حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني


 حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني

 

حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني:
من المسلم به قانوناً أنه إذا صدر في الدعوى الجنائية حكماً باتاً قبل رفع الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية؛ أو عندما توقف المحكمة المدنية الفصل في الدعوى المدنية المنظورة أمامها لحين صدور حكم بات في الدعوى الجنائية المنظورة أمام المحكمة الجنائية، ثم يصدر هذا الحكم أثناء نظر الدعوى المدنية، فإن الحكم الصادر في الدعوى الجنائية تكون له قوة الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية، سواء كان صادراً بالبراءة أو الإدانة وذلك فيما يتعلق بإثبات وقوع الجريمة وبوصفها القانوني وكذلك بنسبتها إلى مرتكبها. ومعنى ذلك أن المحكمة المدنية تلزم بالتسليم بهذا الحكم الجنائي وأن ترتب عليه نتائجه المدنية سواء بالحكم بالتعويض أو برفض التعويض، وهذا هو المقصود بحجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني.. وعلى هذا نصت المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية بأن: “يكون للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة قوة الشيء المحكوم فيه أمام المحكمة المدنية في الدعاوى التي لم تكن قد فصل فيها نهائياً فيما يتعلق بوقوع الجريمة وبوصفها القانوني ونسبتها إلى فاعلها، ويكون للحكم بالبراءة هذه القوة سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة، ولا تكون له هذه القوة إذا كان مبنياً على أن الفعل لا يعاقب عليه القانون”. ويلاحظ أن المقصود بالمحاكم المدنية هنا جميع المحاكم غير الجنائية، فتكون للحكم الجنائي حجيته أمام المحاكم الإدارية والتأديبية وغيرها.
ويرجع تقرير حجية الحكم الجنائي على القضاء المدني إلى أن سلطات القضاء الجنائي أوسع في التثبت من حصول الواقعة في حق المتهم ذلك أن المحاكمة الجنائية يسبقها عادة تحقيق مفصل، فمن الطبيعي أن تكون النتائج التي ينتهي إليها القضاء الجنائي أقرب إلى الحقيقة من أية نتيجة يمكن أن ينتهي إليها قضاء آخر، ومن جهة أخرى، فإن الدعوى الجنائية ملك للمجتمع بأسره وترفع باسمه، ولذلك كان من الضروري أن يكون الحكم الصادر فيها حجة على الكافة. فضلاً عن أنه ليس من المصلحة حصول تضارب في الأحكام، فيصدر القاضي الجنائي حكماً ثم يصدر القاضي المدني حكماً آخر على خلافه. (المصدر: “شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية” – للدكتور/ عبد الرءوف مهدي – طبعة نادي القضاة 2003 القاهرة – والكتاب حاصل على جائزة الدولة التقديرية – بند 783 و 784 – صـ 1161 و 1162).

شرط الحجية:

يُشترط لكي يكون للحكم الجنائي حجية أمام القضاء المدني أن يكون الحكم الجنائي قد صدر باتاً من محكمة قضائية مصرية فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية.
والواقع أن هذا الشرط هو نفس شرط حجية الحكم الجنائي الذي يمنع القاضي الجنائي من إعادة نظر دعوى سبق صدور حكم فيها، باستثناء وحدة الخصوم والموضوع، فحجية الحكم الجنائي على المدني قائمة مع اختلاف الخصوم والموضوع، ولا يُشترط سوى وحدة الواقعة التي قامت عليها كل من الدعويين الجنائية والمدنية. فمن الأصول المُقررة أن للأحكام الجنائية مطلق الحجية بمعنى أنها ملزمة للكافة لتعلقها بحريات الأفراد وسلامتهم، وهو أمر يمس مصلحة المجتمع، ولذلك لا يجوز للمحكمة المدنية إذا ما عرضت عليها ذات الواقعة التي فصل فيها الحكم الجنائي وكان فصله فيها ضرورياً أن تشكك أو تعيد النظر فيها ولو كانت الدعوى المدنية مرفوعة على من لم يكن ممثلاً في الدعوى الجنائية. (المرجع السابق – بند 785 – صـ 1163. وأنظر كذلك: للدكتور رءوف عبيد – مبادئ الإجراءات الجنائية – سنة 1989 – صـ 255).

