دور النيابة العامة في المنازعات الاسرية


دور النيابة العامة في المنازعات الاسرية

مقدمة :
الأسرة هي الركيزة الأساسية لبناء المجتمع، ففسادها يفسده، وصلاحها يصلحه بأسره، ويجب التعامل معها بشكل عقلاني، في اختيار القوانين التي تنظمها، والطابع الزجري للقانون المنظم للأسرة إنما هو وليد جديد في هذا القانون، فقد كانت الأسرة قديما بحكم التقاليد والأعراف لا تلجأ للقانون لمعالجة مشاكلها بل بالنصح، والصلح، وردع الزوجة من قبل والديها، وإرجاعها رغما عنها إلى بيت زوجها، باعتبار أن العلاقة الزوجية يمكن أن تواجهها مشاكل ونزاعات وهذا الشيء طبيعي، إذن يجب على الطرفين الحفاظ على هذا الكيان بالصبر والحكمة، ويتحقق الانسجام قال تعالى في كتابه: ” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] ”
لكن الإشكال المطروح هنا هو متى أدخلت هذه المقتضيات الزجرية؟، لأن القاعدة والأصل في تنظيم الأسرة هو المودة والرحمة، والاستثناء هو الزجر الذي هدف من خلاله المشرع ردع بعض التجاوزات والممارسات التي فرضت نفسها على الواقع وكذلك التعسف في ممارسة الحق.
فأهمية الزجر تندرج في حماية الأسرة من الاندثار، هذا من جهة لكن من جهة أخرى يصبح الزجر سلبيا، بأنيفرغ مؤسسة الزواج من محتواها ويحول عقد الزواج إلى عقد مدني مشروط، كالدول الغربية التي تسير في هذا المنحى، فهل يمكن القول أن المغرب يسير في منحى مدنية عقود الزواج، خاصة أن الزوجان بإمكانهما الاتفاقفي وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، على وضع إطار لتدبير أموالهما المكتسبة، وفي حالة عدم الاتفاق يتم اللجوء إلى القواعد العامة للإثبات عن طريق تقدير القاضي لمساهمة كلا الزوجين في تنمية أموال الأسرة.
هناك تضارب في هذا المجال حيث نجد من يسير نحو تأسيس عقد مدني باعتباره يساير تطور المجتمع، كون المرأة مصدر من مصادر جلب المال للأسرة على خلاف المرأة في القدم ويجب حماية حقوقها كعنصر فعال في الأسرة، ويلزم ذلك تدخل الدولة باسم النيابة العامة في حل المشاكل التي قد تواجهها الأسرة هذا من جهة، من جهة أخرى هناك أسر محافظة ترى أن عقد الزواج عقد مقدس يستلزم توحد وانصهار كلا الزوجين ويرفضون أي تدخل في شؤونها إلا إذا تدخلت العائليتين للإصلاح والنصح أما لجوء الزوجين إلى المحاكم أو النيابة العامة فيعتبر آخر مرحلة في ذلك الزواج وسينتج عنه حتما الطلاق.

المبحث الاول : الاساس التشريعي لتدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية
المطلب الاول : طبيعة دور النيابة العامة في المنازعات المدنية
إلى جانب وظيفة النيابة العامة في الميدان الزجري الذي تكاد تنفرد بإقامة الدعوى العمومية ومتابعتها والإدلاء بالحجج المؤيدة لها وممارسة طرق الطعن بشأنها فإن جل التشريعات قد أوجدت نظاما خاصا لتدخل النيابة العامة في الميدان المدني حينما يتطلب الأمر حماية مراكز قانونية معينة جديرة بذلك وخاصة عندما تكون المنازعة ذات صبغة لها علاقة بالنظام العام أو بتحقيق المصلحة العامة .
وقد حدد قانون المسطرة المدنية المغربي دور النيابة العامة واختصاصاتها في الميدان المدني ضمن النصوص من 6 إلى 10 التي يستفاد منها أنها يمكن أن تكون طرفا رئيسيا أو منضما وهو ما نص عليه الفصل 6 من ق م م الذي جاء فيه : “يمكن للنيابة العامة أن تكون طرفا رئيسيا أو أن تتدخل كطرف منضم وتمثل الاغيار في الحالة التي ينص عيها القانون” فما هو المقصود من كل واحد من هذين الدورين ؟
الفقرة الاولى : مفهوم الطرف الرئيسي
يستفاد من الفصل السادس من قانون المسطرة المدنية أن النيابة العامة يمكن أن تكون طرفا رئيسيا أي أصليا في الدعوى بمعنى أن تكون مدعية أو مدعى عليها ففي الحالة الأولى تكون هي المدعية إذا كانت هي التي قدمت الطلب للمحكمة وفي الحالة الثانية تكون مدعى عليها في الدعوى المرفوعة ضدها مباشرة من أحد المتقاضين وذلك في الحالات المحددة في القانون .
ومن بين القضايا التي تتدخل فيها النيابة العامة كطرف رئيسي:
– التصريحات المتعلقة بالحالة المدنية وتصحيح وثائقها طبقا للفصول 217، 218 و 219 من ق م م .
قضايا الغيبة طبقا للفصل 263 من ق م م . –
التركات الشاغرة طبقا للفصل 267 من ق م م . –
– إحالة الأحكام الصادرة عن محاكم الجماعات والمقاطعات على رئيس المحكمة طبقا للفصل 20 من ظهير 15 يوليوز 1974 بشأن تنظيم محاكم الجماعات والمقاطعات .
– التعرض على مطالب التحفيظ لفائدة المحجوزين والغائبين والمفقودين وغير الحاضرين طبقا للفصلين 23 و 29 من ظهير التحفيظ العقاري المؤرخ في 16/08/ 1913
– بعض القضايا المتعلقة بممارسة مهنة المحاماة مثل الطعن في الانتخابات المتعلقة بمجلس الهيأة أو بالنقيب وفي بعض القرارات الصادرة عن النقيب .
قضايا المنازعة في الجنسية طبقا لظهير 06/09/ 1958 . –
قضايا حل الجمعيات طبقا لظهير 15/11/1958 المعدل –
— – متابعة العدول وإحالتهم على غرفة المشورة للتأديب طبقا لظهير 06/05/19/1982 بشأن تنظيم خطة العدالة.
— – تحريك المتابعة ضد الأعوان القضائيين الذين يخلون بواجباتهم (الفصل 19 من القانون المنظم للأعوان القضائيين).

