قراءة في المادة السابعة من القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي


قراءة في المادة السابعة من القانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي

إن إصدار المشرع للقانون 49.16 المتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي  أملته اعتبارات  اقتصادية واجتماعية ومالية تروم إلى إيجاد إطار تشريعي  معاصر وحديث ، كما  يجسد  رغبة المشرع في تجاوز الإشكالات الواقعية والقانونية و أيضا القضائية التي كانت تطرحها مقتضيات وأحكام ظهير 24 ماي 1955 المنظمة للعلاقة التعاقدية بين ملاك الأصول التجارية وملاك العقارات والمحلات التي تستغل بها أنشطة تلك الأصول ، ومهما تعددت  وتنوعت الاعتبارات ورغبات المشرع سواء تم التعبير عنها صراحة أو ضمنا، فإن الدراسة القانونية لمقتضيات القانون 49.16 وإن كانت ضرورية فإنها تظل قاصرة غير مكتملة  نظرا لحمولتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمالية وأحيانا الأديولوجية، لذلك فأهمية هذه القراءة تتجلى أولا في عدد الإحالات على المادة السابعة بموجب  بعض مواد هذا القانون الموجبة للتعويض الكامل أو التعويض الكامل الاحتياطي لفائدة المكتري عن رفض المكري تجديد العقد  وثانيا  في الكشف عن بعض أهداف تدخل المشرع من وراء سن مقتضياتها ، فإلى أي حد توفق المشرع في تنظيمه لأحكام التعويض طبقا لمقتضيات المادة السابعة؟ وماهي الاعتبارات التي أسس عليها المشرع تنظيمه لهذه الأحكام من خلال تحديده لمشتملات التعويض؟، وكيف سيتعامل القضاء مع مستجدات هذه المادة؟ لذلك سيتم من خلال هذه المقالة الوقوف على  التدخل التشريعي في تحديد مشتملات التعويض ( مطلب أول) على أن يتم في (مطلب ثاني)  التطرق إلى  حدود  تدخل السلطة القضائية في تحديد مقدار التعويض.

المطلب الأول: التدخل التشريعي في تحديد مشتملات التعويض

  ظل عقد الكراء التجاري بموجب القانون  16-49 خارج  نطاق تطبيق  القواعد العامة التي تحكم مختلف العقود  إن على مستوى الإبرام أو على مستوى الإنهاء لما له من أبعاد حرص المشرع على ضمان حمايتها(الفقرة الثانية)  من خلال توليه تحديد مشتملات التعويض عند رفض المكري تجديد العقد المذكور (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى:   مشتملات التعويض

إن أغلب المنازعات التي كانت تطرح على القضاء المغربي في إطار ظهير 24 ماي 1955 تتعلق برغبات ملاك العقارات برفض تجديد عقود الكراء  مما كانت  تحول دون استغلال وتطوير عناصر الأصل التجاري بل تهددها بالتوقف ، خاصة عنصري السمعة التجارية والزبناء مما قد يؤدي  إلى زوال الأصل التجاري ، ومن هنا يتضح على  أن فلسفة المشرع في حماية أنشطة تلك الأصول المستغلة بالعقارات أو المحلات بموجب عقود الكراء المستوفية للشروط المنصوص عليها في المادتين 3 و4 والتي تدخل في دائرة مجال تطبيق المادة الأولى من القانون 49.16 ترتكز على جانبي الحقوق والإجراءات خلافا للأحكام العامة التي تنظم علاقة المكري بالمكتري، هذين الجانبين  يظلان مترابطين ومتكاملين فيما بينهما  ويشكلان منظومة قواعد قانونية موضوعية وإجرائية  منسجمة ومتجانسة إذا اختل  الجانب الإجرائي  أثر على الجانب الحقوقي باعتباره الحلقة التي تربط بين طرفي العقد وحقوقهم عند رغبة كل منهما في وضع حد لهذه العلاقة، وإذا كان الجانب الإجرائي كذلك فإن الجانب الحقوقي لا يقل أهمية خاصة الحق في التعويض عن إنهاء عقد الكراء المنصوص عليه في المادة السابعة من القانون المذكور و هو ما تدل عليه عدد  الحالات التي يستحق فيها المكتري  التعويض سواء كان تعويضا كاملا أو تعويضا كاملا احتياطيا حسب الحالة ، واستنادا  للمادة السابعة من القانون 49.16  فإن المكري الراغب  في وضع حد للعلاقة الكرائية مجبر على أداء تعويض عن عدم تجديد العقد الذي يجمعه بالمكتري إذا نتج عن إفراغ العقار أو المحل ضرر للمكتري  بحرمانه من استغلال أنشطته، هذا التعويض تولى المشرع تحديده بمقتضى المادة السابعة وميز بين فئتين من مشتملاته :