نطاق الحجية:

تتحد نطاق حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني على النحو التالي:
أن تكون الدعوى المدنية مرفوعة أمام المحكمة المدنية: فلا حجية للحكم الجنائي على الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحكمة الجنائية بالتبعية لدعوى جنائية منظورة أمامها.
وحدة الواقعة: لا تسري حجية الحكم الجنائي أمام القاضي المدني إلا في حدود الواقعة التي فصل فيها الحكم الجنائي، فيجب أن تكون الواقعة التي فصل فيها هذا الحكم الجنائي، هي ذات الواقعة التي رفعت الدعوى المدنية أمام القاضي المدني بطلب التعويض عن الأضرار التي سببتها. ويقصد بوحدة الواقعة وحدة الفعل المادي وهي العلة التي تقررت من أجلها قاعدة حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني. وقد قضي بأنه: “إذا كان الثابت من الحكم رقم …. أنه قضى ببراءة المطعون ضده الأول من تهمة فصل الطاعن من عمله قبل عرض الأمر على اللجنة الثلاثية استناداً إلى أنه لم يقم دليل على أن المطعون ضده الأول قام بفصل الطاعن من عمله، وكان الطاعن لا يماري في أن واقعة الفصل التي تأسس عليها طلب التعويض هي ذاتها التي قضى الحكم الجنائي بعدم قيام الدليل عليها، فإن الحكم الجنائي سالف الذكر يكون قد فصل في قضائه فصلاً لازماً في واقعة هي الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية ويحوز في هذه الواقعة حجية الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية فتتقيد به هذه المحكمة ويمتنع عليها أن تخالفه أو تعيد بحثه”. (نقض مدني في الطعن رقم 717 لسنة 48 قضائية – جلسة 9/1/1984. وكذلك النقض المدني في الطعن رقم 590 لسنة 39 قضائية – جلسة 17/12/1989).

قصر الحجية على مدى ثبوت الواقعة: فإذا تبين أن الواقعة المرفوع بشأنها دعوى التعويض المدني أمام المحكمة المدنية هي نفسها الواقعة الجنائية التي فصل فيها الحكم الجنائي، فتقتصر حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني على ما فصل فيه الحكم الجنائي من حيث ثبوت الواقعة الجنائية المنسوبة للمتهم أو عدم ثبوتها، وفقاً لصريح نص المادة 456/1 من قانون الإجراءات الجنائية. فإذا قضى الحكم الجنائي بالإدانة استناداً إلى ثبوت الواقعة الجنائية المادية في حق المتهم، فإن هذا الحكم يحوز حجية أمام القاضي المدني، ولا يستطيع القاضي المدني أن يرفض الحكم بالتعويض لمن أصابه ضرر من هذه الجريمة بدعوى عدم ثبوت الواقعة. وكذلك إذا قضى الحكم الجنائي بالبراءة، وكان مبنى البراءة انتفاء الواقعة المادية نفسها أو عدم كفاية الأدلة عليها، فتكون للحكم الجنائي حجيته، ويمتنع على المحكمة الحكم بالتعويض المدني. (المصدر: “شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية” – للدكتور/ عبد الرءوف مهدي – المرجع السابق – بند 786 – صـ 1166 و 1167).

تقيد القضاء المدني بالوصف الجنائي للواقعة كما ثبتت في الحكم الجنائي.
فصل الحكم الجنائي في واقعة ضرورية للفصل في الدعوى الجنائية.
“حجية الحكم الجنائي أمام القاضي المدني” من النظام العام:
فالقاعدة التي تقرر حجية الحكم الجنائي أمام المحاكم المدنية متعلقة بالنظام العام. فيجب على المحكمة إعمالها من تلقاء نفسها، ولكل من الخصوم التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، وليس لأحد أن يتنازل عنها. (المصدر: “شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية” – للدكتور/ عبد الرءوف مهدي – المرجع السابق – بند 788 – صـ 1172).

