حماية الحق في الصورة


 

                               حماية الحق في الصورة

 

الحق في الصورة هو احد العناصر الأساسية للحياة الخاصة،وحمايته هو حماية لجانب أساسي من حماية حرمة تلك الحياة،كما ان الاعتداء عليه بأية صورة من الصور هو اعتداء على الحق في الخصوصية .
و بالرغم من ان الحق في الصورة نال اهتمام القانون و الفقه منذ زمن طويل ولدى مختلف الشعوب، الا ان عناصر جديدة طرأت في السنوات الأخيرة جعلت الحق في الصورة و حماية الحياة الخاصة بشكل عام، موضوعا ذا اهمية وراهينة،واستوجبت تدحل المشرع لفرض الحماية في مختلف فروع القانون بل وعلى مستوى النص الدستوري.
ولعل من أهم المستجدات التي دفعت الى تدخل المشرع :
– التطور التكنولوجي الذي شهده العالم و الذي مكن الانسان، بشكل واسع ،و سهل من التقاط الصورة واستعمالها، فلم يعد الأمر حكرا على مهنيين او محترفين،وانما اصبح ذلك في متناول جل الناس نظرا ليسر الحصول على الآلة ويسر استعمالها.
– اكتساح الصورة للقضاء العام عبر وسائل الاعلام المرئية و المكتوبة وايلاؤها الأهمية في نقل الحدث او الفكرة اكثر من التعبير بالكتابة او اية وسيلة اخرى .
– انتشار صحافة الاثارة على نطاق واسع واعتمادها بشكل كبير على الصورة دون اهتمام منها بالحياة الخاصة للأفراد،بقدر اهتمامها بعدد المبيعات تحقيقا لأكبر قدر من الأرباح واحيانا لتحقيق غايات سياسية بتكوين رأي عام في اتجاه معين بناء على الصورة المنشورة .
كل هذه الأسباب و غيرها جعلت الصورة،من جهة تحظى بأهمية خاصة و من جهة أخرى معرضة لسوء استعمالها و بالتالي المس بالحياة الخاصة للأفراد.
و هو ما استوجب تدخل المشرع على نطاق متفاوت حسب هذا البلد أو ذاك.
أيضا جعل القضاء يجتهد في اتجاه حماية الحق في الخصوصية و حماية حياة الأفراد،لكن ايضا بما لا يمس او يضيق على ممارسة حقوق أخرى
و حتى قبل التطور التكنولوجي فقد وجد الحق في الصورة -كعنصرفي حرمة الحياة الخاصة- حماية في المرجعية الدولية لحقوق الانسان على نطاق واسع واضح. وحتى في المرجعيات و الوثائق السياسية التاريخية .
– المرجعية الدولية :
نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر سنة 1948 في مادته 12 على انه لا يعرض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو الحملات على شرفه و سمعته،ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات
ونص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية في مادته 17 على انه لايجوز التدخل بشكل تعسفي او غير قانوني بخصوصيات أحد أو بعائلته أو مراسلاته، كما لا يجوز التدخل بشكل غير قانوني في شرفه و سمعته،وانه لكل شخص الحق في حماية القانون ضد مثل هذا التدخل أو التعرض . و نفس الحماية حظي بها هذا الحق في اتفاقيات ذات طابع اقليمي كالاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الانسان وحياته الأساسية والاتفاقية الأوروبية لحماية الأفراد من المعالجة الالكترونية للمعلومات الشخصية، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الانسان وغيرها من الاتفاقيات.
واهمية حماية الحق في الصورة باعتباره احد عناصر الحياة الخاصة،ستنعكس ايضا على مستوى قانون مهم بالنسبة لكل دولة، ويتعلق الامر بالحماية الدستورية
– الحماية الدستورية:
الدستور في كل دولة هو قمة الهرم القانوني ولا يتجاوزه من حيث الالزام إلا المواثيق والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة المعنية لذلك فإن الحقوق الأساسية عادة ما تحظى بحماية في النص الدستوري
وهكذا نصت دساتير كل الدول الديمقراطية على حماية الحق في الخصوصية او الحياة الخاصة.
إذ نصت كل الدساتير الفرنسية على المبدأ وصولا الى دستور 1958 الذي نص على”عدم المساس بالحقوق الفردية” و فسر مجلس الدولة اثناء نظره في عدد من الطعون “عدم المساس بالحقوق الفردية” بحماية الحياة الخاصة للأفراد
اما في الولايات المتحدة الأمريكية فالحياة الخاصة تحظى بحماية منذ قرون اي قبل الدستور نفسه.لذلك صرحت المحكمة الفيدرالية في احد قراراتها بأن “الحق في الخصوصية اقدم من اعلان الحقوق”
ونص الدستور المصري على ان “لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون”
وفي المغرب نص دستور 2011 على المبدأ العام في الفصل 24 و أورد انه “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة” ونص بعد ذلك على بعض تفاصيل الحياة الخاصة.
