القضاء المغربي في ظل الجهوية المتقدمة _واقع الإصلاح ورهان التنمية


القضاء المغربي في ظل الجهوية المتقدمة _واقع الإصلاح ورهان التنمية

نتج عن التراكمات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية بالمغرب وصعوبة معالجتها مركزيا، اتخاذ التنمية بعدا مجاليا و نهجا جديدا في ممارستها، و التفكير في وسائل قانونية لترجمتها على أرض الواقع .
و من هذا المنطلق أصبحت الجهة الإطار الملائم لبلورة استراتيجية بديلة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و المجالية، و أضحى موضوع الجهوية يحظى باهتمام مختلف الفاعلين بالمغرب، و أصبحت السياسة الجهوية من الاستراتيجيات الرئيسة للنهوض بالتنمية الاقتصادية و الإقلاع السوسيو اقتصادي الوطني، وذلك لن يتم إلا عبر التنمية الجهوية التي تعد أسلوبا متميزا في تدبير الشؤون المحلية تدبيرا ديمقراطيا، بإشراك مختلف الفعاليات في اتخاذ القرار الجهوي و الوطني و تمكين الساكنة من خلق هيئة ديمقراطية تعمل على تحقيق مطامحها بشكل تشاركي، و تحويل مصدر الحكم من القاعدة بعدما كان نابعا من القمة، و التخفيف من ظاهرة مركزية القرار و الانتقال من المركزية إلى اللامركزية.

ومن غير الممكن الحديث عن بناء جهوية حقيقية وفاعلة في معزل عن المؤسسات الدستورية الأخرى، شأن السلطة القضائية التي تعد أحد أهم اللبنات لبناء دولة الحق والقانون. على اعتبار أنها تشكل الدعامة الأساسية التي يفترض أن تحمي الديمقراطية و تقويها، وتوفر فضاء آمنا ومستقرا مناسبا لقيام تنمية محورها الإنسان باعتباره و سيلة وهدفا، وذلك من خلال فرض سيادة القانون وإعطاء أدوارا أساسية للمؤسسات المحلية والمركزية .

وينظم القضاء على المستوى الجهوي و الوطني بموجب التنظيم القضائي، الذي يعرف بكونه الإطار أو النظام القانوني الذي ينظم قواعد وأسس العمل القضائي بشكل عام ، وذلك من خلال الإشارة إلى المفاهيم المتعلقة بإنشاء المحاكم وتأليفها واختصاصها وطريقة اشتغالها، بالإضافة إلى القواعد المنظمة لعمل القضاة و مساعدي القضاء .

ويعتبر القضاء من المواضيع التي تسترعي اهتمام جميع الفاعلين الحقوقيين، ويرجع ذلك إلى الوظيفة التي يقوم بها رجالاته والتي تتمحور أساسا في إحقاق الحق وإنصاف المظلوم في سبيل بعث الطمأنينة في نفوس المتقاضين وتحقيق الاستقرار داخل المجتمع بشكل يحقق التنمية المنشودة على جميع المستويات . لهذا اهتم المشرع المغربي بتنظيم الجهاز القضائي وتحديد صلاحياته ومجالات تدخله عن طريق نظام قانوني خاص يسمى بالتنظيم القضائي الذي يتناول القواعد التي تبين إنشاء المحاكم وتشكيلها واختصاصاتها، بالإضافة إلى القوانين الخاصة بتعيين القضاة والأجهزة المساعدة لهم[1] ، ونظرا لأهمية قطاع العدل داخل منظومة الجهوية المتقدمة لإحاطتها بمختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فقد حضي موضوع إصلاحهما بصدارة الأوراش الإصلاحية الكبرى في المغرب باعتبارهما عمادا للحكامة الجيدة ومحفزا للتنمية . وتأهيلهما ليواكبا التحولات الوطنية والدولية .

