ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلة التحقيق الإعدادي


ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلة التحقيق الإعدادي

قبل أن أتطرق لهذه الكلمة الموجزة، التي أرادتها نقابة محامين الدار البيضاء والودادية الحسنية للقضاة أن تكون في 20 دقيقة، في موضوع من الخطورة بالمكان وهو موضوع التحقيق الإعدادي في مؤسسة قاضي التحقيق، وكما أقول دائما، أجد نفسي عاجزا عن الكلام في بعض الأحيان، رغم  دوري في المرافعة الجنائية في مدرسة أم القرى التي هي محاكم ونقابة الدار البيضاء، لأنها المدرسة التي تعلمت فيها مند ما يزيد عن 35 سنة. لذلك كان علي أن أحقق في كل كلمة تخرج قبل أن ترجع عليّ، وهذه مهمة من الصعوبة بمكان، أمام قمم من أساتذة القضاء والمرافعات وقمم من الفكر القانوني الذي لدينا هنا إن لم أقل: دوليا.

أولا، أريد أن ابتدئ من حيث انتهى أستاذي السيد عبد الله درميش، النقيب المحترم، هل بالفعل المغرب بعد سنة 2011 ما زال محتاجا لمؤسسة قضاء التحقيق؟ هذا هو السؤال الذي كان يطرح وما زال يطرح. فعلا، المغرب في تشريع المسطرة الجنائية الأولى بعد الاستقلال، عندما نقل حرفيًا مؤسسة قاضي التحقيق، وبقيت هذه المؤسسة فيه حتى ظهور الإجراءات الانتقالية محل انتقاد كبير من طرف القانونيين، بل حتى من طرف القضاة الممارسين، إلى أن جاء تشريع 2002 للمسطرة الجنائية، التي جاءت بعد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وكانت تريد أن ترمم بعض ما بدر من الانتقادات إلى غاية يومنا هذا.

 يكفي أن أرجع بكم إلى بعض العناوين بصورة عاجلة عن التشريعات التي نقلنا نحن منها هذه المؤسسة، وكيف تعاملت معها.

في سنة 1987، اختارت الحكومة الفرنسية مدام “دلماس مارتي” لتترأس لجنة كبيرة ربما في مستوى اللجنة العليا للحوار الوطني، لتنكب فقط، على مؤسسة قضاء التحقيق. وتتبعنا جميعا في نهاية الثمانينات القضية المعروفة، قضية “دي تور” التي في علمكم، تتبعنا عدة عناوين تقول: “إصلاح أو إزالة قضاء التحقيق”.

كذلك، “مشروع التحقيق الجنائي”. وهذه كلها دراسات كانت في مشروع مدام “دلماس مارتي”، ولأن الفرنسيين أذكياء فقد قالوا: قبل اللجوء وضع مقتضيات مؤسسة التحقيق، علينا أولاً أن نعرف هل نحن ما زلنا في حاجة إلى هذه المؤسسة أم لا؟ سوف أفسر وأتمنى أن أقنع في ذلك.

كذلك الدراسة التي سميت في يوليوز 1989 “إصلاح مؤسسة قضاء التحقيق. كذلك هناك دراسة 17 نوبير 1989 تحت عنوان: “هل يجب علينا إلغاء وجود مؤسسة قاضي التحقيق؟” ودراسة  أخرى كان عنوانها جميلاً جدا: “هل ينبغي قتل قاضي التحقيق؟”… وهناك عشرات من الدراسات، ولا شك أن الإخوان يعرفونها.

وتقدمت طبعا هذه اللجنة بتارخ 4 يناير 1995 بدراسة نهائية لمؤسسة قاضي التحقيق، والتي انقسم الفرنسيون فيها فرنسيين بنسبة متساوية بين الإزالة، أو الحوار والتدعيم مع الإصلاح. ولعلنا نحن الآن في المغرب، بعد الدستور 2011، وبعد إنشاء الهيأة العليا للحوار الوطني، التي تمخضت عليها توصيات، تكون متقاربة مع لجنة دلماس مارتي. واسمحوا لي، بالرغم من تجربتي المتواضعة في النيابة العامة، من خلال النظرة الأولى أرى بأن روح تشريع مقتضيات قضاء التحقيق انصبت فعلا على بسط يد النيابة العامة أكتر من قانون المسطرة الجنائية القديم. لماذا؟ لأننا طوّقنا هذه المؤسسة قانونيًا بعدة قيود، ربما نستشعر خوفا في المستقبل من أن تكون تلك القيود، التي سوف أسردها، داعما من دعائم المس بالمبدأ الدستوري “قرينة البراءة”. وبالتالي في التطبيقات، سوف لا نلوم التشريع ولكن نلوم قضاة النيابة العامة ونلوم قضاة التحقيق.

