أمين البقالي: ماهية الحريات العامة 


ماهية الحريات العامة 
 أمين البقالي
طالب باحث في العلوم القانونية بكلية الحقوق اكدال
مقدمـــــة:
موضوع ” الحريات العامة” عبر التاريخ الطويل للإنسانية وفي مختلف المجتمعات البشرية مهما تباينت نظمها الاجتماعية، وتباعدت معتقداتها الدينية، واختلفت سبل عيش الإنسان فيها، تاريخ حافل، إذ بين انتقال الإنسان من نظام الرق والعبودية التي سادت الإنسانية أحقابا طويلة من الدهر، إلى الثورة التحررية الكبرى التي جاء بها الإسلام لتحرير الإنسان، إلى أجواء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ملحمة خالدة من التضحيات الجسيمة التي كلفت الإنسانية أرواح الملايين من أبنائها، وأسالت دماءها ودموعها انهارا، ومن الكفاح الشاق بكل ضراوته وشراسته الذي تحمله الإنسان بكل صبر وشجاعة والذي خاضه في شكل حروب وثورات و تمردات لتكسير كل القيود التي كبلته أحقابا طويلة من الدهر ليسترد حقوقه، حقا بعد حق، وحرياته جميعها مستهدفا انتصار المبدأ الخالد ” التحرر للفرد والحرية للشعب”.
وما من موضوع آثار الجدل العميق واختلفت فيه الرأي وتعددت فيه المواقف وتفرق المفكرون والباحثون فيه شيئا مثل موضوع ” الحريات العامة” وما ذلك إلا أن الإنسان الذي خلقه ربه في أحسن تقويم، والذي يعتبره بحق أثمن ما في الوجود وأغلى ما في الكون من قيم مهما علت القيم الأخرى، لم يشغله شيء في الوجود مثل ما شغله هذا الموضوع.
فالحريات العامة، واجبة الوجود في كل مجتمع بشري، وضرورة حتمية كالماء والهواء ولا يتصور مجتمع أساسه الأخوة والمحبة والسلام ودعامته العدالة الاقتصادية والاجتماعية بدون أن يكون كافة أفراده متمتعين بحرياتهم العامة جميعها فلا يمكن إهدار حقوق الفرد، وحرمانه من حرياته الأساسية، والواجب احترامها له كانسان في أي مجتمع مهما كانت الأسباب والدواعي، وان الهزات العنيفة التي تشهدها مجتمعات مختلفة في أنحاء المعمور، إنما سببها المباشر وغير المباشر إهدار أنظمتها لتلك الحقوق وعدم تمتيع المواطن بحرياته العامة، وحرمانه من حقوقه الأساسية والإنسانية.
وان تلك الهزات ليست إلا استمرارا لتلك الملحمة التي بدأها الإنسان منذ مئات السنين لتكسير كل القيود التي كبلته حينا من الدهر ليس باليسير وحرمته من تمتعه بحرياته العامة كاملة غير منقوصة، تلك الملحمة التي في نظرنا أصبحت تراثا للإنسانية جمعاء يحق لكل مجتمع انعدمت فيه الحريات العامة أن يغترف منها مبادئه النضالية ويستلهم منها سبل انتصاره ضد كل  متسلط عنيد جبار.
أن كل الأنظمة السياسية على اختلاف ألوانها، ومشاربها، وأشكالها وسواء كانت نظما تيوقراطية أو ديمقراطية أو عسكرية أو باسم أنصار طبقة من الطبقات كلها رفعت شعار ” الحريات العامة” وباسمها جاءت إلى السلطة ومن اجل تحقيقها بنت الركيزة الأساسية في تدعيم وجودها، إلا أن بعض تلك الأنظمة سرعان ما يتجلى أن ذلك الشعار الذي رفعته إنما اختير لامتصاص غضب الشعب، أو للضرب على الوتر الحساس للإنسان، أو للاستحواذ والهيمنة على السلطة واغتصابها من مصدرها الشرعي.
