مسؤولية الدولة عن تعويض الضحية


 مسؤولية الدولة عن تعويض الضحية

 

( دراسـة في الفقـه و التشريـع المقـارن )

إذا كان من الثابت و المستقر أن للمجني عليه حق إقتضاء التعويض من الجاني بإعتباره المتسبب في الضرر الذي لحقه من الجريمة، و لكن من الناحية العملية قليل ما يتحقق ذلك، فيبدو فيما بعد هذا الحق نظريا فحسب، لأن إعمال هذا الحق يقتضي بالضرورة معرفة الجاني مع قيام مسؤوليته بموجب حكم قضائي نافذ مع قدرته على دفع التعويض ، و لكننا نجد أن الجاني في حالات كثيرة يظل مجهولا سواء من طرف المجني عليـه أو من السلطـات، و بالتالي يعجز الضحية عن إستيفاء حقه في التعويض، بل في أحايين كثيرة يتم معرفة الجاني و لكن يعجز عن دفع التعويض المستحق ـ رغم جملة الإجراءات التي إتخذتها الدولة في سبيل الضغط عليه للتعويض ـ ذلك لأن الجناة عادة ما ينتمون إلى الطبقات الفقيرة التي لا تكف مصادر دخلها لتعويض المجني عليهم .
فالمجني عليه في البداية يريد أن يشفي غليله ، و لكن هذه الرغبة سرعان ما تنتهي، لتبدأ مرحلة المطالبة بتعويض ما تكبده من خسائر مادية و أضرار جسدية و أخرى معنوية، فهو يريد أن يتم تعويضه، لكن الجاني غير معروف أو أن وضعه المالي لا يسمح بذلك، فهل تلتزم الدولة بتعويضه أم تترك المجني عليه يتخبط في الإجراءات القانونية المعقدة دون أن يصل إلى ما يريد ؟
و أمام عجز كل السبل المعروضة في التشريعات المقارنة في تحقيق رغبة المجني عليه في الحصول على حقه في التعويض المناسب الذي يساهم ـ على الأقل ـ في إزالة بعض الآثار الخاصة بفعل الجريمة، فقد نشأ إتجاه جديد يهدف إلى تقرير حق المجني عليه في الحصول على تعويض له من الدولة بسبب الجريمة التي وقعت له، و ذلك في حالة فشله في الحصول على التعويض من الجاني أو من جهات المساعدات الإجتماعية الأخرى مثل شركة التامين .
نحاول أن نناقش في موضوعنا هذا ظهور و تطور فكرة إلتزام الدولة بتعويض المجني عليه وفقا للشرائع القديمة و آراء الفقه و المدارس و المؤتمرات الإقليمية و الدولية، ثم ندرس أساس مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليه، ثم نتطرق إلى نطاق الحق في التعويض من حيث الجرائم و الأشخاص و الضرر موضوع التعويـض، و أخيرا تطبيقات مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليه في التشريعات المقارنة و التشريع الجزائري.

أولا: تطور فكرة إلتزام الدولة بتعويض المجني عليه:
لم تكن فكرة تعويض الدولة للمجني عليه فكرة جديدة، فلقد عرفت منذ الحظارات القديمة في بلاد النهرين، كما كانت موجودة بظهور الإسلام في الجزيرة العربية، ثم في أوائل القرن التاسع عشر من خلال كتابات و آراء الفقه، و تمت مناقشتها في العديد من المؤتمرات الدولية و الإقليمية، و بعدها تبنتها التشريعات المقارنة في العصر الحديث.
ففي العصور القديمة نجد أن قانون حمورابي في نص المادة 23 منه ألزم الحاكم بمساعدة المجني عليهم في جريمة السرقة عن طريق دفع تعويض لهم في حالة عدم معرفة الجاني أو عدم التمكن من القبض عليه، و كذلك الحال في نص المادة 24 منه التي تلزم الحاكم كذلك بأن يدفع لورثة المجني عليه في القتل قيمة معينة من الفضة عندما لا يعرف القاتل .
أما النظام الجنائي الإسلامي المبني على قواعد العدل و المساواة و جبر الضرر و مراعاة حقوق المتهم و المجني عليه في آن واحد، فقد نظم بدوره حقوق ضحايا جرائم الدم سواء كانوا مجنيا عليهم من إعتداء عمدي أم نتيجة خطأ، و ذلك بتنظيم حصولهم على الدية سواء من الجاني أو عاقلته ، أو من بيت مال المسلمين إذا كان الجاني مجهولا أو معسرا، أو إذا لم تستطع عاقلته دفع الدية، و ذلك إعمالا للمبدأ الإسلامي الذي أرسى قواعده الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله ” لا يطـل دم في الإسلام” تطبيقا لقول الرسول عليه الصلاة و السلام ” أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه و أرثه ” و هكذا تكون قد أدركت الشريعة الإسلامية أهمية تعويض الدولة للمضرور من الجريمة إذا استحال عليه الحصول على التعويض من طريق آخر ، أخذا بالتكامل الإجتماعي الذي يجب أن يسود المجتمع الإسلامي .
أما في العصر الحديث فقد نادت المدرسة التقليدية الأولى على لسان الفقيه الإنجليزي “جريمي بنتام” في النصف الثاني من القرن الثاسع عشر بضرورة إنشاء نظام لتعويض المجني عليهم من قبل الدولة، و ذلك بأن تبادر هذه الأخيرة بتعويض المجني عليهم من الخزانة العامة عندما يكون الجاني معسرا، لأنه لا يمكن ترك المجني عليهم الذين جنت عليهم الجريمة و تضرروا بسببها في أموالهم و أرواحهم يواجهون الضرر القاسي لوحدهم، بل يجب على المجتمع الذي ترك له واجب حمايتهم و المحافظة عليهم أن يبادر إلى جبر ذلك الضرر، و يسعى لتعويضهم كنتيجة طبيعية لعجزه عن وقايتهم من أخطار الجريمة .
و هو الأمر الذي عرضه “أنريكو فيري” فقيه المدرسة الإيطالية في كتابه “علم الإجتماع الجنائي”، بحيث صرح بدوره أنه على الدولة واجب رعاية حقوق المجني عليهم عن طريق صرف تعويض فوري لهم عند وقوعهم كضحايا لإحدى الجرائم، و قال ذلك “جارو فالو” بل نادى هذا الأخير بضرورة إنشاء صندوق للتعويضات يرمي إلى تعويض المجني عليهم الذين تضرروا من جراء الجريمة في حالة عجزهم عن الحصول على أي تعويض من الجاني .