وأورد في الفصل 27 الحق في الولوج الى المعلومة. ونص على انه “لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني وحماية امن الدولة الداخلي و الخارجي و الحياة الخاصة للأفراد” مع ما بين الحق في الولوج الى المعلومة و حماية الحياة الخاصة من اتصال
تلك اذن اهمية موضوع حماية الحق في الصورة باعتباره عنصرا في الحياة الخاصة ومرجعية تلك الحماية في المرجعية الدولية لحقوق الانسان وايضا في دساتير بعض الدول.
لكن كيف تعاملت فروع القانون مع هذا الحق على مستوى الحماية، وخاصة القانون الجنائي و قانون الصحافة و النشر ؟
وقبل ذلك كيف يمكن فك التداخل بين الحق في الصورة و حقوق أخرى قريبة منه الى حد التداخل أو التعارض و خاصة الحق في الاعلام و الحق في النسيان؟
وماهي التطبيقات التي اعتمدها القضاء في تعاطيه مع هذا الحق بما يضمن حمايته من جهة ويضمن من جهة أخرى الحق في الاطلاع والاعلام؟ وكيف ميز في التقاط الصورة بين المكان الخاص و المكان العام ؟ وهل من تمييز في التقاط صورة لشخصية عامة والتقاط صورة واستعمالها لشخص “عادي” ؟
كل هذه الأسئلة هي محور الفقرات الموالية .
الحق في الصورة و الحق في الاعلام
من أهم الحقوق التي ينبغي الوقوف عندها حال الحديث عن الحق في الصورة، هو الحق في الاعلام .لتداخل الحقين من جهة،ولامكانية تعارضهما في مستوى معين من جهة أخرى و هذا ما نقف عليه فيما يلي :
أولا: الحق في الصورة :
تعتبر صورة الانسان انعكاس لشخصه إن على المستوى المادي أو المعنوي،لأن الصورة تحمل الملامح الأساسية للإنسان حسب سنه و جنسه و لونه،بل أكثر من ذلك تنعكس عليها حالته النفسية من حزن و فرح واطمئنان وقلق وضعف أو قوة،كما تحمل اثار مرور الزمن على الشخص، ومن ثم تعد صورة الانسان مدخلا لقراءة شخصيته لهذا فهي تكتسي أهمية خاصة للإنسان لارتباطها بشخصه وتميزه عن غيره،إذ مهما حصل من تشابه للشخص مع أشخاص آخرين،فإن التمايزحاصل لا محالة،بما تحمله الصورة من ملامح لمكونات الشخصية.
إذن صورة الانسان تحمل عادة الكثير من عناصر حياته الخاصة،وبذلك تصبح هي نفسها مكونا أساسيا للحياة الخاصة للانسان تجب حمايته وضمان احترامه من طرف الأغيار.
ومعلوم ان جل القوانين لم تعرف الحق في الصورة تاركة هذه المهمة للفقه و القضاء كما هو الحال في غالب الأحوال.
وأكثر الأراء الفقهية و القضائية اتجهت الى تعريف الحق في الصورة باعتماد منطق المخالفة،فرأت ان الحق في الصورة يعني حق كل انسان في الاعتراض على تصويره أو على نشر صورته أو استعمالها بأي وجه من الوجوه دون موافقته. وبالتالي فإن الحق ينصب على عملية التصوير من جهة و على استعمال الصورة المأخودة من جهة أخرى.
وإذا كان الأمر كذلك،وان للانسان حق مباشر وثابت على صورته،فكيف يمكن التوفيق بين هذا الأمر و بين حق الجمهور في الاطلاع على صور الآخرين و متابعة انشطتهم وخاصة إذا تعلق الأمر بشخصية عامة،اي كيف يمكن التوفيق بين الحق في الصورة وحق الآخر في الاعلام، سواء تعلق الأمر بالمهني (صحفي…) الذي يكون من صميم عمله التقاط الصورة ونشرها،او تعلق بالمواطن الذي من حقه الاطلاع والإخبار و المتابعة؟؟
ثانيا :الحق في الاعلام
الحق في الاعلام وهوجزء من حرية الرأي و التعبير،ويدخل في ما يسمى فلسفيا بالحريات الفكرية وهو من حقوق الانسان الأساسية بل انه أحد مظاهرالديمقراطية.ولذلك ينذر ان نجد نظاما ديمقراطيا يعدم هذا الحق او يضيق نطاقه، وان كل ما يمكن فعله هو تقنين الحق و العمل على ممارسته طبقا لضوابط القانون ضمانا لعدم المس بحقوق الآخرين.
وأهمية هذا الحق هو ما جعله متضمنا في كل الوثائق المرجعية المتعلقة بالحقوق والحريات و منذ أقدم العصور،وفي ربط تام بين حرية الرأي و حرية التعبير، كما جاء في الاعلان الفرنسي لسنة 1789 إذ نص في مادة واحدة ( المادة 10) على انه يجب الامتناع عن ازعاج اي انسان بسبب ارائه حتى الدينية ما دام التعبير عنها لا يعكر النظام العام المرتكز على القانون.
ونصت المادة11 على ان حرية ايصال الأفكار والأراء هي واحدة من اغلى حقوق الانسان،فكل مواطن يستطيع الكلام و الكتابة و الطباعة بحرية،إلا في حالات اساءة استعمال هذه الحرية المحددة في القانون.