ومن اجل ذلك فانه لا سبيل لصون الحريات العامة، إلا إيمان  الشعوب، ويقظتها، وحرصها الدائم على أن تسود في مجتمعاتها، واستعدادها في الوقت المناسب للبذل والتضحية مهما عظم البذل، ومهما كانت قيمة التضحية، إذ قيمة الإنسان الحقيقية هو ما يتمتع به من حرية ولا شيء يميزه عن الحيوان إلا وجوده داخل مجتمع منظم يتمتع فيه كل فرد بحرياته العامة.
 المحور الاول:  مفهوم الحريات العامة :
ليست الحريات العامة منحة من سلطة، أو هبة من نظام، أو منة من حاكم، ولكنها حقوق الإنسان المطلقة اللازمة له لزوم الماء والهواء، والملازمة لوجوده كانسان فكريا واجتماعيا.
و بهذه الصفة فهي الحق الطبيعي للإنسان.
و كونها طبيعية يعني أنها خاصة بالإنسان وأساسية له، كما أن وصفها بأنها طبيعية يفيد أنها من صنع الطبيعة، فهي مقدسة ولا تقبل التنازل عنها كما أنها عالمية ومتساوية بالنسبة للجميع.
والحريات العامة لا يمكن تصورها مطلقة بلا حدود، فلا مناص من وضع قيود تحدها وتنظم ممارستها بحيث يكفل للآخرين ممارسة حقوقهم، إلا أن هذا التقيد لا يجوز أن يصل إلى حد يهدر معه أصل الحرية أو أصل الحق.
و لما كانت هذه الحقوق مرتبطة بالإنسان باعتبارها فردية فهو صاحب الحق في ممارستها دون أن يجبر عليها.
والحقوق الفردية في مفهومها التقليدي – كما سنرى – ذات مضمون سلبي لا ايجابي بمعنى التزام الدولة فقط بعدم تعرضها للأفراد عند ممارستها والتزامها بعدم الاعتداء عليها، ولا يطلب من الدولة أن توفر هذه الحقوق للأفراد كما انه ليس للأفراد حقوق اقتضاء أو دائنية يشهرونها في وجه الدولة لإلزامها بتقديم الخدمات، فهي التزام على الدولة بالامتناع عن عمل وليس التزاما بالعمل .
 المحور الثاني: النظرة الدينية للحريات العامة :
يعتقد بعض الباحثين الغربيين أن المسيحية قدمت الحضارة الغربية عنصرين أساسيين في بناء نظرية حقوق الإنسان.
تأكيدها على كرامة الإنسان باعتبار أن الله هو الذي خلقه وخصه بهذه الكرامة.
وأنها وضعت حدود السلطة الدنيوية بمقتضى قانون مستمد من طبيعة الإنسان والمجتمع كما خلقه الله.
أي أنها حررت الفرد في شؤونه الدينية فقط من سلطة الحاكم الزمني تقريرا لحرية العقيدة وحرية الفكر وبالتالي نبذ الفكرة الرومانية القائلة بان الدين خاضع للدولة فجاءت تعاليم المسيح مقررة ( أعطوا ما ليقصر وما لله لله).
على أن بعض علماء الإسلام  يرون أن بعض الديانات كالمسيحية مثلا ساهمت في إقرار الاستعباد الشخصي مساهمة فعالة، وقد كان ( سانت أو كيستان) يبرر الاسترقاق بأنه شيء أراده الله، وانه لا محل لمحاولة محو ما أراده الله وكذلك في العصور الوسطى ( سان توماس) كان يقول أن الاسترقاق نتيجة الذنب وانه شيء ضروري ولا يمكن إزالته، ولذلك بقي هذا الاسترقاق زمنا طويلا.
أما الإسلام فانه يقول بسمو النفس وأبديتها ويركز تعاليمه على الإنسان كقيمة مطلقة وعلى قدراته السامية في علاقته مع ربه.