ثم تلا ذلك إنعقاد جملة من المؤتمرات؛ كان أولها المؤتمر الدولي للسجون في باريس عام 1895، و نادى فيه الفقيه “أدولف برانز” في تقريره المقدم للمؤتمر” بأنه حان الوقت لأن تلتفت الدولة إلى المجني عليه و أن تراعـي ظروفه و أحوالـه أسوة بالجاني الذي يلقى كل الرعايـة و العناية من جانب الدولة التي تقوم بإطعـامه و توفير المسكـن و الملبس له، و تحرص على توفيـر الدفء و الإنـارة و الصحة له، و تشرف على تأهيله و تدريبه على نفقتها، و عند خروجه من السجن تعطيه مبلغا من المال يمثل أجره عن عمله أثناء وجوده في السجن، بينما يترك المجني عليه وحده يقاسي من جراء الجريمة في الوقت الذي يساهم هو نفسه و عن طريق غير مباشر في رد إعتبار المجرم الذي أضر به من خلال الضرائب التي يقوم بدفعها إلى الدولـة و التي تنفقها بدورها على الجناة أثناء تواجدهم في أماكن تنفيذ العقوبات” .
ثم إنعقد المؤتمر الدولي للسجون ببروكسل بلجيكا عام 1900 قدم من خلاله الفقيه الإنجليزي “وليام تالاك” تقريرا نادى فيه بوجوب أن تتحمل الدولة تعويض المجني عليهم في الحالات التي لا يحصلون فيها على تعويض من الجاني بسبب إعساره، كما يحدد الفقيه موردا لذلك و هي الغرامات الجزائية التي تحصل عليها الدولة من أحكامها الجزائية.
إلا أن ظروف الحرب العالمية الأولى و الثانية آنذاك حالت دون إيجاد صدى لهذه الفكرة، إلى غاية أن جاء دور المصلحة الإنجليزية “مارجري فراري” سنة 1957 التي نادت بضرورة أن تتولى الدولة بنفسها إنشاء نظام يكفـل دفع التعويض للمجني عليهـم و ذلك في مقال لهـا تحت عنـوان ” إنصاف المجني عليهم” و إقترحت أن يتم تمويل هذا النظام عن طريق فرض ضريبـة على كل مواطن بالغ لا تتجاوز بِنسا واحدا سنويا، و هو مبلغ ضئيل القيمة و لا يشكل عبئا ثقيلا على دخل الأفراد، و لكنه في المقابل يخفف من مآسي الضحايا ، و لاقت هذه الفكـرة إستحسانا عند كثير من فئات المجتمـع، و كانت بحق الشرارة الاولى التي دفعت فكرة مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليهـم إلى حيز التنفيـذ العملي بعدما كانت مجرد فكرة ترد في أذهان و مقالات الفقهـاء، و قررت بعدها عدة دول إنشاء صندوق لتعويض المجني عليهم .
و توالت المؤتمرات الدولية التي بحثت هذا الموضوع؛ و نذكر منها على سبيل المثال مؤتمر” لوس أنجلس” بكاليفورنيا سنة 1968، و الذي جاء في توصياته أنه ينبغي تعويض المجني عليهم من الدولة، كما يجب أن ينظر إلى هذا التعويض على أنه حق للمجني عليه و ليس منحة، ثم عقد المؤتمر الدولي الثاني لتعويض المجني عليهم في مدينة “باليتمور” بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم المؤتمر الدولي الثالث لتعويض المجني عليهم سنة 1972 بمقاطعة “أونتريو” بكندا، ثم أعقب ذلك الندوة الدولية الأولى لعلم المجني عليه في فلسطين المحتلة سنة 1973 ، و التي تناولت من بين موضوعاتها تعويض المجني عليهم، و قد أصدرت هذه الندوة في ختام جلساتها عدة توصيات كان أهمها أنه على جميع الدول أن تأخذ في الإعتبار مسألة تأسيس أنظمة لتعويض ضحايا الجريمة .
كما أوصى المؤتمر الدولي الحادي عشر لقانون العقوبات المنعقد في “بودابست” سنة 1974 بأن التعويض من طرف الدولة إلى المجني عليهم حق و ليست منحة .
و أوصت اللجنة الوزارية في المجلس الأروبي سنة 1977 حكومات الدول الأعضاء في المجلس أن يؤخذ في الإعتبار في الحالات التي يتعذر فيها حصول المجني عليهم على التعويض من أي مصدر، تعويض الذين أصيبو بأضرار جسمانية جسيمة من جراء الجريمة، و كذلك الذين كانوا يعتمدون في إعالتهم على أشخاص قتلوا في الجريمة .
و أول مؤتمر عربي في هذا الشأن هو إنعقاد الأسبوع الرابع للفقه الإسلامي في تونس من 14 إلى 19 ديسمبر لسنة 1974 بحيث ناقش هذا الأخير موضوع تعويـض الدولة للمجني عليهـم و بحث في المبدأ الإسلامي المعروف “لا يطـل دم في الإسلام” و كان من بين توصياته “إن من مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء أن للفرد على الجماعة حق الحماية و الرعاية، فقد أخذت الدولة الإسلامية على عاتقها منع الجريمة، و إذا لم تسفر جهودها على تحقيق ذلك وجب عليها أن تعيد التوازن الذي أخلت به الجريمة، و الأصل أن عبء ذلك يقع على الجاني، فإن لم يعرف أو عجز هو و عائلته عن دفع الدية وجبت على بيت المال، إذ لا يسوغ أن يختلف حظ المجني عليهم في جرائم القتل بحسب ما إذا عرف القاتل أو لم يعرف و بحسب ما إذا كان موسرا أو معسرا…” .
و بعدها حل المؤتمر العربي الثاني بالمؤتمر الثالث للجمعية المصرية للقانون الجنائي المنعقد من 12 إلى 14 مارس سنة 1989 الذي أوصى بما يلي “إلتزام الدولة بدفع تعويض للمجني عليـه أو لأسرته في حالة وفاتـه أو عجزه إذا لم تصل العدالة إلى معرفة الفاعل أو كـان هاربا و ذلك عملا بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.” .
و بعد أن تناولنا تطور فكرة إلتزام الدولـة بتعويض المجني عليهم من الناحية التاريخيـة، و عند الفقه، و في المؤتمرات الإقليمية و الدولية، يجدر بنا الآن أن نتناول الأساس الذي تقوم عليه هذه الفكرة و الذي من خلاله تلتزم الدولة بتعويض ضحايا الجريمة.

