مواردها رغم ما هو مشترك على الصعيد الثقافي والتاريخي واللغوي.
أرى أن الهم المركزي عربيا ينبغي أن ينصب على دمقرطة بنية الدولة الوطنية بما يؤصل المواطنة (القائمة أساسا على سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه). ومن هنا تصبح مساءلة مؤسسات “المجتمع المدني” – باعتبارها المجال الذي يعبر فيه المواطنين عن حقهم، بل ومسئوليتهم، في إقامة والانتماء إلى الروابط والتضامنيات والجمعيات والأحزاب والنقابات والاتحادات – تنصب على دورها في تجسيد المواطنة وتوسيعه ليشمل ليس الحقوق السياسية فقط بل والحقوق الاجتماعية. وهنا سنجد أن مؤسسات المجتمع المدني تتباين كثيرا فيعضها يسعى بعضها للتغيير الاجتماعي لصالح مجالات الحرية، وتوسيع وتكريس العدالة الاجتماعية والتضامن المجتمعي، يعمل بعضها الآخر لصالح إعادة النتاج نظم قائمة على سلب أسس المواطنة تحت مسميات مختلفة كالحفاظ على التراث والأصالة والخصوصية ولمواصلة التعامل مع المواطنين كرعايا أو كانتماءات عشائرية أو جهوية أو أثنية أو طائفية…
قد يكون الأجدى الاستغناء عن تعبير المجتمع المدني والعودة إلى المفاهيم الكلاسيكية في التحليل الاجتماعي عن أحزاب (حاكمة وأحزاب معارضة) واتحادات ونقابات وحركات اجتماعية ومنظمات مدنية حقوقية وخيرية وتنموية وعن بنى اجتماعية واقتصادية وثقافية وانقسامات طبقية وأثنية و حضرية-ريفية، الخ في المجتمع. وهذا يعني العودة إلى التحليل الملموس للواقع الملموس في كل مجتمع عربي دون الحديث العام المجرد.. وهذا ما يتيح فهم خصوصيات ديناميكيات كل مجتمع عربي، والديناميكات المشتركة بينها وأين تتجه…
فطبيعة التحديات التي تواجه المجتمع العراقي وقواه السياسية والمدنية ، والمجتمع الفلسطيني، تختلف عن تلك التي تواجه المجتمع السوداني، أو اللبناني أو السوري، والأخيرة تختلف عن ما يواجه المجتمع السعودي أو اليمني أو المغربي، وهكذا… إن العودة إلى المفاهيم الكلاسيكية والمجربة في التحليل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي قد يحرر هذا التحليل من القيود الفكرية والأيديولوجية والقيمية التي بات مفهوم المجتمع المدني مثقل بها في الحقل المفاهيمي العربي. ولعل من الملفت أن قليلة جدا هي الدراسات السوسيولوجية التي تحلل المجتمعات الأوروبية والمتقدمة اقتصاديا تستخدم مفهوم المجتمع المدني..
رام الله، تشرين أول/اكتوبر 2004

مفهوم المجتمع المدني بين الفلسفة السياسية الغربية والسوسيولوجيا المعاصرة
عمر برنوصي
أن الأساسي بالنسبة لمفهوم المجتمع المدني ليس هو فقط جانبه المؤسساتي، بل بالخصوص القيم والأخلاقيات والثقافة المدنية التي يساهم في نشرها داخل الجسم الاجتماعي بحيث تتحول إلى معايير وأسس تحكم السلوكيات وتوجهها.
مقدمة :
التأريخ لمفهوم المجتمع المدني، عبر مراحل ومحطات فكرية أساسية، ساهمت في بلورة وتشكيل معالمه ومحدداته الرئيسية. وهو لا يدعي بأي حال من الأحوال، الإحاطة الشاملة والكاملة بكل المقتضيات المعرفية والتاريخية المرتبطة بهذا المفهوم. فتلك غاية لا يستطيع باحث واحد ولا مقال بهذا الحجم تحقيقها. لذلك كان التقيد بمنهج صارم وخطة محكمة، الضامن الوحيد، بالنسبة لنا، لنجاح هذه المحاولة التركيبية التي نزعم القيام بها أما عناصر هذه الخطة فنجملها فيما يلي:
1 ـ التركيز على أبرز الدلالات والمعاني التي استعمل بها مفهوم المجتمع المدني، دون الاهتمام بمساءلتها، أو ربطها وتفسيرها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية.