 الفئة الأولى: مرتبطة بمختلف المصاريف التي أنفقها المكتري على العقار   أو المحل عند استغلال أنشطته من إصلاحات وتحسينات وأخرى عند مغادرته للمحل أو العقار  و ما كلفته عملية الانتقال من مصاريف مختلفة خاصة بالنسبة للعناصر المادية .

الفئة الثانية: تتعلق بتركيبة الأصل التجاري من العناصر المفقودة سواء كانت مادية كالبضائع والأدوات والمعدات أو معنوية كالحق في الإيجار والسمعة التجارية والزبناء[1]   وقيمته انطلاقا من التصريحات الضريبية خلال الأربع سنوات الأخيرة .

  الفقرة الثانية : أبعاد التدخل التشريعي في تحديد مشتملات التعويض

إذا كان تحديد المشرع للفئة الأولى من مشتملات التعويض قد لا يثير أية   إشكالات من حيث المبدأ مادام يمكن إثباتها من قبل المكتري بموجب وثائق محاسبتية من المفترض مسكها من قبله وتدخل فيما أنفقه من  مبالغ مالية لتحسين وتجويد وتطوير استغلال أنشطته بما تتطلبه تلك العملية من إصلاحات للمحل أو العقار  وما أنفقه  خلال عملية التنقل من نقل للعناصر الأصل التجاري من مكان إلى  آخر  خاصة العناصر المادية عملا بمقتضيات المادة الرابعة من مدونة التجارة[2]،  فإن الفئة الثانية تبقى موضوع تساؤلات عدة  منها لماذا اعتمد المشرع في تقديره للتعويض على التصريحات الضريبة؟ وأي تصريحات يقصدها المشرع؟ هل تلك التي ستعتمدها الإدارة الضريبة كأساس للضريبة؟ أم أن الأمر يتعلق بالتصريحات التي قام بها المكتري باعتباره ملزما ضريبيا قبل ملاحظات الإدارة الضريبية  عند تصحيح الأسس الضريبية؟ ثم ماذا لو لم يقم المكتري بهذه التصريحات؟ هل سيفقد حقه في التعويض؟ أم أن المحكمة ستمنحه أجلا للقيام بذلك؟ وبصفة عامة يمكن القول على أن اعتماد المشرع على التصريحات الضريبية غايته هو الرهان على الأبعاد المالية والاقتصادية والاجتماعية للعلاقة التعاقدية  التي تجمع بين المكتري والمكري خاصة عند إنهائها   .

  • البعد المالي:

إن الإقرارات أو التصريحات التي يقوم  بها المكتري -الملزم الضريبي- عن مختلف العمليات والأنشطة التي قام بها قد تشوبها بعض الاختلالات نتيجة إقرارات ناقصة أو أخطاء أو إعفاءات قد تكون جزئية أو كلية  دائمة أو مؤقتة   تبديها الإدارة الضريبية  نتيجة ملاحظاتها مما يجعل الأساس الضريبي محل مسطرة التصحيح، لذلك كان حري بالمشرع الاعتماد على النتيجة الجبائية انطلاقا من الأرباح المحققة من الأنشطة والمستقاة من الٌإقرارات الضريبية[3] بعد التصحيحات التي تطال الأسس المعتمدة من طرف المكتري  لتحديد القيمة المالية الحقيقة للأصل التجاري ومن تم يصير مبلغ التعويض مقدر على أسس صحيحة، إن اعتماد المشرع على التصريحات الضريبة لتحديد قيمة الأصل التجاري لا يخرج عن البعد الأساسي لكل سياسة جبائية وهو البعد المالي، لذلك كان المشرع حريص على تحديد هذه القيمة انطلاقا من الإقرارات  وبالتالي يمكن القول على أن المشرع وضع معادلة في تقدير التعويض مفادها أنه كلما  صرح المكتري بجميع العمليات التي قام بها كلما كانت  له حضوض أوفر للحصول على تعويض أكبر عند نشوء  النزاع بينه وبين المكري حول العين المكراة من جهة ،   و من جهة أخرى يكون المشرع قد أسس آلية جديدة لتفادي ظاهرتي الغش والتهرب الضريبيين وهو ما  سيجعل ملاك الأصول التجارية  المكترين للمحلات والعقارات ملزمين بتصريحات ضريبية حقيقية لأنشطتهم ، وما يدفعنا للقول بالاعتماد على النتيجة الجبائية عوض الإقرارات هو ما نصت  عليه  المادة 9 من نفس القانون فيما يتعلق بالتعويض المؤقت حيث نصت على أن هذا التعويض يجب أن يوازي كراء ثلاث سنوات  دون أن يتجاوز مبلغ الأرباح التي حققها حسب التصريحات الضريبية للسنة المالية المنصرمة، وحتي يكون المشرع منسجما مع توجهاته  كان عليه أن يصيغ نص المادة السابعة وفق ذلك ،  كما أن البعد المالي ظل حاضرا لدى المشرع عندما اعتبر من مشتملات التعويض أيضا ما فقده الأصل التجاري من عناصر وليس نقصان  في قيمتها  وهو ما سيجل المكتري مضطرا إلى الكشف عن حقيقية مختلف العمليات التي طالت العناصر المادية للأصل التجاري خاصة تلك  المخزنة و التي تقدر قيمتها بمبالغ مالية مهمة  وتلك المعروضة للجمهور[4] والتي تكون محل حركة دائمة بالنسبة للأصول التجارية  ، ومع ذلك ويبقى عنصري السمعة التجارية والزبناء أهم هذه العناصر لما يشكلانه من أهمية لكل أصل تجاري وهيمنتهما على باقي العناصر المعنوية الأخرى استنادا للمادتين 79 و80 من مدونة التجارة  بحيث إذا تم فقدان الأصل التجاري لهما اندثر وزال، ويضاف إليهما عنصر الحق في الكراء لما له من أهمية في تحديد موقعه و الرفع من قيمته الاقتصادية  والمعاملاتية [5]  لكنه ليس عنصرا جوهريا[6] وتبقى مرتبته الثالثة عند تعداد عناصر الأصل التجاري من حيث مركزه في مدونة التجارة[7] ، وإلى جانب البعد المالي حاول المشرع استحضار أيضا البعدين الاقتصادي والاجتماعي لما يشكلانه من أهمية لكل إقلاع تنموي.

  • البعد الاقتصادي:

عمل المشرع من خلال تحديده لمشتملات التعويض  على استحضار البعد الاقتصادي المؤسس على المبادرة الفردية ، فعلى المستويين التجاري والصناعي تتطلب عملية استثمار رؤوس الأموال الاستقرار وسلامة  المعاملات التجارية وعدم زعزعة الثقة بين  مختلف الفاعلين بما يخدم استمرارية المقاولة[8]وصيانتها من الضياع والاندثار لما لها من دور في العملية الاقتصادية في شموليتها  بحيث راهن المشرع عند تعداده لمشتملات التعويض على عدم ضياع الأصل التجاري كمحرك للاقتصاد المغربي بشكل يتماشى مع التطورات الاقتصادية وطموحات مختلف قوى الانتاج العاملة ضمن مختلف عمليات التنمية  والذين في غالب الأحيان لا  يملكون  عقارات أو  محلات تمكنهم من استثمار رؤوس أموالهم أحسن استثمار في مناخ يسوده الثقة والاستقرار تضمنه النصوص القانونية كعامل من بين العوامل الأخرى التي تؤثر  بشكل مباشر أو غير مباشر في الاقتصاد الوطني ولها  ارتباط بمختلف القطاعات الأخرى.