وهكذا فالحرية في نظر الإسلام ليست شيئا اعتباطيا كما يقول بعض الفلاسفة يعني وقعت بالصدفة، والحريات ليست شيئا طبيعيا كما يقول بعض المكافحين عن حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، ولكن الحرية الإسلامية، حرية شرعية ليست طبيعية، حرية شرعية فعلية، شرع الله وفعله حيث قال سبحانه وتعالى في علم الأزل للعالم اجمع للبشرية كلها { ألست ربكم}. قالوا { بلى}. يوم قال الله للإنسانية كلها ألست بربكم ؟ وأجابت مختارة، بلى ” أنت ربنا” وتحملت الإنسانية هذه الأمانة الربانية، وأصبح الإنسان خليفة الله في الأرض في عمارتها منذ ذلك الوقت وقع ميثاق تأسيسي، ميثاق دستوري بين الله وخلقه في أن يحكموا هذه الأرض، ويعمروها طبقا للنواميس الكونية التي وضع الله في الكون لا في الطبيعة، ولكن النواميس الطبيعية والاجتماعية والإنسانية، هذا هو الأصل في الحرية الإسلامية  فهي شرعية بهذا الاعتبار، ولكنها فطرية باعتبار الواقع، ولا أقول الطبيعة فطرية، لان الفطرة هي الإنسانية المسلمة، أو الإسلام الإنساني .
وان الإسلام كرم الإنسان وأرسى قواعد هذا التكريم في نصوص جلية من الكتاب والسنة تدور حول الحريات الأساسية وبذلك ربط بينها وبين العقيدة برباط لا تنفصم عراه بقول الله تعالى ( ولقد كرمنا بني آدام) وفي الحديث النبوي الشريف (( وكل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله)) (( المسلم أخ المسلم)) ((والناس سواسية كأسنان المشط)).
وهكذا فان النظام الإسلامي بكل ما تضمنه القران الكريم والحديث النبوي الشريف ومقولات وأفعال الخلفاء الراشدين بعد ذلك وصل بمبادئ الحريات العامة منزلة لم تبلغها في نظام آخر ولم تسبقه إليها شريعة أخرى قبله فخلق مجتمعا تسوده الحرية الصحيحة والمساواة الحقيقية.
 المحور الثالث: النظرة الفلسفية للحريات العامة:
لقد قامت نظريات فلسفية متعددة ومختلفة بشأن ” الحريات العامة” إلا انه يمكن تركيز كل تلك الآراء والنظريات وحصرها في مذهبين أساسيين :
أ     المذهب الفردي.‌
ب   المذهب الاجتماعي أو ” الجماعي”‌
ت   ونتعرض فيما يلي وباختصار لكل من المذهبين:‌
أولا – المذهب الفردي :
تقوم فلسفة المذهب الفردي على التقديس الكامل للحريات الفردية، وتحقيق مصالح المحكومين، وتأكيد حياد الدولة إزاء نشاط الأفراد.
فالفرد هو الأساس في المذهب الفردي وحجر الزاوية في هذه الفلسفة والدولة ليست إلا حارسا أمينا على تلك الحريات، تكفل المصالح وتحافظ على حقوق الأفراد وحرياتهم.
إن الحرية في صراع أبدى مع السلطة، وانه كلما كانت هذه السلطة منتخبة من الشعب، ومستمدة وجودها من إرادته، كان ذلك كسبا للحرية وانتصارا لها، فلهذا كانت الانتخابات الحرة النزيهة ضمانا أساسيا وتوطيدا لدعائمها وتأمينا لممارستها.
ولقد تطور المذهب الفردي من مدرسة القانون الطبيعي التي قامت على أن هناك قانونا أبديا وثابتا لا يتغير أسمى من كل القوانين تبقى مبادئه عالمية وعادلة يوحي بها العقل وتهدف إلى تحقيق المساواة وتأكيد الحرية للأفراد جميعا.
وفي القرن السابع عشر برزت نظرية الحقوق الطبيعية التي تقوم على أن الفرد بحكم آدميته له حقوق يستمدها من طبيعته لا مما تصدره الدولة من تشريعات.