ثانيا: أسـاس مسؤولية الدولـة عن تعويض المجني عليـه.
تنازع الفقه الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليه، و انقسموا في ذلك إلى إتجاهين؛ الإتجاه الأول يرجع هذه المسؤولية إلى الأساس القانوني؛ بحيث أن هناك إلتزام قانوني يقع على الدولة اتجاه المجني عليه، فتكون الدولة من خلاله مكلفة بحماية كافة الأفراد من مخاطر الجريمة، الأمر الذي يثير مسؤوليتها عند فشلها في منع وقوعها.
بينما يرجع الإتجاه الثاني هذه المسؤولية إلى الأساس الإجتماعي؛ بحيث يرون أن الدولة حين تبادر بصرف التعويض للمجني عليه إنما تفعل ذلك بدافع من نفسها بناء على قواعد التظامن الإجتماعي، فهي تشارك في تخفيف الآلام و المعاناة التي يقاسي منها المجني عليه من الجريمة .
و نحاول أن نبرز مضمون كل إتجاه و الحجج التي يقوم عليها.

1/ ـ الأسـاس القانونـي:
يرى أنصار هذا الرأي أن هناك عقدا ضمنيا تم إبرامه بين الفرد من جهة و بين الدولة من جهة أخرى؛ يلتزم بمقتضاه الفرد بأداء الضرائب المقررة عليه سنويا إلى الدولة التي تستفيد منها في إنجاز المشروعات العامة، و تلتزم الدولة في المقابل بالقيام بالمهام التي يعجز الأفراد عن القيام بها، و هي مهمة مكافحة الإجرام و السهر على تطبيق القانون، خاصة و أنها تحتكر لنفسها حق العقاب في العصر الحديث، فإن فشلت الدولة في منع وقوع الجريمة و أصيب الفرد الذي يدفع الضريبة بضرر ما من جرائها فتكون الدولة بذلك قد أخلت بالعقد الضمني القائم بينها و بين الأفراد، و تكون حينئذ ملزمة قانونا بتعويض كل الأضرار التي وقعت للأفراد جراء هذه الجريمة، و يكون بذلك من حق الفرد أن يرفع دعوى ضد الدولة لمطالبتها بالتعويض بسبب إخفاقها في منع الضرر الذي أصابه من الجريمة .
كما أن الدولة منعت الأفراد من حمل السلاح، و جرمت إلتجائهم إلى القصاص و الإنتقام من الجاني، و أصبح مستقرا في الفكر القانوني مبدأ عدم جواز لجوء الأفراد إلى إقامة العدالة لأنفسهم بأنفسهم، و يجب عليهم الرجوع إلى الدولة في المطالبة بحقوقهم.
و يترتب على ما تقدم أن وقوع الجريمة و حدوث أضرار لبعض الأفراد يعد إخلالا من جانب الدولة بإلتزامها بتوفير الأمن، و أضحى هذا الإخلال قرينة على خطئها، فتلتزم بالمقابل بتعويض المضرور .
و من جهة أخرى فإن الدولة تفرض على الأفراد القيام ببعض الواجبات لمساعدة العدالة كوجوب التبليغ عن الجرائم و تقديم المساعدة للأشخاص في حالة خطر و ضبط الجناة و أداء الشهـادة … و غيرها، و إن قيام الأفراد داخل المجتمع بهذه الواجبات قد يلحق بهم أضرارا، فيكون وجوبا على الدولة تعويضهم حتى لا يترددوا في مساعدة العدالة.
كما أنه من غير المنطقي أن تستفيد الدولة من وقوع الجريمة بالغرامات المالية المحكوم بها ثم تترك المجني عليه الذي كان ضحية هذه الجريمة دون تعويض .
و يترتب على الأخذ بالأساس القانوني لمسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليهم عدة نتائج نذكرها على النحو التالي:
1 ـ إن التعويض حق للمضرور من الجريمة و ليس منحة من الدولة، فتلتزم الدولة بتعويضه بصرف النظر عن حاجته أو مستوى دخله الإجتماعي، و دون الحاجة إلى إثبات تقصير الدولة في منع وقوع الضرر، و هي التوصية التي تقدم بها مؤتمر بودابست المشهور، و التي كانت توصية متقدمة جدا بالنظر إلى مستوى التشريعات المقارنة .
2 ـ تلتزم الدولة بتعويض المجني عليهم في كل أنواع الجرائم دون تمييز بينها، سواء كانت جرائم واقعة على الأشخاص مثل القتل والجرح … أم جرائم واقعة على الأموال مثل السرقة و النصب … أم جرائم ماسة بالشرف مثل الزنا و هتك العرض … ، فالتعويض لابد و أن ينظر إليه بإعتباره وسيلة لجبر الضرر دون الإكتراث بنوع الجريمة المرتكبة .
3 ـ إن الإلتزام الواقع على عاتق الدولة لا يميز بين نوع الضرر، لأنه إلتزام عام بالتعويض عن جبر جميع أنواع الأضرار التي تحدثهـا الجريمة، أي دون تمييـز بين الضرر المالـي أو الجسمـاني أو الأدبي .
4 ـ إن الجهة التي يجب أن تفصل في مسألة التعويض يجب أن تكـون جهة قضائية سواء كانت مدنية أم جزائية، لأن مخالفة الإلتزام القانوني تقتضي المساءلة أمام المحاكم .

2/ ـ الأسـاس الإجتمـاعي:
يرى أنصار هذا الإتجاه أنه يقع على الدولة إلتزام أدبي و إجتماعي بمساعدة المجني عليهم من الجرائم بالقدر الذي تسمح به ميزانيتها العامة، فالتعويض الذي تقدمه الدولة لهؤلاء هو نوع من أنواع المساعدة الإنسانية و الإجتماعية ينطـوي على معنى الخير و الإحسـان نحو المجني عليهم و المحتاجين .
فالأفراد الذين يقعون ضحايا الجريمة يشكلون نسبة كبيرة من مجموع الأفراد، و هم يشبهون إلى حد ما العمال الضعفاء و العجزة و المرضى و الشيوخ … و غيرهم ممن يحتاج إلى رعاية خاصة، و مثلما أصدرت الدولة تشريعات لحماية هؤلاء فيقع عليهم كذلك إلتزام إجتماعي يتمثل في إصدار تشريع يتضمن الحماية الكاملة للمجني عليهم ، و التي تتمثل في إنشاء نظام عام يقوم بدفع تعويض نقدي لهم عند إصابتهم بأضرار من الجريمة .
إذا الفكرة التي يقوم عليها الأساس الإجتماعي لإلتزام الدولة بالتعويض؛ أنها ملزمة ببذل أقصى ما في وسعها للحيلولة دون وقوع الجريمة، فإذا وقعت الجريمة يجب عليهـا أن تعمل على معرفة الجاني و محاكمته و إلزامه بتعويض المجني عليه، فإن عجزت عن معرفته أو ظهر أنه معسر لم يبق عليها إلا إلتزاما أدبيا بتعويض المضرور من منطلق وظيفتها الإجتماعية في مساعدة المضرورين .
و يترتب على الأحذ بالأساس الإجتماعي لمسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليهم عدة نتائج نذكرها على النحو التالي:
1 ـ إن التعويض الذي تدفعه الدولة إلى الضحيـة أو ورثتهـا هو نوع من الإعانة الإجتماعية أو صورة من صور المساعدة الإجتماعية و لا يعتبر حقا للضحية .
2 ـ إن الدولة حين تقرر إنشاء نظام لتعويض المجني عليهم من الأموال العامة، فيجب عليها أن توازن بينـه و بين جسامة الأضرار الناتجة عن الجريمة، و من ثم فلا يجوز تقرير هذا التعويض في كل أنواع الجرائم بل يقتصر على الجرائم الماسة بسلامة البدن فقط.
3 ـ إن إلتزام الدولة بدفع التعويض يشترط حاجة المجني عليه لمساعدة الدولة، فإن كان موسرا فلا حاجة لتطبيق النظام عليه، كما أن التعويض يتحدد بمقدار الضرر الواقع على المجني عليه، و بإمكان الدولة أن تضع حدا أدنى و حدا أقصى للتعويض بحسب القدرة المالية للدولة .
4 ـ إن القول بالأساس الإجتماعي للدولة يؤدي إلى إمكانية أن يعهد بمسألة التعويض إلى جهات إدارية فقط دون الحاجة إلى اللجوء إلى الجهات القضائية .

رأينـا في المسألـة:
نحن من جهتنا نؤيد ـ من حيث المبدأ ـ الأساس القانوني الذي يجعل من تعويض الدولة للمجني عليهم عن الجرائم التي تسبب لهم أضرارا حقـا و ليس منحـة أو مِنّة، و لا ينظر في ذلك إلى حاجة الفرد إن كون موسرا أم معسرا؛ ذلك أن المبررات المقدمة من هذا الإتجاه مقنعة إلى حد كبير، خاصة ما تعلق منها بواجب دفع الضريبة الذي يقابله إلتزام بحماية الأفراد من الجريمة، فالضريبة لا يقدمها المواطن حسنة كي نقول بأن التعويض من الدولة يكون في إطار المساعدة، إذ يجب على الدولة أن تلتزم بتعويض المجني عليهم عن طريق إنشاء صندوق لهذا الغرض، يمول من الضرائب و من الغرامات و المصادرات التي تحكم بها الجهات القضائية، كما يمكن للدولة أن تمول الصندوق من الجناة أنفسهم عن طريق فرض مبلغا معينا على المحكوم عليهم يصب في الخزينة العمومية، هكذا حتى لا تتعذر الدولة بضعف الموارد المالية، أو كما تساءل أحد الباحثيـن ” كيف تكون الدولة وارث من لا وارث له و لا تكون ضامنا لمن لا ضامن له، فهل نؤمن ببعض الكتاب و نكفر ببعض” .

