ضمان تطبيق العدالة في المحاكم: الحق في محاكمة عادلة


ضمان تطبيق العدالة في المحاكم: الحق في محاكمة عادل

من الضروري أن يكون لكل فرد الحق في الحصول على محاكمة عادلة من أجل وضع الثقة في هيئة المحكمة والنظم القضائية. وفي حال لم ير الناس النظام القضائي عادلاً فإنه سيفقد شرعيته وثقته واحترامه. ولذلك يمكن اعتبار الحق في المحاكمة العادلة حجر الزاوية في كل مجتمع عامل ومن أجل سيادة القانون.

إن حق كل فرد في الحصول على محاكمة عادلة أمر هام لضمان منع تعرض الناس للظلم في الحكم عليهم ومعاقبتهم. وهذا الحق يلعب أيضاً دوراً هاما في حماية الحقوق الأخرى للإنسان مثل الحق في الحرية، والحق في الحياة، والحق في الحرية من التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة.

ويُعتبر الحق في محاكمة عادلة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان معترفاً به في العديد من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وأكثرها أهمية ” الميثاق الأفريقي” لحقوق الإنسان والشعوب، المادة 7، “الاتفاقية الأمريكية” لحقوق الأنسان المادة 8،الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المادة 6، والميثاق الدولي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان المدنية والسياسية عام 1976 المادة 14.

و سيتم استخدام الميثاق كمثال في هذا السياق نظراً لطبيعته الدولية واتساع نطاق تطبيقه. وهناك مواد عديدة في الميثاق الدولي للأمم المتحدة لها صلة بالحق في محاكمة عادلة، المادة 14. ومع ذلك، سيتم التركيز بصورة خاصة على المواد ذات الصلة ومنحها اهتماماً اضافياً هنا.

إن معايير النزاهة متشعبة ومعقدة، وسيتم توضيح المضمون المحدد للحق في محاكمة عادلة بمزيد من التفصيل أدناه.

ما الذي يجعل المحاكمة عادلة؟

لا وجود لإجابة سهلة على ذلك. فالحق في محاكمة عادلة يتضمن نطاقاً واسعاً من الحقوق قبل المحاكمة، بما في ذلك حقوق الإستماع العادل وحقوق ما بعد المحاكمة. وتضع المادة 14 من الميثاق الدولي للأمم المتحدة عدداً من الحقوق أكثر تفصيلاً والتي تنشئ إطاراً للحق في محاكمة عادلة. وقد تتعارض تحفظات الدول التي تنكرالحق في محاكمة عادلة مع أهداف وغرض من هذا الميثاق، غير أن التحفظات على بعض البنود الواردة في الميثاق الدولي للأمم المتحدة ، قد تكون مقبولة.

وتمنح المادة 14 من الميثاق الدولي للأمم المتحدة كل شخص الحق في المساواه أمام المحاكم والهيئات القضائية، انظر المادة 14 (1).

وينطبق مبدأ عدم التمييز هذا على جميع الحالات، الجنائية والمدنية على حد سواء. ويشرح التعليق العام رقم 32 في الدورة التاسعة عشرة من “لجنة حقوق الإنسان” الحق في المساواة أمام المحاكم وضمان المساواة في النفاذ والمساواة في الدفاع. وينبغي أن يكون لدى كلا الطرفين الحق نفسه في بناء قضيتهما وفي تقديم الدفاع والشهود والأدلة الأخرى أمام المحكمة، والتي تُعد الظروف الحاسمة لتجربة الأطراف في إجراء محاكمة عادلة. ويمنح حق الوصول إلى المحاكم الحق الأول للإجراءات المقترحة. ووجود شروط خاصة للطعن في الحكم على مستوى أعلى لا يُعد انتهاكا للحق في محاكمة عادلة عموماً. كما أن المتهم، أياً كان، لديه الحق في الاستئناف، والحق في استعراض الإدانة، والحكم أمام محكمة أعلى في جميع القضايا الجنائية. انظر المادة 14 (5).

وتنص المادة 14 كذلك على أن كل فرد يواجه تهماً جنائية لديه الحق في عقد جلسة استماع علنية وعادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة، انظر المادة 14 (1). ويُعد عقد جلسة استماع عامة ومفتوحة القاعدة الرئيسية لإجراءات المحاكمة في المقام الأول. ومن شأن الحصول على جلسات استماع عامة تمكين الجمهور من رصد حقيقة أن هذه المعادلة في الواقع عادلة وتلتزم بالقانون المحلي والمعايير الدولية. كما يمكن إجراء استثناءات لشرط عقد جلسات استماع عامة في حالات خاصة عندما تبرر ذلك مصالح أي من الطرفين. ومع ذلك، ينبغي أن يكون الحكم النهائي عاماً في هذه الحالات أيضاً، وبغض النظر عن ما إذا كانت جلسة الاستماع عُقدت خلف أبواب مغلقة.