على أن نظرية ” العقد الاجتماعي” تبقى النظرية القوية في المذهب الفردي التي دفعت بفكرة الحريات العامة  دفعا قويا إلى الأمام على يد مفكريها وفلاسفتها وفي مقدمتهم الفيلسوف الانكليـــزي تومـــاس هوبــــز (1558-1679) القائل بان هناك عقدا بين الأفراد بعضهم البعض يلزمهم ولا يلزم الحاكم، إذ لم يكن طرفا فيه بل كان منفذا له، وأنهم بهذا العقد قد نزلوا نهائيا عن السيادة إلى هذا الأخير، وجاء من بعــــد جـــاك لــــوك (1632-1704) الذي طور نظريا، وقال بان العقد تم بين الحاكمين والمحكومين أنفسهم الذين نزلوا على جانب من حريتهم وليس عنها كلها وذلك لحماية باقي الحقوق، ومن بعدها جاء الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1714-1772) الذي يعتبر بدون منازع فيلسوف نظرية  العقد الاجتماعي والذي نشر كتابه الشهير ( العقد الاجتماعي) قبل الثورة الفرنسية بسبع وعشرين سنة، والذي كان له ابلغ الآثار الفكرية في المجتمعات الإنسانية.
ومؤدى نظريته أن الأفراد قد تنازلوا عن جزء من حرياتهم المطلقة التي كانوا يتمتعون بها في حياتهم  الطبيعية، وذلك في سبيل إنشاء سلطة تتولى حمايتهم وتنظيمهم، أما الجزء الباقي من تلك الحريات المحتفظ بها فتبقى بعيدة عن تدخل الدولة فيها وإلا فقدت سبب وجودها” .
إلا أن الثورة الصناعية بعد اكتشاف البخار واستخدام الآلات الصناعية بكل ما جرته من بطالة قاسية بين أفراد الطبقة الشغيلة، وما سببته لها من كوارث اجتماعية وما واكب ذلك أو جاء بعده من كتابات مفكرين عقائديين أدى إلى تصويب سهام النقد إلى المذهب الفردي الذي كان من آثاره سيادة المذهب الحر في الميدان الاقتصادي.
و هكذا اتجه المفكرون والباحثون إلى استخلاص نظرية أخرى تبتعد عن مساوئ سيطرة الرأسمال، وتقضي على التفرقة بين طبقتي أصحاب رأس المال وطبقة العمال.
ثانيا – المذهب الاجتماعي :
كان النقد الأساسي الذي قام عليه المذهب الاجتماعي هو حصر المذهب الفردي للحقوق والحريات في مجالها السياسي مما يعبر عنه بالديمقراطية.
و يعتقد معتنقو هذا المذهب، أن الحرية في المجال السياسي ليست إلا تمويها للحقيقة وتزييفا لها، إذ أن حصرها في النطاق السياسي يجردها من كل قيمة جدية، وبالتالي فان الديمقراطية السياسية ليست إلا صورة من صور الاستبداد لحماية نظام اجتماعي معين.
وهكذا فأساس فلسفة هذا المذهب هو تقديم الجماعة على الفرد إذ القول بوجود حقوق وحريات الفرد الذي يعيش في عزلة تامة ينقصه الواقع لان الحريات والحقوق لا تظهر بالتصادم بين الحريات والحقوق التي لكل فرد.
وعلى أساس هذه النظرية تحولت الديمقراطية السياسية إلى ديمقراطية اجتماعية واقتصادية، وأصبح من واجبات الدولة التزامها ايجابيا بتوفير الحقوق والحريات للأفراد، بعد أن كان دورها سلبيا كما أسلفنا.
ومهما يكن فان الدولة التي تأخذ بالمذهب الفردي لم تهجر النزعة الفردية في تشريعاتها، وان دساتيرها لا تزال تعتمد على قاعدة الديمقراطية واعتبار الفرد غاية المجتمع، وبالمقابل فان المذاهب الاجتماعية وبالأخص المتطرفة منها عجزت عن تحقيق الحرية الفردية تشبثا منها بالحرية الاقتصادية مثلما عجز المذهب الفردي عن تحقيق الحرية في اشمل معانيها، واسماها تشبثا بالحرية السياسية.
