الوسائل الحديثة للإثبات الجنائي على ضوء القانون المغربي


الوسائل الحديثة للإثبات الجنائي على ضوء القانون المغربي

خص المشرع الجنائي المغربي لوسائل الإثبات الحديثة مقتضيات هامة ضمن المادة الجنائية، وخاصة في الفرع الأول من الجزء الثالث في بابه الأول من قانون المسطرة الجنائية، حيث أشار إلى الإمكانية المتاحة للمحكمة في الاستناد إلى أي وسيلة للإثبات ما لم يقض القانون بخلاف ذلك، هذا الإثبات الذي تضمنته عشرة فصول، لكنه يقدم تعريفا صحيحا وواضحا يذكر لهذه الوسيلة. وذلك لأن المتهم في الحقل الجنائي يقوم بأفعال مخالفة للقانون، لذلك يعمل على إخفائها عن الأعين، الشيء الذي جعل المشرع يتوسع في إثبات الأفعال المخالفة للقانون وأجاز إثباتها بجميع وسائل الإثبات.

ولقد تطورت وتعددت الأساليب والوسائل العلمية التي بات يلجأ إليها في مجال البحث عن الدليل الجنائي، وذلك نتيجة لتطور فكر الاجرام و المجرم والذي بات يعمل، وقبل إقدامه على نشاطه الإجرامي، على التفكير في أسلوب لا يترك آثارا مادية تدل عليه.

لذلك حاولت أجهزة البحث والتحقيق، الاستعانة بالوسائل العلمية الحديثة في الإثبات الجنائي، وهذا من اجل تفكيك الخيوط المتشابكة للواقعة الإجرامية.

ونحن سوف نخصص هذا المقال للحديث عن وسائل الاثبات الحديثة ودورها في تكريس الحقيقة و الوصول لها بطرق علمية تقنية، ولن نتطرق للحديث عن الوسائل التقليدية التي سال فيها حبر كثير.
وتتمثل هذه الوسائل الحديثة في تحليل ADN والتشريح الطبي، والبصمات، والأعيرة النارية، التقاط المكالمات، التصوير، جهاز كشف الكذب، غسيل المعدة، العقاقير المخدرة، ولتقريب الصورة لابد من الحديث عن كيفية عمل هذه الوسائل، وسوف نتناول الحديث عن هذا الموضوع في مبحثين، نخصص الاول للحديث عن ( تحليل ADN الحمض النووي و البصمات)، و الثاني ( علم الاسلحة و التشريح)