التطبيق:
لما كان المستأنف ضده قد سبق له وأن أقام جنحة مباشرة ضد المستأنفة بتهمة عدم تنفيذها لحكم الرؤية الصادر لصالحه (في الدعوى رقم لسنة شرعي الدقي)، وذلك في الجنحة رقم لسنة جنح الدقي والتي قضي فيها بجلسة 6/3/2008 بتغريم المستأنفة بمبلغ مائتي جنيه وإلزامها بأداء تعويض مؤقت للمستأنف ضده قدره واحد وخمسون جنيهاً بالإضافة إلى خمسون جنيهاً أتعاب محاماة وكذلك المصاريف القضائية.

وإذ لم ترتض المستأنفة بذلك الحكم، ومن ثم فقد طعنت عليه بالاستئناف رقم لسنة جنح مستأنف الجيزة، وقد قضي في هذا الاستئناف (بجلسة 22/5/2008) بإلغاء حكم محكمة أول درجة والقضاء مجدداً ببراءة المستأنفة مما أسند إليها وبرفض الدعوى المدنية وإلزام رافعها بالمصروفات.

وقد أسست محكمة الاستئناف قضائها ببراءة المستأنفة ورفض دعوى التعويض المقامة من المستأنف ضده على سند من القول بأنه من المُقرر وجوب إقامة أحكام الإدانة في المواد الجنائية على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين، وأنه يكفي في المحاكمة الجنائية أن يتشكك القاضي في صحة إسناد التهمة إلى المتهم لكي يقضي به بالبراءة، إذ أن مرجع ذلك إلى ما يطمئن إليه في تقدير الدليل ما دام أن الظاهر من الحكم أنه قد أحاط بالدعوى عن بصر وبصيرة وأحاطت بظروفها وبأدلة الثبوت فيها التي قام الاتهام عليها ووازنت بينها وبين أدلة النفي فرجحت دفاع المتهمة وداخلها الريبة في صحة عناصر الإثبات وتشككت في صحة إسناد التهمة إلى المتهمة ولم تطمئن إليها وقد خلت الأوراق من وجود دليل مقنع يكفي لتكوين عقيدة المحكمة سيما وأنه توجد صعوبة في تنفيذ الرؤية كما جاء بدفاع المتهمة فضلاً عن عدم قيام المدعي بالحق المدني بإعلان المتهمة على وجه رسمي لتنفيذ حكم الروية. ومن ثم يتعين إلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً ببراءة المتهمة مما أسند إليها عملاً بنص المادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية.

ولما كان هذا الحكم الجنائي قد صدر باتاً من محكمة قضائية مصرية فاصلاً في موضوع الدعوى الجنائية. وكانت الواقعة التي فصل فيها هذا الحكم الجنائي، هي ذات الواقعة التي رفعت عنها الدعوى المدنية أمام القاضي المدني بطلب التعويض عن الأضرار التي سببتها (وهي الدعوى المستأنف حكمها). والمقصود بوحدة الواقعة هو “وحدة الفعل المادي” وهي العلة التي تقررت من أجلها قاعدة حجية الحكم الجنائي أمام القضاء المدني.

ولما كان من المُقرر في قضاء النقض أنه: “إذا كان الثابت من الحكم رقم …. أنه قضى ببراءة المطعون ضده الأول من تهمة فصل الطاعن من عمله قبل عرض الأمر على اللجنة الثلاثية استناداً إلى أنه لم يقم دليل على أن المطعون ضده الأول قام بفصل الطاعن من عمله، وكان الطاعن لا يماري في أن واقعة الفصل التي تأسس عليها طلب التعويض هي ذاتها التي قضى الحكم الجنائي بعدم قيام الدليل عليها، فإن الحكم الجنائي سالف الذكر يكون قد فصل في قضائه فصلاً لازماً في واقعة هي الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية ويحوز في هذه الواقعة حجية الشيء المحكوم به أمام المحكمة المدنية فتتقيد به هذه المحكمة ويمتنع عليها أن تخالفه أو تعيد بحثه”. (نقض مدني في الطعن رقم 717 لسنة 48 قضائية – جلسة 9/1/1984. وكذلك النقض المدني في الطعن رقم 590 لسنة 39 قضائية – جلسة 17/12/1989).