وفي اعتقادنا وبالنسبة لمجتمعنا وبحثا عن بديل يكفل الحريات العامة في أسمى معانيها لأمتنا يجب تعميق البحث وتجديره لتأصيل الفكر التعادلي الذي يقوم على أساس حضارتنا وقيمنا وأصالتنا وتقاليدنا، وما أقرته الشريعة الإسلامية السمحاء من حقوق الإنسان اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، منذ أربعة عشر قرنا، فهي معين لا ينضب ولم نغترف بعد من معينه، فبها وحدها نقي مجتمعنا شر طغيان الرأسمال واستبعاد الإنسان من اجل حرية سياسية مزيفة ونقية في نفس الوقت من ديكتاتورية مقيتة تسلب الإنسان أقدس ما لديه وهو كرامته الفردية كانسان.
 المحور الرابع: مصادر الحريات العامة في القانون المغربي :
بين الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن سنة 1789، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 دجنبر1948 وقعت تطورات جذرية في مفهوم الحريات العامة تبعا للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والآلية التي عرفها العالم، فبعد إن كانت تلك الحريات مطلقة إلى ابعد الحدود وتستعصي على التقييد في إعلان سنة 1789 أخذت تتجه تدريجيا نحو الأخذ بمذهب الوضعيين الذين يذكرون أن الإنسان تنبع من طبيعته حقوق حقيقية، وهكذا أصبح للدولة دور ايجابي في حماية الحريـات فأصبح من حقها تقييد تلك الحقوق ليتحقق التوافق بين الحريات والحقوق المتنافرة للفرد.
وبسبب هذا التطور نجد في مقدمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 ” إن الاعتراف  بالاحترام اللازم لجميع أعضاء العائلة الإنسانية وحقوقهم المتساوية والثابتة هو الذي يضع أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم” ونصت المادة 22 منه على أن ” كل فرد باعتباره عضوا في المجتمع له الحق في الضمان الاجتماعي، وله ما يبرر الحصول على إشباع حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. ونصت المادة 29 منه على انه “على الفرد واجبات نحو المجتمع الذي تتوفر فيه شخصيته”.
ومن تم اتجهت مختلف التشريعات وبالأخص في الأنظمة التي ساد فيها المذهب الفردي إلى التوفيق بين المطلق في المفهوم التقليدي وبين التبعية التي تميز بعض المفاهيم الحديثة، فأصبحت مختلف الدساتير تسجل اعترافها للأفراد بحقوق ايجابية حقيقية : اقتصادية واجتماعية، وأصبح التزام ايجابي يكفل تلك الحقوق.
ومهما يكن فان قوة ” الحريات العامة” أصبحت مستمدة من قوة مصادرها التي في مقدمتها بطبيعة الحال الدساتير، التي أصبحت تكرس تلك الحريات وهذا يعني أنها أصبحت إلزامية وملزمة انطلاقا من المبدأ الثابت بان الدساتير هي أسمى القوانين، وهكذا يسوغ أن يصدر أي تشريع يخالف أو يلغي أو يناقض ما اقره الدستور.
المحور الخامس : في المغرب فان الحريات العامة يمكن تركيز مصادرها الأساسية في الدستور وهذا ما سوف نرطز عليه في هذا المحور
لم يكن دستور سنــة 1972 الـذي صـدر الأمر بتنفيـذه بمقتضى الظهير 172061 المؤرخ بـ : 23 محرم 1392 (10 مارس1972) استثناء من الاتجاه الذي سارت عليه مختلف الدساتير العالمية التي احتذى مشروعها بالمبادئ الأساسية التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بخصوص الحريات العامة.
