مسؤولية الطبيب في عمليات التجميل 


مسؤولية الطبيب في عمليات التجميل     

المقدمة

لقد خلق الله الكون بما حوى، و أوجد الحياة و مكوناتها، و استوى على العرش سبحانه، وله في ذلك حكمة، ولا يعلم سر حكمته ألا هو عز وجل . ألا أن المعلن و الظاهر للناس هو ما جاء في محكم تنزيله و ما أنبأنا به الرسل و ما أردنا ربنا أن نعلمه، حيث تنبؤ بأن الله عز وجل قد وضع الإنسان على رأس ومقدمة وهامة مخلوقاته في الاعتبار و التكريم و التفضيل، قال تعالى: “وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” و لقد أحسن الله خلقه، فليتبصر كل منا قبل أن ينظر لأي سواه، شيئا كان، أم حيوانا، أم إنسانا مثله، ليتأمل في ذاته فيجد آيات الله فيها حوت خلقته، فيرى بديع صنع الله ـ و من أكبر نعم الله على الإنسان نعمة خلقه من لا شيء، و لذا فصورة الإنسان أحسن صورة فهي من الخالق سبحانه فهو القائل في محكم تنزيله: “الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك” و من حيث أننا توصلنا بذلك إلى أن الله فضل الإنسان على أي خلق أخر، مع كل ذلك لا بد من حفظ الإنسان لما أبدع الله و عن حفظ الجسد و الجسم من الأمراض والرعاية و العناية بالصحة، و لقد علم مسبقا ربنا الكريم بما يعتري الواحد منا من نشأته الأولى في رحم أمه إلى لحده في التراب من سقم و مرض و طلب الاعتماد عليه سبحانه في طلب شفاء وبأنه هو الشافي و لكن بالتوكل لا بالتواكل فقط طلب إلينا التداوي و قال منبئا عن أن الأرض تحوي الدواء بما حوته الطبيعة من نبات و حيوان كل سخر لخدمة الإنسان. و هكذا عرفنا أن الله عز وجل بحكمته و تدبيره وفضله ،كرم الإنسان و صانه ووضع ميزان الأفعال و دعى للعلم و أقر للإحسان ثوابه و سوء عقابه، فكل منا مسؤول عن نفسه و في معرض سعيه مسؤول عن غيره فالحارس مسؤول عما كلف بحراسته، و الصانع مسؤول عن صنعه والراعي مسؤول عن رعيته كل في مجاله، و على وجه الخصوص في مجال تعامل مع الجسد البشري لما له من حرمة و قداسية. و بتالي فإن اللجوء إلى شخص له مهنة تعد من أهم المهن الإنسانية و التي يتوجب على من يمارسها احترام جسم الإنسان في جميع الظروف و الحالات إلا وهو الطبيب الذي يتوجب عليه أن يحافظ على أرواح الناس و سلامتهم لأن مهنة الطب تفرض واجبا أخلاقيا و قانونيا يتمثل في بذل أقصى الجهود عندما يقوم بعلاج مرضاه لا سيما أن هذا القرن عرف انجازات علمية عظيمة في مختلف الميادين لا مثيل لها في تاريخ البشرية و أعظم هذه الإنجازات المبتكرة غرضها الأساسي إنقاذ حياة المريض من الموت أو تخليصهم من الآلام التي يعانون منها و لإعطاء الأطباء المجال الكافي لمعالجة مرضاهم في جو من الإطمئنان و الثقة و دون خشية أو تردد فقد كانوا قديما لا يسألون عن أخطائهم التي ترتكب أثناء ممارسة مهنتهم، لكن تزايد عدد الأطباء و تنوع أعمالهم و ما صاحب ذلك من زيادة في استعمال الآلات و الأجهزة الطبية، أدى ذلك إلى كثرة المخاطر الناجمة عن الأعمال الطبية هذا بالإضافة إلى تزايد الوعي العام لدى المرضى فلم يعد إرجاع مما يصيبهم من أضرار ناجمة عن القضاء و