ظاهرة العولمة وتداعياتها


ظاهرة العولمة وتداعياتها

إن ظاهرة العولمة الثقافية تحاول تنميط العالم وإلغاء الخصوصية الثقافية للدول والشعوب ، وهي تعكس ثقافة القوة وسياسة الهيمنة التي تفرضها الدول الغربية وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية ، معتمدتا في ذلك على مجموعة من الوسائل دعائية وإعلامية ضخمة وجد متطورة ، حيث تعمل من خلالها على انتهاك المحظورات و الترويج لقيم العنف والإباحية …عبر مسلسلات و وبرامج الأطفال ،وقد تبنى الكثير من شباب العالم الإسلامي تلك القيم بطريقة لاشعورية لأنها تصل إليهم بالمجان وبطرق وتقنيات مدروسة تؤهلهم للتلقي والاستجابة ،مما يجعلهم يعيدون تشكيل معتقداتهم بل ويتحولون إلى ناشرين لتلك القيم في مجتمعاتهم على حساب  قيمهم ومعتقداتهم الأصلية. فالممارسات والأفكار التي تحملها العولمة الثقافية قائمة على فكرة استبعاد و إقصاء و كذا تشويه قيم وثقافات باقي الحضارات ، مما أفرز في النهاية تراجع الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية للمجتمعات.

فالعولمة مجرد آلية للهيمنة على الدول الأخرى ونهب ثرواتها وتمييع هوياتها الثقافية، فالغرب يريد أن يغزو العالم أجمع بحجة العولمة، ومن ثم لا يسمح لأي ثقافة أخرى أن تخترق مجتمعاته، أو حتى أن تبرز على الساحة الدولية ولنا في المثال التركي أكبر دليل ، حيث تجسد صراع الحضارات بين الغرب والإسلام بأنصع أشكاله في المثال التركي الأوروبي، حيث يرى كثير من الباحثين أن العداء الغربي المتصاعد لتركيا منذ سنوات هو شكل من أشكال الصراع الحضاري الذي بشر به هنتنغتون، ويعود ذلك إلى القفزات الحضارية الكبيرة التي أنجزتها تركيا منذ وصول حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة ، و واضح أن الغرب ليسوا سعداء بظهور نموذج إسلامي حضاري ينافسهم في تركيا ، لذا  دعموا  الانقلاب عسكري ضد نظامه ، كما رفضوا انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي بالرغم من إنجازاتها الاقتصادية العملاقة، في حين قبلوا بانضمام دولة أوربية منهارة اقتصادياً كاليونان إلى الاتحاد، والسبب كما واضح ثقافي وديني، لأن تركيا ليست مسيحية، وهذا يؤكد من أن التحالفات الدولية هي تحالفات عقائدية حتى لو كان الجانب الاقتصادي يحظى بأهمية كبرى في العلاقات الدولية.

فصحيح أن الغرب يبدو وكأنه لا يفهم إلا لغة المصالح المادية بحكم تبنيه واعتماده الكامل على المفهوم الرأسمالي المادي، وتغليب المصلحة المادية على المصالح الأخرى في تعاملاته مع بقية الدول والقوى، ويضرب عرض الحائط بالجوانب الأخلاقية والإنسانية، لكن هذا لا يعني أبداً أن الغرب فقد، أو نسي هويته الثقافية والعقائدية تماماً ، بل كثيرا ما نرى الغرب يتعصب فجأة لهويته الثقافية والدينية، حتى لو كان غالبية الغربيين أصبحوا ملحدين،  ، ولا يؤم الكنائس في بلد مثل بريطانيا سوى ثلاثة بالمائة أو أقل من السكان.

ومن أهم التداعيات الخطيرة للعولمة أنها تمس أساس توازن واستقرار المجتمع ، والمتمثلة في جانبي القيم والأخلاق ، كونهما يمثلان النظام والمرجعية التي تنظم المكونات والعلاقات داخل المجتمع ومع محيطه أيضا ، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لكيان أي شعب ويؤدي إلى زوال الخصوصية الأخلاقية للمجتمعات ، حيث تم استغلال أحداث 11 سبتمبر لممارسة مزيدا من الضغط على الدول الإسلامية.

ولقد أثبتت الدراسات المنصبة حول تأثيرات المواد الإعلامية الأجنبية والغزو الثقافي والانفتاح التليفزيوني أن من بين المضامين المصدرة للدول النامية هناك برامج مصممة بعناية لاستهداف عقول الشباب في هذه الدول بغرض زعزعة سلوكياتهم وإضعاف شخصيتهم العربية ، فالدول النامية ولأجل سد العجز في الإنتاج الإعلامي تستورد المادة إعلامية من مجتمعات ذات تركيبة سوسيولوجية وسياسية مختلفة تماما عن تلك السائدة في دولها ، وهي بذلك  و بدون وعي تشوه إدراك أفرادها بقيمهم ومبادئهم ، فحتى البرامج الترفيهية لا تخلو من أهداف خفية أي ليست حيادية ،فحسب الباحث ” إريك بارنو” أن الترفيه هو في الأساس دعاية تروج للوضع الراهن ، أي أنه يوجه عواطفنا نحو تدعيم  الأفكار المقبولة والمقررة وهناك مكافأة عاطفية مباشرة تتولد عن الترفيه وهي التخفيف من التوتر” ،إذ يحاول مصممو تلك البرامج تمرير قيم وسلوكيات معينة ،مستغلين حالة نقص الإدراك للمشاهد.

تداعيات ظاهرة العولمة على الهوية الوطنية


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...