وهناك ارتباط قوي بين حق كل فرد في المساواه قبل المحكمة، والحق في إنشاء محكمة مستقلة ومحايدة. وينبغي أن تحكم المحكمة المستقلة والمحايدة في كل حالة علي حدة وعلى أساس الأدلة في القضية وسيادة القانون. وفي حال وصلت المحكمة الي أحكامها على أساس الأدلة وسيادة القانون فقط، فهذا يعني أن الجميع متساوٍ أمام المحكمة. ولكي تكون المحكمة مستقلة ومحايدة، يجب ان تكون السلطة القضائية بمعزل عن أي تدخل سياسي. انظر التعليق العام رقم 32 القسم الثالث.

وتم توجيه انتقادات إلى “محاكمة الخمير الحمر” في كمبوديا، والتي جرت بمساعدة الأمم المتحدة (الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا)، بسبب السماح لرئيس الوزراء التدخل في أعمالها. وتشير رسالة استقالة “قاضي التحقيق الاحتياطي الدولي” في عام 2012 بوضوح إلى أنه واجه ضغوطاً سياسية كانت عاملاً حافزاً لتقديم استقالته.

ومن الصعب تخيل أن تكون المحكمة قادرة على البقاء مستقلة ومحايدة إذا كانت للحكومة المتواجدة مصلحة في إجراءات ونتائج قراراتها. ويلمح التدخل السياسي المزعوم إلى أن الإجراءات لن تكون مستقلة ومحايدة، ويمكن أن يعطي لأحكام الإدانة من المحكمة قيمة قانونية منخفضة. وقد يترك عدم استقلالية المحكمة انطباعاً بأن الأطراف لم تحظ بمحاكمة عادلة. وهذا أبعد ما يكون عن وضع مثالي ليس فقط للمتهمين ولكن لأسر الضحايا أيضاً، حيث أن كلاً منهما محروم من فرصة الحصول على قرار عادل في القضية.

ولدى كل شخص يواجه اتهامات جنائية الحق في حد أدنى من الضمانات لمحاكمة عادلة، كما نصت عليه المادة 14 (3). ويتضمن هذا الحد الأدنى من الضمانات، الحق في المساعدة القانونية، ومبدأ التناقض، والحماية ضد الخطر المزدوج. وفي الحالات التي تكون ضد الأشخاص الأحداث، فإن المادة 14 (4) في الميثاق الدولي للأمم المتحدة تنص بوضوح على أن سن هؤلاء الاشخاص ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار. وفي التعليق العام 32، فإن لجنة حقوق الإنسان تطلب من جميع الدول الأطراف في الميثاق الدولي للأمم المتحدة حماية حقوق القاصرين من خلال انشاء أنظمة قضائية مستقله لهم لضمان حصولهم على محاكمات عادلة. كما أن من المهم أن يجد هؤلاء نظاماً للعدالة جرت تهيئته لتلبية احتياجاتهم الخاصة.

وفي ما يتعلق بحق الحصول علي محاكمة عادلة، لدى المتهمين الحق في عدم إكراههم على الشهادة ضد أنفسهم أو الاعتراف بالذنب، انظر مادة 14 (3). ويُعد هذا الحق بمثابة حماية ضد تجريم الذات ويهدف الي حماية المتهم من الإدلاء باعترافات قسرية. وإذا اضطر الشخص لإعطاء اعتراف، يجب أن لا يُستخدم كدليل في المحاكمة. وهناك سبب وجيه يدعو للشك في دقة وصحة الاعتراف القسري، ويُعد استخدام مثل هذا الاعتراف انتهاكاً واضحاً للحق في محاكمة عادلة.

وقبل أن يتم استجواب أي شخص عن طريق الشرطة، يجب أن يكون على علم بحقه في عدم الإدلاء بشهادة ضد نفسه. والحق في أن يتم إعتباره بريئاً إلى أن تثبت إدانته وفقا للقانون هو جزء أساسي من الحق في الحصول علي محاكمة عادلة، انظر مادة 14 (2)، ويمثل البند الأساسي لمبدأ افتراض البراءة. والمدعي العام هو الذي يحتاج إلى إثبات أن المتهم مذنب، وليس المتهم هو الذي يحتاج إلى إثبات براءته. وهذا يعني من الناحية القانونية أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي العام، والمتهم هو المخول له الإستفادة من هذا الشك. ويتعرض الحق في اعتبار المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته للانتهاك عند ادلاء ممثلي السلطات ببيانات تشير إلى إن الشخص مذنب قبل أن تتم ادانته فعلياً عن طريق المحكمة. وهذا النوع من البيانات لديه القدرة أيضا على التأثير على المحكمة في المحاكمة التالية.