وقد حث الملك محمد السادس في خطابات متتالية بإدخال إصلاحات عميقة وشاملة للقضاء والجهوية تعزيزا لأوراش التحديث المؤسسي والتنموي . ولتوجيه الجهة لمستقبل أفضل جاء الخطاب الملكي ليوم 3 يناير 2011 معلنا إطلاق مرحلة جديدة سمتها الارتقاء بالجهوية نحو وضع متقدم في إطار نموذج وطني للجهوية المتقدمة يعمم على جهات المملكة، وخلق جهة نموذجية بالأقاليم الجنوبية تحضى بنظام الحكم الذاتي . توجت بصدور الدستور الحالي الذي شكل نقلة نوعية في تعاطي الدولة مع مفهوم الجهوية المتقدمة والسلطة القضائية .

وتكميلا لتنزيل مقتضيات الدستور أصدر المشرع ترسانة من القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، منها بالأساس القانون رقم 111.14 المتعلق بالجهات الذي سبقه مرسوم قلص عدد الجهات من 16 إلى 12 جهة . واخرى متعلقة بالقضاء شأن القانون رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية والقانون 106.13 المتعلق بالنظام الاساسي للقضاة . من خلال ما سبق كيف تأثر التنظيم القضائي للمملكة بالجهوية المتقدمة ؟ وما هي آفاق الاصلاح القضائي على الجهوية المتقدمة وعلى نظام الحكم الذاتي المقترح في الصحراء ؟

للإجابة على الاسئلة التالية سنتناول موضوعنا باعتماد التصميم التالي :
الفقرة الاولى : محدودية تأثير الجهوية المتقدمة في التنظيم القضائي للملكة
الفقرة الثانية : آفاق الاصلاح القضائي على الوضع المتقدم للجهوية
الفقرة الثالثة : تأسيس مقترح الحكم الذاتي لقضاء جهوي حقيقي بالأقاليم الجنوبية.

الفقرة الاولى : محدودية تأثير الجهوية المتقدمة في التنظيم القضائي للمملكة

تهدف الجهوية المتقدمة إلى عقلنة عملية التخطيط التي أصبحت تعتمد على دعم المشاركة وترتكز على جعل الإنسان أساس التنمية ، باعتماد تقديم جهوي يحترم مختلف التباينات الجغرافية والبشرية والاقتصادية و الاجتماعية والثقافية واستحضار المقياس النوعي وليس الكمي، لأن الجهة تتطلب وجود مجال محدد يحقق الانسجام والتوازن والتضامن والتكامل بين عدة وحدات ترابية إدارية ، بشكل يستجيب لحاجيات السكان والتي يبقى من أبرزها وجود جهاز قضائي قوي وفعال تتميز مساطره بالنجاعة ، وإدارته بالحكامة قريب من سكان الجهة وقادر على حماية حقوقهم وحرياتهم من أجل المساهمة في الديمقراطية المحلية.

وقد تزامن إصلاح القضاء مع الإصلاح الجهوي بحيث أنهما أهم الرهانات الكبرى لتقويم البناء المؤسساتي للدولة التي دعا إليها خطاب 9 مارس 2011 وكرسه الدستور الجديد . لأنه لا يمكن الحديث عن الإصلاحات الثانوية للجهوية المتقدمة دون وجود سلطة قضائية مستقلة وقريبة من المواطنين باعتبارها من آليات دولة الحق والقانون .

وحتى مع دخول قانون الجهوية المتقدمة حيز التنفيذ فإنه لم يؤسس لجهوية القضاء و لم يمس لا من بعيد ولا من قريب التنظيم القضائي للمملكة[2] . وذلك راجع لعدم توفر الجهات على برلمان وحكومة حتى توجد سلطة قضائية ، وإن كان المغرب اليوم أصبح يتجه بالجهات وفي إطار تسييرها الإداري و اختصاصاتها الواسعة وتطبيعها الجغرافي والديمغرافي إلى دويلة مصغرة . بل أبقى على مركزية النظام القضائي رغم تخويله مهمة فض النزاعات الناشئة بين أفراد الجهة ومراقبة عمل الجهة ، وذلك عكس بعض الدول التي تعتمد نظام الجهوية الموسعة شأن اسبانيا وإيطاليا إذ أنها تأخذ بالازدواجية القضائية ، قضاء مركزي وقضاء جهوي يتكون من محاكم أول درجة وثاني درجة على مستوى الجهة ومحكمة عليا جهوية .