و في رسالة لفراكلين روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1941 حدد ما اعتبره الحريات الأربع كهدف اجتماعي وسياسي للشعب الأمريكي وحددها في :1-حرية الكلام والتعبير 2- حرية كل انسان في ان يعبد الله بطريقته الخاصة 3-التحرر من الفاقة 4- التحرر من الخوف .
ونص الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948 على ان لكل فرد الحق في حرية الرأي و التعبير عنه وهذا الحق يتضمن حرية اعتناق الأراء بدون تدخل خارجي وحرية البحث وتلقي وتوزيع المعلومات و الأفكار بكافة وسائط النشر والاعلام
وهو نفس ما نص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية لسنة 1966
ويلاحظ ان حرية الاعلام هي جزء من حرية التعبير وهي تعني حرية تلقي المعلومات والأخبار والأراء و الحق في نشرها واذاعتها بين الناس.و الصورة هي جزء من هذه المنظومة(الأخبار والأراء و المعلومات)بل وأصبحت اليوم في كثير من الحالات اهم عنصر في هذه الأراء والأفكار وقد تغني عن غيرها من وسائل التعبير(الكتابة…)
الأمر الثاني :ان هذا الحق في كل المرجعيات خاضع لضوابط و حدود يضعها القانون وهي عموما تتعلق بالنظام العام و ترتكز على ممارسة الحق دون المساس بحقوق أخرى خاصة الحياة الخاصة للأشخاص.
ولعل التحدي في ممارسة هذا الحق يكمن اساسا في ضمان التوازن بين الحق في الاعلام بما يعنيه من نشر للأخبار و المعلومات و الأراء وضمنها أو معها أو بواسطة الصور،وبين احترام الحقوق الأخرى وخاصة تلك المتعلقة بحماية الحياة الخاصة للأفراد.
وتطرح مسألة التعاطي مع الصورة (أخد الصورة ونشرها) ومدى مساسها بحقوق أخرى خاصة تلك المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد،تطرح اشكالات عدة نقف عليها من خلال الحالات التالية :
-الحق في الصورة والحق في النسيان
الحق في النسيان من الحقوق المتعلقة بالحياة الخاصة للانسان.
ويعني الحق في النسيان ،أوالحق في الدخول في النسيان: حق الشخص في بقاء ماضيه في طي النسيان و عدم بعثه والقاء الضوء عليه.
ومعنى ذلك ان الشخص الذي عاش احداثا ووقائع او ارتكب افعالا في الماضي،قد يكون مرعليها التقادم القانوني،وقد يكون ادى ثمنها عقوبة قانونية أو غيرها، أي ادى ما يفرضه المجتمع من مقابل على تلك الوقائع(سجن،غرامة…) يكون من حقه هو ايضا على هذا المجتمع ان ينسى تلك الأفعال او الوقائع. ويكون بالتالي خرقا لهذا الحق بعث ذلك الماضي من طرف جهة ما(صحافة أو غيرها) واعادة نشر تلك الوقائع والقاء الضوء عليها. وقد يكون ضمن ذلك كله نشر صورته مرتبطة بتلك الأحداث و التعليق عليها او نشرها وهو في وضعية معينة حتى بدون التعليق عليها،فتصبح تلك الصورة واقعا حيا امام المتلقي الذي لم يكن عاش تلك الأحداث ولا يعرف عنها شيئا فيتعرض صاحب الصورة لرد الفعل عن افعال تقادمت وقد يكون ادى عنها الجزاء الذي يفرضه القانون. ويبدو ان هذا الحق قديم من حيث المبدأ،إذ يترجمه من الناحية القانونية نظام التقادم الذي يعني سقوط العقوبة بمرور الزمن الذي يحدده القانون حسب نوع الجريمة،و يقدره المشرع كأجل معقول لنسيان المجتمع للفعل المرتكب وتلاشيه من ذاكرة الناس وبالثالي امكانية قبول مرتكب ذلك الفعل كواحد من المجتمع وانه بامكانه التعايش والاندماج لمرور الزمن على الفعل .
لكن اليوم يزداد هذا الأمر اهمية مع الوسائل المعلوماتية الحديثة التي تخزن في ذاكرتها المعلومات و المعطيات وضمنها الأحداث و الوقائع و الصور وامكانية هذه الوسائل اخراجها للوجود في كل وقت وحين بمجرد نقرة على آلة،فتصبح تلك الوقائع والصورفي متناول الجمهور،الذي قد يكتشفها لأول مرة فيتعامل معها كما لو حدتث للتو. ويتضرر نتيجة ذلك الشخص المعني بتلك الأحداث او الصور. وقد يكون الضرر بليغا على مستوى علاقاته مع عائلته أو حياته المهنية أو تتضرر تجارته وأعماله الخاصة،او يتم رفص تشغيله نتيجة سوابقه التي بعثت حتى لو كان مضى عليها الزمن وادى عنها الجزاء القانوني.
إذن من خلال كل هذه الصور وغيرها كثير من الحالات التي يتم فيها بعث ماضي الانسان،يتضح مدى امكانية المساس بالحياة الشخصية للأفراد إذا تم خرق حق الانسان في النسيان وعدم احترام إرادته ورغبته في الكتمان.
