لمساهمة الأصلية في الجريمة


                                                                  المساهمة الأصلية في الجريمة

يراد بالمساهمة الأصلية في الجريمة، هو القيام بدور رئيس في تنفيذها. فيكون القائم بهذا الدور هو المساهم الأصلي في الجريمة. وقد اتجهت كثير من قوانين العقوبات الحديثة الى تحديد المساهمين الاصليين وتمييزهم عن غيرهم ومنها قانون العقوبات العراقي حيث نصت المادة (47)(1) محددة المساهم الأصلي بعد ان سمته (الفاعل) بقولها :-

(يعد فاعلا للجريمة) :-

1.من ارتكبها وحده او مع غيره.

2.من ساهم في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة أفعال فقام عمدا أثناء ارتكابها بعمل من الأعمال المكونة لها.

3.من دفع بأية وسيلة شخصا على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان هذا الشخص غير مسئول جزائيا عنها لأي سبب). غير ان قانون العقوبات العراقي لم يقصر صفة الفاعل الأصلي في الجريمة على انظر بهذا المعنى المادة (99) عقوبات ليبي و(39) عقوبات مصري. انظر كذلك الدكتور محمود نجيب، المساهمة الجنائية في التشريعات العربية، ن 34 ص65 – الدكتور السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق، ص269 وواضح من هذا النص ان القانون عرف الفاعل بطريقة تعداد الأفعال التي يرتكبها بصورة حصرية وهي طريقة تمتاز بالوضوح عما بان كثيرا من قوانين العقوبات لم تعرف الفاعل الجريمة تاركة ذلك للفقه والقضاء واكتفت بتعريف (الاشتراك) فقط مثل القانون الفرنسي والالماني والمغربي والبولوني. من ذكر في المادة (47) آنفة الذكر بل اضاف لهم شخصا اخر في المادة (49) وهو الشريك الذي يحضر مكان الجريمة أثناء ارتكابها بقوله (يعد فاعلا للجريمة كل شريك بحكم المادة (48) كان حاضرا أثناء ارتكابها او ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لها).مما يعني ان المساهم الأصلي في الجريمة أي (الفاعل) في هذا القانون هو واحد من أربعة هم :

1.من يرتكب الجريمة وحده او مع غيره :

وتتضمن هذه الفقرة صورتين للمساهمة الأصلية في الجريمة هما :

(أ) صورة من يرتكب الجريمة وحده : – وهذه هي الصورة المعتاد لارتكاب الجريمة. وفيها يضطلع شخص واحد بجميع الأعمال المكونة للجريمة بحيث تكون راجعة لنشاطه بمفرده سواء حقق سلوكه النتيجة الجرمية او اوقف او خاب اثره لسبب خارج عن ارادته. قد يقال ان هذه ليست صورة للمساهمة الجنائية لعدم تحقق ركن تعدد المساهمين فيها فلماذا حشرت في هذا الموضع؟ الجواب هو ان المشرع انما أتى بها هنا لتغطي حالة ما اذا كانت المساهمة الجنائية أساسها وجود فاعل اصلي واحد عاونه شركاء باعتبارهم مساهمين ثانويين كما لو حرض زيد عمرو على قتل قاسم فقتله باستعمال السلاح الذي اعاره له جاسم لارتكاب الجريمة. في هذا المثال نحن امام حالة مساهمة جنائية فيها (فاعل) واحد للجريمة وقد ساهم معه اثنين باعتبارهم شركاء.

(ب)صورة من يرتكب الجريمة مع غيره – وتشمل هذه الصورة حالة ان الركن عدة أشخاص الجريمة الواحدة وذلك باتيان ركنها المادي سواء اكان هذا الركن متكونا من فعل واحد ساهموا فيه جميعا او عدة أفعال ارتكب كل منهم واحدا منها وهذا بين في النص رغم عدم توفق واضعه في صياغته وكان أجدر به ان يصوغه على الشكل التالي : (يعد فاعلا للجرمية من يحقق بسلوكه عناصر الجريمة)(2).