فالجهوية الحالية في المغرب لم تؤثر كثيرا في التنظيم القضائي لأن الأولى جاءت لتوسيع دائرة اللامركزية ومنح اختصاصات وسلطات للوحدات الترابية على حساب السلطة المركزية في حين أن الثانية مستقلة وغير ممركزة، بل إن التنظيم القضائي الحالي لازال مجحفا في حق بعض الجهات التي لا تتوفر على محاكم متخصصة كدعامة أساسية لدولة الحق والقانون والمحفز المهم للاستثمار . والأكثر من ذلك فإن بعض الجهات تتوفر على محكمة ابتدائية واحدة كجهة العيون الساقية الحمراء أو لا تتوفر على محاكم استئناف بالمرة كجهة الداخلة وادي الذهب ، في الوقت الذي تتوفر فيه جهات أخرى على عدد من المحاكم المتخصصة كما هو الحال في جهة فاس مكناس التي توجد بها محكمتين تجاريتين، وعدد من المحاكم الابتدائية والاستئنافية ، حيث يستفيد سكانها من قرب الإدارة كأحد الأهداف الأساسية للجهوية المتقدمة ، وجهات أخرى يتحمل سكانها مشقة التنقل من جهة إلى أخرى للدفاع عن حقوقهم قد تستغرق رحلتهم أيام، لأن التقسيم الجهوي أخد في الحسابات عوامل اقتصادية وإدارية وسياسية وديمغرافية وتاريخية وثقافية بشكل يحقق الانسجام والتوازن والتضامن بين الوحدات الترابية الإدارية دون أن ينظر إلى حاجات المواطنين في كل مكان إلى العدالة ، وأن أي جهة من الجهات ستكون بها معاملات تجارية وتجار يبرمون عقودا تجارية ويؤسسون شركات وملكية تحتاجها الدولة لأجل المنفعة العامة وبالتالي سيصبحون بحاجة لقضاء تجاري وإداري ، ولو أن طبيعة بعض الجهات ستكون بحاجة أكثر من غيرها للقضاء المتخصص إلا أن بقية الجهات لابد لها من قضاء وعدالة .

وإذا كان المطلوب من الجهوية المتقدمة في المغرب تقسيما جغرافيا واقتصاديا متوازنا يرتكز على تساوي مقومات التنمية والإنتاج حتى لا نجد جهات قوية ومحظوظة لتوفرها على الموارد الكافية لتقدمها ، والمؤسسات الكفيلة بدعم ومباركة هذه التنمية وجهات محتاجة تفتقر لذلك . فإن التنظيم القضائي على مستوى الجهات يبقى ضمن المؤسسات القوية الداعمة لقوة الجهات إذ ينبغي أن يكون ضمن موازين القوى في مخططات الجهوية المتقدمة كما أن التنظيم القضائي للمملكة ينبغي أن يأخذ فيه المشرع بعين الاعتبار تواجد نظام الجهوية المتقدمة المحتاجة لمؤسسات قضائية قريبة لخدمة سكانها وإكمال صرح الديمقراطية الجهوية المبنية على مشاركة الساكنة في تدبير شأنها المحلي عن طريق ممثليهم ، ووجود السلط الثلاث بها كمقومات للديمقراطية ولو بشكل مصغر .

وقد فطن مشروع التنظيم القضائي لهذا الأمر وخول إمكانية إحداث قضاء متخصص في المادة الإدارية و التجارية لدى كل محكمة ابتدائية ، وهذا أمر في غاية الأهمية لأنه ينبغي أن يكون التنظيم القضائي للمملكة منسجما مع مبادئ الجهوية المتقدمة وسيمكن جميع الجهات من التوفر على قضاء قادر على النظر في كل النزاعات و بمختلف أنواعها ، خاصة و أن الجهة و القضاء أصبحا اليوم مطالبين أكثر من أي وقت مضى بالمساهمة في تحقيق التنمية و إيجاد أجوبة للقضايا الخلاقة بالجهة ، و بالتالي فإن التنظيم القضائي المستقبلي ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار المرتكزات الأساسية للجهة .

