ميثاق المرافق العمومية وضمان حقوق المرتفقين


ميثاق المرافق العمومية وضمان حقوق المرتفقين

أدى تطور مفهوم الدولة، المرتبط –أساسا- بتغير وتطور وظائفها، إلى تطور مفهوم المرفق العام، حيث أصبح اليوم، هذا المفهوم يطلق على كل نشاط يهدف إلى تلبية الحاجات العامة، و إلى تحقيق المصلحة العامة، بحيث تكون السلطة العمومية قد ارتأت جعله مرفقا عاما.

ما يهم في هذا التعريف، هوعلة إنشاء المرافق العمومية، والتي يمكن حصرها في عنصرين، أو في وظيفتين:
الأولى، باعتبارها وسيلة رئيسية توفر وتقدم الدولة من خلالها خدماتها العمومية.
والثانية،باعتبارها آلية لتحقيق العدالة الاجتماعية وإشباع حقوق المواطنين الاقتصادية و الاجتماعية، أي أنها آلية لتركيز مشروعية الدولة، فعلة إحداث المرافق العمومية إذن، تتمثل في تحقيق المصلحة العامة، المرتبطة –أصلا- بتقديم خدمات للمواطنات والمواطنين، والمؤسسة على ضمان حقوقهم.

هكذا فمفهوم المرافق العمومية، مرتبط بالإضافة إلى طبيعة وشكل الدولة، وبالكيفية التي تقدم بها خدماتها، وتدبر بها وظائفها، بطبيعة و حجم حاجيات المواطنات والمواطنين، وهذا ما يفسر التغير المستمر لهذا المفهوم خصوصا على المستوى التطبيقي، وهو ما يجعله نقطة أساسية في أي نقاش يهدف إلى تحقيق التغيير.

في المغرب، كانت إرادة تطوير و إصلاح المرافق العمومية حاضرة على أجندات كل الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، وهي الإرادة التي كرسها دستور 2011، في فصوله التي ضمها الباب الثاني عشر منه، والمتعلقة بالحكامة الجيدة، والتي حددت المبادئ الأساسية التي يجب أن تحكم و توجه سير المرافق العمومية، كما نصت –بالأساس- على ضرورة إصدار ميثاق للمرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية.

هذا الميثاق، المفروض أنه قانون يجب أن يتأسس على فكرة تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، التي حددها الدستور، والمتمثلة في المساواة بين المواطنات والمواطنين في الولوج إلى المرافق العمومية، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، والاستمرارية في أدائها للخدمات التي تقدمها، والشفافية و الجودة وربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام قيم الديمقراطية، وأن يحدد التزامات الإدارة و القواعد المتعلقة بتسييرها، وهو القانون الذي كان من المفروض أن يتم إصداره خلال الحكومة السابقة، نظرا للأهمية البالغة التي يكتسيها، سواء على مستوى تأهيل المرافق العمومية بالمغرب، أو على مستوى إنجاح ورش الإصلاح الإداري، وبالتالي تعزيز الثقة بين المرتفقين و الإدارة.

بالإضافة إلى هذه المبادئ التي حددها دستور 2011، سيكون من الضروري أن يتضمن ميثاق المرافق العمومية، والذي التزمت الحكومة الحالية بإصداره من خلال برنامجها الحكومي، مقتضيات تحدد صورة المرفق العمومي بالمغرب، وهي الصورة التي يجب أن تكون صورة عصرية، تتناسب وتطور المرفق العمومي كمفهوم، ومع طبيعة المجتمع المغربي اليوم، من خلال ضمان أدائه لمجموعة من الوظائف، إذ لا يمكن تصور مرفق عمومي لا يقدم خدمات رقمية، خصوصا مع ما توفره الرقمنة من إيجابيات عديدة، كتبسيط المساطر، والحد من الرشوة وتعزيز قيم النزاهة، كما لا يمكن تصور مرفق عمومي صامت، لا يتواصل مع المرتفقات و المرتفقين، فتواصل الإدارة هو أحسن آلية لتقريبها من المواطنين، وهو ما يعزز مؤشر الثقة عندهم فيها، وهو فقط ما يجعلها جزء من بيئتها و محيطها.

في نفس السياق، وفي خضم نقاش الإصلاح الإداري بالمغرب، وهو النقاش الذي احتل جزءا مهما من الفضاء العمومي، كما كان محط إثارة خلال العديد من جلسات البرلمان المغربي، سبق للوزير الاتحادي محمد بنعبد القادر، الوزير المكلف بإصلاح الإدارة و الوظيفة العمومية، أن أعلن في جواب له عن سؤال وجه إليه خلال إحدى جلسات مجلس النواب الأخيرة، حرصه على جعل المرفق العمومي ينطق باللغتين الرسميتين للدولة، بما يستدعي ذلك من تعريب وتمزيغ لقنوات التواصل الإداري مع المواطنين، كما أكد حرصه وعزمه على إدماج المقاربة الحقوقية في متن الميثاق، من خلال تكريس باب خاص بحقوق المرتفقين، ما يعكس –جليا- إرادة الوزير والحكومة، التي ستحكم فلسفة إعداد هذا القانون، والذي من شأن مقتضياته أن تحسم مع العديد من النقاشات الجانبية، التي تغطي على النقاش الحقيقي الذي يجب أن يواكب إعداد هذا القانون، وهو النقاش الذي يجب أن يختزل في سؤال واحد، وهو ما هي طبيعة و أدوار المرفق العمومي الذي نريد؟

الجواب عن هذا السؤال، في اعتقادي هو جواب واضح، لا يحتاج إلى كثير من التفكير. فالمرافق العمومية كبنيات وأنشطة تقدم بها الدولة خدماتها، وتجيب من خلالها على حاجيات الناس بقصد النفع العام، وجودها مرتبط –طبعا- بتقديم خدمات للمواطنات و المواطنين، وهو ما يجعل نقاش تطويرها وإصلاحها، مرتبطا بمدى تأهيلها وجعلها قادرة على ضمان واحترام حقوق المرتفقين، وهذا رهين بفعالية وجودة الخدمات العمومية المفروض أن تقدمها هذه المرافق العمومية، وهذا لا يتطلب إلا صيغة تضمن تكريس المبادئ التي حددها الدستور، وتستوعب المتغيرات المرتبطة بهذا العصر، من خلال جعل المرفق العمومي يقدم مجموعة من الخدمات المستحدثة و المتجددة.

إعداد:ذ/فتح الله رمضان

 


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...