  • البعد الاجتماعي:

إن رهان المشرع من خلال تحديده لمشتملات التعويض لا تقتصر على البعدين المالي و الاقتصادي فقط وإنما تتعداه لتشمل البعد الاجتماعي  بحيث  يشكل استقرار العلاقة الكرائية أهمية في عدم فقدان فرص الشغل التي أتاحتها  الأنشطة المستغلة بموجب عقود الكراء التجاري نتيجة عن إنهاء العلاقة الاجتماعية وكذا   توفير فرص أخرى جديدة، كما  يؤدي أيضا إلى استمرار العلاقات الاجتماعية حماية للسلم الاجتماعي  لتفادي إغلاق المقاولات خاصة الصغرى مما يضمن للأصل التجاري الحق في البقاء .

إن ما يكرس هاجس  تحقيق هذه الأبعاد لدى المشرع من خلال هذه المادة  هو ما قررته الفقرة الخامسة  بخصوص جزاء البطلان عن  كل شرط أو اتفاق مسبق من شأنه حرمان المكتري من حقه في التعويض عن إنهاء الكراء.

هكذا يكون المشرع عند إقراره للتعويض حسب المادة السابعة عن إنهاء العلاقة الكرائية قد راعى مصلحة المكتري في الحصول على التعويض متى كان له محل، وهي مصلحة خاصة، لكن في حقيقة الأمر يظل هدفه هو مراعاة “المصلحة العامة” إن صح التعبير المتجلية في الأبعاد الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تمت الإشارة إليها.

والملاحظ على أن رفع المشرع من قيمة التعويض  سيدفع بملاك العقارات والمحلات إما إلى رفع السومة الكرائية عند إقدامهم على إبرام العقود تحسبا لما قد ينشأ من منازعات تفضي إلى المطالبة بالإفراغ وعدم تجديد العقد ، أو أنهم سيحجمون عن إبرام عقود الكراء التجاري خوفا من دخولهم سجن هذه العلاقة الكرائية[9] المتميزة عن العلاقة في إطار الكراء المدني نتيجة مبالغة المشرع في  تحديد مشتملات التعويض مما قد يؤثر على دور العقار في العملية التنموية والتجارية بالخصوص  بالإضافة إلى ما قد يولد لدى المكرين  تخوف من مواجهة الإدارة الضريبة عن الإقرارات المتعلقة بالملكية العقارية عند ممارسة الإدارة الضريبية لحقوقها في مواجهة  المكتري / الملزم الضربي نظرا لاعتماد المشرع على التصريحات الضريبية  لتحديد قيمة الأصل التجاري ،  خاصة وأن الوعي الضريبي لدى هؤلاء لم يرق إلى مستوى  اعتبار الضريبة جزءا من واجباتهم تجاه الوطن[10].

وإذا كان المشرع كمبدأ عام قد حدد مشتملات التعويض، فإنه مع ذلك ترك الاختيار لطرفي عقد الإيجار التجاري التحرر من مقتضيات المادة السابعة وذلك بالاتفاق بينهما حول دفع المكتري مبلغا من المال كمقابل للحق في الإيجار[11] الذي اعتبره المشرع من خلال الفقرة الأخيرة من المادة السابعة  تعويضا لكن شريطة  أن لا يقل هذا الأخير عن ذلك المبلغ الذي قدمه المكتري  كمقابل للحق في  الكراء وهو ما قد يدفع بطرفي العقد إلى إبرام عقود الإيجار التجاري وفق هذه الصيغة  لتفادي  التصريحات الضريبية كأساس لتقدير مبلغ التعويض.