2 ـ حصر مجال البحث في الفلسفة السياسية الغربية ممثلة في: نظرية التعاقد أولا، ثم في الفكر السياسي الهيجلي والماركسي والغرامشي ثانيا، مع الانفتاح في الأخير على التداول السوسيولوجي المعاصر للمفهوم.
3 ـ الابتعاد عن كل محاولة لمقاربة المفهوم انطلاقا من مرجعية فكرية عربية إسلامية، وذلك لما يثيره هذا المسعى، من إشكالات وقضايا، لا نعتبر أن هذا المقال، يشكل إطارا مناسبا لمعالجتها.
وهكذا فإن محاولتنا التركيبية هذه ستكون عبارة عن حصيلة إجمالية لأهم دلالات مفهوم المجتمع المدني. ولا يخفى أن الدراسات والأبحاث الكثيرة المنشورة، سواء في المجلات العلمية المتخصصة، أو في أعمال الندوات قد حاولت فعلا مقاربة المفهوم، من وجهة نظر تاريخية. إلا أن أهم ما يعاب عليها في نظرنا هو:
1 ـ غياب المنظور الشمولي والتركيبي عند أصحابها، فهم غالبا ما يركزون على مرجعية واحدة دون غيرها.
2 ـ الاختزال الشديد للمواقف والأطروحات، التي عبر عنها فلاسفة ومنظرو فكرة المجتمع المدني.
3 ـ الخوض في إشكالات فرعية عديدة، يفقد هذه الأبحاث في الأخير القدرة على ضبط الخيط الناظم الذي يحكم نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني في سيرورته العامة.
إن هذا المقال سيكون قد حقق هدفه، إذا ما تمكن من أن يتجاوز، ولو جزءا صغيرا من هذه العيوب، خاصة وأن المفهوم الذي نؤرخ له، يواجه في الأوضاع الراهنة لمجتمعاتنا، تحديات ورهانات متعددة بل ومتعارضة، بعضها معرفي فكري وبعضها الآخر سياسي تاريخي.
مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الغربية :
يسود الإجماع بين مختلف الباحثين في مجال الفكر السياسي، على اعتبار التجربة التاريخية التي مرت بها المجتمعات الأوروبية في القرنين 17 و18، خاصة في فرنسا وإنجلترا، وكذا الأفق الثقافي والفكري الجديد الذي ساهم فلاسفة عصر الأنوار في رسم معالمه الأساسية، بمثابة الإطار العام الذي احتضن ظهور فرضية المجتمع المدني لأول مرة، بكيفية واضحة ومتميزة ومن المعلوم أن أهم نتيجة تمخضت عن هذه التجربة التاريخية، على المستوى الفكري، وعلى مستوى فلسفات الحكم السياسية، هو ما يعرف بنظرية التعاقد. وهي نظرية قعد لها، وأرسى مبادئها الأولى، مفكرون كبار، أهمهم: توماس هوبز وجون لوك في إنجلترا، وجان جاك روسو في فرنسا.