ثالثا: نطـاق الحـق فـي التعويـض.
يقتضي منا هذا العنصر تناول نطاق التعويض من حيث الجرائم محل التعويض، ثم الأشخاص الذين يمكنهم الإستفادة من التعويض، و أخيرا الأضرار المشمولة بالتعويض.
1/ ـ من حيث الجرائـم:
من البداهة أن نقول أن التعويض الذي تلتزم به الدولة إتجاه المضرور يفترض وقوع جريمة وارد نموذجهـا الإجرامي في القوانين الجزائية العامة أو الخاصة المعمول بها في البلاد، ذلك أن الأضرار إذا كانت ناتجة عن أفعال لا تشكل جريمة فهي تخرج عن مجال دراستنا.
و مما لا شك فيه أن الجاني مطالب بتعويض المجني عليه عن جميع الأضرار التي سببها له بفعل الجريمة المسندة إليه، و على أي نوع منها سواء كانت جرائـم أشخاص أم جرائـم أموال، و لكن هل يمكن تطبيـق هذه القـاعدة على تعويض الدولة للمجني عليـه؟ بمعنى آخـر و أوضح؛ هل يشمل تعويض الدولة كلا النوعين من الجرائم ( جرائم الأشخاص و جرائم الأموال ) أم أنه يقتصر على نوع واحد فقط دون الآخر؟
يرى الغالبية من الفقه بأن يقتصر تعويض الدولة للمجني عليه على جرائم الأشخاص فقط بما في ذلك جرائم الشرف، مع ضرورة إستبعاد جرائم الأموال و هذا بناء على الحجج التالية:
ـ إنه يصعب على أي دولة مهما كانت حالتها المادية موسرة أن تواجه جميع طلبات التعويض عن الأضرار التي تلحق الأموال، ذلك لأن التكلفة المالية التي سوف تتحملها الدولـة سوف تكون باهظـة و مرهقة للدولة على نحو يجعلها غير قـادرة على الوفاء بإلتزاماتهـا نحو المجني عليـه.
ـ كما أن التشريعات المقارنة خاصة في الدول الغربية، تجعل تسهيلات واسعة في تأمين الأفراد لأموالهم، و هو ما يدفع الكثير منهم إلى التأمين على ممتلكاتهم، و هو ما يوفر على الدولـة بالتبعية لذلك عبء التعويض نتيجة تواجد شركـات التأمين المكلفة بذلك طبقا لعقود التأمين المبرمة بينها و بين الأفراد.
ـ كذلك نجد أن الأفراد يبالغون في كثير من الأحيان بالتصريح بالأضرار التي أصابت ممتلكاتهم عن طريق الغش، مندفعون في ذلك بالأرباح التي يمكن أن يجنوها من التعويض، على عكس جرائم الأشخاص التي يكون فيها الضرر تقريبا محددا.
ـ و أخيرا إن التعويض عن جرائـم الأشخاص يتجاوب مع الشعور العـام لدى الأفراد الذين يحرصون على متابعة أخبار المجني عليهم عبر وسائـل الإعلام، على عكس جرائـم الأموال التي لا تلقـى نفس الشعور .
إلا أن قلة من الفقه يرون بوجوب أن تشمل الدولة بتعويض المجني عليهم جميع الجرائم دون إستثناء، لأن التعويض له علاقة بالضرر الذي أصاب المجني عليه من الجريمة و ليس بنوع الجريمـة، و أكثر من ذلك إن هذا الإلتزام يكون نتيجة لعجز الجاني عن التعويض أو عدم معرفته، و هذا العجز مثلما يحدث بمناسبة جرائم الأشخاص يحدث كذلك بمناسبة جرائم الأموال، إذا لا فرق بين جرائـم الأشخاص و جرائم الأموال في إحداث الضرر على المجني عليه، بل إنه في بعض الأحيان نجد أن جرائم الأموال تفوق ضررا جرائم الأشخاص.
كما أن الدولة يمكنها أن تعوض المجني عليهم عن جرائم الأموال دون الإحتجاج بالتكلفة الباهظة إذا عرفت كيف تضع نظاما محكما لذلك عن طريق توسيع إيرادات صندوق التعويض .

رأينـا في المسـألـة:
نحن نميل مع الرأي الأول؛ أي بوجوب أن يقتصر واجب الدولة نحو تعويض المجني عليهم على جرائم الأشخاص دون جرائم الأموال ـ كأصل عام ـ في إطار الواقعية و عدم المبالغة حتى لا نضع الدولة أمام إلتزامات قد تعجز عن الوفاء بها، ناهيك عن التكلفة الباهضة التي سوف تتحملها و التي تؤدي حينها إلى التأثير على باقي إلتزاماتها نحو المجتمع، إلا أنه يتعين أن يشمل التعويض الأضرار الناجمة عن الجرائم العمدية و غير العمدية من ضرب و جرح و قتـل، و كذا جرائم الشرف من هتـك عرض و زنا و غيرها، و لا بأس بتعويض جرائم الأموال التي لا مناص من التعويض عليهـا، و يمكن للدولة أن تذكرها على سبيل الحصر و تحدد لها سقفا معينـا و تحرص فيها أشد الحرص على عدم الغش.
و يستثنى من التعويض الجرائم التي يتم فيها الصفح أو التنازل من طرف الضحية، ذلك أن المجني عليه الذي إختار أن يضع حدا للمتابعة و يعفو عن الجاني حتى لا يرهقه بدفع التعويضات، فخزانة الدولة أولى بذلك.
كما يستثنى من ذلك الجرائم التي يساهم في وقوعها المجني عليه لأنه في هذه الحالة عليه أن يتحمل تبعة خطئه، أو جرائم الشرف الواقعة داخل العائلة تشجيعا لهم على عدم كشفها.
و هذا تقريبا نهج غالبية التشريعات التي تعمل بنظام تعويض الدولة للمجني عليهم؛ بحيث تلجأ إلى التعويض عن جرائم الأشخاص فقط ـ كمبدأ عام ـ أما الأضرار المترتبة على جرائم الأموال فلا يتم التعويض عنها إلا إستثناءا و في أضيق الحدود .

2 ـ من حيث الأشخـاص :
لعل مؤتمر “بودابست” كان أكثر المؤتمرات إلماما بمسألة تحديد الأشخاص المستحقون للتعويض من الدولة، و نرجع في ذلك إلى التوصية الثانية التي تضمنت ما يلي : ” تقتصر صفة المجني عليه المستحق للتعويض على المضرور مباشرة من الجريمة، بالإضافة إلى هذا يجب أن يُعطى الحق في المطالبة لأقارب المجني عليه الذين يعولهم إذا كان قد لحقهم ضرر في وسائل معيشتهم ” .
و نستنتج من هذه التوصية أن الأشخاص المعنيون بالتعويض هما المجني عليه الذي أصابه ضرر من الجريمة، و أقاربه المتضررين و الذين كان يعولهم، و أضافت التشريعات المقارنة فئة ثالثة هي كل شخص يصـاب بأضرار من الجريمـة أثنـاء مساعدتـه لرجـال السلطـة العامة، و هو بصدد إعمال القانون أو تنفيذه .

أ/ ـ الفئـة الأولـى: المجني عليـه المضرور.
لم تهتم التشريعات الإجرائية الجزائية المقارنة بإعطاء مفهوم للمجني عليه، و ربما يرجع السبب في ذلك إلى كونه ليس بطرف مهم في الخصومة الجزائية، و ترك ذلك للفقه .
و يعرف الدكتور رؤوف عبيد المجني عليه “بأنه من وقعت الجريمة عليه” .
و يعرفه المرحوم الدكتور محمود محمود مصطفى ” بأنه الشخص الذي وقعت عليه النتيجة الإجرامية أو الذي أُعتدى على حقه الذي يحميه القانون” .
و يعرفه الفقيه “روكو ROCCO ” بأنه الشخص المحمي بنص القانون من الجريمة “، أما الفقيه “مانزين” MANZIN فيعرفه ” بأنه الشخص الذي يتحمل الآثار المباشرة للجريمة” .
و نعرفه من جانبنا ” بأنه الشخص الذي قَصده الجاني بجريمة سواء تحقق الضرر أم لم يتحقق، و يستوي في المجني عليه أن يكون شخصا طبيعيا أم شخصا معنويا “.
و لابد أن نوضح أن مصطلح المجني عليه يختلف عن مصطلح المضرور، و يمكن إيجاز الإختلاف؛ في أن المضرور هو من أصابه ضرر من الجريمة بينما المجني عليه هو المقصود من الجريمة حتى و لو لم يصبه ضرر على الإطلاق ، و قد يكون المجني عليه مضرورا في نفس الوقت بحسب الحالة.
و رجوعا إلى موضوعنا؛ كي يستحق المجني عليه التعويض من الدولة لابد أن يتحقق فيه شرطين؛ أولهما أن يصاب المجني عليه بضرر شخصي و مباشر ـ و هذا ما يفيد و أن المجني عليه في هذه الحالة يجب أن يحمل صفة المضرورـ و الشرط الثاني ألا يكون له دور في وقوع الجريمة.
إلا أن الفقه إختلف بشأن الإعتداد بحاجة المجني عليه للتعويض؛ فيرى بعض الفقه أنه لابد من توافر شرط الحاجة للتعويض، فلا يمكن إعطاءه لجميع المجني عليهم، فالتعويض في هذه الحالة يأخذ صورة الإعانة و التبرع، فيما يرى جانب آخر من الفقه ألا يعتد بحاجة المجني عليه لإستحقاقه للتعويض، فالكل سواء أمام الدولة في إستحقاق التعويض ، و هو الرأي الذي نميل معه.