مفهوم الطرف المنظم :الفقرة الثانية
الأصل في وظيف النيابة أن تكون طرفا منظما في القضايا المدنية وقد نص الفصل الثامن من قانون المسطرة المدنية على أن النيابة العامة تتدخل كطرف منظم في جميع القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إليها وكذا في الحالات التي تطلب النيابة العامة التدخل فيها بعد اطلاعها على الملف أو عندما تحال عليها القضية تلقائيا من طرف المحكمة.
والمقصود بالطرف المنظم هو أن النيابة العامة لا تتبنى موقف أحد الطرفين في النزاع وإنما تقدم مستنتجاتها على ضوء ما يمليه التطبيق السليم للقانون ومن تم جاءت عبارة “القانون” المتداولة التي نجدها في أغلب المستنتجات الكتابية للنيابة العامة في القضايا المدنية أي أنها تدلي برأي مستقل ومطابق للقانون ولا تنحاز لأحد الأطراف.
ويلاحظ هنا أن الفصل السادس استعمل كلمة “تتدخل” خطأ بدلا من كلمة تتصرف كما هي موجودة بالنص الفرنسي ذلك أن التدخل يقتضي تقديم طلب من الغير الذي يعتبر أن له حقا يجب الدفاع عنه ضمن نزاع معروض على القضاء بين طرفين أو عدة أطراف.
كما لاحظ الكثير من المحللين لهذا النص أن عبارة “طرف منضم” ليست دقيقة إذ توحي في ظاهرها بأن النيابة العامة تنضم لأحد الأطراف في الرأي أو الدفاع والحال أن العكس هو المقصود في التشريع.
ومن خلال هذا النص يتبين بأن مجال تدخل النيابة العامة كطرف منضم يكون في ثلاث حالات:
الحالات الاجبارية للتدخل –
. حالات التدخل بطلب من النيابة العامة –
– حالات التدخل بعد الإحالة التلقائية من المحكمة .
الحالة الأولى :
طبقا للفصل 9 من قانون المسطرة المدنية المعدل بظهير 3 فبراير 2004 بشأن تنفيذ القانون رقم 72.03 يجب أن تبلغ للنيابة العامة الدعاوي الآتية:
– القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهيبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الأحباس والأراضي الجماعية
القضايا المتعلقة بالأسرة :
– القضايا المتعلقة بفاقدي الأهلية وبصفة عامة جميع القضايا التي يكون فيها ممثل قانوني نائبا أو مؤازرا لأحد الأطراف .
-القضايا التي تتعلق وتهم الأشخاص المفترضة غيبتهم .
القضايا التي تتعلق بعدم الاختصاص النوعي . –
– القضايا التي تتعلق بعدم الإختصاص ، بجريح القضاة والإحالة بسبب القرابة أو المصاهرة مخاصمة القضاة.
– قضايا الزور الفرعي.
ويجب أن تبلغ هذه القضايا إلى النيابة العامة بثلاثة أيام على الأقل قبل الجلسة بواسطة كتابة الضبط
أما أمام محكمة النقض فإن النيابة تتدخل لدى محكمة النقض في جميع القضايا المعروضة على أنظار المحكمة ويرجع السبب في ذلك إلى كون هذه الجهة القضائية العليا هي الموكول لها السهر على تطبيق القانون وإقرار المبادئ القانونية والاجتهادات القضائية وذلك طبقا للفصل 372 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أنه يجب الاستماع إلى النيابة العامة في جميع القضايا.

الحالة الثانية :
يمكن للنيابة العامة كلما ظهرت لها ضرورة التدخل في أحد القضايا المدنية لسبب يتعلق بتحقيق المصلحة العامة وقواعد الإنصاف والعدالة أن تتدخل تلقائيا وتطالب بالإطلاع على الملف الرائج وتدلي فيه بمستنتجاتها وفق ما يقتضيه التطبيق السليم للقانون دون الانضمام لأحد الأطراف.
الحالة الثالثة :
يمكن للنيابة العامة كلما ظهرت لها ضرورة التدخل في أحد القضايا المدنية لسبب يتعلق تحقيق المصلحة العامة وقواعد الإنصاف والعدالة أن تتدخل تلقائيا وتطالب بالإطلاع على الملف الرائج وتدلي فيه بمستنتجاتها وفق ما يقتضيه التطبيق السليم للقانون دون الانضمام لأحد الأطراف .
الحالة الرابعة :
يمكن للمحكمة كلما تبين لها أن قضية ما تكتسي طابعا ذا أهمية خاصة له علاقة بالمصلحة العامة بصفة خاصة أن تأمر بتبليغ الملف للنيابة العامة للإدلاء بمستنتجاتها إلا أن هذه الأخيرة لا تكون ملزمة بذلك بعد الإطلاع على موضوع القضية .
الآثار المترتبة على التمييز بين دور النيابة العامة كطرف أصلي وطرف منضم :
1- حينما تكون النيابة العامة طرفا أصليا فإن ذلك يعطيها الحق في أن تبدي ما يظهر لها من أوجه الدفاع شأنها في ذلك شأن الخصم العادي وتلتزم بترتيب الخصوم ويعقب على أجوبتها وردوها .
أما إذا كانت طرفا منضما فإنها تكتفي بإبداء وجهة نظرها وفقا لما يمليه القانون فقط ولا يجوز لها أن توسع نطاق الدعوى ولا أن تتقدم بطلبات جديدة ومستنتجاتها لا يعقب عليها.
2- يترتب على اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في الدعوى إعطاؤها إمكانية ممارسة طرق الطعن إذا كان الحكم في غير صالحها سواء كانت مدعية أو مدعية عليها والفصل السابع من قانون المسطرة المدنية صريح في ذلك وهذا مالا يتأتى لها إذا كانت طرفا منضم لفقدانها صفة الخصم الحقيقي في الدعوى .
واستثناء من هذا خول المشرع في الفصل 381 من ق م م للوكيل العام لدى المجلس الأعلى حق طلب النقض في الأحكام الإنتهائية التي يبلغ إلى علمه أنها صدرت خلافا للقانون ولقواعد المسطرة ولم يطعن فيها من الأطراف .
3- في الحالات التي تكون فيها النيابة العامة طرفا رئيسا في الدعوى لا يمكن تجريح قاضي النيابة العامة لأنه يتقمص شخصية الخصم الحقيقي الذي لا يمكن لخصمه أن يجرج وعلى العكس من ذلك حينما تكون النيابة العامة طرفا منضما فإنها تخرج من طرف الخصوم وذلك طبقا للفصل 299 من ق م م الذي نص على ما يلي : ” وتطبق أسباب التجريح المتعلقة بقاضي الأحكام على قاضي النيابة العامة إذا كان طرفا منضما ولا تجرح إذا كان طرفا رئيسيا. ”