أهم ما حاولت هذه النظرية أن تقوم به، هو نقد وتجاوز نظرية الحق الإلاهي للملوك، التي كانت تستمد مشروعيتها من حقل القداسة (الدين المسيحي والمؤسسة الكنسية). وبطبيعة الحال، فإن هذه النظرية كانت تمثل إلى حدود الفترة التي ظهرت فيها فلسفة عصر الأنوار أساس الحكم بالنسبة للدولة الأوروبية. غير أن الأطروحة الأساسية التي ستدافع عنها نظرية التعاقد، هي أن انتقال المجتمعات المتحضرة من “حالة الطبيعة”، كيفما كانت الفرضيات الفلسفية الواصفة لها، إلى “حالة المجتمع” أو “الثقافة” أو “الدولة”، تم بموجب اتفاق حر وإرادي بين الناس، من أهم نتائجه التوقف عن الاحتكام إلى قانون “الحق الطبيعي”، الذي يتأسس على مبدأي القوة والشهوة. لأنه لا يحضر على الشخص إلا الأشياء التي لا يرغب فيها، أو لا يستطيع القيام بها. فالنزوع إلى الكراهية والغضب، والخداع والنفاق، والقوة والاستبداد، أمور مبررة بحكم القواعد التي تنتظم وفقها طبيعة كل فرد، بل نظام الطبيعة في حد ذاته والدعوة إلى ممارسة الحكم، على أساس الإرادة العامة أو إرادة الكل، التي يمكن أن تتجسد على شكل مجالس منتخبة، خاصة في المنظور الذي دافع عنه جون لوك.
إن هذا التصور الأولي لنظرية التعاقد، لا ينفي وجود بعض الاختلافات بين منظريها الثلاثة فلقد كان الهم الأساسي عند توماس هوبز، هو الإسراع بتجاوز حالة الطبيعة كيفما كان الثمن، خاصة وأن الشرور الناتجة عنها، تهدد السلم الاجتماعي، والاستقرار السياسي، الضروريان معا، لكل نشاط اقتصادي وعمران بشري أكثر من اهتمامه بمساءلة نموذج التعاقد الذي يجب أن يسعى إليه الأفراد لذلك سيعتبر أن تنازل الإرادات الخاصة والمتعددة عن حقوقها الطبيعية إلى طرف ثالث يمثله شخص واحد أو جمع من الناس، تنتج عنه سلطة كاملة مطلقة، لا يمكن ولا يجوز الاعتراض عليها بأي شكل من الأشكال. فهو يشبه هذه السلطة تارة بالتنين، ذلك الحيوان الأسطوري الضخم، وتارة أخرى بالساعة الكبيرة التي تسعى إلى التحكم وضبط سلوك الأفراد…الخ وهي كلها مجازات القصد منها ترسيخ الصورة الجديدة لمفهوم الدولة هذا في الوقت الذي حاول فيه كل من جون لوك وجان جاك روسو التركيز بالخصوص على الغايات والأهداف البعيدة لفلسفة التعاقد، وهي الحماية والمحافظة والدفاع عن الحقوق الأساسية للفرد المواطن، خاصة حق الحياة، وحق الحرية، وحق الملكية الفردية لذلك فإن السلطة السياسية للدول والحكومات الناشئة عن نظرية التعاقد، ليست سلطة مطلقة في نظر الفيلسوفين، بل هي مقيدة بشرط أساسي، وهو استخدامها من أجل خير وأمن واستقرار المجتمع الجديد، الذي لم يقبل أفراده التخلي عن سلطتهم الطبيعية، لطرف ثالث محايد، إلا به.
في هذا المناخ الفكري العام إذن، وفي هذه المساءلة الفلسفية للنماذج والتجارب التاريخية في الحكم، ظهر مفهوم المجتمع المدني، وانتشر استعماله حتى أضحى بديهية من بديهيات المعجم السياسي فلقد استخدمه جون لوك على الأقل في الموضعين التاليين من كتابه رسالة في الحكم المدني: “حيث يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة، ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه، ويتنازل عنها للمجتمع، ينشأ عندنا آنذاك فقط، مجتمع سياسي أو مدني”.