وتتحقق هذه الصورة بأحد شكلين :-

الأول : – ان يكون الفعل الذي اقترفه كل من المساهمين على حدة يكفي قانون لوقوع الجريمة وتحققها. كما لو تعاون عدة أشخاص على سرقة منزل فحمل كل منهم قسما من المتاع المتواجد فيه. ففي هذه الحالة يعتبر جميعهم فاعلين اصليين في جريمة السرقة (3).

والثاني – ان يكون الفعل الذي اقترفه كل من المساهمين، سواء اكان يماثل تماما فعل غيره او لا يماثله، غير كاف لوحده لوقوع وتحقق الجريمة، انما تقع نتيجة اجتماع جميع الأفعال التي ارتكبها المساهمون والمكونة بمجموعها للركن المادي للجريمة. كما لو أراد عدة أشخاص قتل آخر فانهالوا عليه ضربا بالعصي مما أدى الى حدوث نزيف له ادى الى وفاته، او مسك شخصان بآخر احدهما من يديه والاخر من رجليه والقياه في اليم بقصد القتل فمات غرقا، او زور شخص متن الايصال وزور صاحبه التوقع. في هذه الامثلة نحن امام مساهمة جنائية حيث كان سلوك كل من المساهمين يدخل في الركن المادي للجريمة.

1.من يدخل في ارتكاب الجريمة، بان يقوم عمدا أثناء ارتكابها بعمل من الأعمال المكونة لها.

وقد نصت على هذه الحالة الفقرة من المادة 47 انفة الذكر حيث يعتبر هذا النص، فاعلا للجريمة كل من يدخل في ارتكابها بان يقوم بعمل من الأعمال المكونة لها عمدا أثناء ارتكابها. ومن المتفق عليه فقها ان المراد بالأعمال المكونة للجريمة، هي الأعمال التي تدخل في تنفيذ الجريمة. وهذه هي الأعمال التي تدخل في الركن المادي للجريمة وكذلك التي لا تدخل فيه ولكنها تحقق البدء بالتنفيذ المحقق للشروع في الجريمة. واعني بهذه الأخيرة، الأعمال التي ان لم تكن من الأعمال المحققة للركن المادي للجريمة فانها متصلة به، أي بالركن المادي للجريمة، ومؤدية إليه مباشرة، كما اوضحنا ذلك عند الكلام عن البدء بالتنفيذ المحقق ومعيار تحققه. ذلك؛ لان هذه الأعمال وان كانت لا تدخل في الركن المادي للجريمة غير انها تمثل دورا رئيسا في تنفيذها. والواقع ان من يدرس نص هذه الفقرة بامعان يجد ان المشرع لم يرد بها الاشارة الى ادخال من يرتكب الركن المادي للجريمة او جزءا منه في عداد الفاعلين الاصليين ذلك ان هؤلاء تشملهم الفقرة السابقة كما بينا آنفا وهي التي تدخلهم بعداد الفاعلين الاصليين. اذن فقد أراد المشرع بها ان تشمل أولئك الذين يدخلون في ارتكاب الجريمة دون دخولهم في ارتكاب الركن المادي ولكنها تحقق البدء في التنفيذ المحقق في الجريمة وأعني بها الأعمال التي لم تكن من الركن المادي للجريمة ولكنها متصلة به ومؤدية إليه مباشرة. ويؤيد هذا المعنى، وصف نص الفقرة للعمل الذي يقوم به الفاعل في هذه الحالة بأنه قد اتاه عمدا ولو كان العمل يدخل في الركن المادي للجريمة لما احتاج المشرع ان يصف مرتكبه بانه قد ارتكبه عمدا أي قاصد الدخول في الجريمة لانه هو الجريمة (4). وتطبيقا لذلك من يكسر باب بيت بقصد السرقة ويدخل زميله ويسرق كلاهما فاعل اصلي الثاني، لانه ارتكب الركن المادي للجريمة، والاول لانه دخل عمدا في ارتكابها بأن اتى عملا وان لم يكن من الركن المادي للجريمة ولكنه محقق للبدء بالتنفيذ فيها، لانه متصل بالركن المادي ومؤد إليه حالا. وكذلك من يوقف عربة بقصد قتل من فيها ويقتله آخر كان معه فان كلاهما فاعل للجريمة وايضا من عصب عين المجني عليه او ضربه على يده ليمنعه من المقاومة فجاء صاحبه وارتكب الجريمة. اما اذا كان العمل او الأعمال المرتكبة لا تعدو ان تكون غير أعمال تحضيرية لا تدخل في البدء في التنفيذ فان من يقوم بها لا يعد فاعلا اصليا بل شريكا بالمساعدة كما سنزيد ذلك ايضاحا في حينه.