المطلب الثاني : تدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية
قبل الحديث عن تدخل النيابة العامة في ظل مدونة الأسرة يجدر بنا أن نعرف قضايا الأسرة التي وردت في (المادة 9 من قانون المسطرة المدني) والتي تعتبر المدونة جزءا منها.
يتعين الرجوع إلى مقتضيات القانون رقم 73.03 المعدل للتنظيم القضائي للمملكة الذي نص في الفصل الثاني على ما يلي: “تنظر أقسام الأسرة في قضايا الأحوال الشخصية والميراث والحالة المدنية وشؤون التوثيق والقاصرين والكفالة وكل ما له علاقة برعاية وحماية الأسرة.
ولعل أول سؤال يطرح نفسه هو كيف يمكن التوفيق بين ما ورد في المادة الثالثة من اعتبار الثالثة النيابة العامة طرفا أصليا في تطبيق أحكام مدونة الأسرة وما جاء به تعديل الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية الذي يوجب تبليغ قضايا الأسرة للنيابة العامة.
و من هنا سنقسم هذا المطلب من خلال تناول تدخل النيابة العامة كطرف اصلي تم تدخل النيابة العامة كرف منظم.

الفقرة الاولى : تدخل النيابة العامة كطرف أصلي او في المنازعات الاسرية
بالرجوع إلى المادة الثالثة من مدونة الأسرة يلاحظ أن المشرع اعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة.
ويترتب على ذلك أن النيابة العامة يمكن أن تتقدم أمام قضاء الأسرة بأية دعوى ترى أن فيها دفاع عن الصالح العام ويتعذر على ذي المصلحة أن يقيمها وهذا يفرض عليها تتبع هذه الدعوى وحضور جلساتها وتقديم الأجوبة والردود مع التزام الترتيب المفروض على الخصوم كما يخولها حق سلوك طرق الطعن في مواجهة الأحكام والقرارات الصادرة في الموضوع.
والملاحظ أن هذا النص يصطدم مع المادة التاسعة من قانون المسطرة المدنية المعدلة بمقتضى القانون رقم 72.03 التي توجب تبليغ جميع القضايا المتعلقة بالأسرة إلى النيابة العامة كطرف منضم حسبما وقع تفصيله سابقا، فكيف يمكن التوفيق بين الأمرين وهل تكون النيابة في هذه الحالات طرفا أصليا تمشيا مع حرفية نص المادة الثالثة أم طرفا منضما ؟
للجواب على هذا السؤال هناك قراءتان تنطلق كل منهما من تحليل خاص للمادة لا لثالثة ومدى التوفيق بيم مقتضياتها وبين ما ورد في المادة 9 من قانون المسطرة المدنية :
القراءة الأولى : ترى أن النيابة العامة لا تكون طرفا أصليا إلا عندما تكون مدعية أو مدعى عليها وفي الواقع العملي لا تكون كذلك إلا في قضايا محدودة من ضمن مجموع الملفات الرائجة أمام قضاء الأسرة بمختلف المحاكم ويتجلى ذلك في تدخلها كمدعية في الحالات المحددة قانونا في المدونة والتي ستتعرض لها فيما بعد أو كمدعى عليها حينما تقام عليها الدعوى ممن يهمه الأمر أو حينما ترى وجوب إقامة أية دعوى تقتضي المصلحة العامة ممارستها.
لذا فإن صياغة المادة الثالثة لم تكن موفقة إذ كان يتعين التنصيص على أن “النيابة العامة تكون طرفا في جميع القضايا” دون تحديد صفة الطرف التي تكتسب من خلال دورها في كل قضية على حدى باعتبار أن هذه الأخيرة لا يمكن تصور أن تكون مدعية أو مدعى عليها في جميع القضايا الرائجة أمام القضاء الأسري إذ أن جل القضايا المطروحة تتعلق بالنفقة والطلاق والتطبيق والميراث وينذر أن تتدخل فيها كمدعية أو تقام عليها الدعوى.
القراءات الثانية : تتمسك بحرفية النص الذي يعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة مادام المشرع قد نص على ذلك .
ويترتب على اختلاف القراءتين عدة أمور تكتسي أهمية بالغة وخاصة فيما يتعلق بحضور النيابة العامة للجلسات وممارستها لطرف الطعن .
حضور الجلسات :
لمعالجة هذه المسألة يتعين الرجوع إلى النصوص التالية:
بمقتضى المادتين 4 و 7 من ظهير التنظيم القضائي المؤرخ في 15 يوليوز 1974 فإن حضور النيابة العامة يعتبر اختياريا في جميع القضايا المدنية عدا في الأحوال المحددة بمقتضى قانون المسطرة المدنية وخاصة إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسا وفي جميع الأحوال الأخرى المقررة بمقتضى نص خاص.
المادة 10 من قانون المسطرة المدنية التي تعتبر حضور النيابة العامة في الجلسة غير إلزامي إلا إذا كانت طرفا رئيسيا أو كان حضورها محتما قانونا ويكون حضورها اختياريا في الأحوال الأخرى.
الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية المعدل الذي يوجب تبليغ جميع قضايا الأسرة للنيابة العامة.
فإذا سايرنا القراءة الأولى التي لا تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا غلا عندما تكون مدعية أو مدعى عليها في الدعوى فإن ذلك سيؤدي إلى عدم إلزامها بالحضور بالجلسات إلا في هذه الحالات الخاصة التي تعتبر فيما سواها طرفا منضما. ومما يعزز هذا الرأي أن الفصل 9 من ق م م لم يأت عبثا فالمشرع بإلزامه للمحكمة تبليغ هذا النوع من القضايا على النيابة العامة يكون قد قسم دورها في قضاء الأسرة إلى طرف أصلي زمن ضم تبعا لدورها في الإدعاء سيما وأن هذا النص قد صدر متزامنا مع مدونة الأسرة.
أما القراءة الثانية فتحتم حضور النيابة العامة في جميع الجلسات الخاصة بتطبيق أحكام مدونة الأسرة.
ونعتقد بأن هذه القراءة غر مطابقة للقانون لأن النيابة العامة لا يمكن أن تكون طرفا أصليا في جميع القضايا وأن حضورها حسب نصوص التنظيم القضائي وقانون المسطرة المدنية المشار إليهما أعلاه إنما هو ضروري في الحالات التي تكون فيها طرفا أصليا بصفة فعلية كما أنه غير مجد من الناحية الواقعية إذ أن النيابة العامة تقدم مستنتجاتها كتابة وتكلف نفسها عناء الحضور مما يثقل كاهل قضاتها بأعمال هم في حاجة إلى صرفها في أمور أخرى وخاصة في المستنتجات الكتابية سيما في المحاكم التي تعاني من الخصاص في عدد قضاة النيابة العامة.