وكان من المُقرر قانوناً أنه إذا قضى الحكم الجنائي بالبراءة، وكان مبنى البراءة انتفاء الواقعة المادية نفسها أو عدم كفاية الأدلة عليها، فتكون للحكم الجنائي حجيته، ويمتنع على المحكمة الحكم بالتعويض المدني. (المصدر: “شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية” – للدكتور/ عبد الرءوف مهدي – المرجع السابق – بند 786 – صـ 1166 و 1167).

ولما كانت قاعدة حجية الحكم الجنائي أمام المحاكم المدنية متعلقة بالنظام العام. فيجب على المحكمة إعمالها من تلقاء نفسها، ولكل من الخصوم التمسك بها في أية حالة كانت عليها الدعوى، وليس لأحد أن يتنازل عنها.

ومن ثم كان على حكم أول درجة أن يتقيد بحجية الحكم الجنائي المقدم أمام محكمة أول درجة والقاضي ببراءة المستأنفة من التهم التي أسندت إليها لانتفاء الواقعة المادية نفسها وعدم كفاية الأدلة عليها، ومن ثم فما كان للحكم المستأنف أن يخالف الحكم الجنائي النهائي البات ولا أن يعيد بحثه، بل كان عليه أن يتقيد به ويمتنع عن الحكم بالتعويض المدني على النحو السالف بيانه، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وفي تأويله بما يستوجب إلغاؤه والقضاء مجدداً برفض دعوى التعويض، وهو ما تصمم عليه المستأنفة على سبيل الجزم واليقين.

الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها:

وفضلاً عما تقدم، ولما كان من المُقرر قانوناً أنه إذا أقام المضرور دعواه المدنية أمام المحكمة الجزائية بطلب تعويض مؤقت، إلا أنها قضت ببراءة المتهم ورفضت الدعوى المدنية قِبله وأسست قضاءها على ما ثبت لها من انتفاء الخطأ في جانبه، وأصبح هذا الحكم نهائياً، فلا يجوز للمضرور بعد ذلك أن يلجأ للمحكمة المدنية مُطالباً بتعويض آخر عن نفس الفعل ولو لم يكن مؤقتاً، كما إذا طالب به باعتباره جابراً لجميع ما حاق به من ضرر، لأن الحكم الجنائي حاز حجية في أساس نفي الخطأ عن المسئول. (المصدر: “المسئولية المدنية في ضوء الفقه والقضاء” – للمستشار/ عز الدين الدناصوري والمستشار الدكتور/ عبد الحميد الشواربي – طبعة 1988 القاهرة – صـ 633).

حيث أنه من المُقرر في قضاء النقض أن: “الحكم برفض طلب التعويض المؤقت في الإدعاء المدني أمام المحكمة الجنائية تأسيساً على عدم توافر شروط المسئولية التقصيرية يحوز حجية تمتنع معها المطالبة بتعويض آخر على ذات الأساس لأن هذا الحكم هو حكم قطعي حسم الخصومة في الموضوع. ولما كان يبين من الحكم المطعون فيه وعلى ما سلف البيان أن الطاعنة الثانية عن نفسها وبصفتها ادعت مدنياً أمام محكمة الجنح بتعويض مؤقت قدره 51 جنيه قِبل المطعون عليها لأن المطعون عليه الثاني وهو تابع للمطعون عليه الأول تسبب خطأ في قتل مورثتهما وقضت محكمة الجنح ببراءته وبرفض الإدعاء المدني بعد أن بحثت عناصر الدعوى من خطأ وعلاقة سببية، ولم تستأنف الطاعنة الثانية عن نفسها وبصفتها هذا الحكم وصار نهائياً بالنسبة لها فإنه يحوز حجية في هذا الخصوص ولا يجوز لها إقامة دعوى جديدة بالتعويض على ذات الأساس. ولما كانت الطاعنة الثانية عن نفسها وبصفتها قد أقامت الدعوى الحالية بطلب إلزام المطعون عليهما متضامنين بأن يدفعا لها مبلغ 100000 جنيه تعويضاً عن قتل مورثتهما خطأ وأقام المطعون عليه الأول دعوى ضمان ضد المطعون عليه الثاني، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى بإلغاء الحكم المستأنف وبعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها في الإدعاء المدني أمام المحكمة الجنح فإنه لا يكون قد خالف القانون وبالتالي يكون في محله الحكم برفض الاستئناف المرفوع من الطاعنين بتعديل مبلغ التعويض المقضي به. لما كان ذلك فإن النعي على الحكم بهذا السبب يكون غير سديد”. (نقض مدني جلسة 28/6/1977 مجموعة المكتب الفني – السنة 28 – الجزء الأول – صـ 1524).