– المبحث الاول : تحليل ADN الحمض النووي والبصمات
– المطلب الاول : الحمض النووي ADN
مادة ADN هي واحدة في كل خلية وسائل ونسيج في جسم الفرد، ولا يمكن تغييره بواسطة أي علاج معروف، وعليه، فإن هذه المادة أصبحت رائدة في الاستعراف والتمييز بين أبناء الجسم البشري.
وقد أحدثت هذه المادة ثورة في العلوم الجنائية، حيث لم يعد من الصعب إثبات أبوة فلان لطفل بما لا يقبل الجدل أو الشك.
كما يمكن تحديد هوية الجاني من خلال عقب سيجارة (تحليل آثار اللعاب عليه) أو حتى من خلال شعرة واحدة يعثر عليها في مسرح الجريمة.
وعلى مستوى التحقيقات الجنائية، فقد تمكنت دوائر المكتب الفدرالي للتحقيقات ومختبرات الشرطة الأمريكية من كشف العديد من الجرائم بواسطة هذه البصمة ADN.
من خلال قطع الملابس المبللة بالدم أو الملطخة بالسائل المنوي أو من خلال شعر الضحية والجاني.
ولم تعرف البصمة الوراثية حتى عام 1984 حينما نشر “د.أليك جيفريز”، عالم الوراثة بجامعة لندن بحثا أوضح فيه أن هذه المادة الوراثية قد تتكرر عدة مرات وتعيد نفسها في تشابهات عشوائية غير مفهومة، وواصل أبحاثه وتوصل بعد عام واحد إلى أن هذه التشابهات مميزة لكل فرد، ولا يمكن أن تتشابه بين الأفراد إلا في حالة التوائم المماثلة فقط، بل إن احتمال تشابه بصمتين وراثيتين بين شخص وآخر هو واحد في الترليون، مما يجعل التشابه مستحيلا وسجل “د.أليك” براعة اكتشافه عما 1985 وأطلق على هذه التشابهات اسم البصمة الوراثية للإنسان the ADN. وقد أحدثت أبحاثه قفزة هائلة في مجال الطب الشرعي، حيث ثم التعرف على الجثث المشوهة وتتبع الأطفال المفقودين وأخرجت المحاكم البريطانية ملفات الجرائم التي قيدت ضد مجهول، وفتحت التحقيقات فيها من جديد، وبرأت البصمة الوراثية مئات الأشخاص من جرائم القتل والاغتصاب، وأدانت آخرين مما يعني أنها وسيلة إثبات فريدة من نوعها.
وتبقى أشهر الجرائم التي ارتبط اسمها بالبصمة الوراثية، هي قضية “د.سام شيرد” الذي أدين بقتل زوجته ضربا حتى الموت في عام 1955، حيث كانت هذه القضية آنذاك محل اهتمام الرأي العام، والإعلام المسموع، ووكالات الأنباء، ووسط هذا الضغط الإعلامي، أغلق ملف كان يذكر احتمالية وجود شخص ثالث وجدت آثار دمائه على سرير المجني عليها أثناء مقاومته، وقضى “د.سام شيرد” في السجن عشر سنوات ثم أعيدت محاكمته عام 1965.
وحصل على براءته التي لم يقتنع بها الكثيرون حتى جاء غشت 1993 حينما طالب الابن الأوحد للدكتور “سام شيرد” فتح القضية من جديد وتطبيق اختبار البصمة الوراثية، حيث أمرت المحكمة في مارس 1998 بأخذ عينة من جثة “شيرد” وأثبت الطب الشرعي أن الدماء التي وجدت على سرير المجني عليها ليست دماء “سام شيرد” بل صديق العائلة، وأدانته البصمة الوراثية، وأسدل الستار على واحدة من أطول محاكمة في التاريخ في يناير 2000، بعدما حددت البصمة الوراثية كلمتها.
ومن ثم يظهر جليا أهمية تحليل ADN كوسيلة متطورة وفعالة في الإثبات الجنائي، كما تظهر الأهمية القصوى للآثار المادية التي يكتشفها المحققون في مسرح الجريمة.
– المطلب الثاني : البصمات
تندرج البصمات ضمن الخطوط التي تكسو أطراف الأصابع وراحة اليد، وهي تختلف اختلافا لا حد له حسب اختلاف الأشخاص.