القدر، و إنما في بعض الأحيان إلى الأخطاء الطبية و بسبب هذا التطور و الوعي أصبح من الممكن مسائلة الأطباء عن الأخطاء الناجمة من ممارستهم للأعمال الطبية، أصدرت تشريعات تنظم عمل الأطباء و محاسبتهم في حالة صدور أخطاء طبية أي أصبح الأطباء يخضعون كغيرهم من أفراد المجتمع لكل من أحكام المسؤولية المدنية و الجزائية. و الطب ليس مجرد علم أو تقنية يمارسها الطبيب و إنما يتضمن جانبا من المتطلبات الإنسانية التي ترد على جسم الإنسان بما له من حرمة لا يجوز المساس بها إلا بمقتضى هدف مشروع و لغاية يستهدف مصلحته الصحية غير أن ما شهده علم الطب من تطورات كبيرة، وتقدم ملحوظين و ما زال يأتي كل يوم بما هو جديد بل و مبهر في كافة فروعه و تخصصاته. حيث أصبح أهم ما يميز الطب الحديث في نظر العامة تلك الإيجابية و الفعالية التي جعلته يتجاوز حدود مهمته الأصلية التي هي الوقاية و العلاج من العلل و الأمراض، ليشمل أيضا تحقيق الرغبات الإنسان متعددة كما هو الحال بشأن الجراحة التجملية التي تعتبر من الحالات التي تستوقف النظر و تدعو إلى البحث و التأمل فيها، باعتبارها مقصدا للراغبين في الحسن و الجمال من الجنسين، إذ أصبح الناس بعدما كانوا يترددون على العيادات و المستشفيات من أجل العلاج أصبح في الوقت الحاضر يقبلون إليها دون تخوف من أجل جراحة التجميل خاصة النساء باعتبار أن الجمال و الرشاقة هو الهاجس الأساسي لهن. و منه الجراحة التجملية ظاهرة تزداد بشكل واضح و مثير خلال السنوات الأخيرة حتى إن الكثير يعتبرها جراحة العصر، و ذلك من خلال التطورات الهائلة و المجالات الواسعة التي وصلت إليها و قد تمثل ذلك في احتراف الجراحين في التدخل في كثير من الحالات التي كانت مستعصية من قبل، كذلك الإقبال الهائل عليها غير أن هذا النوع من التخصص الطبي ليس وليد العصر، وإنما و جدت أثارها منذ القديم، إذ دلت الأبحاث التي أجريت في هذا المجال على القيام علماء الفراعنة بزراعة الجلد هو بداية الحديث عن نشأة جراحة التجميل لأن عادتهم تقضي بتشويه وجه السارق و الزاني فكان الجاني يسعى بعدئذ إلى التخلص من الوضعية السيئة أو من الوصمة بعمليات التجميل إلى غاية بداية القرن العشرين لم تكن الجراحة التجميلية معروفة بالرغم من محاولات الجراحين عكس الجراحة البلاستيكية التي يعود تاريخها أكثر من 2000 سنة وذلك عند أطباء الهند القديمة وقد شاعت عملية التجميل أولا المجتمعات الغربية بالأخص الو.م.أ وإنجلترا ثم تطورت ووضع قوامها في فرنسا منذ القرن العشرين موجها أساسا نحو جراحة الوجه ثم توسعت لتشمل كل الجسم وتتجلى أهمية الجراحة التجميلية في عدة من الجوانب منها ما يلي : أولا: قد يتعلق بالناحية الغريزية عند الإنسان وهي حب التزين والتجميل وهذه الغريزة أسهم الإنفتاح الإعلامي المعاصر في تأجيجها وذلك من خلال الإطلاع على هذه المستجدات الطبية في وسائل الإعلام ثانيا: أنه متعلق ومرتبط بالقدسية التي يعرفها حرمة الجسم الإنساني وما من شك أن التدخل الجراحي يعتبر المجال الخصب لدراسة المسؤولية الطبية بكافة وجوهها وأشكالها خاصة وكثير ا ما