 إذن، يجب أن يكون التشريع واضحا، إن يكون تأويله تأويلا واضحا، عوض أن نقوم بما يُعبّر عنه باللسان الدارج بمقولة: «فالنهار الأول خصّو يخرج مگاد من الخيمة» إلى خرج عوج، فالمجتمع والتطبيق هما اللذان في وسعهما تقويمه. نحن لا ننكر بتاتا بأن هناك ثورة في مشروع قانون المسطرة الجنائية. هذا لا يمكن أن يمكن أن يُنكره إلا جاحد. لجنة الحوار الوطني في التوصيات التي أوصت بتوصيات، وكان على المشرع أن يأخذ بها، وحاول المشرع أن يأخذ بها، ولكن، في بعض الفصول، بالنسبة للتحقيق الإعدادي، نجد بعض الملاحظات التي يمكن تداركها، لأن المشروع ما زال مجرد مشروع، وهذه الندوات التي نحن بصددها ما هي إلى تسليط للأضواء، كما سلطنا الضوء على مسودة المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنظام الأساسي لرجال القضاء، وأصلحت عدة فصول، والسيد وزير العدل والحريات، ولا نقول ذلك مجاملة أمامه، إنما فتح الباب على مصراعيه مع جميع الجمعيات المدنية، بما فيها جمعيات القضاة، لكي نناقش في الفصول، وأخذت بعدة دراسات ولكن، في هذا القانون، الآن، أرادت أم القرى أن تكون البداية من الدار البيضاء، نتمنى أن تكون كذلك في هذا الجانب، بالنظر من جديد في بعض الفصول. كنت قد أعددت هذا كتابةً، ولكن نظرًا لضيق الوقت، سوف أشير فقط إلى مقتضيات الفصل 92، وهي سلطات رأينا فيها نوعًا من التقييد، فإما أن نثق في قاضي التحقيق  1010 % لأنه يشكل ضمانة، دستوريًا، وإما أن لا نثق فيه. لأن ما يوقع في الحياة العملية، الأساتذة المحامون يعرفون هذا أكثر من القضاة، أنه في وقت ما، أصبح قضاة التحقيق أكثر من النيابة العامة، وأكثر من الدولة، وصاروا يجمعون عددًا من السلطات التي يخولها لهم القانون.

لذلك فإن قضاة النيابة العامة، الآن، أو الخبراء الذين وضعوا هذا مشروع هذا القانون، أرادوا أن يسترجعوا الكفة، وأن يقيّدوا، ولكنه تقييد ليس لصالح القانون، وليس في صالح قرينة البراءة، ولا في مصلحة المحاكمة العادلة. والآن، يمكن لنا نقول إن التحقيق يجب أن ينصب قانونيًا على القضايا الكبرى، والقضايا المعقدة، لأن الهاجس العملي لدينا اليوم، وقد كنا في الثمانينات كمسؤولين قضائيين نحاسب على نسبة الاعتقال الاحتياطي، بان كل رئيس للنيابة العامة، وكل وكيل للملك، وكل كيل عام، وكل قاضي للتحقيق يوجد لديه معتقلون احتياطيون فإنه يُنعَتُ بالمسؤول الفاشل، وكل مَن قلّ عنده عدد هؤلاء المعتقلين يُنعتُ بالمسؤول الناجح. وظاهرة الاعتقال، الآن في المغرب، يعرفها الجميع، والسيد الوزير ربما يعرف أرقامها بالتدقيق. إذن المسألة مسألة اقتناع، هل نمنح لقاضي التحقيق سلطات تجعله يقلل من الاعتقال الاحتياطي، ونخوّل للنيابة العامة كذلك، سلطات لكي تنقص بدورها من الاعتقال الاحتياطي، أم أننا سنفتح الباب على مصراعيه؟

لذلك، كانت المناداة في فرنسا، والدول الأخرى التي أخدنا عنها هذه التجربة، تقول بأن التحقيق يجب أن يكون في بعض الجرائم الخطيرة لا أقل ولا أكثر. ونقولها نحن بصريح العبارة، يجب أن لا نعطي إمكانية الاختيار بين الإلزامي والاختياري. حقا إننا إذا  أخذنا بالإلزامي في مشروع، وبالاختياري في مشروع آخر، ف لمن يرجع الاختيار؟ لوكيل الملك؟ أو يرجع للوكيل العام؟ إذن من يتحكم في هذه الاختيارية؟ هل نختار سلطة النيابة العامة؟ ولكن النيابة العامة، بكل صراحة، عندما ترغب في التخلص من ملف من الملفات فإنا تحيله على التحقيق! أنا لا أعرف لماذا؟ إذا كان المشروع سيمنح الصلاحية لوكيل ملك أو للوكيل العام فعلى هذا الأخير أن يتحمل مسؤوليته، خصوصا في قانون المسطرة الجنائية الذي أعطى صلاحيات موسَّعة كثيرة جدا للنيابة العامة، سواء من حيث الإشراف على السلطة القضائية، أو البحت التمهيدي، وهذه المسائل كلها، إما أن النيابة عامة سيبقى عندها هذا الدور، وتكون هي المسؤولة في الحقيقة، ولكن علينا أن نقيّد التحقيق في بعض الجرائم الخطيرة. زيادة على هذا، لماذا لا نقلّد فرنسا، وننظر بالتالي إلى نسبية قضاء التحقيق هل مسطرة التحقيق تعطينا نسبة معينة من البراءة؟ وهل المحماة تفعل كذلك، سواء في غرف الجنايات أو الغرف الابتدائية… ونرى هل تأتي لنا تلك المسطرة بجديد من الناحية العملية، أم أننا نستدعي شهودًا ثمّ نحوّلهم إلى متهمين، وبينما يكون عدنا متهم  واحد في الملف، في البداية، نحوّله إلى 20 أو 30 متهمًا؟ هذه في الحقيقة تساؤلات عملية يجب أن ننظر إليها قبل أي قانون، وإلا  فإن هذا المشروع، ومن منطلق تجربتي المتواضعة،  أقول إننا إذا بقينا نعطي السلطات لقاضي التحقيق، ففي هذه الحالة، فإن عدد المعتقلين الاحتياطيين ربما سيتزايد أكثر لهذا السبب، ليس بحثا عن الجريمة تصديا لظاهرة الجريمة، لأن الجريمة لم يزدد حجمها في فرنسا بنفس النسبة التي ازداد بها عندنا في المغرب، بالرغم من التقدم التكنولوجي، وبالرغم من الوسائل المتوفرة لديهم هناك. لهدا ينبغي توخى الحذر الشديد فيما يتعلق بهذه المقتضيات.