وهذه البصمات إذا ما لامست جسما من الأجسام، إلا وتركت عليها آثارها، وهذا راجع أساسا إلى تكوين بشرة الجلد المغطاة بطبقة دهنية خفيفة من إفرازات العرق.
ولمعرفة البصمات في مكان الجريمة، فالأمر يوجب معرفة مكان وكيفية دخول الجاني وخرجه، وكذلك فحص جميع الأشياء التي من المحتمل أن يكون الجاني قد لامسها أو نقلها من مكانها الأصلي.
والبصمات قد تكون ظاهرية، حيث يمكن أ، يراها الخبير بالعين المجردة عند معاينة مكان الحادث، أو خفية، والتي لا يمكن إظهارها إلا باستعمال مواد كيماوية على شكل مسحوق أو سائل.
وقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى للبصمة وأهميتها من خلال قوله تعالى : ((أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه)) صدق مولانا الكريم، والبنان هو نهاية الأصبع، وتنقسم البصمات إلى عدة أنواع:
أ – بصمة الرائحة:
لكل إنسان بصمة الرائحة المميزة له عن سائر البشر، حيث يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: ((ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون)) صدق الله العظيم.
من هنا تم استغلال هذه البصمة المميزة في تتبع آثار أي شخص معين. وأبرز مثال على ذلك، الكلاب التي تستطيع بعد شم ملايين من البشر أن تخرج الشخص المعين من بين آلاف البشر.
ب – بصمة الشفاه :
وهي تلك العضلات القرمزية التي كثيرا ما تغنى بها الشعراء، وقد ثبت أن لبصمة الشفاه صفة مميزة لدرجة أنه لا يختلف اثنان فيها. ويتم أخذ بصمة الشفاه بواسطة جهاز به حبر غير مرئي، حيث يتم الضغط على شفاه الشخص بعد أن يوضع عليها ورق من نوع النحاس فتطبع عليه البصمة.
وتعتبر هذه البصمة من وسائل الإثبات ذات الفعالية الكبرى، وأكبر دليل على ذلك هو تمكن الخبراء من التعرف على الأشخاص بواسطة عقب سجارة.
ج – بصمة العين:
لقد عملت إحدى الشركات الأمريكية لصناعة الأجهزة الطبية على ابتكار بصمة العين، حيث أكدت الشركة أنه لا توجد عينان متشابهتان في كل شيء، ويتم أخذ هذه البصمة عن طريق النظر في عدسة الجهاز الذي يقوم بدوره بالتقاط صورة لشبكة العين، وعند الاشتباه في أي شخص، يتم الضغط على زر معين بالجهاز، فتتم مقارنة صورته بالصورة المختزلة في الجهاز.
د – بصمة الأذن:
حيث تعد إحدى أهم البصمات التي يتم الاعتماد عليها في الإثبات، لكن بطريقة معقدة تستوجب تكنولوجيا عالية، وتتميز هذه البصمة بكونها الوحيدة التي لا تتغير منذ ولادة الإنسان وحتى مماته.
وعموما فإن المحاكم الجنائية تعمل على الأخذ بالبصمات كدليل إثبات قاطع بعد أن يثبت لها علميا أن الشك لا يتطرق إليها.
لكن تبقى بعض الحالات يمكن للجاني الفرار من المسؤولية الجنائية، وذلك بالتخلص من آثار البصمات بالحرق، هذا فضلا عن إمكانية إزالتها عن طريق الجراحة.
ولتفادي الأمر، طور باحثون هنديون أسلوبا جديدا للكشف عن بصمة الأصابع باستخدام صيغ كيميائية على شكل بخار تعتمد على صبغات ملونة وغير سامة، وأوضحوا أن مبدأ التقنية الجديدة يتمثل في أن العرق الذي يفرزه الإنسان يحتوي على مكونات غير عضوية وأيونات الكالسيوم، حيث تستخدم الصبغات الفلويتينية فتلمع بصمات الأصابع في الظلام، مما يساعد في الكشف عنها بسهولة، لكن مع اكتشاف البصمة الوراثية ADN، تبددت مخاوف تخلص المجرمين من البصمات، وأصبح التعرف على هوية مرتكبي الجرائم أمرا سهلا.