المطلب الثاني :   حدود تدخل السلطة القضائية في تحديد مقدار التعويض

بذل القضاء المغربي في إطار ظهير 24 ماي 1955  جهدا كبيرا في  فك  الغموض  الذي كان يكتنف مقتضياته  خاصة تلك المتعلقة بقيمة مقدار التعويض بحيث كان  هذا المقدار هزيلا حسب المادة 10 منه والتي حددته في قيمة الاسم التجاري بالمقارنة مع قيمة النزاع وكذا التطورات التي عرفتها الحياة الاقتصادية والاجتماعية وهو ما حدى به إلى الاستقرار في أغلب اجتهاداته على قيمة الأصل التجاري عوض القيمة  المذكورة، وبصدور القانون 49.16  تكفل المشرع بتحديد مشتملات التعويض وفي نفس الوقت ميز من خلال المادة الأولى بين نوعين من عقود الإيجار التجاري: عقود ترد على العقارات أو المحلات التي تستغل بها أنشطة الأصل التجاري ( الفقرة الأولى) وأخرى ترد على العقارات أو المحلات التي تستغل بها أنشطة أخرى أدرجها المشرع ضمن الأعمال التجارية أو الصناعية أو الحرفية،  وهو ما سينعكس على تدخل السلطة القضائية في تقدير التعويض.

الفقرة الأولى: عقود  كراء العقارات أو المحلات التي يستغل فيها الأصل التجاري

استغل القضاء المغربي كل المساحات المتاحة لديه[12]  عند تطبيقه لظهير 24 ماي 1955  لضمان وحماية حقوق المكري والمكتري بهدف إيجاد توازن بين ملكية عقارية تعود ملكيتها للمكري نص الدستور على ضمانها بموجب القانون[13]  وملكية تجارية تعود للمكتري مالك الأصل التجاري مؤطرة بمقتضيات قانونية تعود إلى الفترة الاستعمارية، وبذلك يكون المكري أمام ملكية تجارية مختلفة عن ملكيته، ويكون المكتري أيضا أمام ملكية عقارية  متناقضة مع ملكيته ، هكذا فأغلب المنازعات التي تنشأ بين ملاك العقارات  أو المحلات وملاك الأصول التجاري دائما ما كانت تطرح حول تجديد الحق في الكراء، ولحماية هذا الحق أقر المشرع لفائدة المكتري الحق في  التعويض وهو من أهم الحقوق المقررة عند إنهاء العلاقة الكرائية لجبر الضرر الذي لحق المكتري جراء  رفض المكري تجديد العقد وإفراغه للعقار أو المحل الذي كان يمارس فيه مختلف أنشطته بموجب عقد الكراء  بحيث كان القضاء المغربي يستند على  تقارير الخبرة لتقدير قيمة التعويض و التي غالبا ما كانت تساوي قيمة الأصل التجاري وليس قيمة الاسم التجاري حسب منطوق المادة العاشرة من الظهير المذكور مما كان يتيح للقضاء استعمال سلطته التقديرية في تحديد مقدار التعويض سواء كان تعويضا كاملا أم جزئيا، وهو ما كرسه الاجتهاد والعمل القضائيين بخصوص الكراء التجاري عند تحديد قدر التعويض انطلاقا مما سيحصل للمكتري من الخسائر وما سيفقده من الأرباح بسبب إضاعة حقوقه استنادا على خبرة موضوعية [14]  شريطة ألا يقل هذا التعويض عن قيمة الأصل التجاري الذي أسس بالمحل[15]، لكن بإصدار المشرع للقانون 49.16 يلاحظ على أن مقتضيات المادة السابعة حدد  فيها المشرع الحد الأقصى للتعويض من خلال تعداده لمشتملات التعويض الكامل وبذلك يكون المشرع قد وضع حدا للنقاش الفقهي حول ما إذا كانت قيمة الضرر تفوق قيمة الأصل التجاري [16] من جهة وقيد في نفس الوقت سلطة القاضي في تقدير التعويض عندما حدد مشتملاته على سبيل الحصر كلما تعلق الأمر بالتعويض الكامل أو التعويض الاحتياطي الكامل حسب الحالات المنصوص عليها بموجب هذا القانون[17] وهو ما يعني أنه مهما تكن الخسائر التي  ستلحق المكتري وما سيفقده من أرباح[18]  يكون القاضي ملزم بعدم تجاوز مشتملات التعويض كما هي محددة بموجب المادة السابعة ولا يمكن  التخفيف من قيمته إلا إذا أثبت المكري على أن الضرر الحاصل للمكتري أخف من القيمة المذكورة، فأي قيمة يقصد المشرع هل قيمة الأصل التجاري؟ أم قيمة مشتملات التعويض ؟، إن ظاهر النص يوحي على أن نية المشرع تتجه نحو قيمة الأصل التجاري من خلال استعماله عبارتي “قيمة الأصل التجاري” و ” القيمة المذكورة” ، وهي نفس الصيغة تقريبا التي استعملها ظهير 24 ماي 1955 مع اختلاف في عبارة “قيمة الاسم التجاري”، ومهما اتجهت نية المشرع فإن تعامل القضاء مع  صيغة المادة السابعة سوف لن يحيد عن ما تم الاستقرار عليه عند تطبيقه للمادة العاشرة من الظهير المذكور، كما أنه من الصعب جدا أن يثبت المكري ذلك لكونه لا يملك أية صفة للاطلاع على الإقرارات المدلى بها من قبل المكتري لدى الإدارة الضريبية، بالإضافة إلى أن مجمل الوثائق المحاسبتية لمختلف المصاريف سواء مصاريف الإصلاحات أو التنقل تكون ممسوكة بيد المكتري ثم كيف له أن يثبت فقدان بعض عناصر الأصل التجاري خاصة العناصر المعنوية .