تتساءل حوله ما إذا كان فنا أو علما، لذلك فإن القضاء الفرنسي حرص أشد الحرص على ممارسة العمليات الجراحية التجميلية وشدد على ضرورة إيجاد ضوابط وشروط سليمة يتطلبها في جراحة التجميل واعتبارها أنها ليست مثل العمليات الجراحية الأخرى بل تتسم بالطابع الفني الدقيق وهذا مايجعلها تختلف عن الأعمال الطبية الأخرى ونظرا لكثرة التساؤلات القانونية حول هذا الموضوع فإن القضاء الفرنسي ساير الوضع وواكب التطور الطبي من خلال الإجتهادات القضائية إذ ركز على ضرورة توخي لحذر اللازم عند التدخل الجراحي و احترام جميع الالتزامات القانونية كالتزام بالإعلام والالتزام بالسلامة ولو تمعنا في التشريع الجزائري في مدونة أخلاقيات مهنة الطب وإلى جانبه قانون الصحة فإنه ينص على نصوص قانونية تخص الجراحة العامة و أخضع قواعدها إلى الجراحة التجميلية متجاهلا بذلك إنتشار هذه الجراحة في أوساط المجتمع الجزائري وظهور عيادات خاصة بذلك ولأخطاء ولأضرار التي يتسبب فيها لأطباء في مثل هذه الجراحة مما يصعب مهمة القاضي في تطبيق قواعد القانون لمعالجة هذه الإشكالات، و من جهة أخري حساسية الموضوع كون هذه الجراحة تثير عدة إشكالات حادة بين الهيئات الطبية، أحكام الشريعة إسلامية و السلطة القضائية التي يقع عليها مسؤولية تقدير الخطأ على وقائع لم تنظم بعد. و بما أن التدخل الجراحي لما فيه من خطورة على جسم الإنسان لا يكون مشروعا إلا إذا كان لإنقاذ حياة المريض، فإن بإنتفاء هذا السبب فعل الجراح يخرج من دائرة الإباحة ومن ثم يظل خاضعا لنص التجريم، و يؤدي إلى قيام مسؤولية الجراح ليس فقط المدنية و إنما الجنائية إذا ما نجم عن الجراحة الوفاة أو عاهة مستديمة، فبمجرد إقدام الطبيب الجراح على مباشرة جراحة بقصد التجميل يجب تحميله مسؤولية كاملة لسبب تخلف الأصل الذي يبرر التدخل الجراحي ألا وهو العلاج. وأمام هذه الأهمية لموضوع الجراحة التجملية و رغبة منا في لفت نظر المشرع الجزائري لتبني تشريعات خاصة بهذا النوع من الجراحة ارتأينا دراسة هذا الموضوع وفق منهج تحليلي ومقارن لإجابة على إشكاليته الأساسية والمتمثلة في هل تطبق القواعد العامة للمسؤولية الطبية في الجراحة العادية على الجراحة التحميلية التي كمبدأ عام لا تمارس لأغراض علاجية أم أن لمثل هذا النوع من الجراحة خصوصية أثارت كل هذا الجدل لاختلاف الفقهي والقضائي. للإجابة على هذه الإشكالية سنقسم هذا الموضوع إلى فصلين نتناول في الفصل الأول ماهية الجراحة التجملية و في الفصل الثاني قيام المسؤولية الطبية المدنية و الجزائية للجراح التجميلي. الفصل الأول ماهية الجراحة التجميلية يصعد تاريخ المسئولية الطبية بوجه عام إلى فجر التاريخ ،أي منذ أن عرفت البشرية الأعمال الطبية و الجراحية إذا كانت بعض الشرائع تترك مزاولة التطبيب و العلاج حرة دون قيد أو شرط إلا أنها تتشدد في المسئولية الطبية عن النتائج الضارة التي تنشأ عنها مما يباشران من علاج، ومن جهة أخرى كانت بعض الشرائع تحصر مزاولة هذه المهنة في أشخاص معينين أو تشترط في مزاولتهم للمهنة شروطا محددة ولم ترى داعيا لمثل هذا التشدد