سلوك طرق الطعن:
القراءة الأول
أما فيما يتعلق بطرق الطعن فإذا سايرنا القراءة الأولى التي ترى بأن صفة النيابة العامة كطرف أصلي مرتبطة بوضعيتها في الدعوى وما إذا كانت مدعية أو مدعى عليها أو متدخلة في النزاع فإن ذلك يقتضي عدم منحها هذه الصفة إلا في هذه الحالات وحجة هذا الاتجاه أن طرق الطعن كالدعوى تستوجب توفر شروط معينة تتمثل خاصة في الصفة والمصلحة ولكي تتوفر النيابة العامة على ذلك يتعين أن تكون قد مارست الإدعاء أو وجهت الدعوى التي صدر فيها الحكم موضوع الطعن ضدها وبالتالي يفترض أن تكون خصما تضرر من الحكم التي صدر فيها الحكم موضوع الطعن ضدها وبالتالي يفترض أن تكون خصما تضرر من الحكم بسبب رفض طلباتها كليا أو جزئيا أو سبب الحكم عليها بكل أو بعض مطالب المدعي ذلك أن الطعن هو تظلم من الحكم لعدم الرضا به ولا يتصور صدوره غلا من خصم محكوم عليه سواء كان مدعيا أو مدعى عليه أو متدخلا في الدعوى وما لم تتوفر لدى النيابة العامة إحدى هذه الصفات فإنه لا يمكنها عمليا أن تمارس أي طريق من طرق الطعن.
والواقع أن هذا السؤال قد طرح من ذي قبل بخصوص قضايا الحالة المدنية التي تعتبر فيها النيابة العامة طرفا رئيسيا انطلاقا من الفصل 217 من ق م م الذي ينص على أنه يمكن لكل شخص له مصلحة مشروعة أو للنيابة العامة أن يطلب من المحكمة الابتدائية إصدار تصريح قضائي بازدياد أو وفاة لم يسبق تقييده بدفاتر الحالة المدنية.
وقد تساءل ذ. العربي امجبود في بحث له بمجلة الملحق القضائي عدد 3 ص 13 عن إمكانية استئناف النيابة العامة لأحكام الحالة المدنية حينما لا تكون هي المدعية أي حينما “تكون طرفا منضما فقط وخلص إلى أن المشرع لو كان يريد أن يعطي للنيابة العامة حث الإستئناف حتى ولو لم تكن طرفا رئيسيا لما أغفل عن التنصيص عليه صراحة. وأكد على أن القانون لا يعتبر النيابة العامة طرفا أصليا إلا في حالة الفصل 217 وإن لم تكن هي التي قدمت المقال فإن هذا الأخير يبلغ إليها لتبدي رأيها بمستنتجات كتابية كما يؤكد ذلك صراحة المقطع الثاني من الفصل 218
ورغم أن نصوص الحالة المدنية تعتبر من النظام العام وأن الإجتهاد القضائي الفرنسي أعطى للنيابة العامة الحق في الإستئناف حتى لو كانت طرفا منضما في القضايا التي يمكن لها أن تكون فيها طرفا رئيسيا” فإن ذلك غر ممكن في ظل القانون المغربي،
أما الحجة الدامغة التي يقدمها هذا الرأي للاستدلال على صحة وجهة نظرة فتتمثل في كون المشرع لم يتطرف لمسألة الطعن في الأحكام الصادرة في القضايا الناتجة عن تطبيق مدونة الأسرة وأن طرف الطعن من الأمور المسطرية التي يرجع في شأنها إلى قانون المسطرة المدنية وبالاحتكام لهذا الأخير نجد أنه لا يعطي حق الاستئناف إلا لمن كان طرفا أو متدخلا في دعوى صدر فيها الطعن من طرف النيابة العامة على الحالات التي تكون فيها هذه الأخيرة مدعية أو مدعى عليها في الأحوال المحددة. بمقتضى القانون وكان بالإمكان أن يحصل شيء من الغموض يترك مجالا للتأويل كما حدث في فرنسا حسبما تم بيانه أعلاه بخصوص الحالة المدنية إلا أن صياغة المادة السابعة من قانون المسطرة المدنية قد جعلت حدا لكل تأويل أو تفسير لأنها تربط إمكانية الاستئناف من قبل النيابة العامة بموقع هذه الأخيرة في الدعوى كمدعية أو مدعى عليها في النزاع وكان من الممكن أن يظل اللبس قائما لو أن صياغة هذه المادة جاءت بشكل آخر أي لو اكتفى المشرع بالتنصيص على إمكانية الاستئناف في حالة ما إذا كانت النيابة العامة طرفا رئيسيا أو أصليا إذ في هذه الحالة قد يتمسك أصحاب هذا الاتجاه الآخر بأن اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا من قبل مشرع مدونة الأسرة في جميع مقتضياتها هذا القانون كاف لإعطائها إمكانية الطعن.
وبناء على هذا التحليل الذي يعتبر مفهوم الطرف الأصلي مرتبطا بمركز النيابة العامة في الدعوى كطرف فإن حق هذه الأخيرة في الطعن مرتبط بصفتها كمدعية أو مدعى عليها وفيما عدا ذلك من الدعاوى المترتبة عن تطبيق مدونة الأسرة لا يكون لها حق ممارسته
القراءة الثانية :
هذه القراءة تنطلق من كون النيابة العامة إنما تعتبر طرفا أصليا في مدونة الأسرة وهذا لا يعني أنها تكون كذلك في جميع القضايا أي أنه رغم عدم ملازمة صفة الإدعاء لها في القضية ورغم كونها ليست طرفا فيها فإن المشرع اعتبرها كذلك ليرتب على هذا الأمر تمكينها من ممارسته طرق الطعن.
وأعتقد أن القراءة التي تسير مع حرفية نص المادة الثالثة من المدونة لا تتماشى مع قصد المشرع الذي أراد أن يعطي للنيابة العامة دورا هاما في تطبيق مدونة الأسرة ونص تبعا لذلك على اعتبارها طرفا أصليا فاتحا بذلك المجال أمامها لتكون لها صفة الإدعاء في أية مادة ارتأت إقامة الدعوى فيها خدمة للصالح العام ونيابة عن المجتمع وحتى يضمن متابعتها عن طريق المستنتجات الكتابية والحضور عند الاقتضاء لهذا النوع من القضايا.
كما أن هذا الاتجاه يتعارض تماما مع مفهوم الطرف الأصلي الذي قلنا سابقا يستلزم صفة الخصم التي يجب أن تتوفر في النيابة العامة عند رفع الدعوى حتى يمكن اعتبارها طرفا أصلي.
وأشير في النهاية إلى أن المنطلق في عرض قراءتين في هذه المسألة إنما استوحيته من الخلاف المفترض حصوله في تأويل النصوص التي لها علاقة بالموضوع .