الفقرة الثانية: عقود  كراء العقارات أو المحلات التي لا  يستغل فيها الأصل التجاري

                

إذا كانت العقود التي تدخل ضمن دائرة استغلال الأصل التجاري حسب الفقرة الأولى من المادة الأولى من القانون المذكور لا تعرف أي تعارض مع مقتضيات المادة السابعة من حيث المبدأ، فإن عقود كراء العقارات والمحلات التي لا يستغل فيها الأصل التجاري و فق  منطوق الفقرة الثانية من نفس المادة  كالتعليم الخصوصي والصحة بالنسبة للمصحات والمؤسسات المماثلة تبقى محل ملاحظات عند تقدير التعويض خصوصا وأن القانون 49.16 كرس ما استقر عليه القضاء المغربي[19]  عند تطبيق ظهير24 ماي 1955 مع بعض التعديلات المحتشمة التي أدخلت عليه ، فكيف سيتعامل القضاء المغربي مع هذه الأنشطة عند تقدير التعويض؟ و هل سيتم تحديده وفقا للأحكام العامة؟ خاصة وأن المادة السابعة تحدد على سبيل الحصر مشتملات التعويض في قيمة الأصل التجاري وما فقده من بعض عناصره بالإضافة إلى المصاريف الأخرى  وذلك  باستعمال المشرع عبارة “يشمل هذا التعويض قيمة …”، وهو ما سيجعل  القاضي  يتمتع بسلطات واسعة للتقدير قيمة التعويض، لذاك كان على المشرع أن يراعي عند صياغته للمادة السابعة طبيعة هذه الأنشطة والعقود المنصبة على العقارات أو المحلات التي تستغل بها،  وما يدفعنا قول ذلك هو ما الفائدة من تمييز المشرع من خلال المادة الأولى بين عقود كراء العقارات أو المحلات التي يستغل بها الأصل التجاري وأخرى تستغل بموجبها أنشطة ذات طبيعة خاصة إذا لم تتضمن المادة السابعة  مثل هذه العقود؟ ثم إن التمييز الذي نص عليه المشرع في المادة الأولى من هذا القانون يوحي على أن ما سيأتي بعدها من المواد ستراعي هذا التمييز خاصة المادة السابعة وهو ما لم يفعله المشرع وكأن الذي صاغ المادة الأولى ليس هو من وضع المادة السابعة ، ثم كيف سيتعامل القضاء المغربي مع هذه العقود إذا ما تم الحكم بالإفراغ  لما لها من آثار اجتماعية خطيرة ، لذلك كان على المشرع عدم إدراج هذه الأنشطة ضمن هذا القانون في أفق سن تشريع خاص بها حماية للطلبة والتلاميذ والمتدربين والمرضى، إن ظهير 24 ماي 1955  لما أخضع بعضا من هذه العقود لمقتضياته أملته الفترة الاستعمارية حماية لمصالح المستعمر الفاقد للملكية العقارية خاصة عقود كراء الأملاك والأماكن التي تشغلها كل مؤسسة من مؤسسات التعليم[20] ، و إن كان القضاء المغربي  ميز بين التعليم العمومي والخاص في  أحكامه و  تم  تكريسه في إطار  القانون16-49.