“إن الذين يؤلفون جسدا واحدا، ويمتلكون قانونا عاما، ويمكنهم العودة إلى قضاة يمتلكون السلطات الضرورية لرفع المظالم ومعاقبة المجرمين، هؤلاء يشكلون مجتمعا مدنيا”. كما استخدمه جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي بارتباط وثيق مع مفهوم الملكية الفردية حين تحدث عن الواقعة الافتراضية التالية: “في اليوم الذي عن فيه لإنسان ما أن يسور أرضا ويقول: هذا لي. ثم إنه وجد أناسا كانوا من السذاجة والبساطة بحيث أنهم صدقوه. في ذلك اليوم كان ذلك الإنسان هو المؤسس الفعلي للمجتمع المدني”. أما عند هوبز فإننا نجد الإشارة التالية التي تؤكد ربما ارتباط المفهوم بل وتداخله مع نظرية التعاقد ذاتها. فهو يعتبر أن “أصل المجتمع المدني هو ضرورة الخروج من الصراع اللامتناهي الذي يتولد عن قانون “حالة الطبيعة” أي عن حق كل شخص في أن يفعل ما يظهر له أنه مناسب لحماية نفسه”. وهكذا يتبين أن دخول الأفراد تجربة المجتمع المدني، دخول طوعي هدفه الأساسي الحفاظ على حقوقهم المتساوية، التي كانوا يتمتعون بها في ظل القانون الطبيعي. على أن تتكلف سلطة قوية تتموقع فوق الجميع بحماية هذه الحقوق وتسهيل ممارستها. فيكون بذلك التزام الأفراد بطاعة هذه السلطة والخضوع لها بمثابة المقابل الضروري لنجاح السلطة (الدولة) في القيام بوظيفتها.
فما هي الدروس والخلاصات الأساسية الناتجة عن هذا التصور التعاقدي لمفهوم المجتمع المدني، سواء على المستوى الفكري أو السياسي؟
أول هذه الدروس، هو إلحاح أغلب فلاسفة عصر الأنوار على ارتباط الظاهرة المدنية بمبدأ الملكية الفردية، الذي كان يدافع عنه في نفس الفترة تقريبا، المنظرون الأوائل للاقتصاد الليبرالي، والبورجوازية الصاعدة، خاصة آدم سميث في كتابه بحث في أسباب ثروات الأمم. وهذا يعني أن المجتمع المدني، كممارسة يومية، وكخيار اجتماعي ورهان سياسي، ضد الدولة الشمولية، الدولة الراعية والموجهة لفعاليات البشر. كما يعني أن دور القطاع الخاص المنظم والقوي، كحام فعلي لهذا المجتمع، دور حاسم وأساسي.
وثاني هذه الدروس، هو المنظور الاستثنائي الذي عبر عنه هوبز، بكيفية ميزته عن باقي فلاسفة عصر الأنوار ففي التحليل الأخير الذي تبناه، يمكن القول إنه طابق في النهاية بين الدولة والمجتمع المدني. بحيث يستحيل الفصل بينهما وهذا ما يقلل من إسهامه في بلورة الحقل الخاص بهذا المفهوم أما الدرس الثالث، فهو اغتناء المعجم السياسي، بمفاهيم حديثة، لم يطرأ على استعمالها أي تغيير جوهري يذكر إلى الآن، كمفهوم المواطن في الصياغة الإسبينوزية له، وكمفهوم الديموقراطية وحقوق الإنسان، والسيادة والإرادة العامة والحقوق المدنية، والاجتماع المدني…الخ.
يمكن إذن، أن نلخص إسهام نظرية التعاقد الاجتماعي في التأسيس لمفهوم المجتمع المدني، في ذلك التركيز على ثلاثة حدود أو قيم كبرى، حولت بكيفية جذرية آفاق التفكير في مسألة السلطة وفي السياسة، وفي أنظمة الحكم التي تبنتها الدول الأوروبية. هذه القيم هي:
ـ قيمة الفرد المواطن: وهي قيمة عليا مطلقة، لأن حقوق الفرد في الفلسفة والمنظور التعاقدي حقوق مقدسة، خاصة حق الحياة وحرمة الجسد والملكية، وحرية التفكير.
ـ قيمة المجتمع المتضامن: المتميز بقدرة أفراده على الالتزام بالمقتضيات الأخلاقية والقانونية الضرورية لتأسيس الجماعة المدنية.
ـ قيمة الدولة ذات السيادة: وهي سيادة لا يتم بلوغها إلا إذا اعترف المجتمع بها، واعتبر السلط والحقوق الناتجة عنها حقوقا مشروعة مقبولة.