وقد يكون إخراج واعادة نشر صورة لشخص ما تعبر عن مرحلة او حالة أو ترتبط بأحداث ماضية تتعلق بذلك الشخص صورة من صوره خرق الحق في النسيان.
واذا كان القانون الجنائي في جل الأنظمة التشريعية لم يفصل في العقاب على هذا الفعل،فإن القانون المدني على عكس ذلك يسعف المتضرر من الفعل في المطالبة بجبر ضرره بعد اثبات الفعل والضرر وعلاقة السببية اي طبقا للقواعد العامة للمسؤولية .
لكن بالاضافة الى توفر العناصر العامة للمسؤولية المذكورة اعلاه،لابد من تحقق شرطين خاصين:
الأول: ان تكون الأحداث او المعلومات المتعلقة بالشخص و المراد نسيانها هي احداث شخصية وليست عامة كما لو كانت تتعلق او ترتبط بأحداث تاريخية تهم ليس الشخص المعني وحده وانما تهم جماعة أو فئة أو حركة أو مجتمعا،فالأمر هنا لايبقى مجرد شأن شخصي،وانما اصبح شأنا عاما،قد يكون الاطلاع عليه ونقله الى الأجيال المتعاقبة مفيدا.وبالتالي حتى لو كان اخراجه من طي النسيان يلحق بعض الضرر بشخص بعينه،فإن المصلحة العامة تستغرق المصلحة الفردية. وذلك خلاف ما ذهبت اليه بعض أحكام القضاء الفرنسي التي اعتبرت ان الشخص الذي كان متورطا في احداث عامة يمكنه مع مرور الوقت ان يطلب عدم التذكير بتلك الاحداث وانه من حقه الدخول في طي النسيان.
ولا شك ان هذا الاتجاه إذا كان يحافظ على مصلحة الفرد ويحميها من خلال حماية الحياة الخاصة،فإنه قد يكون ماسا بالمصلحة العامة للجماعة من خلال السكوت على أحداث عامة قد يؤدي عدم التذكير بها وعرضها امام المجتمع واخذ الدروس منها،قد يؤدي الى تكرارها لذلك فإن المصلحة العامة اذا اقتضت اخراج تلك الأحداث الى العلن وعرضها فإنها تستغرق و تتجاوز مصلحة الشخص المعني حتى ولو سببت له ضررا .
الشرط الثاني :
ان تكون ارادة ورغبة الشخص المعني بالأمر واضحة في دخوله طي النسيان.اما إذا اتضح عكس ذلك،فإنه لا يكون قد تعرض لأي خرق حتى ولو ادعى ذلك.كما هو الحال في قضية لاندرو الشهيرة امام القضاء الفرنسي ،حينما ادعت سيدة(فرناند سوكرني) امام القضاء ان الفيلم السينمائي الذي عرض في القاعات والذي تعرض احداثه حياة احد كبار المجرمين (لاندرو) وضمنها علاقته العاطفية بالمدعية والتي مر عليها سنين طويلة وتوفي ذلك المجرم ،وبعد ان كبرت هي في السن و نسي الناس تلك الأحداث وضمنها علاقتها العاطفية بذلك المجرم،فادعت انها تضررت من عرض الفيلم،لكن القضاء رفض دعواها لأنه ثبت من وثائق الملف ان السيدة المذكورة سبق ان نشرت مذكراتها في الموضوع وانها كانت تبحث عن دار للنشر لنشر مذكرات أخرى.واستنتجت المحكمة من ذلك انها لم تكن راغبة حقيقة في ان تدخل طي النسيان ورفضت دعواها .
الحق في الصورة و مسألة رضا صاحبها من عدمه :
من الأمور الأساسية التي يطرحها موضوع التقاط الصورة و نشرها هو رضا صاحب الصورة أو عدم رضاه .
فكلما توفر ذلك الرضا الخالي من العيوب،كلما رفع الحرج واعتبر النزاع منتهيا ما دام الشخص الذي التقط الصورة ،انما قام بذلك بعد الحصول على رضا صاحبها أو على الأقل أنه حصل على ذلك الرضا اثناء التقاط الصورة.
ولابد من التمييز طبعا بين التقاط الصورة ونشرها ،فكل واحد منهما فعل يحتاج الى رضا صاحب الصورة. فإذا تم والتقطت الصورة فإن ذلك لا يعني الرضا بنشرها.فالنشر فعل منفصل عن الالتقاط. فقد يطلب شخص من شخص آخر من المشاهير مثلا أخد صورة له ليحتفظ بها في أوراقه الخاصة على سبيل الذكرى،فيوافقه على ذلك،لكن بعد ذلك يعمد ذلك الشخص الى نشر الصورة وقد يكون ذلك في ظروف معينة أو بطريقة خاصة أو ضمن مادة معينة ،وقد يكون ذلك لهدف او تحقيق مصلحة للشخص الذي التقط الصورة،وقد يكون في ذلك ضرر او على الأقل استغلال للشخص صاحب الصورة .
لكل ذلك نميز بين فعل التقاط الصورة وفعل نشرها،وان كلاهما يستوجب رضا صاحب الصورة وفق التفصيل الذي نعرضه.