و إنما تميل إلى جانب الأطباء و الجراحين تقديرا لسمو مهنتهم. الأصل أن هدف الجراحة الرئيسي بحد ذاته هو الغرض العلاجي حيث القصد من العمليات الجراحية المحافظة على الحياة و الصحة وقوام الجسم وهيئته الطبيعية، ومن هذا يمكن إجمال هدف الجراحة في المحافظة على الحياة و الحفاظ على الصحة أو استرجاعها و التغلب على الألم وكذا تقويم الانحراف غير الطبيعي في الجسم أو منع ما قد يطرأ من انحراف و تشوه في المستقبل والحقيقة أن الجراحة دخلت مجالات و آفاق أخرى لا علاقة لها بحياة المريض أو صحته ولكنها قد تؤثر على مظهر المريض أو وظيفة بعض الأعضاء كالأصابع الزائدة و الأورام الشحمية و الأكياس المائية تحت الجلد، وهنا يسمح للجراحة أن تأخذ دورها في إزالة هذه الزوائد التي قد تؤثر في عمل الأعضاء أو تغير شكلها، ولكن يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار بأن الأضرار الناتجة عن العملية قلية جدا أو معدومة ولذلك ينبغي على الطبيب أن يهدف من وراء تدخله إلى شفاء المريض و تخفيف أوجاعه وأن لا يجازف باستعمال علاج أو جراحة تنجم عنها آثار سيئة أو مخاطر وخيمة قد لا تؤمن مغبتها إلا إذا كانت حالة المريض تقتضي ذلك ويجب أن تكون خطورة العلاج تتناسب مع خطورة المرض و أن عدم التناسب بين المخاطر المحتملة و الفوائد المتوقعة يعد خطأ إذا لم يأخذ الطبيب ذلك في الاعتبار. ولكن تطور الحياة وبشكل خاص بعد الحربين الأولى و الثانية وما نتج عنهما من المعوقين و مشوهين، أفضى إلى ظهور نوع جديد من الجراحة لا يهدف إلى شفاء علة من العلل بل يهدف إلى إصلاح تشويه لا ينجم عنه ضررا يؤذي صحة الأجسام في شيء. وما يمكن تأكيده أن الجراحة التجميلية أخذت بعد الحربين شكلا منظما بحيث رست أصولها واستقرت أسسها فالحروب أصبحت مصدرا مهما ومحزنا من مصادر التشوهات الجسمانية وهذه الأخيرة لا تنجم فقط عن الحروب بل هي تطرأ بسبب الحوادث الأخرى كحوادث العمل والألعاب الرياضية الخطرة و الأمراض العصبية و النفسية أو نتيجة سوء التغذية أو الإفراط فيها أو تكون نتيجة عوامل وراثية، مما يقتضي تدخل الجراحين التجميليين لإنقاذ جسم الإنسان مما أصابه من تشوهات جسمانية، أما في الحالات العادية غير الخطرة فإن التصحيح الحالي الذي لا تقتضيه الضرورة أو الحاجة الملحة يحتم على الجراح التجميلي أن يحترز في إجرائه وأن يوازن بين أهمية التشوه وخطورة الجراحة التجميلية وإلا يقدم على تحقيق نفع محدود مقابل ثمن باهظ محتمل قد يؤدي إلى وفاة الشخص الذي رغب في إجراء الجراحة التجميلية لمجرد الجمال ذاته وليس بسبب عملية مرضية يعاني منها، ومما لا شك فيه أن كثير من الحالات يرقى فيها التشوه الخلقي إلى درجة العلة المرضية بل في بعض الأحيان قد يكون التشوه أشد بأسا وأكثر إيلاما ،عن بعض الأمراض المعروفة،وعلى هذا الأساس فإن بعض التشوهات تصل إلى حد لا يمكن الجدل في ضرورة وأهمية إزالتها و التخفف منها ولكل ما تقدم فقد بدأت مشاكل الجراحة التجميلية رغم استقرار أصولها و أسسها وما حققته في تخفيف عن بعض المرضى الذين يعانون من تشوهات خلقية تنغص حياتهم.