وهكذا نجد الباب الأول المتعلق بالمبادئ الأساسية ينص على أن ” نظام الملكية الدستورية في المغرب ديمقراطي واجتماعي” وان الفصل الثاني ينص على أن السيادة للأمة، والفصل الرابع ينص على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، كما أن جميع المغاربة أمام القانون سواء ( الفصل 5)، وان الرجل والمرأة متساويان في التمتع بالحقوق السياسية ( الفصل 8).
ومهما يكن رأينا في الدستور فإننا يجب أن نسجل هنا انه كأغلبية دساتير العالم نص في بنوده الأولى على إقراره للحريات العامة وتأكيدها وضمانها لكل فرد.
على أن قيمة الدساتير في نظرها ليست فيما تبنته من شعارات وكفلته من حقوق، أو أقرته من مبادئ مهما كان سموها أو دونته كحقوق بشرية معترف بها لا يسوغ المس بها أو إهدارها، وإنما قيمة كل دستور تتجلى في تطبيق نصوصه واحترام فصوله كأسمى قانون يعبر عن إرادة الأمة واعتبار كل مساس به خرقا صريحا لسيادة الأمة، ونكرانا لحقها في السيادة وجريمة لا تغتفر تبقى مسطورة في سجل التاريخ الذي لا يرحم.
ثانيا – ظهائر الحريات العامة الصادرة بتاريخ 15 نونبر1958.
تعتبر الظهائر الثلاث الصادرة بتاريخ 15 نونبر1958 والمتعلقة بالجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة بحق تتويجا لكفاح الشعب المغربي الذي سلبت منه سيادته القانونية، وحرياته العامة زهاء نصف قرن من الزمان في استرداد تلك الحقوق والحريات.
والحقيقة أن هذه التقنيات التي سبقت جميع التشريعات التي نظمت أو قننت الحريات العامة بعد الاستقلال وبالأخص الدساتير منها والتي جاءت بعد ذلك وضعت المغرب في مصاف الدول الراقية تشريعيا في هذا الميدان، وذلك باحترامها الكامل لحرية الرأي، والتعبير بجميع أشكاله وبدون قيد أو شرط، وبالسماح بكل حرية لكل جماعة من الأفراد وبغير سابق إذن، ولا تصريح تأسيس الجمعيات ذات الهدف المشروع والتي لا تتعارض مع القوانين، أو الأخلاق الحسنة أو المس بوحدة التراب الوطني، أو النظام الملكي للدولة، كما أن التجمعات العمومية بمقتضى هذه الظهائر حرة ” الفصل الأول من الظهير المتعلق بالاجتماعات العمومية”.
بل، أننا يمكن أن نقول بدون تحفظ أن هذه الظهائر تعتبر قفزة للمغرب يحق له أن يرفع الرأس بها عاليا لما احتوته من حقوق أساسية للمواطن سواء في ميدان الرأي أو التجمعات أو الاجتماعات ولما كرسته من حريات لا يحد منها أي شيء إلا ما يمس القانون أو الأخلاق، أو النظام الملكي للدولة، أو وحدة الأرض.
وهكذا فقد كانت هذه الظهائر إحدى اللبنات الأساسية في تشييد صرح الديمقراطية السياسية بالبلاد، إذ استمدت فلسفتها من واقع الشعب المغربي التواق للحرية والعزة والكرامة، والذي بذل بسخاء النفس والدم، رخيصة في معركته ضد الاستعمار وقوانينه الجائرة.
إلا أن التعديل الشامل  الذي ادخل على هذه الظهائر بمقتضى الظهائر الثلاث الصادرة بمثابة قانون بتاريخ: 20 ابريل1973 ابتعدت عن روح تشريع سنة 1958 وفلسفته، فكانت بذلك مساسا بقانون الحريات العامة ببلادنا.
و أن نظرة خاطفة ومقارنة بين الفصول المتوفر عليها التغيير لتثبت بصفة جلية مدى الحجر الذي أصبحت الحريات العامة ترزح تحته.