لما كان ذلك، وكان الحكم برفض طلب التعويض المؤقت في الإدعاء المدني أمام المحكمة الجنائية (في الجنحة المستأنفة برقم لسنة جنح مستأنف الجيزة)، تأسيساً على عدم توافر شروط المسئولية التقصيرية وانتفاء الخطأ في جانب المستأنفة، هذا الحكم يحوز حجية تمتنع معها المطالبة بتعويض آخر على ذات الأساس لأن هذا الحكم هو حكم قطعي حسم الخصومة في الموضوع، ومن ثم كان يتعين القضاء في دعوى التعويض الثانية (المستأنف حكمها) بعدم جواز نظرها لسابقة الفصل فيها بالحكم رقم لسنة جنح مستأنف الجيزة، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وفي تأويله بما يستوجب إلغاؤه.

طلب رفض دعوى التعويض

حيث تنص المادة 232 من قانون المرافعات على الأثر الناقل للاستئناف بقولها أن: “الاستئناف ينقل الدعوى بحالتها التي كانت عليها قبل صدور الحكم المستأنف بالنسبة لما رفع عنه الاستئناف فقط”.

كما تنص المادة 233 من قانون المرافعات على أنه: “يجب على المحكمة أن تنظر الاستئناف على أساس ما يقدم لها من أدلة ودفوع وأوجه دفاع جديدة وما كان قد قُـدِمَ من ذلك إلى محكمة الدرجة الأولى”.

فمن المقرر في قضاء النقض أن: “وظيفة محكمة الاستئناف. عدم اقتصارها على مراقبة سلامة التطبيق القانوني. التزامها بمواجهة النزاع بكل ما أشتمل عليه من أدلة ودفوع ودفاع بقضاء يواجه عناصره الواقعية والقانونية. حجب محكمة الاستئناف نفسها عن تمحيص وتقدير أدلة الدعوى اكتفاء بتقدير محكمة أول درجة لها رغم أن الطاعن قد تعرض لها في طعنه. مخالفة للثابت بالأوراق وقصور”. (الطعن رقم 1836 لسنة 57 قضائية – جلسة 18/7/1989).

لما كان ذلك، وكان من المستقر عليه أن أركان المسئولية التقصيرية هي:

وجود خطأ من المدين؛

وحدوث ضرر يصيب الدائن؛

وعلاقة سببية ما بين الخطأ والضرر؛

فبالنسبة لشرط الخطأ، فمن المُقرر في قضاء النقض أن: “استخلاص الفعل الذي يؤسس عليه طلب التعويض وإن كان يدخل في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع إلا أنه يشترط أن يكون هذا الاستخلاص سائغاً وله أصل ثابت بالأوراق وأن تكييف هذا الفعل بأنه خطـأ أو نفى هذا الوصف عنه هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض”. (نقض مدني في الطعن رقم 2273 لسنة 57 قضائية – جلسة 7/11/1989 مجموعة المكتب الفني – السنة 40 – صـ 29 – فقرة 3).