2.الفاعل المعنوي للجريمة  :

يعتبر قانون العقوبات العراقي الفاعل المعنوي للجريمة فاعلا اصليا لها حيث نص على ذلك في الفقرة (3) من المادة (47) آنفة الذكر بقوله : يعد فاعلا للجريمة :

3 . من دفع بأية وسيلة شخصا على تنفيذ الفعل المكون للجريمة اذا كان هذا الشخص غير مسئول جزائيا عنها لا ي سبب).

ويقصد بالفاعل المعنوي من يسخر غيره لارتكاب الجريمة منتهزا نقطة ضعف فيه كحسن نيته او عدم ادراكه لصغر سنه او جنون او عته اصابه او آية عاهة عقلية فيحرضه على ارتكاب الجريمة وتقع بناء على هذا التحريض. ويبرر مؤيدو نظرية الفاعل المعنوي وجهة نظرهم بالقول بان القانون يسوي بحسب الاصل بين كافة الوسائل المستخدمة في ارتكاب الجريمة، وان المجنون او الصغير او حسن النية ما هم الا أدوات استخدمها المحرض في تحقيق غرضه الاجرامي. والواقع ان المشرع العراقي كان موفقا كل التوفيق بأخذه بنظرية الفاعل المعنوي للجريمة، وبالتالي اعتباره من يقوم بهذا التحريض فاعلا للجريمة، ذلك لانه وان كان لا يقوم بنفسه بإنجاز الأعمال المادية للفعل الجرمي لكنه كان السبب المعنوي في ارتكاب هذا الفعل بواسطة الغير. كما كان موافقا عندما تضمن نصه عبارة : (من دفع بأية وسيلة) حيث تشمل هذه العبارة معنى اوسع من التحريض حيث تتضمن كل من يحمل بأية وسيلة اخر على الفعل وان لم يصل ذلك الى درجة التحريض. واستنادا الى ك يعتبر فاعلا للجريمة من يصرح امام موظف عمومي بمعلومات كاذبة لتحريرها في محرر رسمي، ومن يسلم صغيرا او حسن نية حلوى مسمومة ليقدمها الى شخص ثالث فيتسلمها المجني عليه ويتناولها فتودي بحياته، ومن يطلب من المعين ان يسلمه المعطف المعلق فيسلمه له ظانا انه معطفه فيتسلمه ويهرب به. ومن الضروري عدم الخلط بين الفاعل المعنوي والمحرض (الشريك) ذلك ان الفاعل المعنوي يرتكب جريمته بواسطة شخص غير مسئول او شخص حسن النية اما المحرض، فانه يرتكبها بواسطة شخص مسئول ثم ان الفاعل المعنوي ينوي ان يسيطر على المشروع الاجرامي ويريد الجريمة لحسابه في حين ان الممرض ينظر الى المشروع الاجرامي بانه مشروع غيره ويرتكب لحساب ذلك الغير.