لكن و مع ذلك يمكن التساؤل لماذا أقحم المشرع هذه العقود ضمن قانون يتعلق بكراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي؟ هل حماية للمتمدرسين من الطلبة والتلاميذ والمرضى أم حماية لملاك تلك المؤسسات؟ خاصة إذا علمنا  أن المشرع استعمل عبارات فضفاضة وعامة من قبل العقارات أو المحلات التي تمارس فيها المصحات والمؤسسات المماثلة لها نشاطها ومن تم يطرح التساؤل الآتي هل طبيب الأسنان حين يقوم بدور علاجي أو جراحي يعتبر  عمله هذا عملا تجاريا[21] ، يبدو أن رغبة  المشرع  في إقحام هذه العقود ضمن القانون 49.16 هو تحفيز و تشجيع الخواص للاستثمار في  هذه القطاعات الاجتماعية خاصة  التعليم وذلك للتخفيف من العبء المالي الذي تخصصه الدولة  له في أفق انسحاب و التخلي عنها بشكل تدريجي من جهة، ومن جهة أخرى الدفع بهم إلى التصريح بضرائبهم خاصة المؤسسات التعليمية التي فاقت الملايير[22].

وجدير بالذكر إلى  أن المشرع رتب جزاء البطلان على كل اتفاق أو شرط يقضي بحرمان المكتري من التعويض متى كان له محل، بحيث يمكن للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها  وسواء  تم التعبير عن حرمان المكتري من التعويض بموجب اتفاق مستقل عن العقد أو  بشرط مضمن  فيه فإنهما يعتبران معدومان لا أثر لهما على عقد الكراء التجاري و مع ذلك فقد أعفى المشرع المكري من التعويض مقابل الإفراغ بموجب المادة 8 التي عدد الحالات التي تحرم المكتري من حقه في التعويض،  وعموما يمكن القول على أن تطبيق  المادة السابعة من قبل القضاء  إما ستعرف تأويلات واجتهادات خاصة فيما يتعلق بكيفية احتساب التعويض انطلاقا من قيمة الأصل التجاري مما يمهد الطريق  للقضاء إلى إعمال سلطته التقديرية أو أن تطبيقها سيكرس ما استقر عليه القضاء[23] عند تطبيقه لأحكام ظهير 24 ماي 1955.

هكذا  يمكن القول على  أن تدخل المشرع من خلال المادة السابعة في تحديد  مشتملات التعويض الموجب للمكتري عند إنهاء عقد الإيجار التجاري إما أن تكون له انعكاسات إيجابية على الاستقرار الاقتصادي المؤسس على  عقود  الكراء التجاري أو أن الأمر سيؤدي إلى ركود  الانتعاش العقاري  المرصود لخدمة  الأنشطة  التجارية.