وهناك قضية وقعت مؤخراً في باغمان، أفغانستان، حيث تم إتهام سبعة رجال باغتصاب أربع نساء عنوة. وتعامل السلطات مع هذه القضية جعلها عرضة لانتقادات واسعة النطاق من جانب المجتمع الدولي. وكان الرجال السبعة يواجهون لحظة الإعدام المحتملة. وفي هذا النوع من القضايا بالتحديد، تطالبلجنة حقوق الإنسان بأن يتم تطبيق أعلى معايير الإنصاف للمتهم لأن حياة الإنسان في الواقع على المحك. وكانت واحدة من المسائل التي تعرضت للانتقاد في قضية باغمان، تتعلق في الواقع بظهور الرئيس الأفغاني وقتها، حامد قرضاي، على شاشة التلفزيون في 6 أيلول/سبتمبر \\2014، معلناً” أرجو من رئيس القضاة الشريف منحهم الحكم بالإعدام”.

وبغض النظر عن ما إذا كان الرجال السبعة المتهمون ثبت أنهم مذنبون أم لا، فإن تصريح قرضاي بإعتباره سلطة أفغانية وقتها، يتداخل مع استقلال القضاء وحقوق المتهمين في أن يتم إعتبارهم أبرياء حتى تتم إدانتهم. كما أن طلب رئيس الدولة بنفسه لحكم معين قد يؤدي أيضاً الى إمكانية التأثير على المحكمة وعلى الحكم الصادر في القضية.

وتبين أيضاً أن العملية غير عادلة في نقاط أخرى. وبالحديث بأثر رجعي حول هذه القضية، فقد أقرّ نائب المدير في هيومن رايتس ووتش- آسيا ، “فيليم كين”، بأن “رد فعل الشرطة والمحكمة على هذه الجريمة المروعة، كان محاكمة فاشلة وتثير السخرية من العدالة بالنسبة للضحايا والمتهمين على حد سواء”. ويؤكد البيان الذي أدلى به على حقيقة أنه عندما يتم تقويض حق شخص ما في الحصول على محاكمة عادلة، يجري حرمان كل من الضحية والمتهم من فرصة الحصول على العدالة الحقيقية.

ما الذي يمكن القيام به لدعم الحق في محاكمة عادلة؟

يجب على المجتمع المدني تشجيع جميع الدول على تنفيذ ضمانات المحاكمة العادلة في القانون الوطني، والقيام برصد ومتابعة تنفيذها بطريقة مناسبة، ولفت الانتباه الدولي فوراً عندما وقوع حالات تم فيها إنتهاك الحق في محاكمة عادلة. كما يمكن أن يساهم المجتمع المدني والمنظمات باسترعاء انتباه الجمهور في هذه الحالات.

وتوجد طريقة أخرى لدعم الحق في محاكمة عادلة من خلال تثقيف الناس حول حقوقهم في محاكمة عادلة، ورفع مستوى وعي الشعوب في ما يتعلق بحقها في محاكمة عادلة، حتى يعرف الناس ما يحق لهم المطالبة به في حال تورطوا في أي وقت بمحاكمات في المستقبل. ويُعتبر التعليم أمراً حاسماً لضمان أن يكون الناس على دراية بحقهم وما يمكن لهم المطالبة به في محاكمة عادلة.

ويمكن للمنظمات غير الحكومية أيضاً القيام بدعم الحق في محاكمة عادلة عن طريق المشاركة ببعثات مراقبة للمحاكمات لرصد شفافية عمليات المحاكم والمحاكمات، وضمان امتثال المحاكم لمعايير المحاكمة العادلة. كما أن التواجد في قاعات المحكمة، يمثل ضغوطاً على المحكمة للتصرف وفقاً لمعايير المحاكمة العادلة.

وتعتقد الشبكة الدولية للحقوق والتنمية بأن الحق في محاكمة عادلة أمر حاسم وضروري لجميع المجتمعات العاملة، ومن الضروري بالتالي أن تتمسك جميع الدول بالحق في محاكمة عادلة للجميع.

إعداد ذ/: مالين ستولين ، محام في المركز الرئيسي للشبكة الدولية للحقوق والتنمية.

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017

الآفاق المستقبلية والإستراتيجية الخطة الإستراتيجية لمحكمة النقض 2013-2017 نظرا لأهمية التخطيط ودوره في تنظيم الأعمال ...