4.الشريك الذي يحضر مسرح الجريمة أثناء ارتكابها :

كذلك اعتبر قانون العقوبات العراقي، فاعلا للجريمة الشريك فيها الذي يحضر أثناء ارتكابها او ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لها، مسرح الجريمة ذلك ان حضوره هذا بعد اشتراكه في ارتكابها بوسيلة من وسائل الاشتراك التي نص عليها القانون، يدل على دخوله في ارتكابها او على الأقل على رغبته في الدخول في ارتكابها. او بعبارة أخرى ان حضوره هذا له دلالته على رغبته بان يخطو خطوة أخرى أبعد من مجرد الاشتراك وذلك بمؤازرة منفذها (5). ويكفي حسب نص المادة مجرد الحضور الى محل ارتكاب الجريمة لاعتبار الشريك الحاضر فاعلا اصليا ولو لم يباشر أي عمل من الأعمال التنفيذية للجريمة شرط ان يكون الحضور قد وقع بعلم الشريك ورغبته في الحضور الى مسرح الجريمة أثناء ارتكابها لا صدفة. وفي ذلك تقول المادة (49) من قانون العقوبات العراقي : (يعد فاعلا للجريمة كل شريك بحكم المادة (48) كان حاضرا أثناء ارتكابها او ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لها). وتطبيقا لذلك يعتبر فاعلا للجريمة من يقف ليرقب الطريق بينما كان زملاؤه يجمعون القطن لسرقته، ومن يرقب الطريق وهم يحرقون زراعة لعدوهم، وكذلك من كان دوره إلهاء صاحب المنزل او حارسه لتسنح لزملائه فرصة السرقة. والحق ان الحكم الذي جاءت به المادة (49) عقوبات عراقي ليس من خلق المشرع العراقي حيث نادى به أصحاب النظرية الشخصية الذين وضعوا للتمييز بين الفاعل او الشريك معيارا شخصياً قوامه ما يثبت من قصد الجاني بعمله، كما وطبقته محكمة التمييز الفرنسية (6). كما أخذت به محكمة النقض المصرية (7). ومع ذلك فان المشرع العراقي وان كان قد وفق في وضعه لنص هذه المادة اذ وسع عن طريقها من مدلول الفاعل للجريمة وبذلك تلافى النقض الذي تعانيه بعض قوانين العقوبات، كالقانون المصري غير انه لم يكن موفقا في صياغته لهذا النص. ذلك ان صياغته جاءت توحي بان معياره مبنيا على أساس شكلي بحت، وهو حضور الشريك مسرح الجريمة. وهو أمر وان كان في اغلب الاحيان يحقق صفة الدخول في الجريمة بدور رئيس فيها ولكن ليس دائما وفي جميع الأحوال. ولا يشترط حسب هذا النص، لاعتبار الشريك فاعلا ان يساهم في تنفيذ الجريمة بل يكفي مجرد حضوره مكان ارتكابها أثناء ارتكابها او ارتكاب فعل من الأفعال المكونة لها شرط ان يكون الشريك الحاضر قد حضر وهو يقصد حضور ارتكابها لا صدفة.

قيد على فكرة الفاعل الأصلي :

الفاعل (الأصلي) في الجريمة، وهو صاحب الدور الرئيسي في تنفيذها لابد من ان يكون عمله الذي ساهم به في دوره هذا معاصرا لتنفيذ الجريمة وهذا امر واقع ومتحقق دائما فيما اذا كان الفاعل للجريمة قد دخل في ارتكابها عن طريق ارتكاب ركنها المادي او جزء منه او عملا من الأعمال المكونة له. ولكن الأمر يختلف فيما اذا كان الفاعل قد دخل في ارتكاب الجريمة عن طريق قيامه بعمل يعتبر محققا للبدء في التنفيذ المحقق للشروع فيها. اذ في هذه الحالة يشترط لأجل ان يعتبر المساهم في الجريمة فاعلا اصليا ان يكون قد أتى عمله آنف الذكر وقت تنفيذ الجريمة فاذا كسر شخص باب منزل مساهمة منه في السرقة فدخله صاحبه في نفس الوقت وسرق يعتبر كل منهما فاعلا للجريمة غير انه اذا كسر الباب مساهمة منه أيضاً في جريمة السرقة ثم دخله الآخر في وقت اخر غير وقت الكسر وسرق اعتبر الأول شريكا بالمساعدة والثاني فاعلا لجريمة السرقة (9).

