قرينة البراءة بين “الفكر الحقوقي” و”التعسف السياسي”


قرينة البراءة بين “الفكر الحقوقي” و”التعسف السياسي”

رئيس الحكومة غير مؤهل دستوريا وقانونيا لتحديد عناصر حالة التلبس

يعتبر مبدأ «قرينة البراءة»، في ظل الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، من أهم المبادئ التي تؤصل لفكر حقوق الإنسان
بمفهومه الكوني والدولي، فضلا عن أنها بمثابة القطب من رحى المحاكمة العادلة.

يتأدى مبدأ «قرينة البراءة»، أساسا، في ضرورة تعامل القضاء، وبقوة القانون، مع المتهم باعتباره بريئا في كل مراحل المحاكمة إلا إذا قام الدليل على نسبة ارتكاب الجريمة إليه، وذلك بمقتضى حكم قضائي غير قابل لأي وجه من أوجه الطعن، أو ما يصطلح عليه قانونا بـ»حيازته لقوة الشيء المقضي به». وترتد بعض إرهاصات هذا المبدأ إلى عصور قديمة خلت، إلى أن أخذت به الشريعة الإسلامية تحقيقا للعدالة وضمانا لمصلحة المتهمين، وقد جسده الرسول الكريم (ص) في قوله: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ مَخْرَجًا فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ» (رواه البيهقي في السنن الكبرى)، أو كما روي في شرح المختصر لابن حجر:»ادرؤوا الحدود بالشبهات».

وقد تكرس هذا المبدأ في الفكر القانوني والحقوقي الحديث استجابة لصيحات المفكر الإيطاليCesare Beccaria في القرن الثامن عشر، بعد أن تلقفه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1789 (الفصل 9)، فميثاق الأمم المتحدة لسنة 1948 (الفصل 11)، ثم العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 (المادة 14).

ولما كان مبدأ «قرينة البراءة» ذا حمولة حقوقية كونية، فإن مشرع قانون المسطرة الجنائية الملغى لسنة 1959، كان قد أحجم عن تكريسه صراحة دونما أي اعتبار للمرجعيات المشار إليها أعلاه، مما دبت معه روح النضال في شرايين الحركات الحقوقية المغربية مطالبة بتكريسه قانونا، الأمر الذي استجيب له بمقتضى قانون المسطرة الجنائية لسنة 2003.

ولعل أجل ما تمظهر به نضال تلك الحركات، هو إقرار هيأة الإنصاف والمصالحة بضرورة التنصيص عليه دستوريا، وذلك بتوصيتها التالية: «دعم التأصيل الدستوري لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا، وذلك عبر ترسيخ مبادئ سمو القانون الدولي على القانون الوطني، وقرينة البراءة، والحق في محاكمة عادلة». وهو ما انتصر له الفصل 119 من الدستور الجديد، الذي جاء فيه: «يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به».

غير أن ما حَيَّر الرأي العام القضائي والحقوقي، وما زال، هو ما قد يتعرض له هذا المبدأ، بين الفينة والأخرى، من ضربات إعلامية وسياسية تكاد تعدمه بالمرة، لاسيما إذا ما صدرت ممن يفترض فيهم احترامه وتوقيره. ولا يخرج عن هذا الإطار، ما صرح به رئيس الحكومة خلال جلسة مساءلته الشهرية أمام مجلس النواب، يوم 26 أبريل، عندما قال: «إنه تألم لضبط شخص متلبس بالرشوة، ولكن عندما متعه القضاء بالسراح المؤقت استقبله رفاقه في المهنة استقبال الأبطال»، وهو ما ارتأينا إبداء بعض الملاحظات حوله علنا ندفع بعضا مما طال مبدأ «قرينة البراءة» وقيمة العدالة المؤسسة عليه من جور وتعسف، وذلك كالتالي:

الملاحظة الأولى: إن رئيس الحكومة غير مؤهل من الناحية الدستورية والقانونية لتحديد عناصر حالة التلبس من عدمها في ملف معروض على السلطة القضائية، إذ تختص هذه الأخيرة بذلك، أصالة وحصرا، دون غيرها، مما يكون معه قد تجاوز حدود عمل سلطته ليمتد إلى عمل سلطة أخرى، خلاف ما يقتضيه الفصل 107 من الدستور.

الملاحظة الثانية: إن السيد رئيس الحكومة، وبمجرد تقريره –تجاوزا- لحالة التلبس في التصريح المذكور، يكون قد أدان مسبقا المتهم المعني بالأمر، وهو ما لم يتقرر بعد من قبل القضاء باعتباره الجهة المختصة؛ مما يكون معه قد هدم مبدأ «قرينة البراءة» بكل حمولته الحقوقية والكونية، فضلا عما قد يسفر عن ذلك من ارتدادات حقوقية لا تتواءم ومتطلبات مرحلة ما بعد الخطاب السامي لـ 9 مارس والدستور الجديد. ناهيك عن مخالفته للمذكرة التي تقدم بها حزبه أثناء صياغة الدستور الجديد، مقترحا من خلالها ضرورة:»حماية الحريات العامة والأساسية في العمل القضائي، وخاصة بالتأكيد الدستوري على تعزيز ضمانات احترام قرينة البراءة».

الملاحظة الثالثة: غير خاف على ذي حس حقوقي في هذا الصدد، أن أي تعليق على قضية موضوعة بيد السلطة القضائية من لدن إحدى السلطتين الأخريين بما فيهم رئيس الحكومة، والتلميح بإدانة متهم ما قبل القول القضائي الفصل، إنما هو، وبتعبير الدستور الجديد، محاولة «للتأثير على القضاء بكيفية غير مشروعة» (الفصل 109 من الدستور المغربي الجديد)، الأمر الذي ينبئ لا محالة باقتراب ساعة «الفوضى المؤسساتية»، نظرا لغياب يكاد يكون تاما لثقافة «احترام سلطة القضاء».

وتأسيسا على ما كل ما سلف، يمكن القول إن أكثر ما يهدد «قرينة البراءة» وقيمة العدالة المؤسسة عليها، هي السياسة: فالسياسة والعدالة ضدان لا يجتمعان، وأن العدالة تتلمس الحق، والسياسية تبغي المصلحة، سواء كانت حقا أم باطلا.

إعداد:ذ/عبد الرزاق الجباري_عضو بنادي قضاة المغرب

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...