ب/ ـ الفئـة الثانيـة: أقارب المجني عليه الذين كان يعولهم.
تحقيقا لمبدأ التكافل الإجتماعي يقع على الدولة واجب توسيع مجال التعويض و عدم تقصيره على المجني عليه المتضرر مباشرة الجريمة، بل يمتد إلى الأقارب إذا كان هذا الأخير هو المكلف بإعالتهم بعد التأكد من إصابتهم بأضرارا من وسائل عيشهم بسبب الجريمة .
و اختلف الفقه حول تعويض الدولة لمن يعولهم المجني عليه، فالرأي الأول ـ و هو قليل ـ يذهب إلى رفض دفع التعويض إلى الأشخاص الذين يعولهم المجني عليه، بل يجب أن يقتصر التعويض على الأضرار المادية و الأدبية التي تصيب المجني عليه وحده بسبب الجريمة، و التي لا يتصور إصابة غيره بها، لأنها أضرار شخصية قاصرة عليه.
أما الرأي الثاني ـ و هو رأي الأغلبية ـ يذهب إلى وجوب تعويض الأشخاص الذين يعولهم المجني عليه، غير أن الإختلاف عندهم في اشتراط القرابة؛ فيـوجد من يرى بالمفهوم الفعلي للأقـارب و هو الأب و الأم و الأخ و الزوجة و الأولاد، مع إشتراط أن يكون هذا القريب معتمدا كلية في معيشته على المجني عليه، و أن يعيش معه في مسكن واحد، إلا أنه هناك من يوسع مجـال التعويض إلى الطفـل بالتبني أو أي شخص آخـر يقيم مع المجني عليـه في مسكن واحد و تجمعه معه معيشة مشتركة، فالشرط الأساسي هو الإعالة، أي الإعتمـاد على الغير في المعيشة سواء كان إعتمادا كليا أو جزئيا، مع الإشـارة و أن إعطاء التعويض للأقارب لا يتحقق إلا في حالة وفاة المجني عليه .
و لا بأس بإعمال الرأي الثاني باعتبار أن المعيار في التعويض هو تحقق شرط الإعالة، فإن كان هذا الفرد تحت كفالة و إعالـة المجني عليه فيستحق التعويض جبـرا للأضرار الماديـة و المعنوية التي أصابته.

ج/ ـ الفئة الثالثـة: الأشخاص الذين يساعدون رجال السلطة العامة.
أو كما يسميهم البعض “المتطوعون لمنع الجريمة”، و ذلك تشجيعا للأفراد على مساعدة من يتعرض لخطر إرتكاب الجريمة ضده، و حثا لهم على مساعدة أجهزة العدالة، و وفاءًا بالجميل لهؤلاء المواطنين الصالحين سواء تطوع المجني عليه بنفسه لمنع الجريمة أم ساهم في التقليل من مخاطرهـا ، أم ساعد رجال السلطة جنبا إلى جنب لمكافحة الجريمة، و قد نصت بعض التشريعات مثل قانون كاليفورنيا على تخصيص قسم مستقل بعنوان ” المواطنون الذين يفيدون المصلحة العامة” و ذلك بغرض منح تعويض عادل لهؤلاء، بل تعدى ذلك حتى جرائـم الأـموال. و لعل المبرر في ذلك أن الظروف التي تدفع فيها الدولة التعويض لمواطن ساهم في منع الجريمة أو أعان رجال الشرطة أو أنقذ غيره من المخاطر تختلف تماما عن الظروف التي تؤدي إلى دفـع التعويض في الحالات العادية .

3 / ـ من حيـث نوع الضرر:
التعويض الذي يطالب به المجني عليه الدولة يجب أن يكون نتيجة لضرر أصابه من الجريمـة، و لا يختلف وصف الضرر في القانون الجنائي عنه في القانون المدني ـ من حيث التقدير ـ إذ يشملهما تفسير واحد؛ و هو ما لحق المجني عليه من خسارة و ما فاته من كسب ، ذلك لأن الضرر هو سبب الدعوى المدنية التبعية تطبيقا لقاعدة “لا تعويض بغير ضرر” ، و يشمل التعويض الأضرار المادية التي تقع على المجني عليهم في جرائم الأشخاص ـ و هذا أمر طبيعي لأنه الهدف الرئيسي من وراء التعويض ـ أما بالنسبة للضرر الأدبي فقد إختلفت حوله التشريعات؛ فمنها من ترى بعدم التعويض عن الضرر الأدبي مثل قانون كاليفورنيا بالولايات المتحدة الإمريكية، أما التشريعات الأخرى ـ وهي الغالبية ـ ترى بوجوب أن يشمل التعويض الضرر الأدبي أُسوة بالضرر المادي، فلا وجه للتفرقة بينهمـا في التعويض ، و يشمـل الضرر الأدبي جملة المعاناة و الألام النفسية التي لحقت بالمجني عليه أو المحيطين به جراء الجريمة .
و نحن من جانبنا نؤيـد التشريعات التي تأخذ بالتعويض عن الضرر الأدبي إلى جانب التعويـض عن الضرر المـادي، ذلك أن الأضرار النفسيـة لها كذلـك وقعها في نفس الإنسـان و لها آثارها السلبيـة، و منها ما يمتد إلى عدة سنـوات، بخلاف الضرر المـادي الذي قد يعالج في فترة وجيزة.
و الضرر المادي قد يكون جسمانيا مثل الجروح و العاهات و الإصابات، و التي عبر عنها المشرع الفرنسي في المادة 706/3 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي بأنها الأفعال التي تؤدي إلى الموت أو العجز الكلي أو الجزئي عن العمل لمدة تزيد عن شهر واحد .
كما قد يكون الضرر المادي ضررا ماليا و لكن ليس ناتجا عن جرائم الأشخاص، بل ناتجا عن جرائم الأموال، و لكن كما سبق الإشارة إليه قليلا من التشريعات التي تأخذ بالتعويض عن جرائم الأموال و منها التشريع الفرنسي و في حالات ضيقة.

رابعا: تطبيقـات مسؤولية الدولـة عن تعويـض المجني عليـه.
نحاول في هذا العنصر معرفة تطبيقات مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليهم في التشريعات المقارنة و التشريع الجزائري.