الفقرة الثانية : آفاق الاصلاح القضائي على الوضع المتقدم للجهوية
أولا: دعم الاصلاح القضائي للمرتكزات الأساسية للجهوية
1- مبدأ الوحدة:

ينبني هذا المبدأ على وحدة الدولة والتراب والوطن والذي تأسس على التشبث بمقدسات الأمة وتوابتها والتواجد المستقبلي للجهوية المتقدمة، وآلية الحفاظ على وحدة الدولة العصرية من خلال الإقرار بالخصوصية الذاتية للمجتمع المحلي الذي قد يأخذ أشكال سياسية أو اجتماعية أو أقلية عرقية. فالقضاء الجهوي سيكون أكثر دراية بهذا من القضاء المركزي والأقدر من غيره في ترسيخ هذه القيم. وينبغي عليه أن يدافع على القيم المقدسة من قوة الشعب المغربي النابعة من وحدته المتشبعة بالروافد المتنوعة والغنية والمتلاحمة بالعرش المجيد المتمسك بوحدته الترابية و سيادته ووحدته السياسية والتشريعية والثقافية.

2- مبدأ التوازن:

يقضي هذا المبدأ بتوزيع الصلاحيات والاختصاصات بين الدولة أو السلطة المركزية في أشكالها الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية وليس لفائدة الجهات، بل ينبغي أن يكون نوع من التوازن في الصلاحيات والاختصاصات فإذا كان في الجهوية المتقدمة تنازلت الدولة عن عدة اختصاصات للجهة على المستوى الإداري ونقلت مجموعة من الاختصاصات إلى المؤسسات الجهوية، فإنه على المستوى القضائي لازالت تحتكر سلطة القرار كما هو الشأن بالنسبة لإعداد السياسة الجنائية أو الطعن بالنقض في الأحكام ، وتوزيع الموارد البشرية وتأهيلها وتوفير بنيات تحتية لمرفق القضاء ، والقيام بالتفتيش الإداري والمحلي والقضائي الذي أحدثت له مفتشية عامة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية .

3-مبدأ التضامن

رغم حرص المشرع في التنظيم الجهوي على جعل الجهات قادرة على القيام بالشؤون الذاتية بنفسها وباستثمار مؤهلاتها وإمكاناتها ، إلا أن ذلك يبقى صعب بالنسبة لبعض الجهات لأن الساهرين على التقسيم والباحثين في الشأن الجهوي أثبتوا أن المساواة بين الجهات يبقى أمرا صعبا نظرا لوجود جهات ذات إمكانيات تجعلها غنية وأخرى تفتقر لموارد طبيعية وثروات لا يقبل عليها المستثمرون مما يجعلها في مصاف الجهات الضعيفة . ولإعادة التوازن بينهما ومساعدتها في القيام بمهامها فإن المشرع أوجد مبدأ التضامن الذي يقضي بالتعاون والتعامل مع الجهات وذلك بخلق صندوق التضامن وصندوق التعاون الجهوي كآلية ناجحة للتضامن والتلاحم بين مناطق المغرب الموحد بغية التغلب على الفوارق والاخلالات الاقتصادية والاجتماعية بين الجهات.

ولمبدأ التضامن هذا أثار إيجابية على التنظيم القضائي للجهات إذ أنه سيمكن الجهات الفقيرة من تأهيل البنيات التحتية لمحاكمها، وتوفير بنيات ومحاكم لأجل تقريب القضاء من المواطنين. ليصبح مواطن الجهة يتقاضى أمام قضاء الجهة دون أن يضطر للتنقل إلى الجهات الأخرى للتقاضي أمام قضائها خاصة بالنسبة للمحاكم المتخصصة التجارية والإدارية، وستعود على الجهة بالنفع لأنها تشجع على الاستثمار وجلب رأس المال الذي يحتاج إلى قضاء يحميه ولن تطأ قدماه إلى الجهة التي تتوفر على قضاء فعال و متنوع.