ومعلوم ان رضا صاحب الصورة بالتقاطها او نشرها هو الوجه الذي يجسد الحق في الصورة ،ولذلك فإن الفقه غالبا ما يعمد الى تعريف الحق في الصورة بربطه بالرضا،فيقول ان الحق في الصورة هو الحق في اعتراض الانسان على أخذ صورته أو نشرها. لذلك فإنه إذا توافر الرضا،فإنه لا مجال للحديث عن أي خرق لهذا الحق الذي يجسد اليوم واحدا من أهم مظاهر الخصوصية.
وقد يأتي رضا المعني بالأمر صريحا كما قد يأتي ضمنيا .
1- الرضا الصريح بالتقاط الصورة او نشرها:
بالاحتكام الى القواعد العامة، فإن الرضاالصريح للشخص قد يكون مكتوبا كما قد يكون شفاهيا.
ويعني ذلك تعبير الشخص بارادته المميزة الحرة غير الخاضعة لأي اكراه او ضغط وقبوله التقاط صورته أولتقاطها ونشرها .
وقد ينصب الرضا الصريح على التقاط الصورة ونشرها بشكل اجمالي كما قد ينصب الرضا على تفاصيل وجزئيات مثل قبول التقاط الصورة والاحتفاظ بها للذكرى دون نشرها.وقد ينصب على النشر إذ يقبل صاحب الصورة نشرها لكن فقط على موقع معين أو صفحة معينة دون مواقع أو في فضاءات أخرى أو تسليمها لوكالات محترفة لترويج الصور،او استعمالها كمادة اشهارية او اعتمادها في فيلم او مادة توثيقية .
وكلما كان الرضا صريحا وواضحا في تحديد مدى وكيفيات استعمال الصورة الملتقطة كلما كان ذلك أفضل .
كما أنه من الأفضل ان يكون الرضا و الموافقة على التقاط الصورة ونشرها قبل حصول الفعل .لكن إذ تم الفعل دون موافقة ولكن حصلت تلك الموافقة فيما بعد دون ضغط أو اكراه،فإن الأمر يكون بمثابة اقرار للفعل وبالتالي يصبح ذلك الاقرار كما لو كان موافقة مسبقة.
وتجدر الاشارة الى أن القضاء في فرنسا وفي المغرب كما في كثير من الدول مستقر ومنذ زمن بعيد على الحكم بالتعويض لفائدة صاحب الصورة إذا نشرت بغير موافقته، بل ان بعض القضاء اشترط الاذن الصريح او المكتوب لاستعمال الصورة.كما هو الحال في الحكم الصادر عن المحكمة التجارية بأكادير سنة 2008 في قضية (بوراق ضد شركة لوازير دوبرادي ش م).إذ جاء في الحكم “ان المستقر عليه في احكام التشريع واتجاهات الفقه ومواقف القضاء هو عدم جواز استعمال صورة الشخص لأغراض تجارية إلا بإذن صريح أو مكتوب من صاحبه”.
ورغم ان هذا الحكم اشترط استعمال الصورة لأغراض تجارية،فإن هذا الأمر اصبح اليوم معقدا مع انتشار وسائل الاتصال وأصبح مجرد النشر قد يذر على صاحبه فوائد بغض النظر عن طبيعة العمل هل هو تجاري أم لا .
وإن مسألة الموافقة تصبح أكثر دقة وحساسية حين يتعلق الأمر بشخص قاصر وخاصة صور الأطفال التي قد تستعمل في الترويج لمواد اعلانية مختلفة.إذ في غالب هذه الحالات فإن الطفل يعد متضررا ،و يتعين التشدد حتى ولو وافق وليه الشرعي على أخذ صورته أو نشرها،لأن الأمر يتعلق بجزء من شخصية ذلك الطفل وحياته الخاصة،وهي غير قابلة للتعامل فيها.
2- الرضا الضمني
كما يمكن ان يأتي الرضا صريحا و هو المطلوب والذي يضع حدا للنزاعات،يمكن ان يكون الرضا ضمنيا بالتقاط الصورة أو نشرها .
ويستشف الرضا الضمني من الملابسات المحيطة بالواقعة والظروف التي التقطت فيها الصورة من زمان ومكان وطبيعة الشخص صاحب الصورة وعمله،وما اذا كانت الصورة تمس حياته الخاصة أم لا .
وهكذا فكلما تعلق الأمر بالمكان العام وبعمل عام مرتبط بالحياة العامة وليس الحياة الخاصة، فإن الاتجاه يميل الى اعتبار توافر الرضا الضمني.كما لو تعلق الأمر بشخصية عامة في الشارع او أثناء نشاط ثقافي أو فني أو سياسي ،خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية عامة التقطت لها الصورة في اطار نشاط عام،يفترض ان يكون موضوعا للنشر من باب نقل الأخبار وتغطية الأحداث، والذي هو عمل الصحفي من جهة وحق للمواطن من جهة أخرى في الاعلام والاطلاع. هذا اذا تعلق الأمر بشخصية عامة أو شخصية يعتبر نشاطها جزءا من الحياة العامة،أما إذا تعلق الأمر بمواطن “عادي” يؤدي عمله اليومي، فلا يجوز افتراض موافقته حتى لو التقطت له الصورة.كما هو الحال اليوم في كثير من المحلات وأماكن العمل التي اصبحت تستعمل على نطاق واسع كاميرات للمراقبة منصوبة باستمرار لمراقبة مجريات الأمور بتلك المحلات،وتسجل باستمرار تحركات العاملين وتأخد صورهم.فرغم علم العمال بوجود تلك الكاميرات، فإن ذلك لا يعني قبولهم بنشر الصور الملتقطة لهم كصور ثابتة أو في شكل أشرطة.ولعل ذلك يعود اساسا لكون تلك الكاميرات منصوبة بارادة صاحب العمل وليس ارادة العاملين،وايضا لأنها منصوبة لأهذاف متعلقة بمراقبة سير العمل أو لأهداف أمنية وليس بهذف الاذاعة أو النشر.