القصد الجرمي :

والقصد الجرمي، أو كما يسميه البعض القصد الجنائي، شرط لابد منه لتحقيق حالة الفاعل الأصلي في الجريمة ولذلك سماه البعض بالركن المعنوي للمساهمة الأصلية في حين سموا ماديات هذه المساهمة بالركن المادي لها. ويتحقق هذا الشرط عند تحقق نية (التداخل) في الجريمة لدى المساهم الأصلي فيها أي مرتكب الماديات التي ادخلته في الجريمة فاعلا اصليا. وتحقق هذه النية لدى الفاعلين في الجريمة إنما يولد بينهم نوعا من العلاقة الذهنية الرابطة بينهم. مما يترتب عليه انه اذا قام عدة أشخاص بماديات المساهمة الأصلية، ولم تقم بينهم علاقة ذهنية أساسها نية كل منهم في التداخل في تنفيذ الجريمة فإننا لا نكون امام مساهمة أصلية وبالتالي امام مساهمين اصليين في جريمة واحدة إنما نكون امام جرائم متعددة ارتكبها أشخاص متعددون يسال كل منهم عن الجريمة التي ارتكبها. وتتحقق نية التدخل هذه في الجرائم العمدية عندما ينصب علم كل من الفاعلين على فعله وافعال الاخرين ويكون مريدا لها جميعا ومريدا للنتيجة الجرمية أيضاً. وقد عبر عن ذلك قانون العقوبات العراقي في الفقرة الثانية من المادة (47) مارة الذكر بقوله : (…. فقام عمدا ……) فاذا ارتكب جريمة القتل شخصان اقتصر دور احدهما على مسلك المجني عليه لمنعه من المقاومة بينما اعمل الثاني السلاح فيه فان القصد الذي يتعين توافره لدى الفاعل الأول يجب ان يشمل الأفعال التي ارتكبها زميله كان يعلم حتما ان زميله سيعمل السلاح في جسم المجني عليه وان يريد وقوع هذا الفعل ويريد وفاة المجني عليه بناء على هذا الفعل وكذلك الأمر بالنسبة للفاعل الثاني اتجاه أفعال الفاعل الأول. وبخلافه اذا كسر احدهم باب المنزل بقصد السرقة غير انه سمع اصواتا وهرب ثم جاء آخر فوجد الباب مكسورا ودخل فسرق فاننا لا نكون هنا امام مساهمة أصلية لعدم وجود نية التداخل وبذلك يسال كل منهما عن جريمته فيسال الأول عن جريمة الشروع في السرقة، ويسال الثاني عن جريمة سرقة تامة.  وليس بشرط لتحقق نية التداخل هذه قيام اتفاق سابق بين المساهمين او حتى تفاهم سابق ذلك لان الرابط المعنوي الجامع بينهم (الرابطة الذهنية) قد تتحقق فور تلاقيهم في مكان الجريمة واحساس كل منهم بوجود الآخر معه وانصراف ارادته في تلك اللحظة بالذات الى ما يتطابق مع ارادته هذا الاخر ولو لم ينعقد بينهم قرار مشترك حول الجريمة. فاذا رأى المتهم شخصا يوشك ان يطعن اخر فامسك بالمجني عليه ليمنعه من المقاومة وليمكن الجاني (الطاعن) من الاجهاز عليه فانه يعد فاعلا اصليا في جريمة القتل العمد ولو ثبت انه لم يكن بينه وبين الطاعن أي اتفاق او تفاهم سابق (10). وهكذا فانه يكفي لاعتبار الشخص فاعلا مع غيره ان يكون قاصدا الدخول في الجريمة التي يرتكبها هذا الغير ويعمل على ذلك بعمل من قبيل ما تقدم. وتتحقق نية التداخل في الجرائم غير العمدية، عند قيام رابطة معنوية بين مرتكبي ماديات المساهمة تتجلى في كون الخطأ الصادر عن كل منهم يشمل جميع الأفعال التي يرتكبها الفاعلون الاخرون بالإضافة الى فعله والنتيجة التي تترتب على هذه الأفعال. فان تعاون شخصان في القاء جسم ثقيل من سطح المنزل فسقط على احد المارة فقتله، فان كلا منهما فاعلا لجريمة القتل الخطأ غير ذلك الخطأ غير المقصود قد توافر لدى كل منهما بالنسبة لأفعاله ولأفعال صاحبه والنتيجة التي حصلت، هو الرابطة التي جمعت بينهما. وبخلاف ذلك اذا قاد شخص سيارته بسرعة فأصاب احد المارة بجراح ذهب على اثرها الى المستشفى للعلاج واثناء ذلك ارتكب الطبيب المعالج خطأ ادى الى ازدياد جسامة الجراح فان كلا من السائق والطبيب يسأل منفردا عن الجريمة التي حققها خطأه.