المبحث الثاني : علم الأسلحة النارية و التشريح
المطلب الاول : علم الاسلحة النارية
تنقسم الأسلحة النارية إلى قسمين: وهي إما أسلحة ذات المأسورة الطويلة كالبنادق، أو أسلحة ذات المأسورة القصيرة.
– فالأولى عبارة عن أسلحة أوتوماتيكية تعمر بخرطوش من ظرف نحاس ورصاصة مغلقة بغلاف نحاس طرفها الأمامي مدبدب، لها خزانة تتسع إلى عدة رصاصات حسب نوع وطراز البندقية، وهناك نوع آخر يعمر بكمية من البارود.
– أما الثانية، فهي عبارة عن أسلحة تطلق رصاصة واحدة في دفعة المسدس أو الطبنجات الأوتوماتيكية التي تعمل بخرطوش نحاس به رصاصة مغلقة بنيكل أو نحاس ومزودة بجزيئية على شكل مشط.
*تقدير مسافة الإطلاق:
لتقدير مسافة الإطلاق، أو التي أطلق منها العيار الناري، يتم فحص فتحة الدخول سواء بالملابس أو بالجسم، حيث يختلف شكلها باختلاف المسافة التي أطلق منها العيار، ويتم فحص الآلة ونوع البارود المستعمل كذلك، مما يمكن من تقدير تاريخ حدوث الإصابات النارية، وذلك عن طريق مشاهدة الجروح من حيث التهابها وتقيحها والنظر إلى طبيعة الأجزاء أو الأحشاء التي أصيبت، ومعانة النزيف، وبعد ذلك يتم تقدير المدة التي مضت من وقت حصول الإصابة إلى حدوث الوفاة.
وللتأكد أكثر يتم تصوير محل الإصابة بواسطة الأشعة تحت الحمراء، فتظهر كمية البارود والدخان. فتحديد المسافة إذن له أهمية بالغة في الحوادث، خاصة تلك التي يشك فيها أنها انتحار. فوجود البارود والدخان على يد القتيل بجانب شكل الجرح واتجاه الفلقة يشكل دليلا قاطعا على أن الضحية قد انتحرت.
وأخيرا، لمعرفة الوقت الذي مضى على استخدام السلاح، يتم شم رائحة البارود من فوهة مأسورة السلاح، فإذا كانت الرائحة قوية، أمكن القول بأن السلاح لم يمض على استخدامه إلا وقت قصير. أما إذا لم يجد أثر لرائحة البارود يتم إجراء اختبار كيميائي على محتوى الطلق الناري، وذلك عن طريق تحليل دخان البارود الذي بقي في مأسورة البندقية عند خروج الطلق أو داخل الظرف الفارغ.
– المطلب الثاني :تشريح الجثث
يعد التشريح من أهم أعمال الطب الشرعي التي يتوقف عليها في كثير من حالات إثبات الجريمة، فالخبير يساعد القاضي في معرفة سبب الوفاة، والوسيلة التي استخدمت في إحداث الجريمة، والزمن الذي انقضى على وقوع الحادث، وكذلك طبيعة الجروح والإصابات التي توجد بالجثة.
وتشريح الجثة يقوم على مبادئ وإجراءات ضرورية.
ذلك لا تشرح الجثة إلا لأغراض الطب الشرعي، وبناء على انتداب شفوي أو كتابي، وبمجرد وصول هذا الانتداب يسرع الطبيب الشرعي إلى مكان الجثة وذلك مخافة ضياع المعالم التي قد تفيده في معرفة سبب الوفاة، ويتم تشريح الجثث أثناء النهار فقط مع اختيار الطبيب مكانا مناسبا للتشريح يتخلله الهواء وضوء الشمس.
وتجدر الإشارة إلى ضرورة حضور الضبط المحقق لعملية التشريح لاسيما في حوادث القتل، كما ينبغي عمل تشريح كامل ومستوفي، فالأمر يقتضي فتح ثلاثة تجاويف كبرى على الأقل، ولو كان سبب الوفاة جليا.
ان تقدم المجتمعات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية و العلمية و الثقافية و السياسية يؤدي الى تطور الوسائل التقنية في ارتكاب الفعل الجرمي، لذلك عملت التشريعات الحديثة على تطوير وسائل البحث من اجل الوصول الى الحقيقة التي تكون شوكة في بحر أزرق ولهذا فهو يعمل على التصدي لها بكل ماهو ضروري.

إعداد:ذ/العمري المفضل”باحث في المجال القانوني وتوضيب فريق عمل موقع “المعلومة القانونية”


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة

ملخص الدراسة حول الولوج إلى العدالة والمحاكمة العادلة تقديم تندرج هذه الدراسة في إطار رسالة ...