الفقرة الثانية : اثار تدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية
ونخلص مما ذكر أن دور النيابة العامة كطرف أصلي او منضم يتجلى من خلال الفرضيتين التاليتين
الفرضية الأولى : تكون النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا التي خول لها المشرع بمقتضى نصوص المدونة حق إقامة الدعوى وكذا في الحالات التي تتخذ موقفا في هذا الاتجاه بعد إحالة الملف عليها لتقديم مستنتجاتها وكذا عندما توجه ضدها الدعوى ابتداء كمدعى عليها .
الفرضية الثانية : تكون النيابة العامة طرفا منضما في جميع القضايا المنبثقة عن تطبيق المدونة التي لا تكون فيها مدعية أو مدعى عليها حيث لا تتخذ حق المواجهة أو المنازعة وإنما تتقدم بمستنتجاتها في شكل محايد ولفائدة القانون وتبدي رأيها في هذا الاتجاه ولو كان لصالح موقف أحد الأطراف أو ضده مع مناقشة الحجج والأسانيد المقدمة وإبداء الأسباب لتأييد أو رفض أي من طلبات الخصوم من الناحية القانونية بشرطة ألا تتجاوز طلباتهم أو موضوع النزاع.

المبحث الثاني : بعض حالات تدخل النيابة العامة لحل المنازعات الاسرية
المطلب الاول : تدخل النيابة العامة في مسطرة الشقاق و حالة التعدد المشوبة بتدليس
الفقرة الاولى : دور النيابة العامة في مسطرة الشقاق
ان الغاية الــتي توخاها المشرع من إدراج مسطرة الشقاق في مدونة الأسرة كأحد الأسباب الموجبة للتطليق من خلال مقتضيات المادة 94 ليس توسيع نطاق دائرة التطليق ولا إيجاد وسيلة سهلة لفك رباط الزوجية اختصار ا للوقت وتفاديا لصعوبة الإجراءات بسلوك نهج آخر قد لا يفضي إلى نتيجة إيجابية ، وانما هي بمثابة اجراء وقائي متدرج يهدف الى حل نزاع بسيط قد يؤدي التغاضي عنه وإهماله إلى تعميق الهوة والفرقة بين الزوجين ودمار الأسرة كلها حينما يصير الشقاق مستحكم وموسوم بالبغض والحنق ، وبذلك يصبح نقيض الوفاق والتآزر بين الزوجين لحماية صرح الأسرة من التصدع والانهيار.
ان هذه المسطرة تبتدئ بمجرد تقديم طلب إلى كتابة الضبط ، مؤشر عليه سواء قدم من طرف الزوجة أو الزوج أو منهما معا إلى المحكمة الابتدائية التي يوجد في نطاق دائرة نفوذها الترابية بيت الزوجية أو موطن الزوجة أو الـــتي أبرم فيها عقد الزواج ، وذلك وفقا لأحكام مدونة الأسرة ، ويجب أن يتضمن الطلب اسم كل من الزوجة والزوج وعنوانهما الكامل مع الإشارة ولو بشكل موجز إلى موضوع الطلب وذكر أسباب الشقاق والتركيز في الملتمس على الغاية من تقديم الطلب هل تمكن في حل نزاع يخاف منه الشقاق وانئد يكون الطلب وقائي يحاول معالجة ما كدر الحياة الزوجية وإرجاع الصفاء إلى جوهرها أم يهدف إلى الفرقة وتحديد المسؤولية وإنهاء العلاقة الزوجية بصفة نهائية.
والمسطرة تكون شفوية ولا مانع من الإدلاء بمذكرة كتابية تضم للملف وتعرض على الطرف الآخر لإبداء وجهة نظره فيها ، ويحوز تقديم الطلب دون الاستعانة بمحام .
وانه بمجرد تقديم الطلب فانه يشرع في تجهيز القضية للبت فيها وذلك باستدعاء الزوجين إلى جلسة يعين تاريخها قصد إجراء محاولة الصلح ويتم الاستدعاء وفقا لمقتضيات الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية .
وبعد التوصل بالاستدعاء وطبقا للقانون يتم الاستماع للطرفين بغرفة المشورة ، وآنئذ تقوم المحكمة بجميع المحاولات الهادفة إلى تقريب وجهة نظر الزوجين وتذويب أسباب الخلاف والاختلاف إنهاء للنزاع القائم بينهما ، وإذا ما تبين من خلال المناقشة أن المصلحة تقتضي تأخير القضية لجلسة أخرى إما تلقائيا أو بناء على طلب أحد الزوجين أو هما معا ، فانه يجوز تأخيرها مع إشعار الطرفين ودفاعهما بتاريخ الجلسة الموالية.
وتجدر الإشارة إلى أنه يمكن للمحكمة أن تؤجل القضية لاستدعاء من ترى فيه فائدة للاستماع إليه وذلك مراعاة أجل الستة أشهر الـــتي يتعين الفصل خلالها في دعوى الشقاق وفقا للمادة 97 من مدونة الأسرة ، وأنه حينما تثمر العلاقة الزوجية أبناء فإن المحكمة ملزمة للقيام بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما انسجاما مع مقتضيات المادة 82 من المدونة في فقرتها الثانية ، وإذا ما تم التوصل إلى الصلح أصـدرت المحكمـة حكمــا يثبت الاتفاق المتوصل إليه منهيا النزاع وينفذ بقوة القانون ولا يقبل أي طعن .
وإذا لم تتوصل المحكمة إلى إنهاء النزاع وديا وإحقاق الصلح ورفع أسباب الشقاق ، فانها تعمل على تعميق البحث بالقاء أسئلة هادفة للوصول إلى فهم حقيقة النزاع من كل جوانبه وبتفاصيله الدقيقة لتحديد مسؤولية كل طرف في حدوث الشقاق واستمراره والباعث إليه لما يترتب عن ذلك من أثار عند الحكم بالتطليق ، وهكذا فإذا فشلت محاولة الإصلاح بين الزوجين فيتعين أن تحدد المحكمة قبل الإذن بتوثيق الطلاق ، وبناء على ما اقتنعت به المستحقات المادية وغيرها للزوجة وكذلك للأطفال إذا وجدوا.