 جاء الظهير رقم 1.58.378 الصادر بتاريخ 15 نونبر1958 المتعلق بقانون الصحافة كما ألمحنا سابقا مستمدا مبادئه وأسسه وفلسفته من واقع الشعب المغربي الذي خرج منتصرا في معركته السياسية ومتحررا من رقبة الاستعمار، وتجلت روح المشرع وإيمانه المطلق بحق الشعب في التمتع بحرياته الكاملة غير المنقوصة في نصوص هذا الظهير الذي كفل حرية الرأي، وأطلقها من كل القيود، إلا ما يتعلق بالتنظيم أو ما يمكن أن تطلق عليه القيم الخلقية والتاريخية للأمة.
فبعد أن كان الظهير الأساسي المطبق هو ظهير 27 ابريل1914 والذي أدخلت عليه تعديلات لاحقة بظهائر مختلفة يصل تعدادها إلى أربعة عشر ظهيرا آخرها ظهير 25 دجنبر1951 والتي كانت في مجموعها تقييدا جائرا لحرية الرأي تبعا للظروف السياسية وتضييقا على حرية الصحافة وقضاء مبرما على حريتها : وبالأخص ظهير 18 اكتوبر1937 الذي ادخل تغييرات جوهرية على الفصل السابع من ظهير 1914 والذي بمقتضاه أصبحت الصحافة الصادرة بالعربية خاضعة لرقابة سابقة للنشر تقوم بها السلطة الإدارية، جاء ظهير 15 نونبر1958 يلغي كل تلك القيود وليحرر الصحافة من قيود تلك التشريعات الجائرة وليقرر مبادئ أساسية تعيد للرأي كرامته وعزته، وللصحافة حريتها المقدسة المتجلية في إمكانية نشر كل جريدة أو مطبوع دوري بحرية (الفصل 3).
وبطبيعة الحال فان هذا يعني عدم احتياج أية نشرة : جريدة أو مطبوع دوري إلى إذن من الحكومة للإصدار، وبالتالي عدم إخضاع النشر لرقابة الحكومة كما أن هذا الظهير كفل للصحافة استقلالها الفكري والوطني وجعلها خاضعة فقط فيما يخص المسؤولية الجزائية إلى القضاء. والى القضاء وحده.
وتبعا لذلك، فيجب استبعاد كل حجز إداري، إذ أن اقتران مبدأ حرية الصحافة بمبدأ المسؤولية الجزائية، يصبح معه كل حجز إداري تعسفا.
إلا أن ظهير 10 ابريل1973 جاء ليسلب ظهير1958 من روحه ومن المبادئ الراسخة التي كفلها، بل ليس من الغلو في القول التأكيد على أن تلك التعديلات مست صراحة بما توخاه المشرع في ظهير1958.
ويتجلى ذلك فيما يلي :
تعديلات القانون الجديد: ظهير 10 ابريل1973.
بمقتضى الظهير الشريف الصادر بمثابة قانون رقم1.73.285 المؤرخ ب:6 ربيع الاول1393 موافق10ابريل1973 غيرت أو تممت بعض الفصول من ظهير 1958 المتعلق بقانون الصحافة وهي الفصول 10 و25 و28 و29 و30 و34 و35 و41 و42 و45 و47 و49 و70 و74 و77.
وإذا كنا لا نرى أي حرج أو مس بالحريات العامة بخصوص بعض الفصول المغيرة مثل الفصل 20 مثلا الذي رفع العقوبة، وجعلها سجنا وغرامة في نفس الوقت، بعد أن كان للقضاء الخيار في تطبيق إحدى العقوبتين فقط، بالنسبة لمن يتلقى مباشرة أو غير مباشرة أموالا من حكومة أجنبية باستثناء الإشهار، لما في ذلك من حماية للرأي العام ومساس بالفكر الوطني من التدخل الأجنبي بواسطة صحافة مأجورة، فإننا بصفة أساسية نؤكد أن التعديلات الجوهرية المدخلة لها خصائصها الواضحة  في المس بمكتسبات حرية الصحافة في بلادنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...