هذا بالنسبة لتوفر الرضا من عدمه،وهو مناط جدية المنازعة في الاعتداء على الصورة وبالتالي على الحياة الخاصة من عدمه،ومن تم تطبيق المقتضيات القانونية على النازلة سواء الجنائية منها او المدنية التي تخول صاحب الحق المطالبة بالتعويض لجبر الضرر.
لكن مسألة الرضا ليست العنصر الوحيد في تحديد مدى مشروعية التقاط الصورة أو نشرها،بل هناك عناصر أخرى اهمها وضعية صاحب الصورة،وايضا مكان التقاط الصورة.
وضعية صاحب الصورة (شخصية عمومية أم لا )
يقصد بوضعية صاحب الصورة،ما إذا كان الامر يتعلق بشخصية عمومية،عملها وتحركاتها قد تشكل جزءا من الحياة العامة والأحداث الجارية في المجتمع سواء تعلق الأمر بالشخصيات السياسية أو الفنية أو غيرها،فهذه الشخصيات حين تلتقط صورها،فلأن ذلك لا يتم في علاقته بالحياة الشخصية للمعني بالأمر،وانما بسبب تعلق تلك الصورة بالأحداث العامة وبالنشاط المجتمعي العام الذي ينبغي نقله الى الناس بهذف الاعلام والاخبار أوالتثقيف أو الترفيه.
ومعلوم ان المجتمع عادة ما يسعى الى متابعة الشخصيات العمومية خاصة تلك التي تتحمل مسؤولية تسيير الشأن العام ولهذا الغرض تنقل الصحافة تحركاتها وعملها مرفوقة بصورها.
ولاشك ان المصلحة العامة تقتضي هذه المتابعة بل انها اصبحت اليوم جزءا من دينامية الحياة العامة. وهذا العمل بقدر ما يشكل النشاط الأساسي لمهنة الصحافة فهو من جهة أخرى يشكل حقا للمواطن في الاعلام.
لكن المسألة تصبح أكثر دقة حال التمييز بين الحياة المهنية أو العملية لتلك الشخصية العامة وحياتها الخاصة.إذ ان صاحب الشخصية العامة هو في نفس الوقت انسان ومواطن وله الحق في حماية حياته الخاصة مثله في ذلك مثل أي مواطن،وبالتالي له حماية حرمة مسكنه وخصوصيات عائلته ومراسلاته ومكالماته وضمن ذلك كله صورته ابان لحظات حياته الخاصة .
من خلال ما سبق يمكن التأكيد على ان الشخص ” العادي” يتمتع بحماية كاملة لحياته الخاصة وضمنها صورته، اما الشخصية العامة التي اختار صاحبها تحمل المسؤولية،فإن خيطا رفيعا هو الذي يفصل بين حياته الخاصة و نشاطه العام،إذ كثيرا ما تصبح الأولى جزءا من اهتمام الرأي العام مع ما يتطلبه ذلك من نقل للأخبار والصور وغيرها فتضيق مساحة الحياة الخاصة للشخصية العمومية وخاصة في الأماكن العامة.
الحق في الصورة بين المكان العام و المكان الخاص
من العناصر الأساسية في البحث حول ما إذا كانت الصورة ملتقطة بشكل قانوني أم لا، البحث فيما إذا كان ذلك قد تم في مكان عام أم في مكان خاص الأمر الذي يدفع الى البحث في تحديد معنى المكان الخاص و المكان العام.
وإذا كانت التشريعات قد تجنبت تحديد المعنيين تاركة للقضاء و الفقه هذه المهمة حسب كل نازلة تطرح ويكون من عناصرها مكان ما، فيحدد القضاء ما اذا كان هذا المكان خاصا او عاما،إذا كان الأمر كذلك،فإن الفقه تناول الموضوع واعتبر بشكل عام ان معيار فتح المكان في وجه العموم للاطلاع والولوج بدون إذن هو معيار اساسي لاعتبار مكان ما عاما أو خاصا، واعتبر ان المكان الخاص هو الذي لا يلج اليه الناس إلا بإذن صاحبه،سواء كان ذلك الولوج ماديا فعليا أو عن طريق النفاذ اليه بالعين المجردة أو بأية وسيلة تقنية تمكن من الاطلاع عن بعد عن طريق الالة أو غيرها.وما عدا ذلك فهو مكان عام .