وفي هذا المجال لابد من التساؤل عن دور النيابة العامة في تفعيل مسطرة الشقاق ، فتكريسا لمبدأ العدل والإنصاف فإن المشرع المغربي قد أعطى للنيابة العامة دورا أساسيا وأصليا بمقتضى المادة الثالثة من مدونة الأسرة ، فما هي صلاحياتها حينما تسوء العلاقة بين الزوجين ويشتد الخلاف بينهما ؟ ففي حالة الخائف المستديم والمفضي إلى إخراج أحد الزوجين للآخر بيت الزوجية متى علمت بواقعة الطرد ، ولها أن تستعين في ذلك بالشرطة القضائية تحت إشرافها على أن تراعى في كل البوادر أو التحركات مصلحة الأسرة وأن يتم التسرع في اتخاذ إجراءات قد تزيد في توتر العلاقة ، وتكون لها انعكاسات سيئة ، وبالتالي فالنيابة العامة يجب أن تتدخل بحكمة وتعقل .
غير أن ما يعاب على المادة 53 من المدونة إيرادها لعبارة ” دون مبرر ” حسب النص ” اذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر تدخلت النيابة العامة من أجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا ” وهو ما قد يضع أشكال وعقبة في وجه النيابة العامة لأن بمفهوم المخالفة للنص أنه بمجرد وجود المبرر لا يمكن للنيابة العامة أن تتدخل لإرجاع المطرود ، لكنه في غالب الأحوال فان للنيابة العامة السلطة التقديرية في هذا الصدد ولها من الوسائل المتاحة لاتخاذ الإجراء الملائم والمناسب متى عرضت عليها مثل هذه الواقعة.
وللنيابة العامة دور جد هام أثناء المرحلة القضائية في دعوى إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق أو التطليق سيما في مسطرة الصلح التــي تتطلب الحضور الشخصي للزوجين ، ففي الحالة المنصوص عليها في الفصل 81 من مدونة الأسرة فإن عدم حضور الزوجة لجلسة الصلح رغم توصلها وعدم تقديمها لملاحظات مكتوبة يوجب على المحكمة إعادة إخطارها عن طريق النيابة العامة وإشعارها بأنها إذا لم تحضر فسيتم البت في الملف هذا إذا كان عنوانها معروف ، وإذا تبين بأن العنوان مجهول فان المحكمة تستعين بالنيابة العامة قصد البحث عنها والوصول إلى الحقيقة ، وإذا ثبت تحايل الزوج في الإدلاء بعنوان مفتعل فانه يتعين تفعيل مقتضيات المادة 361 من القانون الجنائي.
الفقرة الثانية : تدخل النيابة العامة في حالة التعدد المشوبة بالتدليس
نظمت مدونة الأسرة أحكام التعدد في المواد من 40 إلى 46 حيث حددت مجموعة من الشروط لمنعه في حالة عدم اشتراط الزوجة على زوجها بعدم التعدد عليها فان الراغب فيه يقدم طلبا إلى المحكمة بقصد الحصول على الإذن بالتعدد، و طبقا للمادة 43 من المدونة فقد شددت على ضرورة حضور الزوجة الأولى للجلسة إلا أنه في حالة غيبة الزوجة المراد التزوج عليها، فانه لا يمكن منح الإذن للزوج إلا إذا أفادت النيابة العامة بتعذر الحصول على موطن أو محل إقامة يمكن استدعاؤها فيه بعد أن تكون قد قامت ببحث بواسطة الشرطة القضائية أو السلطة المحلية.
إلا أنه إذا كان سبب عدم توصل الزوجة بالاستدعاء ناتجا عن تقديم الزوج بسوء نية لعنوان غير صحيح أو تحريف في اسم الزوجة، هنا تتدخل النيابة العامة بتحريك الدعوى العمومية ضد الزوج طبقا للفصل 361 من مجموعة القانون الجنائي .
وتدخل النيابة العامة مقيد بضرورة وجود طلب من الزوجة المتضررة الذي يعتبر شرطا أساسيا ولازما لتحريك المتابعة، ويتوافق هذا الإجراء مع التوجه العام للمشرع الجنائي والتوجه الخاص نحو حماية الروابط العائلية وربط مصير وحدة الأسرة وتفككها بإرادة أفرادها وبقوة القانون، والتساؤل الذي يطرح بهذا الخصوص هل تملك الزوجة صلاحية سحب الطلب أثناء متابعة الزوج؟ وبالتالي سقوط الدعوى العمومية؟
بالرجوع إلى مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 43 من مدونة الأسرة نجد أن المشرع المغربي لم يوضح ما إذا كان سحب الطلب من طرف الزوجة المتضررة يضع حدا للمتابعة أم لا ؟
و انطلاقا من الرؤية التشريعية للمدونة التي ترمي إلى حماية مصلحة الأسرة، فإننا نرى انه إذا ارتأت الزوجة المتضررة سحب طلبها فانه من الأجدر أن تسقط الدعوى العمومية حفاظا على الروابط الأسرية وذلك قياسا على سحب الشكاية في الحالات التي تكون لازمة لتحريك المتابعة تطبيقا للقواعد العامة في المسطرة الجنائية .
المطلب الثاني : دور النيابة العامة في حماية الطفل باثبات النسب للشبهة و ارجاع احد الزوجين لبيت الزوجية
الفقرة الاولى : دور النيابة العامة في حماية الطفل باثبات النسب للشبهة
تعتبر المادة 156 من أهم مستجدات المدونة، فقد جاءت بحلول إنسانية لمشاكل اجتماعية لا حصر لها، غير أنه لا يستطيع أحد أن يجادل كذلك في أن مقتضيات هذه المادة تثير العديد من الإشكاليات القانونية والعملية .
فمن خلال الواقع العملي نكون أمام دعوى معروضة أمام القضاء الجنائي بخصوص جريمة الفساد، فيتقدم دفاع الضنينين بدفع مفاده أن الأمر لا يتعلق بجريمة فساد لأن الطرفين يعتبران خطيبين و قد اشتهرت علاقتهما بين الناس، و يظهران أمام الجميع بمظهر الأزواج، وأن العلاقة بينهما أثمرت حملا، ملتمسا التصريح ببراءتهما لكون الحمل الناتج عن هذه العلاقة هو حمل شرعي استنادا إلى المادة 156 المشار إليها أعلاه.
لكن أثناء قراءتنا للمادة 156 من مدونة الأسرة، لاحظنا على أنها تنص فقط على إثبات النسب وليس على إضفاء المشروعية على علاقة الخطيبين، بغض النظر عن نوعية المنازعة المعروضة أمام القضاء التي يراد منها إثبات مشروعية العلاقة من عدمها و ذلك حتى لا تضيع حقوق الطفل في إثبات نسبه عن طريق الشبهة المحددة أصلا في مرحلة الخطوبة ليس إلا و درءا لأي تأويل .