1 / ـ موقف التشريعـات المقارنـة:
ـ تعد “نيـوزيلانـدا” أول دولة أصدرت تشريعا للتعويض عن الجرائم سنة 1963، و تم العمل به في أول جانفي 1964، و لم يؤسس هذا التشريـع التعويض على أنـه واجب على الدولة، و إنما على أنه أمر مرغوب فيه من الناحية الإجتماعية، و يعود الإختصاص في تطبيق هذا النظام إلى محكمة التعويض عن الجرائم الجزائية، و على طالب التعويض أن يثبت أنه أصابه ضرر مباشر من إحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون المذكور.
و كان القانون في بدايته الأولى لا يعوض إلا بعض جرائم الأشخاص، إلا أنه تدارك هذا النقص و أدخل التعويض عن بعض جرائم الأموال. و يتم دفع التعويض إلى المجني عليه المتضرر من الجريمة أو إلى ورثته في حال موتـه بعد أن يعجز المجني عليه عن استيفـاء حقه من الجاني إما لعدم معرفتـه أو لعدم استطاعته .
ـ أما في “إنجلتـرا” فأصدر مجلس العموم البريطاني قانونا ينظم التعويض عن الجرائم الجنائية سنة 1964 و دون تحديد لنوع الجرائم، أي يقبل تعويض الأضرار الناجمة عن جرائم الأشخاص و جرائم الأموال، و إستثنى من ذلك ما يقع على أحد أفراد عائلة الجاني إذا كان يقيم معه في مسكن واحد، و كذلك ما ينجم عن حوادث السيارات، و يشترط في الضرر أن يكون شخصيا و مباشرا، و تفصل في طلبات التعويض لجنة مخصصة لهذا الغرض .
و في تعديل آخر تم توكيل الفصل في التعويض إلى محكمة خاصة جميع أعضائها من قضاة ذوي خبرة قانونية واسعة بالفصل في طلب التعويض .
ـ ثم تأتي في الترتيب “كاليفـورنيا” و التي تعد أول ولاية أمريكية أدخلت نظاما لدفع التعويضات عن الجرائم و ذلك سنة 1965 و قد أدخل النظام كجزء من برنامج خيري، و يرجع الإختصاص في الفصل في التعويضات من إدارة المعونة إلى إدارة الرقابة الحكومية التي تنظر في الإدعاءات المقدمة ضد الدولة، و لا يسمح بالتعويض إلا عن الخسارة المادية، و تخصم منه المبالغ المدفوعة إلى المجني عليه من مصادر أخرى، و تحل الدولة محل المجني عليه في حقوقه قبل الجاني .
ثم تلت هذه الولاية عدد كبير من الولايات الأمريكية، و بعدها كندا في ثمان محافظات ليتسع بعدها إلى باقي المحافظات، ثم فنلندا و ألمانيا و عدد من الدول الأروبية … و غيرها.
ـ أما في فرنسـا تحديدا فإن أول قانون لها ينص على إلتزام الدولة بتعويض المجني عليهم صدر في 03 جانفي 1977 في نص المادة 706/3 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الذي قصر التعويض في البداية على جرائم العنف العمدية و غير العمدية، ليتم تعديل هذا القانون في 02 فيفري 1981 ليشمل بالتعويض الأضرار الناجمة عن السرقة و النصب و خيانة الأمانة و لكن بشروط و قررت أن يتم التعويض في حالة عدم معرفة الفاعل أو أن الفاعل معسرا لا يقدر على تعويض المجني عليه، و أضافت حالة أخرى عندما تقع الجريمة من قبل شخص غير مسؤول جزائيا لتوافر مانع من موانع المسؤولية قبله مثل المجنون و السكران على نحو غير إرادي.
و يُعطي القانون الفرنسي الحق في نظر طلبات التعويض إلى لجنة تأخذ شكل المحكمة المدنية في مقر كل محكمة إبتدائية، تتكون من إثنين من القضاة بالإضافة إلى عضو ثالث يمثل مصالح المجني عليهم، يطلق على هذه اللجنة ” لجنة تعويض ضحايا الجريمة” (CIVI ) و تكون جلساتها سرية، و من حق المجني عليه الإستعانـة بمحام و إحضار الشهـود و الإستعانة بالخبراء و تقديم كل ما يساعد على إثبات حقه في التعويض .
ـ أما في دولـة مصر فقد جاء في نص المادة 457 من الدستور المصري ” كل إعتداء على … حرمة الحياة الخاصة للمواطنين … جريمة لا تُسقط الدعوى الجنائيـة و لا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، و تكفل الدولة تعويضا عادلا لمن وقع عليه الإعتداء”.
و النص كما يبدو ظاهره يتحدث عن الجرائـم الماسة بحرمة الحيـاة الخاصة للمواطنين، و هي المعبر عنها حديثا بالتنصت و التسجيل و نقل المكالمات الهاتفية و المحادثات التي تجري في الأماكن الخاصة.
و الدولة ـ وفقا للنص ـ تنحصر كفالتها في تعويض الضحية المباشرة فقط، فهي لا تشمل المضرور بصفة عامة، فمناط هذا النص الدستوري هو حماية المواطن ضد مخاطر التقدم التكنولوجي الحديث الذي أصبح يهدد هدوء الإنسان و كيانه المعنوي، أما مقدار التعويض فقد أجاب عنه نص الدستور بالقول ” أن الدولة تكفل تعويضا عادلا ” و في القوانين المصرية يستعمل عبارة التعويض العادل للدلالة على التعويض غير الكامل .
و قد لاقت الدولة المصرية الكثير من النقد حول سياستها نحو المجني عليه، ذلك أن النص الدستوري جاء متحدثا فحسب عن الجرائم الماسة بحرمة الحياة الخاصة للمواطنين و تجاهل جرائم العنف العمدية و غير العمدية .
بالإضافة إلى ذلك نجد أن هذا النص لم يُدعم بآليات تطبيق، فهو يحتاج إلى قانون مكمل يحدد مجال و حدود و شروط التعويض و غير ذلك من القواعد اللازمة لطرح فكرة التعويض موضع التطبيق.
و لقد تم إعداد مشروع قانون سنة 1981 من طرف إحدى لجان مجلس الشعب، أين تم الحديث عن إنشاء صندوق يكفل تعويض لضحايا الجرائم إذا ماظل الجاني مجهولا أو إتضح أنه معسرا، و لكن لم يكتب لهذ المشروع أن يرى النور لحد الآن.

2 / ـ موقف المشـرع الجزائـري:
إن المتصفح للنصوص التشريعية الجزائرية لا يجد بها نص عام يكفل إلتزام الدولة بتعويض المجني عليهم عن الأضرار التي تصيبهم جراء الجريمة، بل كل ما وجدناه نصوصا متناثرة تتناول فئات خاصة فقط، لا تخرج عن تعويض المتضررين جراء حوادث المرور و ذلك في الحالات التي يستحيل على شركة التأمين تعويض الضحية، و هو في ذلك قد أوكلها إلى الصندوق الخاص بالتعويضات، و كذلك تعهدت الدولة بتعويض ضحايا الخطأ الجزائي الواقع من طرف رب العمل أو في حالة حادث مرور كان بمناسبة العمل، و في ذلك يعهد بالتعويض إلى صندوق الضمان الإجتماعي، و أخيرا صندوق تعويض ضحايا الإرهاب الذي يهتم بتعويض المجني عليهم من جراء الجرائم الإرهابية، و نحاول أن ندرس هذه الصور الثلاث للتعويض بحسب ترتيبها الزمني في الإنشاء.

أ/ ـ الصنـدوق الخـاص بالتعويضـات:
أنشأ المشرع الجزائري الصندوق الخاص بالتعويضات سنة 1963 ثم أعاد تنظيمه بموجب الأمر 74/15 الصادر في 30/01/1974 و أخيرا بموجب المرسوم الحامل لرقم 80/37 المؤرخ في 16/02/1980، و يجري تمويله من الخزينة العمومية.
يهدف هذا الصندوق إلى منـح تعويضـات إلى الضحايا المتضررين من جراء حوادث المرور، و ذلك في حالة ما إذا تعذر العثور على المسؤول عن الخطأ أو تعذر الحصول على التعويض، و هذا وفقا لنص المادة 34 من الأمر 74/15 التي تنص ” يكلف الصندوق الخاص بالتعويض بدفع التعويضات إلى المصابين جسمانيا من حوادث المرور أو إلى ذوي حقوقهم في الحالات المشار إليها في المادة 24 و ما يليها من الأمر 74/15 .
و يشرع الصندوق الخاص بالتعويضات في دفع التعويض إلى المصاب أو ذوي حقوقه في إطار الأحكام المشار إليها في الفقرة السابقة إذا لم يُؤد التعويض لهم من قبل أي شخص أو هيئة مكلفة بدفعه طبقا للأحكام القانونية و التنظيمية.
و رجوعا إلى نص المادة 24 من الأمر 74/15 فإننا نجد الحالات المعنية بالتعويض محددة كما يلي ” يكلف الصندوق الخاص بالتعويضات بتحمل كل أو جزء من التعويضات المقررة لضحايا الحوادث الجسمانية أو ذوي حقوقهم و ذلك عندما تكون هذه الحوادث التي ترتب عليها حق التعويض مسببة من مركبات بريـة ذات محرك، و يكون المسـؤول عن الأضرار بقي مجهـولا أو سقط حقه في الضمان وقت الحادث أو كان ضمانه غير كاف أو كان غير مؤمن له أو ظهر بأنه غير مقتدر كليا أو جزئيا “.
ثم يحل الصندوق محل الدائن بالتعويض في المطالبة بحقوقه التي يكون قد إستفاد منها كليا أو جزئيا الضحية.
و نخلص بالقـول فيما يتعلق بالصندوق الخاص بالتعويضات أن المشرع الجزائـري أنشأ هذا الأخير لدفع التعويضات بمناسبة جرائم القتـل و الجروح الخطأ الواقعة بمناسبة حادث مرور لم يتم فيه العثور على الجاني أو أن الجاني في حالة إعسار لا يمكنه دفع قيمة التعويض، أو أن مركبته كانت غير مؤمنة أو سقط حقه في الضمان، و يأخذ المجني عليه تعويضا عادلا له أو لذوي حقوقه في حالة الوفاة، أي أن هذا الصندوق خاص بفئة محددة لا يمتد إلى غيرها، و بجرائم معينة لا يتوسع فيها، و الجهة المكلفة بالفصل في أحقية التعويض هي هيئة قضائية أحكامها تقبل الطعن بالطرق العادية وغير العادية.