ولاشك ان المسكن هو عنوان الخصوصية وهو موضوع الحياة الحميمية للشخص،وفضاء أسراره وخصوصياته،ويدخل في ذلك كل مرافق المنزل و توابعه وكذا أنواعه اي ما إذا كان منزلا رئيسيا أو ثانويا،وكذا ما شابه المنزل خاصة المكتب الخاص بالعمل أو ممارسة المهنة والسيارة و الغرفة في الفندق أو في المستشفى. فكل هذه الأماكن خاصة تتمتع بالحماية القانونية وبالتالي حماية خصوصيات الشخص بها وضمنها صورته،سواء تعلق الأمر بشخصية عمومية أو لا.وكل اقتحام لهذه الأماكن والتقاط الصورة هو تعد على الحياة الخاصة للأشخاص سواء كان ذلك الاقتحام بشكل مباشر أو بالتقاط الصورة عن بعد بالوسائل الحديثة .
وبالرغم من ان جزءا كبيرا من الفقه يذهب الى ان السيارة هي من الأماكن الخاصة،الا أننا نرى انه يجب التمييز في موضوع السيارة بين حالات كثيرة:إذ هي في موضوع تفتيش الأماكن تعتبر مكانا خاصا يجرى عليها ما يجري على المسكن بالنسبة لاجراءات التفتيش،لكن بالنسبة للصورة،فإننا نرى انه إذا كانت السيارة متوقفة في المرآب او في حديقة المنزل فهي مكان خاص وتستمد خصوصيتها من خصوصية المكان المتواجدة به،اما إذا تواجدت في مكان عام ،كساحة عامة أو سوق أو غيره فإنهاتصبح جزءا من ذلك المكان وينطبق عليها ما ينطبق على المكان العام في موضوع التقاط الصورة .
وبخلاف السيارة تقع مسألة اليخت في عرض البحر.رغم ان القضاء الفرنسي سبق ان اعتبر ان اليخت لما يكون قريبا من الشاطئ ويكون من عليه في مرأى العيون وآلالات المتواجدة على الشاطئ يعتبر مكانا عاما وانه ما يكون بعيدا في عرض البحر يكون مكانا خاصا، فإننا نرى ان هذا التمييز غير دقيق خاصة مع التطور التكنولوجي اليوم،ثم ان البعد أو القرب من الشاطئ هي مسألة نسبية،وان البحر بشكل عام هو مكان عام سواء في عرضه او على الشاطئ.
وعموما فإن تميز المكان الخاص من المكان العام هي مسألة يحددها القضاء حسب كل نازلة.
وإذا ما تعلق الأمر بمكان عام ،فإن الاتجاه العام،سمح بالتقاط الصورة حتى لو تعلق الأمر بشخص “عادي” بل ورأى البعض حتى امكانية نشرها ما دام الأمر يتعلق بمشهد عام، وان من التقطت له الصورة لم يعترض على ذلك. كمن يأخذ صور الأشخاص على شاطئ البحر و هم عراة ما داموا قد اختاروا ان يظهروا كذلك، أو كمن يأخذ صور الأشخاص وهم يتبضعون في سوق عمومي.
لكن إذا كانت هذه هي القاعدة في التقاط وحتى نشر الصورة المأخوذة في المكان العام بدون موافقة صاحبها.
فإن تلك القاعدة ليست مطلقة،بل مقيدة بشروط أهمها :
– ان يتعلق الأمر بمكان عام
– الا يكون في التقاط الصورة او نشرها مساس بالحياة الخاصة يسبب ضررا ماديا أو معنويا للمعني بالأمر .
– ان تؤخد الصورة ضمن المشهد العام للمكان وليس بتأطير شخص او مجموعة بعينها. يعني ان يكون القصد هو المنظر العام وليس الشخص ، فإذا ثبت العكس كما لو قام المصور بتكبير صورة الشخص داخل المنظر العام او قام بتصويره في المشهد العام لكن وضع صورته داخل اطار او وضع عليها علامة، أو إذا كانت الصورة متحركة وقام المصور بتتبع حركات الشخص مركزا عليه،فإن كل ذلك يجعل الأمر يخرج عن دائرة المكان العام و ما يتيحه من اباحة،ليصبح القصد هو صورة الشخص ويصبح فيه تعد على خصوصياته ما لم يتم ذلك برضاه.
– الحماية الجنائية للحق في الصورة :
بشكل عام لم يكن المشرع المغربي خاصة-الجنائي- يعير اهتماما كبيرا لبعض تفاصيل الحياة الخاصة، ومنها الحق في الصورة، ولذلك لم يضع لها نصوصا تجريمية، وبالتالي كان على المتضرر من الاعتداء على صورته ان يلجأ الى القضاء المدني ليطلب تعويضا عن الضرر الذي لحقه من جراء الاستعمال السيء لصورته.وكان القضاء الجنائي لا يهتم بالحق في الصورة إلا إذا ترافق استعمال الصورة مع القذف و السب، كما لو تم التعليق عليها أو ما شابه ذلك، فتعتمد الفصول من 442 الى 444 من القانون الجنائي في مواجهة الفاعل .
وحتى بالنسبة للقدف و السب فإن المشرع احال في العقوبة على قانون الصحافة بمقتضى الفصل 444.