الفقرة الثانية : ارجاع احد الزوجين لبيت الزوجية
لقد نصت المادة 53 من المدونة على المقتضيات التالية :
” إذا قام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية دون مبرر، تدخلت النيابة العامة من أجل إرجاع المطرود إلى بيت الزوجية حالا، مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة بأمنه وحمايته”، ويبدو أن إرادة المشرع المغربي تتجه إلى ضمان استقرار الأوضاع الأسرية عن طريق تخويل النيابة العامة سلطات تمكنها من تسخير القوة العمومية واللجوء إلى وسائل الإجبار، لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هل يتم فعلا إرجاع الزوجة إلى بيت الزوجية في حالة وجوده موصدا؟ وكيف السبيل إلى ذلك في حالة تغيير مفاتيح بيت الزوجية؟
في هذه الحالة تقوم النيابة العامة بتوجيه أوامرها إلى الضابطة القضائية التي تقوم بإرجاع الزوجة إلى البيت مع تحذير الزوج من مغبة تكرار هذا الطرد، وفي حالة ما إذا تم إرجاع الزوجة وتبين أن بيت الزوجية موصدا أو تم تغيير المفاتيح من طرف الزوج في هذه الحالة تقوم الضابطة القضائية بأمر من النيابة العامة باقتحام المنزل بالقوة وإدخال الزوجة إليه، لكن تدخل النيابة العامة هنا قد يصطدم ببعض العراقيل الواقعية منها على سبيل المثال أن يكون الطرف المطرود يشكل خطرا على حياة الأبناء كأن يكون الزوج في حالة سكر
لقد عرف تدخل النيابة العامة تضاربا في الآراء فهناك من يؤيده و يرى أنه ساهم في استقرار الأوضاع الأسرية، والبعض الاخر اعتبره إجراء مؤقت غايته الحفاظ فقط على استقرار الأسرة إلى أن يقول القضاء كلمته.