ب/ ـ صنـدوق الضمـان الإجتمـاعي:
في الحقيقة أن صندوق الضمان الإجتماعي أُنشيء لمهام أخرى غير مهمة تعويض ضحايا الجريمة، و لكن أدخل المشرع الجزائري إلتزام على الدولة بتعويض المجني عليهم في حالة ما إذا تعرض العامل إلى حادث عمل بمناسبة خطأ من رب العمل إذا كان هذا الخطأ له وصف الجريمة في قانون العقوبـات أو في حالة ما إذا تعرض العامل لحادث مرور و لكن بمناسبة العمل، فيعوضه الصندوق إداريا و يحل محله للمطالبة بالحقوق أمام الجهات القضائية.
كما يستفيد من التعويض الضحية و ذوي حقوقه طبقا لنص المادة 47 من القانون رقم 83/15 المتعلق بمنازعات الضمان الإجتماعي و التي تنص ” في حالـة صدور خطأ غير معـذور أو متعمد عن صاحب العمل يستفيد المصاب أو ذوي حقوقه من الأداءات الواجب دفعها من طرف هيئة الضمان الإجتماعي طبقا للقانون 83/13 المؤرخ في 02 يوليو 1983 المتعلق بحوادث العمل و الأمراض المهنية”
و نخلص بالقول فيما يتعلق بصندوق الضمان الإجتماعي أن المشرع الجزائري قد أوكل إلى هذا الأخير الحلول محل رب العمل لتعويض العمال المجني عليهم إذا وقعت عليهم جريمة عمدية أو غير عمدية ـ و في ذلك توسيع لمجال الجرائم محل التعويض ـ كما يمكن تعويض ذوي الحقوق في إطار القانون، و يتم الفصل في التعويض إداريا أمام لجنة مكلفة بذلك، ليحل بعدها الصندوق محل الضحية للمطالبة بالتعويضات أمام الجهات القضائية.
إذا هذا التعويض ليس له علاقة بعدم العثور على الجاني أو أن الجاني كان معسرا، و إنما هذا التعويض يكون في إطار علاقة العمل و من قبيل ضمان تعويض مستعجل للضحية إلى حين الحصول على تعويضه المستحق أمـام الجهات القضائية، مما تجعله يحمل طابـع المساعدة قبل أو أثناء الخصومة الجزائية و ليس بعدها كما هو الحال فيما يتعلق بموضوع دراستنا.

ج/ ـ صنـدوق تعويـض ضحايـا الإرهـاب:
أنشأ المشرع الجزائري صندوق تعويض ضحايا الإرهاب بموجب المرسوم التنفيذي رقم 99/47 المؤرخ في 13 فبراير1999 و الذي أوكل إليه مهمة التكفل بالضحايا المتضررين من جراء الجرائم الإرهابية التي أرتكبت ضدهم.
و يستفيد من هذا الصندوق كل شخص تعرض لعمل إرتكبه إرهابي أو جماعة إرهابية يؤدي إلى الوفاة أو إلى أضرار جسدية أو مادية وفقا لنص المادة 02 من المرسوم أعلاه، و يستفيد كذلك من هذا الصندوق الموظفون و الأعوان العموميون ضحايا الإرهاب و ذوي حقوقهم .
و يعتبر من ذوي الحقوق طبقا لنص المادة 112 من هذا المرسوم أصول المتوفي و أزواجه و الأبنـاء الأقل من 19 سنة أو 21 سنة إذا كانوا يزاولـون دراستهم أو يتابعون تكوينـا مهنيـا، و الأطفال تحت الكفالة، و الأبناء مهما كان سنهم إذا كان يستحيل عليهم و بصفة دائمة ممارسة أي نشاط مربح بسبب عاهة أو مرض، و كذلك البنات بدون دخل مهما كان سنهم.
كما يستفيد كذلك المجني عليهم الذين تعرضت أملاكهم إلى الإتلاف، و قد حددت المادة 91 من المرسوم المذكور أعلاه الأملاك المعنيـة بالتعويـض؟ و هي المحلات ذات الإستعمال السكني و الآثاث و التجهيزات المنزلية و الألبسة و السيارات الشخصية، أما الأوراق المالية و الحلي فلا تدخل ضمن التعويضات، و فيما يتعلق بتعويض باقي الممتلكات فتنص المادة 95 من هذا المرسـوم ” يحدد نص خـاص كيفـيـات تعويـض المحـلات ذات الإستعمـال الصنـاعي و الأمـلاك التجاريـة و المستثمرات الفلاحية و قطعان المواشي و كل تربية أخرى للحيوانات “.
و يُقصى من الإستفـادة من التعويض الأشخـاص الذين ثبت تورطهم في أي قضيـة إرهابيـة أو تخريبية في الوطن، و يوقف عنـه التعويض حتى و لو بدأ في تقاضيه لفترة معينـة، و هذا ما تنص عليه المادة 116 من المرسوم.
و الملاحظة التي نسجلها على صندوق تعويض ضحايا الإرهاب هو أن المشرع الجزائري إحترم فيه إلى حد بعيد المعايير الدولية، و ذلك بأن حمل الدولة الأضرار الناتجة عن المأساة الوطنية و جعل التعويض يستفيد منه المجني عليه و ذوي حقوقه، كما وسع في إستفادة ذوي الحقـوق فشملت الأصـول و الأزواج و القصر و الأبناء تحت الكفالة و الأبناء دون عمل البالغين إذا كانو مصابين بعاهة أو مرض و الأبناء دون عمل مهما كانت أعمارهم، كما وسع من الجرائم، فلم يكتف بالجروح العمدية و غير العمدية و القتل، بل أدرج فيها حتى الجرائم التي تتسبب في أضرار مادية ماسة بالممتلكـات في إطار السكـن و الأثاث و المركبة.
و يعود الإختصاص للفصل في طلب التعويض إلى جهات إداريـة و يكون الآمـر بالصرف فيها هو وزيـر الداخليـة و الولاة، إلا أن أي شخص رأى بأن لـه حق في التعويـض و رفض الصندوق تمكينه من ذلك أن يقاضيه أمام الجهات القضائية المختصة.
إن هذا الإلتزام الواقع من طرف الدولة في تحملها نتائج الأفعال الإجرامية لم تكن بسبب عدم معرفة الفاعل أو أن الفاعل كان معسرا، و إنما تشمل جميع ضحايا الإرهاب في مواجهة جميع المجرمين دون إستثناء .
و المسجل كذلك على هذا الصندوق أنه أُنشيء بموجب مرسوم تنفيذي و ليس بموجب قانون، مما يعطي الإنطباع بأنه صندوق مؤقت و ليس دائم، مرتبط فحسب بالمأساة الوطنية، مما تجعله أقل فاعلية.
بالنتيجة لما سبق عرضه حول موقف المشرع الجزائري من مسؤولية الدولة عن تعويض ضحايا الجريمة، و بالمقارنة مع التوجه الدولي و ما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية يمكن القول أنه موقف محتشم، لأنه إهتم بتعويض فئات الضحايا من جرائم محددة و لم يهتم بتعويض الضحية عن جميع الجرائم المرتكبة ضده، فكان عليه أن ينشئ صندوقا واحد يجمع فيه جميع ضحايا الجريمة تحت عنوان واحد بعد إلغـاء صندوق ضحايا الإرهـاب و الصندوق الوطني للتعويضات، و إن شاء أن يُعطي بعض الإمتيازات لبعض الحالات الخاصة فلا بأس بذلك، على أن يقرن التعويض بعدم معرفة الفاعل أو عدم إستطاعته تسديد التعويض، أو أن إمكانية التعويض غير ممكنة لأي سبب من الأسباب.