كما أن التضامن بين الجهات في المجال القضائي يوجب على قضاء كل جهة مد يد العون لقضاء الجهة الأخرى خاصة عن طريق الانتداب القضائي والإنابة القضائية. وفي حال لجوء قضاء جهة ما إلى إجراءات المعاينة والتحقيق في بعض النزاعات التي تتطلب القيام بهذه الإجراءات محاكم جهة أخرى. وهذا التضامن سيضمن النمو والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المتكافئ والنضج السياسي.

ثانيا: مساهمة دعم القضاء لأهداف الجهوية المتقدمة في تحقيق التنمية.
1- الحكامة والتنمية

تشكل الجهة إطارا ملائما لتبني استراتيجية تدبير مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وذلك من خلال تعبئتها بالموارد والطاقات المحلية من أجل ترسيخ مبادئ الديمقراطية و تطوير البناء الجهوي. لذلك أصبحت الجهوية من أكثر القضايا التي تختص باهتمام ومتابعة كبيرة ليس فقط من منطلق تجربة اكتسبها النظام القضائي بإيجابياتها وسلبياتها بل بالطريقة التي تنظر إليها السلطات والقوى السياسية والفعاليات الاقتصادية والاجتماعية والهيئات التمثيلية وطنيا. إذ تعتبرها معطى مهم يستطيع المغرب بفضله أن يؤسس لمرحلة تنموية جديدة بتفكير ومناهج جديدة في أفق تحقيق جهوية موسعة ومن هذا المنطلق فإن المغرب أصبح مطالبا بتحقيق إصلاح جهوي فعلي يستجيب لتطلعات المجتمع المدني والسياسي بمختلف أطيافه ومكوناته.

كما يعتبر نظام الجهوية المتقدمة أسلوب تدبيري يهدف إلى دمقرطة صنع وتنفيذ القرار الجهوي، نتيجة الحاجيات الجهوية وتفردها عن الحاجيات الوطنية، وسعي الفعاليات الجهوية إلى الانعتاق من السياسات العينية الإكراهية، أستتبع بالضرورة تحويل مجموعة من الاختصاصات للجهات، كوحدات ترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي[3] لم تعد مهمتها ضمان حسن سير المرافق المحلية وتخفيف العبء على مركز القرار فقط، بل تعدتها إلى الانخراط في مسلسل التنمية الجهوية كمسلسل نوعي على المدى البعيد يتحقق اعتمادا على مختلف البنيات الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية التي تتصنع بها هذه الوحدات. ويبقى كل ذلك رهين باعتماد حكامة جيدة كشرطا أساسيا للتنمية وهدفا جوهريا للجهوية والتي تقود إلى النجاح والفعالية.

وفي نفس السياق فإن القضاء لم يعد بدوره يقتصر على فض المنازعات بل أصبح ذو صلة وثيقة بتثبيت أسس دولة الحق والقانون ومحاربة الرشوة كأحد التحديات الكبرى للحكامة الجيدة وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم، بل الأمر يطال أيضا المجال الاقتصادي وقدرته على كفالة حقوق المستثمرين بالبث بالسرعة والنجاعة والإنصاف المطلوب ، ذلك أن الجهاز القضائي الجهوي لازال يحتاج إلى تكييفه وملائمته مع شروط التنمية الاقتصادية، فالقضاء يعتبر من العناصر المهمة جدا في توفير أرضية للمناخ الاستثماري فالرأسمال جبان والقضاء هو من يبعث فيه الأمان خاصة إذا تواجدت بيئة تشريعية سليمة ومحفزة ومستقرة و كان حديث ونزيه ومستقل يسهر على التزام القانون وتطبيقه.