خاتمة :
الأصل في تنظيم الأسرة هو المودة والرحمة، والاستثناء هو الزجر الذي هدف من خلاله المشرع ردع بعض التجاوزات والممارسات اللمسؤولة، إلا أن الواقع أثبت ضعفه في إعادة بناء الأسرة المغربية، لذلك عمل المشرع على سلوك الحلول البديلة المتمثلة في الصلح والوساطة كأنظمة بديلة لتسوية المنازعات الأسرية، إلا أن نجاح هذه التجربة رهين بتوعية الفاعلين في الحقل القضائي والقانوني والمجتمع المدني، إضافة إلى المشاركة الإيجابية لوسائل الإعلام بضرورة ركوب قاطرة الحلول البديلة لتلافي تراكم القضايا بمحاكمنا.

لائحة المراجع :
النصوص القانونية :
• القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماةالصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 بتاريخ 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008)؛ الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 7 ذو القعدة 1429 (6 نوفمبر 2008)، ص 4044؛
• القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22 بتاريخ 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004)؛ الجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 14 ذو الحجة 1424 ( 5 فبراير 2004 )، ص 418. ؛
• الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974) بالمصادقة على نص قانون المسطرة المدنية؛ الجريدة الرسمية عدد 3230 مكرر، بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص 2741، كما تم تغييره وتتميمه؛
• الظهير الشريف رقم 1.59.413 صادر في 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962) بالمصادقة على مجموعة القانون الجنائي؛ الجريدة الرسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 12 محرم 1383 (5 يونيو 1963)، ص 1253، كما تم تغييره وتتميمه؛

المراجع العامة :
• محمد الكشبور- الوسيط في شرح مدونة الأسرة- الكتابالأول- عقد الزواج وآثاره- الطبعة الثانية 2009 ؛
• خالد بنيس- النفقة بين الواقع والتشريع- مطبعة المعارف الجديدة- طبعة 1992- الرباط؛
• محمد الأزهر- شرح مدونة الأسرة – مطبعة دار النشر المغربية – الطبعة الثالثة 2008
المراجع الخاصة :
خالد برجاوي- مدى استجابة مدونة الأسرة الجديدة لمطالب المجتمع المدني والسياسي المغربي- سلسلة دليل قانون الأسرة بالمغرب- طبعة 2004- دار القلم الرباط
الدليل العملي لمدونة الاسرة ، وزارة العدل المملكة المغربية ، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية و القضائية ، سلسلة الشروح و الدلائل ، مطبعة فضالة ، المحمدية ، 2004 العدد الاول
يوسف وهابي- اختصاصات النيابة العامة في مدونة الأسرة الجديدة- مجلة الملف- العدد 3- أبريل 2004
عزيزة هنداز – دور النيابة العامة في قضاء الأسرة ، سلسلة الندوات و الأيام الدراسية عدد 8
هشام الحضري – دور النيابة العامة أمام قضاء الأسرة – رسالة نهاية التدريب تحت اشراف ذ.عبد اللطيف التيجاني ، المعهد العالي للقضاء ، الفوج 33 ، السنة القضائية 2003/ 2005
محمد صخري ” تدخل النيابة العامة في قضاء الأسرة ” ألقيت في اطار الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة ، سلسلة الندوات و اللقاءات و الأيام الدراسية ، مكتبة دار السلام الرباط 2004العدد الخامس
التهامي القائدي- قراءة نقدية لبعض فصول مدونة الأسرة- مجلة البحوث- مطبعة دار القلم- الرباط- العدد الخامس
عبد الرحمان اللمتوني- إثبات النسب بشبهة خلال مرحلة الخطوبة- قراءة في المادة 156 من مدونة الأسرة- مجلة القضاء والقانون
السعدية بلمير: الروابط العائلية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، طبعة 1980
محمد بوصف – دور النيابة العامة في قانون مدونة الأسرة – مقال منشور بأشغال ندوة علمية نظمتها جامعة مولاي اسماعيل بمكناس- العدد 5- سنة 2004
يوسف وهابي- اختصاصات النيابة العامة في مدونة الأسرة الجديدة- مجلة الملف- العدد 3 أبريل 2004

الفهرس :
مقدمة……………………………………………………………………..ص1
المبحث الاول: الاساس التشريعي لتدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية..ص2
المطلب الاول : طبيعة دور النيابة العامة في المنازعات المدنية…………….ص2
الفقرة الاولى : مفهوم الطرف الرئيسي …………………………………….ص2
الفقرة الثانية :مفهوم الطرف المنظم ………………………………………..ص3
المطلب الثاني : تدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية………………….ص6
الفقرة الاولى : تدخل النيابة العامة كطرف أصلي او في المنازعات الاسرية…ص7
الفقرة الثانية : اثار تدخل النيابة العامة في المنازعات الاسرية……………..ص11
المبحث الثاني : بعض حالات تدخل النيابة العامة لحل المنازعات الاسرية..ص12
المطلب الاول : تدخل النيابة العامة في مسطرة الشقاق و حالة التعدد المشوبة بتدليس…………………………………………………………………..ص12
الفقرة الاولى : دور النيابة العامة في مسطرة الشقاق……………………..ص12
الفقرة الثانية : تدخل النيابة العامة في حالة التعدد المشوبة بالتدليس………..ص14
المطلب الثاني : دور النيابة العامة في حماية الطفل باثبات النسب للشبهة و ارجاع احد الزوجين لبيت الزوجية ………………………………………………… ص15
الفقرة الاولى : دور النيابة العامة في حماية الطفل باثبات النسب للشبهة…..ص15
الفقرة الثانية : ارجاع احد الزوجين لبيت الزوجية ……………………….ص16
الخاتمة …………………………………………………………………ص17
لائحة المراجع …………………………………………………………ص18
الفهرس ………………………………………………………………..ص20

منقول


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

  العنف الأسري ضد الأطفال

                          العنف الأسري ...