إن توفق نظرية التعاقد مع فلاسفتها الثلاثة الكبار في رسم المعالم الأساسية لمفهوم المجتمع المدني، سيكون له الأثرالعميق فيما بعد في تحول بعض المفكرين للانشغال كلية بقضايا المجتمع المدني وحقوق الإنسان. بحيث سيظهر في إسكتلندا مثلا، سنة 1767 كتاب مقال في تاريخ المجتمع المدني لآدم فريجسون تتلخص أطروحته الرئيسية في اعتقاد صاحبه بأن كل المجتمعات البشرية مرت بمسار حضاري طبيعي، يتجلى في ذلك الانتقال التدريجي من الأشكال الخشنة للحياة الوحشية البربرية إلى مجتمع متحضر متمدن أهم علامات تحضره، انتشار المبادلات التجارية، وتطبيق مبدأ تقسيم العمل، وظهور التكثلات الصناعية الحرفية واليدوية… كما سيظهر في نفس السياق، كتاب توماس بين حقوق الإنسان Rights of Man سنة 1791، حاملا لدعوة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني، الذي يحب أن يدير بنفسه شؤونه الذاتية. مدافعا في نفس الوقت، عن مبدأ حكومة بسيطة غير مكلفة، ولا تقتضي فرض ضرائب كثيرة، تصبح فيما بعد سببا في تفجير ثورات وحروب غير مجدية.
إلا أن المثير للانتباه حقا في هذا الصدد، هو أن كل المجهود التنظيري الضخم الذي بذله فلاسفة عصر الأنوار، لن يجد له صدى في التفكير السياسي الهيجلي والماركسي، خاصة ما يتعلق منه بفرضية المجتمع المدني. ففي كتاب مبادئ فلسفة الحق، سيعتبر هيجل أن مفهوم المجتمع المدني في صياغته التعاقدية قاصر على تحقيق أمن الأفراد وعلى حماية مصالحهم الخاصة، فضلا عن المصالح العامة للدولة. ولعل السبب في ذلك يرجع حسب هيجل إلى ما تتميز به مكونات هذا المجتمع من تمزق شديد، وتناقض في المصالح المادية والطبقية، وتصارع في الرؤى والغايات. بحيث يستحيل الوصول إلى استقرار سياسي ضروري لتحقيق التقدم والتطور الحضاري اعتمادا على هذا المجتمع. لذلك سيميل هيجل إلى تفضيل الدولة على المجتمع المدني، بل وسيذهب إلى تبني مفهوم خاص لها، بموجبه ستمثل ذلك الجوهر والأصل، وذلك المنبع والمصدر الذي يكاد يتحكم تحكما شموليا في جميع الفعاليات الإنسانية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، بل وحتى ثقافية.
هناك من يفسر هذا الميل الهيجلي بالسياق الخاص بهذا الفيلسوف الذي كان منشغلا بالبحث عن دولة قوية قادرة على تجاوز التأخر التاريخي والهوة الفاصلة بين الدولة الألمانية ومثيلاتها من الدول الأوروبية، التي كانت قد أنجزت ثوراتها الأولى، خاصة في فرنسا وإنجلترا ولكن هذا الاعتراض لا يمنع مع ذلك من ملاحظة وتسجيل التصور السلبي والنظرة المتعالية التي استقبل بها مفهوم المجتمع المدني في الفلسفة السياسية الهيجلية.
على أن هذه النظرة لا تعني التهميش الكلي والرفض المطلق للمفهوم فمن المعروف أن هيجل جعل المؤسسات المدنية تحتل موقعا وسطا بين مؤسسة العائلة من جهة أولى، ومؤسسة الدولة من جهة ثانية تتركز وظيفتها الرئيسية في الإنتاج الاقتصادي وإشباع الحاجيات المادية وتبادل الخيرات والمنافع على أن تتحمل ذلك طبقة بورجوازية صاعدة، يجب تشجيعها باستمرار ولم يفت هيجل أن يلاحظ ما يمكن أن ينتج عن هذا التوجه الليبرالي من آثار سلبية، كإنتاج التراتبيات الطبقية، والتهميش الاجتماعي والفقر. لذلك سيلح على دور الدولة في مراقبة وضبط جموح المجتمع المدني، في نفس الوقت الذي يجب عليها أن تساعد على خلق تكثلات واتحادات وطوائف تعمل دائما على مقاومة هذه النتائج السلبية، وذلك بتقديمها لخدمات اجتماعية في مجال التعليم والصحة والعمل. بحيث نعود هكذا إلى أطروحة الدولة المطلقة، الدولة المثل الأعلى، ذلك الثابت الروحي والعقلاني، الراعي للنظام والانسجام، والمحافظ عليه.