خاتمـة و توصيـات:
إن التوجه الحاصل اليوم على مستوى الفقه الجنائي المقارن يسير نحو تكريس حقوق المجني عليه بعد أن ظل فترة من الزمن لصالح المتهم، أو على الأقل محاولة الموازنة بين حقوق المتهم و المجني عليه، باعتبار أن كلاهما طرفا في الخصومة الجزائية.

و لقد عرجنا في مداخلتنا هذه على أحد أهم الجوانب الأساسية في حقوق المجني عليـه ألا و هي حق المجني عليه في إقتضاء حقه في التعويض من الدولة، و لقد تناولنا فيه نشأة و تطور حق المجني عليه في إقتضـاء حقه من الدولـة، و كان ذلك من خلال التطرق إلى الأصـل التاريخي و موقف الشريعة الإسلامية ثم تأثير الفقه و المؤتمرات الدولية على ذلك.

كما تحدثنا عن الأساس الذي يقوم عليه حق المجني عليه في التعويض من الدولة؛ و من الفقه من يرى بالأساس القانوني الذي يقتضي و أن التعويض حق و ليس منحة، أما الأساس الإجتماعي فنادى بأن إلتزام الدولة بالتعويض نابع من حرصها على ضمان المساعدة للمجني عليه، و يترتب على ذلك أن التعويض هو مجرد إعانة من الدولة و ليس حقا للضحية.

كما درسنا تطبيقات حق المجني عليـه في التعويض من الدولـة في التشريعات المقارنـة و التشريع الجزائري، و من التشريعات المقارنة تشريعات أمريكية و أروبية، أما التشريع الجزائري فذكرنا من تطبيقاتـه الصندوق الخـاص بالتعويضات و صندوق الضمـان الإجتماعي و صندوق تعويض ضحايا الإرهاب.

و تناولنا نطاق الحق في التعويض من حيث الجرائم و الأشخاص و الأضرار، و طرحنا النقاشات الفقهية التي تناولت الموضوع، واخترنا منها ما هو أرجح و أقنع.

و في كل المسائل الخلافية أبدينا رأينا بما يتوافق و الإطار المعمول به في الساحة العلمية.

و نحاول أن نجمل توصياتنا حول هذا الموضوع على النحو التالي:

ـ على الدولة أن تتبنى نظاما تحدد فيه مسؤوليتها عن تعويض ضحايا الجرائم يشمل جميع الفئات، و يدرج هذا النظام ضمن قانون خاص بهذا الشأن، أخذا بالأساس القانوني القائل بأن تعويض الدولة للمجني عليهم حق و ليس منحة.

ـ ينشأ لهذا الغرض صندوقا وطنيا يسمى” صندوق تعويض ضحايا الجريمة ” يتم تمويله في جزء منه من الضرائب و جزء ثان من الغرامات و المصادرات المحكوم بها و جزء ثالث من أموال الجناة أنفسهم عن طريق فرض مبلغ معين يتم دفعه إلى الصندوق لا يقل عن 1000 دج لكل محكوم عليه في أية جريمة لكي يتم تمويل الصندوق بالأساس من جيوب الجناة.

ـ إتباع أسلوب حصر الجرائم حتى لا نثقل كاهل الدولة بتعويض كل الجرائم، و لا بأس من تخصيص جرائم العنف العمدية و غير العمدية التي تتسبب في الوفاة أو الجروح خارج إطار التعويض عن حوادث المرور، ثم جرائم الشرف خارج إطار العائلة، أما جرائم الأموال فيتم تعويض فقط الجرائم التي لا مناص من تعويضها مع تحديد سقف معين لمبلغ التعويض.

ـ ضرورة تعويض الأضرار المعنوية مثلما يتم تعويض الأضرار الجسمانية، لأنها لا تقل أثرا في سلوكيات المجني عليه.

ـ وجوب أن يشمل التعويض المجني عليه و كل الأشخاص الذين يعولهم، دون ربط ذلك بالدخل أو المستوى المعيشي.

ـ يعهد بالفصل في طلب التعويض إلى جهة قضائية أو لجنة يغلب عليها العنصر القضائي لأن البحث في التعويض يقتضي مناقشة بعض المسائل القانونية المتعلقـة بالجريمة و الضرر الناشئ عنهـا، و لا يملك تقدير ذلك إلى القضاة.
قائمة المراجع المستعملة:
أ/ ـ الكتب:
ـ إبن منظور، لسان العرب، دار صادر للطباعة و النشر، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، الجزء العاشر، سنة 2005.
2 ـ د. حسنين إبراهيم صالح عبيد، شكوى المجني عليه ـ تاريخها، طبيعتها، أحكامها ـ ( دراسة مقارنة ) دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، سنة 1975.
3 ـ د. رؤوف عبيد، مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري، مطبعة نهضة مصر بالفجالة، مصر، طبعة أولى، سنة 1954.
4 ـ حقوق المجني عليه في الإجراءات الجنائية، المؤتمر الثالث للجمعية المصرية للقانون الجنائي، القاهرة، سنة 1989، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، سنة 1990.
5 ـ أ. سماتي الطيب، حماية حقوق ضحية الجريمة خلال الدعوى الجزائية في التشريع الجزائري، كتاب موضوع رسالة ماجستير، مؤسسة البديع للنشر والخدمات الإجتماعية، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2008.
6 ـ د. زكي زكي حسين زيدان، حق المجني عليـه في التعويض عن ضرر النفس، دار الفكر الجامعـي، الإسكندريـة، مصر، دون ذكر الطبعة و السنة.
7 ـ د. محمود محمود مصطفى ـ رحمه الله ـ حقوق المجني عليه في القانون المقارن، مطبعة جامعة القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، سنة 1975.
8 ـ د. محسن العبودي، أساس مسؤولية الدولة عن تعويض المجني عليه في القانون الجنائي و الإداري و الشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، دون طبعة، سنة 1990.
9 ـ د. محمد أبو العلا عقيدة، تعويض الدولة للمضرور من الجريمة ( دراسـة مقارنة في التشريعات المعاصرة و النظام الجنائي الإسلامي ) دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، سنة 2004.
10 ـ د. محمد حنفي محمود، الحقوق الأساسية للمجني عليه في الدعوى الجنائية ( دراسة مقارنة ) دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، سنة 2006.
11 ـ د. محمد صبحي محمد نجم، رضا المجني عليه وأثره على المسؤولية الجنائية ( دراسة مقارنة ) كتاب موضوع رسالة دكتوراه، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، دون طبعة، سنة 1983.
12 ـ د. محمد عبد اللطيـف عبد العـال، مفهـوم المجني عليه في الدعوى الجنائية، دار النهضة العربية، القاهـرة، مصر، دون ذكر الطبعـة، سنة 2006.
13 ـ د. محمود نجيب حسني ( رحمه الله ) شرح قانون الإجراءات الجنائيـة، دار النهضة العربيـة، القاهـرة، مصر، الطبعة الثالثة سنة 1995.
ب/ ـ الرسائل:
14 ـ د. أحمد عبد اللطيف الفقي، الحماية الجنائية لحقوق ضحايا الجريمة، رسالة دكتوراه مناقشة بجامعة عين شمس بكلية الحقوق، سنة 2001.
15 ـ د. عادل محمد القفي، حقوق المجني عليه في القانون الوضعي مقارنا بالشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراة في الحقوق، مناقشة بجامعة عين شمس، كلية الحقوق، سنة 1984.

                                                                                                                                                            منقول


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...