النتيجة المحتملة في المساهمة الأصلية :-

عند تعدد الفاعلين الاصليين في المساهمة الأصلية، قد يرتكب احدهم او بعضهم جريمة أخرى غير التي ارادوا ارتكابها ولكنها نتيجة محتملة لها فهل يسأل عن جريمة النتيجة المحتملة جميع الفاعلين الاصليين ام تقتصر المسئولية عنها على من ارتكبها منهم؟ كما لو ساهم فاعلان في سرقة منزل فداهمهما المجني عليه صاحب المنزل فقتله احدهما. في هذه الحالة هل يسال كل من الفاعلين في جريمة السرقة عن جريمة القتل أيضاً ام يسال عند مقترفها فقط؟ لقد تنبه المشرع العراقي الى هذه الحالة فعالجها في المادة 53 من قانون العقوبات بقوله : (يعاقب المساهم في جريمة، فاعلا او شريكا، بعقوبة الجريمة التي وقعت فعلا ولو كانت غير التي قصد ارتكابها متى كانت الجريمة التي وقعت نتيجة محتملة للمساهمة التي حصلت) مما يترتب عليه انه اذا قرر عدة أشخاص ارتكاب جريمة كمساهمين اصليين فوقعت غيرها يسال عنها مرتكبها فقط الا اذا كانت نتيجة محتملة للجريمة التي قرروا ارتكابها عندئذ يسال عنها جميع المساهمين وكأنهم ارادوا. فلو اتفق شخصان على سرقة منزل فذهبا لتنفيذ الجريمة غير ان احدهما شاهد عدوا له في الطريق فقتله لا يسال عن القتل سوى القاتل فقط لان القتل هنا وبهذه الدوافع والصورة لا علاقة له بالسرقة وبالتالي لا يعتبر نتيجة محتملة لها. اما اذا كان المقتول هو صاحب المنزل المراد سرقته وقد وقع القتل عندما احس المجني عليه بهما وهما يحاولان نقل الامتعة بقصد سرقتها فداهمها فقتله أحدهما تخلصا منه لكي يظفرا بالغنيمة، ففي هذه الحالة يكون الفاعل الاخر الذي لم يباشر القتل، مسئولا عن جريمة القتل لأنها نتيجة محتملة للسرقة وبالتالي للمساهمة التي حصلت.

ويكفي ان تكون النتائج متوقعة في ذاتها سواء توقعها المساهم نفسه ام لم يتوقعها. ما دام يؤدي اليها المجرى العادي للأمور.