أما بالنسبة لماركس، فقد استعمل هذا المفهوم لأول مرة سنة 1843 في مؤلفات الشباب، وذلك بمعنى قريب من المعنى الذي استعمله به هيجل. وذلك راجع لتأثر ماركس الشديد في هذه الفترة بهذا الفيلسوف. على أن الموقع الأخير لهذا المفهوم في المنظور الماركسي الناضج، لن يتحدد إلا بعد تمكن ماركس من بناء نسقه النظري بكيفية تامة مع كتاب رأس المال. ففي هذا الكتاب، وفي ذلك التمييز الكلاسيكي بين البنية التحتية والبنية الفوقية، سيعتبر المجتمع المدني مكونا أساسيا من مكونات البنية الأولى، وذلك لأنه يمثل القاعدة المادية للدولة خاصة على المستوى الاقتصادي والإنتاجي. ومن ثمة فدوره حاسم في تحديد طبيعة البنية الثانية بما فيها من نظم وحضارة ومعتقدات وأنظمة حكم هذا فضلا على أنه يمثل إحدى أهم مستويات وتمظهرات الصراع الطبقي الذي تحدث عنه ماركس طويلا، وذلك بسبب التناقضات التي تميز المصالح المادية لمكونات هذا المجتمع عادة.
إن الشائع بالنسبة للدراسات والأبحاث التي حاولت تقييم الإسهام الماركسي بخصوص فرضية المجتمع المدني، هو التركيز على ضعف هذا الإسهام وتواضعه. ولعل هذا الحكم صحيح إلى حد ما، إذا ما استحضرنا الآفاق الفكرية والإشكالات الفلسفية والسياسية التي كانت توجه التفكير الماركسي. ففكرة المجتمع المدني، في نهاية الأمر، فكرة تطورت في حضن الفلسفة السياسية الليبرالية. وماركس نفسه فضل استعمال مفاهيم أخرى، ارتأى أنها أقدر على تحليل المجتمع وفهم آليات ومنطق اشتغالهغير أن هذا التوجه لم يمنع مع ذلك مفكرين آخرين تبنوا التحليل الماركسي جملة وتفصيلا من إعادة الاعتبار لهذا المفهوم، بل ومن إعطائه أبعادا جديدة ودلالات مغايرة. وهذا بالضبط ما سيقوم به الفيلسوف والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ابتداءا من سنة 1920.
مفهوم المجتمع المدني : الأصول الأولى والإمتدادات اللاحقة
I – نظرية التعاقد : الأهداف
لوك روسو هوبز
ـ حفظ الحياة ـ الوصول إلى التزام ـ ضرورة الخروج.
ـ حفظ الحرية حر وطوعي وإرادي من حالة الطبيعة.
ـ حفظ الملكية بين الأفراد. وتجاوز آثارها.
ـ طاعة السلطة المدمرة.
السياسية ما دامت السلطة ملتزمة بحماية حقوق الأفراد على أساس قوانين مشروعة متفقا عليها.
ـ تجاوز المنظور الديني، الكنسي للدولة.
ـ وضع اللبنات الأولى للمنظور السياسي الليبرالي.
ـ وضع اللبنات الأولى للحداثة السياسية.
II – الامتدادات – الإيجابية السلبية
ـ آدم فرجسون: كتاب مقال ـ هيجل: المجتمع المدني كمجال للإنتاج في تاريخ المجتمع المد

.arabepro.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...