الفصل الثاني طبيعة المسؤولية الطبية في الجراحة التجميلية

إن موضوعات المسؤولية تكتسي أهمية بالغة جدا، جعلها تستقطب رجال الفكر عامة والقانون خاصة لما لها من أثر في تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، بل إن تطور تلك العلاقات والمعاملات و الذي عرفته البشرية دفع بالمسؤولية القانونية بنوعيها الجنائي و المدني إلى أن تحتل مركز الصدارة في القانون، و لعل السر في ذلك هو أن مناط وجود الإنسان على هذه الأرض أصلا هو المسؤولية، و إن المسؤولية في المجال الطبي من بين الموضوعات التي لا زلت تعرف تطورا كبيرا في المعالجة للخصوصية التي تمتاز المهنة الطبية و العلم الطبي لما يعرفه من فنيات و تقنيات وتعقيدات في التعامل مع جسم الإنسان و لما لها من حساسية بالغة فيما يترتب عن ذلك التعامل مع جسم الإنسان و لما لها من حساسية بالغة فيما يترتب عن ذلك التعامل و لما يعرفه العلم الطبي من تطور واكتشافات لازالت قائمة و مستمرة. و المسؤولية في المجال الطبي قد أثارت جدلا كبيرا في وسط الفقه و القضاء و يعود السبب في ذلك محاولة التوفيق بين مصلحتين متعارضتين هما مصلحة الأطباء في وجوب توفير الراحة اللازمة والطمأنينة الكافية لمباشرة أعمالهم العلاجية و ذلك يجعلهم في منأى عن مساءلة وبتمييزهم عن باقي أفراد المجتمع و ذلك لعدم تطبيق قواعد المسؤولية المدنية الخاصة عليهم. و المسؤولية بوجه عام هي حالة الشخص الذي ارتكب أمر يستوجب المؤاخذة و في نطاق المسؤولية المدنية يكون الشخص قد أخل بالتزام مقرر في ذمته و ترتب على هذا الإخلال ضرر أصاب الغير فيصبح مسؤولا قبل المضرور ، و ملتزما بتعويضه عما أصابه من ضرر ولهذا فإن المسؤولية المدنية أوسع من دائرة المسؤولية الجنائية، لأن هذه الأخيرة محصورة بحالات الإخلال بأوامر أو النواهي المنصوص عليها بينما يكفي للقيام بالمسؤولية المدنية الإخلال بأي واجب قانوني. و ما من شك فإن التدخل العلاجي و بالأخص التدخل الطبي الجراحي يعتبر أخطر مظهر من مظاهر المساس بقداسة الجسم البشري بمناسبة العلاج، لما يكتسبه من خصوصية فنية في القيام به و لما يترتب عليه من أضرار و أعراض ينتج عنها عدة تساؤلات سواء قبل أو أثناء أو بعد التدخل الجراحي التجميلي، هذا ما سنعالجه من خلال الفصل الثاني في مبحثين حول قيام كل من المسؤولية المدنية و الجزائية للطبيب في الجراحة التجميلية على ضوء القانون الجزائري و قوانين أخرى إضافة إلى الاجتهاد القضائي.

الخاتمة نختتم حديثنا عن مسؤولية الأطباء في الجراحة التجملية ، بإعادة التذكير بأهمية الموضوع على الصعيدين النظري، الفقهي، التطبيقي و القضائي ذلك أن القاعدة الأساسية من دراسة تتمثل أساسا في التركيز على ما تثيره المسؤولية الطبية ،من الوجهة المدنية والجزائية من إشكالات لم تجد لها حلولا بالقانون، ومحاولة ربط حلولها القضائية بمنطلقاتها العلمية والواقعية وأصولها القانونية وهذا ما لفت انتباهنا من تطور قضائي على مستوى القضاء الفرنسي الذي يمكن تبنيه من القاضي الجزائري وان لم يسعفنا الحظ في معرفة اتجاه هذا الأخير ،ربما لقلة دعاوي المسؤولية الطبية المدنية والجزائية مقارنة مع الدعاوى الإدارية ،لاسيما بخصوص تدخل القاضي الايجابي من أجل تخفيف عن المضرور عبء الإثبات ،كقلب عبء الإثبات واجب إعلام المريض على الطبيب والأخذ بفكرة الخطأ المقدر التي يتفادها استنتاج الخطأ الطبي ،من مجرد وقوع الضرر ذاته الذي ما كان ليحدث لولا خطأ المريض ،كما أن القول التزام الطبيب هو مجرد التزام ببذل عناية لم يعد من المسلمات التي لا تقبل نقاش بل اخذ نطاقه يضيق، موازاة مع التطورات العلمية التي جعلت من مهمة الطب تتجه إلى الدقة في توقع النتيجة بدلا من الاحتمال، ويبرز