فقط  لدي ملاحظة أود أن أختم بها: وتتعلق بالمادة 84 التي جاء فيها: “في حالة تقديم ملتمس إجراء تحقيق ضد مجهول، يتعين على قاضي التحقيق القيام بجميع إجراءات التحقيق الإعدادي، غير أنه لا يجوز له الاستماع إلى أي شخص من شأنه أن يفيد في إظهار الحقيقة إلاّ بوصفه شاهدا”. الآن نحن نرى المشرع وقد أدرج هذه الفقرة من أجل التقييد. وهكذا، فإذا تبين من مجريات التحقيق وجود أدلة على تورط أي شخص في الوقائع موضوع التحقيق، فلا يمكن الاستماع إليه كمتهم، أو اتخاذ أي إجراء في حقه بهذه الصفة قبل رفع الملف إلى النيابة العامة لتقديم ملتمساتها. إذن فقاضي التحقيق لم يعد حرًّا، فإما أن نمنحه هذه الحرية، وإما أننا سنسأله بعد ذلك لماذا؟ لأن النيابة العامة لم تقدّم ملتمسها. وطبعا فبقية هذا الفصل ظلّت بدون تغيير. لهذا فإمّا إعطاء صلاحية المراقبة من طرف جهة قضائية معينة، وإما التخلي عن هذه المؤسسة ما دامت هي آلية زائدة في يد النيابة العامة. ثالثا، وهناك مع الأسف ملاحظات كثيرة لا يسمح الوقت بذكرها، هذه النيابة العامة عندما تتقدم بالتماسات إجراء تحقيق ضد مجهول، فإن ذلك، واسمحوا لي، لماذا نقدّم أساسًا ضد مجهول؟ فأنا عندي شرطة قضائية، وعندي أكثر من ذلك الفرقة الوطنية، وعندي إشراف مباشر للنيابة العامة على هذا الأمر، وأجريتُ البحت اللازم، فلماذا ضد مجهول؟ إن هذا في الحقيقة إدخال لذلك المس بقرينة البراءة سواء أردنا ذلك أو أبيناه. يعني أننا نتقدم بإجراء البحت أو ما سيكشف عنه البحت، لأن العادة كما كان جاريًا به العمل: أنّه مَن أراد الكيد لأحد فإنه يقدم شكاية ضد مجهول، أولا، لكي يُخرج السلطة الأمنية للقيام ببحثها، وثانيا لكي يُحمِّل النيابة العامة ويحمِّل قاضي التحقيق أيضًا، مسؤولية ما يقع من تبعات تمس بقرينة البراءة وبالمحاكمة العادلة.

طبعا، الآن، أصبحنا في بلادنا في وضع مريح من الناحية القانونية. فخناك دستور 2011 ، وتوصيات الهيأة العليا للحوار الوطني، والخبراء، حتى لا أقول القضاة والمحامون المنكبون على هذه المساطر، يلزمنا جميعًا وعي بأن هذا الذي نعدّ له ونهيّئه  ينبغي أن نتوافق عليه، لأنه سينتقل إلى الأجيال القادمة، وبالتالي ينبغي أن يكون في مصلحة بلادنا، وفي مصلحة الوضع المتقدم الذي أصبح لبلادنا سواء على المستوى الأوروبي أو غيره، لكي تكون هذه القوانين كما كان دستورنا متقدمًا، يجب أن تكون القوانين المنزلة متقدّمة هي الأخرى، والتي وضع لها السيد وزير العدل والحريات آلية جميلة جدا، وهي آلية الحوار الوطني. فمجرد ما يفتح المرء ذلك الكتاب، ويقرا تلك المبادئ، يشعر أننا يجب أن نتأثر بها في تنزيل نصوصنا الدستورية… وشكرا جزيلا.

الأستاذ نور الدين الرياحي المحامي العام لدى محكمة النقض ممثِّلاً للودادية الحسنية للقضاة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...