2- تعزيز إدارة القرب بتقريب الإدارة من المواطن.

لتتمكن الإدارة من الاستجابة السريعة لمتطلبات المواطنين وخدمتهم كما يجب وتبسيط تسيير وتدبير شأنهم لا بد من بناء سياسة القرب التي أصبحت منهجية في التدبير العمومي المحلي، والتي عبر عنها صاحب الجلالة في الميدان القضائي بالقضاء في خدمة المواطن. وتعد أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الجهوية المتقدمة لأن سياسة القرب تحتاج إلى التحديث الإداري للإدارة الجهوية وهي توجه لا محيد عنه، لأن مردودية القضاء رهينة بتحديث وتخليق مرفقه وتدبيره وتسييره حسب القواعد التي تقتضيها الحكامة الجيدة، وتوزيع مرافقه على التراب الوطني وفق خريطة يراعي في تقطيعها الهندسي ضمان مبدأ تقريبه للمواطنات والمواطنين والمساواة بين هؤلاء في الولوج إليه والاستمرارية في أداء خدماته ومداومته وخضوع عمله إلى معايير الجودة من الشفافية والمحاسبة. كأهداف مشتركة بين القضاء والجهوية المتقدمة، باعتماد إطار قانوني وسياسي أكثر ملائمة لبلوغ الهدف المنشود وتجاوز الموروث التاريخي لجهاز القضاء، حيث تميزت الخريطة القضائية بكثرة المحاكم وتنوع اختصاصاتها بعد أن عرفت تطورا مطردا منذ سنة 1974 في إطار تقريب القضاء من المتقاضين مما أدى إلى غياب التوازن مع تطور عدد القضاة والموظفين و الموارد البشرية والمالية بسبب تزويد المحاكم الجديدة بقضاة وموظفين على حساب محاكم قائمة.

كما أن تقريب القضاء من المواطنين يعاني من إشكالية توزيع المحاكم على الجهات وهذا ما يظهر بقوة في المحاكم الإدارية ومحاكم استئنافها ونفس الشأن بالنسبة للمحاكم التجارية التي تتواجد في المدن الكبرى دون باقي المدن مما يجعل التقاضي أمرا مرهقا للمواطنين ماديا ومعنويا، وبطء مساطره لعدم وجود عدد كافي من القضاة المتخصصين وهي إخلالات وقف عليها الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة. وأوصى بالاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمالية وضمان القرب الحقيقي للقضاء من المتقاضين لأنه لا يزال مجرد شعار بسبب تضخم الخريطة القضائية وعدم عقلنتها والقضاء المتخصص غير متوفر لدى مختلف الجهات مما يجعل الولوج إلى العدالة صعبا ويجعل بعض الجهات تتفوق على غيرها في حماية الحقوق والحريات وجلب المستثمرين.

وقد تنبه المشرع لهذا الأمر في مشروع التنظيم القضائي الحالي ونص على إمكانية إحداث أقسام متخصصة في المادة التجارية والادارية لدى المحاكم الابتدائية لأجل ضمان وجود قضاء متخصص في مختلف ربوع المملكة لأن المحاكم الابتدائية على الأقل تغطي خريطة المملكة.

الفقرة الثالثة: تأسيس مقترح الحكم الذاتي لقضاء جهوي حقيقي بالأقاليم الجنوبية

ويطرح التنظيم القضائي في ظل الجهوية المتقدمة نقطة في غاية الأهمية ويتعلق الأمر بأقاليمنا الصحراوية، التي تعد الجهوية المتقدمة بها خطوة أولى في اتجاه إقرار وتطبيق المقترح المغربي للحكم الذاتي كأقصى ما يمكن للمغرب التنازل عنه للتعاون مع الأمم المتحدة لوضع حد لنزاع الصحراء، وإن كانت هذه الأقاليم وضعت في صدارة الجهوية المتقدمة.
إلا أن الحديث عن نجاح تجربة الجهوية سواء منها المتقدمة أو في إطار الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية لتحقيق التنمية الجهوية لا يمكن أن يستقيم إلا بوجود سلطة قضائية قوية وفعالة ورافعة حقيقية للتنمية الجهوية.