ذلك جليا في جراحة التجميلية من الالتزام ببذل عناية مؤكدة و فائقة تكاد تصل إلى درجة النتيجة التي تبرر وحدها التدخل الجراحي بهدف التجميل الذي لا تستلزمه صحة المريض، و لا ينبغي للطبيب القيام بالعملية إلا إذا كان واثقا من نجاحها ،إذ مازال القضاء في الجزائر لم يقل كلمته بعد في هذا الموضوع خاصة وان الجراحة التجملية لا زالت في أطوارها الأولى، وغير منتشرة انتشارا واسعا وبالكيفية المعروفة في الدول الغربية المتقدمة، وهذا لا يمنع من أن يتقيد الأطباء بالالتزامات ذات الطابع الخاص عند إجرائهم للعمليات الجراحية ذات الطابع التجميلي غير العلاجي ،ولعل تشدد القضاء في كل ما يتعلق بجراحة التجميل يكون حافزا لدفع الجراحين للتحكم في التقنية الطبية المستعملة وتقرير ما هو مناسب بعيدا عن المخاطرة مع بذل الجهد والعناية المطلوبين لذلك. ويعز علينا استجلاء الصواب وإتباع منطق الأمور فنقترح حلا لعله يسعف المشرع الجزائري في اتخاذه لموقفه الجديد المرتقب من تعديله لقانون الصحة الذي أصبح قانونا لا يساير عصره بعد مرور سنوات عليه وبعد التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري مما يحتم عليه مراجعة موقفه وتبنى مواقف أخرى لم يضعها في الحسبان عند وضعه لقانون الصحة الحالي. ومنها مسؤولية الأطباء والتأسيس القانوني لها بصفة عامة ،ومسؤولية الطبيب في مجال جراحة التجميل بصفة خاصة وكذلك التأمين من كل المخاطر التجملية دون مضايقة الطبيب المتسبب لهذا التأمين، بالبحث عن أخطائه بل يكفي إثبات وجود الضرر وكون هذا الضرر على علاقة بالنشاط الطبي ،وتتكفل هيئة التأمين من المخاطر في جراحة التجميل بتعويض ضحايا حوادث جراحة التجميل الناجمة عن فعل المنقولات من معدات وآلات وأجهزة وأدوات طبية مستعملة في مجال هذه الجراحة، كما بإمكانه انتهاج ما سلكه المشرع الفرنسي بان يجعل أساس التعويض هو التضامن الاجتماعي ،في غياب أي خطأ ،فمن جهة نجد انه من الطبيعي والمنطقي عدم ترك الضحية يتحمل وحده ثقل سوء حظه، ومن جهة أخرى يكون من غير المنطق إعمال مسؤولية الطبيب في حين انه لم يرتكب أي خطأ يذكر، مع العلم إن الاجتهاد القضائي الفرنسي قد قبل تطبيق مسؤولية الطبيب دون خطأ وكان هدفه من وراء ذلك هو عدم ترك الضحية دون ،تعويض وفيما يخص تقرير مسؤولية الطبيب الجزائية بصفة عامة ومسؤولية جزائية في جراحة التجملية بصفة خاصة ،فان المشرع الجزائري لم ينظم هذا في إطار قانون عقوبات بصفة خاصة وإنما وضعه في مركز الجاني الذي يرتكب سلوكه الإجرامي ،رغم أنه لا يهدف إلى تحقيق النتيجة الإجرامية لانعدام القصد الجنائي ،متجاهلا بذلك ظروف الطبيب التي يمارس فيها العمل الجراحي، الذي مهما كان فإنما نيته او قصده لا ينصرف نحو النتيجة الإجرامية ،ومن هذا المنطلق ينبغي على المشرع الجزائري إن يسن مواد عقابية تتلاءم وظروف عمل الطبيب ،حتى لا يبقى القاضي يطبق نفس النصوص التي تطبق على أي شخص عادي. كذلك تثير الجراحة التجميلية عدة إشكالات أخرى تتمثل في ارتباطها مع عمليات جراحية أخرى ،مثلا كعلاقة عمليات التجميل مع عمليات نقل وزرع الأعضاء البشرية ،فنتساءل ما هي مشروعية هذه العلاقة من جهته وما هو إطار القانوني الذي تمارس فيه أو مدى النطاق المسموح به؟ أم تطبيق نفس القواعد العامة التي تطبق على الجراحات العامة مهما اختلفت خصوصياتها أم تفرض قواعد يجب مراعاتها واحترامها                                                                                                        /rdoc.univ-sba.dz


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية

حكامة المؤسسات و النجاعة المؤسساتية مقدمة:  إن سؤال التجلي يظل سؤالاً محوريًا في هذه الدراسة، ...