وبخلاف القانون الجنائي، فإن الوضع في المسطرة الجنائية كان أفضل، إذ نصت المادة 303 على أنه يعاقب بغرامة تتراوح بين 500 و50000 درهم من يقوم بتصوير شخص في حالة اعتقال أو يحمل اصفادا او قيودا دون موافقة منه، وكل من يقوم بنشر صورة اخدت في الظروف المذكورة دون اذن صاحبها، ويتعرض لنفس العقوبة ايضا من يقوم بنشر تحقيق او تعليق او استطلاع يتعلق بشخص تجرى في حقه مسطرة قضائية دون موافقة منه إذا كان الشخص المعني معينا باسمه او صورته. وتجرى المتابعة في الحالتين بناء على شكاية من المعني بالأمر.
و على الرغم من ان هذه المقتضيات الواردة في قانون المسطرة الجنائية واضحة في حماية الصورة، إلا انها وردت في باب سير جلسات المحاكمات،وبالتالي فهي تحمي قرينة البراءة المقررة لفائدة المتهم اكثر مما تحمي الحق في الصورة. وإذا كانت هذه المقتضيات قد وفرت لها اية حماية، فإن ذلك جاء بشكل عرضي ولم يكن هدفا للمشرع الجنائي .
وبخلاف القانون الجنائي المغربي،فإن نظيره الفرنسي و منذ التعديل الذي ادخله القانون 684.92 لسنة1992 على القانون الجنائي الفرنسي، جاء اكثر وضوحا في حماية الحق في الصورة. إذ نص في المادة1-226 على انه يعاقب بسنة حبسا وغرامة قدرها 45000اورو من قام عنوة وبأي وسيلة كانت بالمساس بحميمية الحياة الخاصة للغير بتثبيت او تسجيل او بث صورة شخص يتواجد بمكان خاص، دون موافقته.
واضح اذن ان المشرع الفرنسي تشدد في حماية الصورة وان كان قد ربط التقاط الصورة بالمكان الخاص و بعدم موافقة صاحبها و بتوافر القصد الجنائي لدى الفاعل.
كما نصت المادة 300 مكرر من قانون العقوبات المصري على انه يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن،وذلك بأن ارتكب احد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانونا أو بغير رضا المجني عليه:من التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص .وهو نفس مضمون المادة 226 من القانون الجنائي الفرنسي تقريبا.وان كان هذا الأخير اكتفى بالعقوبة المالية دون الحبس .
وإذا كان المشرع المغربي لم يوفر حماية واضحة للحق في الصورة في منظومة القانون الجنائي، فإن الحماية الأوضح اوردها المشرع المغربي في القانون رقم 13-88 المتعلق بالصحافة والنشر والذي صدر بظهير 10 غشت 2016 .وقد جاء هذا القانون في تعاطيه مع الموضوع تنزيلا واضحا لمقتضيات دستور 2011 حتى على مستوى المصطلحات،إذ أورد المقتضيات المتعلقة بالموضوع في الفرع الرابع الذي خصصه لحماية الشرف والحياة الخاصة للافراد.
وعنون الفصل الثالث من هذا الفرع بحماية الحياة الخاصة و الحق في الصورة. ونصت المادة 89 انه يعد تدخلا في الحياة الخاصة كل تعرض لشخص يمكن التعرف عليه و ذلك عن طريق اختلاق ادعاءات او افشاء وقائع او صور فوتوغرافية او افلام حميمية لأشخاص او تتعلق بحياتهم الخاصة ما لم تكن لها علاقة وثيقة بالحياة العامة او تأثير على تدبير الشأن العام .
وعاقب على هذا التدخل إذا تم نشره دون موافقة الشخص المعني بالأمر أو دون رضاه المسبقين بنفس العقوبة المتعلقة بالسب والواردة في المادة 85 من نفس القانون اي غرامة تتراوح بين عشرة الاف و خمسين الف درهم . وفي حالة النشر بدون موافقة ورضى مسبقين وبغرض المس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم يعاقب الفاعل بالعقوبة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 85 المتعلقة بالقذف وهي ضعف العقوبة المخصصة للسب في حدها الأقصى إذ تصل الى مائة الف درهم.
كل هذا طبعا دون الاخلال بالمقتضيات المتعلقة بالتعويض الذي يمكن ان يطالب به المتضرر طبقا للمادة 87 من نفس القانون .
ختاما :
يمكن القول ان المشرع المغربي وان كان قد اورد بعض المتقضيات الحمائية لعناصر حق الخصوصية بشكل عام و ضمنه الحق في الصورة ، في هذا القانون او ذاك، فإن تلك الحماية لا زالت ضعيفة بالنظر الى التطور المعلوماتي الكبير و الذي اصبح يشكل خطرا مستمرا على الحياة الخاصة. الأمر الذي يقتضي معالجة سريعة مبنية على رؤية شمولية تجمع بين الحق في الاعلام والاتصال والحق في الولوج الى المعلومة و الاستفادة من التطور التكنولوجي في مجال التواصل من جهة و بين حماية الحياة الخاصة من جهة أخرى                                                                                                                                                                                                                                                                              .aarasid.com

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...