ويطرح مشروع الحكم الذاتي إشكالية التنظيم القضائي، في المناطق المحكومة ذاتيا ومكانة السلطة القضائية التي حاول المقترح الإجابة عنها. وعلى خلاف نظام الجهوية المتقدمة فإن مقترح الحكم الذاتي ناول للجهة إمكانيات واسعة واختصاصات كبيرة في مجال السلطة القضائية لا مثيل لها للجهات المتقدمة. حيث خول للبرلمان الجهوي إمكانية إحداث محاكم تتولى البث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضمها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء، وأخذت المحاكم تصدر أحكامها بكامل استقلالها وباسم جلالة الملك. وهذه التجربة قد سبق أن اعتمدها المشرع الإسباني وأناط دستوره المجموعات المستقلة إمكانية إحداث محاكم جديدة.

ولدعم استقلال السلطة القضائية لمجموعة الحكم الذاتي عن السلطة المركزية نص مقترح الحكم الذاتي على احداث مجلس أعلى للقضاء الجهوي. وعلى أن تصدر أحكام الجهة المحكومة ذاتيا بكامل الاستقلالية، غير أنها تصدر باسم الملك لأنه هو أمير المؤمنين ورئيس الدولة والمسؤول عن أمن وطمأنينة الشعب وسيادة الدولة خارجيا وداخليا وكونه يرأس عدد من المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو من يعين القضاة. لهذا فإن مبادرة الحكم الذاتي احتفظت للدولة باختصاصات حصرية منها التنظيم القضائي.

كما يمكن للبرلمان الجهوي إحداث محاكم جديدة تتولى مهمة الفصل في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها جهات الحكم الذاتي موازاة مع الفصل 71 من الدستور الذي أعطى للبرلمان إحداث محاكم جديدة والتشريع في ميدان التنظيم القضائي.

أما المحكمة العليا الجهوية فهي تختص برقابة دستورية القوانين وكذلك النظر في النزاعات التي تنشب بين السلطة المركزية والسلطة المحلية أسوة بالدول الفدرالية، كما تمارس نفس اختصاصات محكمة النقض في حدود تراب الجهة مع مراعاة الاختصاصات الممنوحة لمحكمة النقض.

وبالتالي فإنه حتى مع الطبيعة المركزية للنظام القضائي المغربي فإن مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء اتجهت إلى منح الوحدات الترابية المستقلة ذاتيا محاكم خاصة وإمكانية إحداث مؤسسات قضائية من طرف البرلمان الجهوي.
——————————-
[1] -نورة غزلان الشنيوي ، التحديات الكبرى للدستور المغربي في مجال القضاء وأجه تطبيقاتها في مجالات التنظيم القضائي للمملكة ، دراسة من صميم إصلاحات سنة 2011 ، مطبعة الورود إنزكان ، الطبعة الأولى 2012 ، ص26 .
[2] – مع الاشارة إلى أن المشرع المغربي منح للجهة ضمن الاختصاصات المنقولة إمكانية النظر في التجهيزات والبنيات التحتية ذات البعد الجهوي في المادة 94 من قانون 111.14 كما أنه حدد في المادة 97 القضايا التي يتداول فيها المجلس وجعل من ضمنها إحداث المرافق العمومية التابعة للجهة وطرق تدبيرها طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل . والتي يمكن أن تمتد لنظر تجهيزات المحاكم في الجهة وبنياتها التحتية وإحداث مرافق عمومية قضائية بها .
[3] -إبراهيم الزيتوني، رهانات وأفاق الجهوية على ضوء القانون التنظيمي للجهات، مجلة مسالك عدد 3334، لسنة 2016 ص103.

إعداد: ذ/هشام عزى_باحث في سلك الدكتوراه (العلوم القانونية والسياسية)
بجامعة القاضي عياض-مراكش-


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...