[1]   راجع المادة 80 من مدونة التجارة

[2]  تنص المادة 4 من مدونة التجارة على أن ” إذا كان العمل تجاريا بالنسبة لأحد المتعاقدين ومدنيا بالنسبة للمتعاقد الآخر، طبقت قواعد القانون التجاري في مواجهة الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه تجاريا، ولا يمكن أن يواجه بها الطرف الذي كان العمل بالنسبة إليه مدنيا، ما لم ينص مقتضى خاص على خلاف ذلك”.

[3] نجاة الكص، الحق في الكراء كعنصر في الأصل التجاري ومدى الحماية المقرر له في ضوء ظهير 24 ماي 1955 ، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث، قانون الأعمال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2004-2005، ص،286.

[4]  عبد الرحيم شميعة ،  “دروس في القانون التجاري”، دون ذكر المطبعة،  طبعة الموسم الجامعي 1999-2000، ص 119

[5]  أحمد شكري السباعي،الوسيط في الأصل التجاري، “دراسة  في قانون التجارة المغربي والقانون المقارن والفقه والقضاء، ج II ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى ، ص 16-17.

[6] أحمد شكري السباعي ، م.س، ص21

[7]  محمد الكشبور، الحق في الكراء التجاري، عنصر في الأصل التجاري،دراسة في إطار ظهير 24 ماي 1955 ومدونة التجارة الجديدة، سلسلة الدراسات القانونية المعاصرة -2- ،الطبعة الأولى 1419-1998 ، ص 26.

[8]  نجاة الكص، الحق في الكراء كعنصر في الأصل التجاري ومدى الحماية المقرر له في ضوء ظهير 24 ماي 1955 م. س، ص،9

[9] أحمد شكري السباعي،الوسيط في الأصل التجاري، “دراسة  في قانون التجارة المغربي والقانون المقارن والفقه والقضاء، ج III ،  دار نشر المعرفة، الرباط، المغرب، طبعة 2013 ، ص 607.

[10]  صباح نعوش،، الضرائب في الدول العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان / الدار البيضاء – المغرب  الطبعة الأولى1987، ص129.

[11]  راجع الفقرة الأخيرة من المادة 4

[12]  عبد الرحمان الشرقاوي، دور القضاء في تحقيق التوازن العقدي، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008 ، ص5

[13]   راجع الفصل 35 من دستور 2011

[14]  قرار محكمة الاستئناف التجارية بفاس رقم ” 1547″  الصادر بتاريخ   27-12-2005   ملف عدد   573-05 ، 11:05 يوم 20 فبراير 2017

[15]  محمد الكشبور، م.س، ص،122

[16]  محمد الكشبور،م.س،

[17] هذه الحالات منصوص عليها بموجب المواد (9) و(10) و(11)و(13)و(15 )و(16 )و(17) التي أحالت على مقتضيات المادة(7)

[18]  الفصل 264 من ق ل ع.

[19]   – قرار في شأن مؤسسات التعليم الخاصة عدد 689 بتاريخ 2/7/98 و القرار في شأن الكتاب القرآني عدد 515 بتاريخ 20/02/2001. أشار إليهما أحمد شكري السباعي،الوسيط في الأصل التجاري، “دراسة  في قانون التجارة المغربي والقانون المقارن والفقه والقضاء، ج III، م.س، ص 559

[20]  الفقوة الثانية من الفصل الثاني من ظهير 24 ماي 1955 .

[21]  عبد  الرحيم اشميعة، م.س،ص 28

[22]  جريد المساء، العدد 3231 بتاريخ 8 مارس 2017 ، ص4 .

[23]  قرار المجلس الأعلى عدد 591 بتاريخ 07/05/2003،ملف تجاري عدد:606/3/1/2002 أشارت إليه نجاة الكص م.س،ص 288

afaqdroit.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...