فضلاً عن أنه – وكما سبق بيانه – إذا كان الحكم الجنائي الصادر ببراءة المستأنفة من التهم التي أسندت إليها وبرفض الدعوى المدنية المقامة من المستأنف ضده، كان قد أقام قضائه بالبراءة ورفض الدعوى المدنية تأسيساً على انتفاء ركن الخطأ وعدم كفاية الأدلة، فإنه يتعين على المحكمة المدنية أن تلتزم بحجية هذا الحكم ويمتنع عليها أن تعيد بحث ركن الخطأ. (نقض مدني في الطعن رقم 935 لسنة 75 قضائية – جلسة 11/12/2005. مشار إليه في مرجع: “دعوى التعويض عن المسئولية التقصيرية” – للمستشار/ سيد خلف محمد – الطبعة الأولى 2008 القاهرة – صـ 489).

الخلاصة:
طالما انتهى الحكم الجنائي النهائي والبات إلى انتفاء ركن الخطأ وقضى ببراءة المستأنفة ورفض الدعوى المدنية المقامة من المستأنف ضده، فما كان يجوز لمحكمة أول درجة ولا لغيرها من المحاكم المدنية أن تعيد بحث ركن الخطأ مرة أخرى من جديد.
وبالنسبة لشرط الضرر، فمن المُقرر في قضاء النقض أنه: “على المضرور أن يثبت مقدار ما عاد عليه من ضرر حتى يقضى له بالتعويض سواء تمثل الضرر فيما لحقه من خسارة أو ما فاته من كسب يشترط في كلتا الحالتين: أن يكون الضرر محقق الوقوع “وقع فعلاً أو سيقع حتماً” مؤدى ذلك: أنه لا تعويض عن الضرر الاحتمالي”. (نقض مدني في الطعن رقم 754 لسنة 26 قضائية – جلسة 14/12/1985 مجموعة المكتب الفني – السنة 31 – صـ 577).

أما إذا كان الضرر غير ثابت، ومجرد أقوال مرسلة، وكان حكم أول درجة قد استخلص الضرر المزعوم من مصدر لا وجود له، والموجود من المستندات يفيد عكس ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه ومخالف لما أثبته، بما يستوجب إلغاؤه، والقضاء مُجدداً برفض الدعوى.
وبالنسبة لعلاقة السببية، فمن المُقرر في قضاء النقض أنه: “إن كان استخلاص علاقة السببية بين الخطأ والضرر هو – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع ولا رقابة عليها في ذلك لمحكمة النقض، إلا أن ذلك مشروط بأن تورد الأسباب السائغة المؤدية إلى ما انتهت إليه”. (نقض مدني في الطعن رقم 474 لسنة 41 قضائية – جلسة 29/1/1980 مجموعة المكتب الفني – السنة 31 – الجزء الأول – صـ 356).

واشتراط إيراد الأسباب السائغة المؤدية إلى ما انتهى إليه القاضي مرده أن سلطة قاضى الموضوع في فهم واقع الدعوى ليست سلطة مطلقة، ورأيه في هذا الصدد ليس رأياً قطعياً، وإنما يجد حده في صحة المصدر الذي استقى منه الدليل على وجود ذلك الواقع، بأن يكون دليلاً حقيقياً له أصله الثابت في الأوراق، وليس دليلاً وهمياً لا وجود له إلا في مخيلة القاضي، وفى سلامة استخلاص النتيجة من هذا المصدر، بأن يكون هذا الاستخلاص سائغاً غير مناقض لما أثبته.
ولما كان ذلك العنصر غير متوافر بدوره – على نحو ما سلف وأن بيانه تفصيلاً – فبالتالي تكون جميع عناصر المسئولية التقصيرية للمطالبة بالتعويض قد تخلفت وبالتالي يتعين القضاء برفض الدعوى لانتفاء عناصر المسئولية التقصيرية في حق المستأنفة.

المبالغة في تقدير قيمة التعويض:

تنص المادة 170 مدني على أن: “يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي لحق المضرور طبقاً لأحكام المادتين 221 و 222 مراعياً في ذلك الظروف الملابسة”.