عقوبة المساهم الأصلي (الفاعل) :-

يعاقب الفاعل في الجريمة بالعقوبة المقررة قانونا لها سواء ارتكبها لوحده او مع غيره او ساهم في ارتكابها اذا كانت تتكون من جملة أعمال فقام عمدا بارتكاب احداها او دفع شخصا غير مسئول جزائيا على تنفيذ الفعل المكون لها. وهو يؤاخذ على الجريمة التي وقعت حتى ولو كان ما أتاه هو لا يعدو ان يكون شروعا في ارتكابها لو اخذ بمفرده. فاذا اتفق شخصان على قتل آخر واطلق كل منهما عيارا ناريا عليه فاصابه عيار واحدا أودى بحياته، عوقب كل منهما كفاعل اصلي لجريمة القتل العمد (11). فاذا اوقف سلوك الفاعل او خاب اثره لسبب لا دخل لارادته فيه عوقب بعقوبة الشروع. وفي ذلك تقول المادة (50) من قانون العقوبات العراقي : (كل من ساهم بوصفه فاعلا او شريكا في ارتكاب جريمة يعاقب العقوبة المقررة لها، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك). ولا يجعل قانون العقوبات العراقي من تعدد الفاعلين الاصليين في الجريمة ظرفا مشددا للعقاب كقاعدة عامة، كما ذهبت الى ذلك بعض القوانين (12). غير انه مع ذلك جعل تعدد الفاعلين في بعض الجرائم المعينة، كما هو الشأن في جريمة السرقة، ظرفا مشددا قانونيا للعقوبة. وهذا اتجاه منتقد من قبل الفقه الجنائي الحديث حيث الاتجاه الغالب فيه هو اعتبار تعدد الفاعلين في الجريمة ظرفا مشددا لما ينطوي عليه التعدد من خطورة على الجماعة، بالإضافة الى انه دليل على تأصل الاجرام في المساهمين وسبيل الى زيادة جرأة الجناة وميلهم واندفاعهم الى الاقدام على الجريمة وأداة الى ادخال الرعب في نفس المجني عليه وبالتالي تسليمه للجريمة. وليس شرطا ان تكون عقوبة الفاعلين الاصليين في الجريمة، عند تعددهم وادة، انما للقاضي ان يحدد لكل فاعل عقوبة تتفق وظروفه التي احاطت به عند ارتكابه الجريمة اخذا بمبدأ تفريد العقوبة شرط الا يتعدى في ذلك الحدود القانونية للعقوبة كما وردت في النص.

_________________________

1-ومن هذه القوانين العقوبات المصري وقانون العقوبات البغدادي.

2-انظر مشروع قانون عقوبات جمهورية مصر العربية.

3-انظر تمييز عراقي، القرار رقم الاضبارة 1338 جنايات 1973 في 30/9/1973 (النشرة القضائية، السنة السابعة، العدد الثالث ص366 – نقص مصري 25 مايو 1963. مجموعة أحكام النقض ص14 ن 111 ص578 و7 مايو 1972 س 23 ن 112 ص443.

4-انظر الدكتور السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق ص293 – الدكتور احمد عبدالعزيز الالفي، المرجع السابق ص266.

5-انظر الدكتور علي حسين الخلف، المرجع السابق ص606.

6-انظر جارسون، المرجع السابق مادة 60 ن20.

7-انظر مؤلفنا الوسيط.

8-انظر الدكتور محمود نجيب حسني، المرجع السابق ن 475 ص471 الدكتور السعيد مصطفى السعيد، المرجع السابق ص297 مجلة القانون والاقتصاد س12 ص51.

9-انظر الدكتور محمود نجيب حسني، المرجع السابق ص481 ن481 – الدكتور رمسيس بهنام، المرجع السابق ص642 – الدكتور محمد الفاضل، المرجع السابق، ص358 – كذلك انظر بهذا المعنى نقض مصري 30 مايو 1950 المحاماة س31 ن128 ص343 كذلك انظر توليوديلوجو محاضرات لطلبة الدكتوراه بجامعة الاسكندرية 1948 ص213VOUIN ، MANUL DE DROIT CRIMINEL، N.312

10- وفي ذلك تقول محكمة تمييز العراق : (اذا تحققت المساهمة الأصلية في الجريمة فلا عبرة بالفعل المنسوب الى كل واحد من المساهمين في الجريمة) تمييز عراقي القرار رقم (ب1966) جنايات، 964 في 23/ 1/65 مجلة القضاء 1966 العدد الثاني ص143.

11- ومن هذه القوانين : قانون العقوبات الدانماركي، والقانون السوفيتي لعام 1960، ومشروع قانون العقوبات لجمهورية مصر العربية.

                                                                                                                                                   https://almerja.com


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...