كما تنص الفقرة الأولى من المادة 221 مدني على أنه: “إذا لم يكن التعويض مقدراً في العقد أو بنص في القانون، فالقاضي هو الذي يقدره، ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب …”.

كما تنص الفقرة الأولى من المادة 222 مدني على أن: “يشمل التعويض الضرر الأدبي أيضاً …”.

مع ملاحظة أن التعويض مقياسُه هو: “الضرر المُباشر”. فالتعويض في أي صورة كانت يُقدر بمِقدار الضرر المُباشر الذي أحدثه الخطأ. فالأصل أنه لا يُنظر إلى جسامة الخطأ الذي صدر من المسئول عند تقدير التعويض. وإذا تحققت المسئولية، قُدِرَ التعويض بقدر جسامة الضرر لا بقدر جسامة الخطأ.

فلئن كان تقدير التعويض من مسائل الواقع التي يستقل بها قاضي الموضوع، إلا أنه من المُقرر قانوناً – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض – أن مناط استقلال قاضي الموضوع بتقدير قيمة التعويض أن يكون هذا التقدير قائماً على أساس سائغ له أصوله الثابتة بالأوراق ومبرراته التي يتوازن بها التعويض مع الضرر الواقع.

حيث تواتر قضاء النقض على أنه: “إذ كان تقدير التعويض من مسائل الواقع التي يستقل بها قاضى الموضوع، إلا أن مناط ذلك أن يكون هذا التقدير قائماً على أساس سائغ مردودا إلى عناصره الثابتة بالأوراق ومبرراته التي يتوازن بها أساس التعويض مع العلة من فرضه بحيث يبدو متكافئاً مع الضرر ليس دونه وغير زائد عليه”. (نقض مدني في الطعن رقم 307 لسنة 58 قضائية – جلسة 25/12/1994 مجموعة المكتب الفني – السنة 45 – صـ 1650 – فقرة 1).

كما أنه من المُقرر في قضاء النقض على أن: “التعويض يُقدر بقدر الضرر، و لئن كان هذا التقدير من المسائل الواقعية التي يستقل بها قاضى الموضوع، فإن تعيين العناصر المكونة قانوناً للضرر والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض من المسائل القانونية التي تهيمن عليها محكمة النقض، لأن هذا التعيين من قبيل التكييف القانوني للواقع”. (نقض مدني في الطعن رقم 5 لسنة 16 قضائية – جلسة 17/4/1947 مجموعة عمر – 5ع – صـ 398 – فقرة 3).

ومن ثم، تلتمس المستأنفة – على سبيل الاحتياط الكلي – من عدالة محكمة الاستئناف الموقرة إعادة النظر وإعادة تقدير قيمة التعويض الذي قضت به محكمة أول درجة والتي بالغت فيه بدرجة كبيرة جداً، لا سيما وأن الثابت بالأوراق أن المستأنف ضده تعمد ذكر عنوان والده في الإسكندرية ليضفي نوعاً من المشقة في الانتقال من الإسكندرية إلى الدقي وتكبده مصاريف في سبيل ذلك، بينما الثابت بالأوراق المقدمة لمحكمة أول درجة أن المستأنف ضده يعمل بالقاهرة ويقيم في محافظة حلوان، ومن ثم فلا يكون ثمة أضرار أو نفقات تكبدها حتى يعوض عنها بمبلغ التعويض الذي قضى به الحكم المستأنف.

لما كان ما تقدم، وكان هذا الاستئناف قد أقيم في الميعاد القانوني ومستوفياً لكافة أوضاعه القانونية ومن ثم فهو مقبول شكلاً.
لكل ما تقدم، ولما ستبديه المستأنفة من أسباب أخرى وأوجه دفاع ودفوع، مع حفظ حقها في إبداء كافة الدفوع الشكلية منها والموضوعية، عند نظر الاستئناف الماثل بالجلسات، في مرافعاتها الشفوية ومذكراتها المكتوبة. ولما تراه عدالة المحكمة الموقرة من أسباب أصوب وأرشد، تلتمس المستأنفة القضاء لها في الاستئناف الماثل بطلباته التالية:

                                                                                                                  منقول


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...